|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 04:43 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ الفصل السابع إخفاق مشاريع المصالحات المغاربية 1 ـ الاعتراضات والتحفظات على الإصلاح برز في مختلف المراحل الانتقالية التي مرت بها مجتمعات مأزومة تياران في التعاطي مع هذه الأزمات، التي عادة ما تكون شاملة، أي تمس البنيان الكامل للمجتمع. الأول :التيار الثوري الذي يدعو إلى التغيير الراديكالي، مستلهما فلسفته السياسية من روح الثورات التي شهدها العالم خلال القرنين الماضيين، أي منذ بداية الثورة الفرنسية التي دشنت فتحا ً جديدا ً في تاريخ البشرية، ومرورا ً بثورات القرن العشرين التحررية. الثاني: التيار الإصلاحي الساعي إلى إحداث التغيير في المجتمع بشكل تدريجي. وقد عرفت منطقة المغرب العربي منذ مرحلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، وفي ظل الدول الوطنية الفتية التي تشكلت بعد إنجاز مرحلة الاستقلال السياسي، نفس التيارين، الراديكالي (الثوري) والمعتدل(الإصلاحي)، على اختلاف مرجعياتهما الأيديولوجية والسياسية.وقد لجأ التيار الأول إلى أساليب العنف، والاضرابات والمظاهرات ومقالات التهييج والخطب المثيرة، بينما لجأ الثاني إلى أساليب النضال السلمية، واعتمد الإصلاح فلسفة في منهجه السياسي. وفي الواقع التاريخي المغاربي الذي كان يعج بالثورات الوطنية الشعبية والإنقلابات العسكرية، لم تشكل الديمقراطية مطلبا ً شعبيا ً، ولم توجد قوى وشرائح اجتماعية منظمة ومؤثرة ومعبأة ومهيأة نفسيا ً وإيديولوجيا ً لكي تطالب وتكافح من أجل تطبيق المفاهيم الليبرالية. فالتيار الثقافي والفكري الذي هيمن على الساحة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية السبعينيات، هو التيار الماركسي اللينيني الذي اتجه بتصميم إرادي وعناد نحو إلغاء فكرة النظام الديمقراطي.وكان الوعي السائد لدى النخبة السياسية الصاعدة أن الديمقراطية الليبرالية مرتبطة بالهيمنة الإمبريالية الغربية.و الحال هذه ساد في البلاد المغاربية نموذج الدولة التسلطية التي وأدت الديمقراطية الليبرالية، وهي لا تزال طفلة تحبو. ومنذ انتصار الثورة المحافظة في الغرب مع مجيء تاتشر وريغان، تبدل المناخ العالمي، وأصبحت الديمقراطية بمفهومها الليبرالي أيديولوجية مهيمنة ومطلبا ً شعبيا ً جارفا ً لا يمكن الوقوف بوجهه ورفضه. ولم تسلم المنطقة العربية من شظايا هذه الأيديولوجيا التي استعمرت المخيلة الإنسانية منذ سقوط جدار برلين وانهيار المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي. وانتهجت السلطات المغاربية سياسة "مكيافيلية" رديئة، حين تبنت وشرعت في تطبيق برامج الإصلاحات الهيكلية المفروضة من جانب المؤسسات المالية الدولية، لاسيما صندوق النقد الدولي في محاولة منها لامتصاص الغضب الشعبي وتقنيته. ولكنها بالمقابل رفضت الانخراط في مشروع الإصلاح الديمقراطي على صعيد الداخلي، لاعبة على الأسطوانة القديمة فيما يتعلق بالأخطار التي يمكن أن تترتب على تطبيق مفاهيم الديمقراطية في المجتمعات العربية، لأنها ستعبد الطريق لوصول الإسلاميين الأصوليين إلى السلطة. ومنذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، والاحتلال الأمريكي للعراق، ما انفكت عدة قوى سياسية متنامية في العالم العربي عامة، والمغرب العربي خاصة تطالب بضرورة إنجاز الإصلاح الديمقراطي لمواجهة الإصلاحات الأمريكية المفروضة من الخارج، واعتماده منهجا ً سياسيا ً لإخراج المنطقة من الأزمة والبؤس والاستبداد، والتقدم على طريق الديمقراطية. ويقول هشام بن عبد الله العلوي(ابن عم الملك المغربي ) في هذا الصدد إن احتلال العراق حرّك نزاعات جغرافية سياسية حادة في الشرق الأدنى وخارجه، منها ديناميكية الديمقرطة والإصلاح التي بدأت في العالم العربي، والتي تدّعي الولايات المتحدة أن لها الفضل بإطلاقها. وهذا الادعاء المتأخر يعتمد على الانتخابات العراقية والأحداث الأخيرة التي شهدتها الساحة اللبنانية. ويبدو الواقع أكثر تعقيداً: فالسياسة الأميركية المتناقضة في انعكاساتها تشكل واحداً من ثلاثة خيارات محتملة للتغيير، وذلك إلى جانب ما يمكن وصفه بـ " السياسة الإسلامية" و بالـ " تقدمية المحلية"(1). ولاتزال الدعوة إلى الإصلاح السياسي التي أطلقتها القوى السياسية والشخصيات الفكرية والثقافية على تنوع إنتماءاتها في العالم العربي ـ تشغل إهتمام الباحثين والمفكرين بسيل من القضايا والإشكاليات التي تتصدرها إمكانية ولادة تيار إصلاحي ديمقراطي مستنير ومعتدل يستطيع التفاعل بإيجابية مع تحديات ومجريات الواقع المعاصر وفي القلب منها المسألة الديمقراطية، وما يتفرع عنها من أهمية الوعي بثقافة حقوق الإنسان، ودور المجتمع المدني العربي الوليد في تحقيق الديمقراطية. وفي السنوات الأخيرة عقدت عدة ندوات فكرية، شارك فيها باحثون ومفكرون لهم تجربة غنية بالفكر وخبرة سياسية عملية ومساعي ديمقراطية معروفة، ومتحفظون ومعترضون على الديمقراطية، لتقديم مقاربات حول إشكاليات الإصلاح السياسي، بهدف نقل الحوار حول الإصلاح في البلاد العربية خطوة إلى الأمام على طريق تأسيس أرضية فكرية سياسية مشتركة لتأصيل الديمقراطية في الحياة السياسية العربية دون تعد على ضوابط نظام الحكم الديمقراطي ومبادئه العامة المشتركة، ودون تضحية بثوابت الأمة ومصالحها الحيوية. واحتلت قضية المصالحة الوطنية ولا تزال موقعا ًمركزيا ً في النقاش والحراك السياسيين في العالم العربي للسنوات القليلة الماضية. وفي جميع الحالات التي طرحت فيها قضية المصالحة هذه، لم يكن الأمر يتعلق ـ كما كان من الممكن أن نتوقع ـ بعملية رأب الصدع بين تيارات أهلية متنازعة أو بين قطاعات متنابذة من الرأي العام وإنما بين أصحاب الدولة الذين أصبحوا طبقة متميزة تحتكر السلطة والثروة والمعرفة معا ً من جهة، والشعب الذي يجمع بين جميع الطبقات الأخرى ويوحد في ما بينها في شروط الهامشية والهشاشة والتبعية من جهة ثانية.ويعكس ترديد هذا الشعار في أكثر من بلد عربي وتحوله إلى شعار مركزي، إذاً القطيعة المتزايدة بين الدولة والمجتمع. وأصل هذه القطيعة ليست حربا ًأو نزاعا ًتاريخيا ً واعيا ً ولكن طبيعة العلاقة الشاذة التي نشأت بسبب عوامل داخلية وخارجية عديدة بين الفئات الحاكمة والشعب بمجموعه، فسمحت للأولى بوضع اليد بشكل لا قانوني ولا شرعي على موارد البلاد المادية والمعنوية، ودفعت الثاني بما يضمه من الطبقات والفئات والأوساط الشعبية إلى عالم الحرمان والموت البطيىء(2). إن دعوة المصالحة الوطنية من وجهة نظر القوى المعارضة تظل في نظر السلطات المغاربية القائمة ذريعة لقلب الأوضاع وضرب الاستقرار. وليس المنادون بها سوى أدوات واعية أو غير واعية في يد إستراتيجيات الدول الأجنبية، لضرب الوحدة الوطنية. فلا يبرر الظلم والاستبداد وانعدام القانون وسوء الأوضاع المعيشية في نظرها لأي كان تعرية النظام أمام القوى المتربصة به الداخلية والخارجية. وفيما شهدت منطقة المغرب العربي نهاية الحرب الأيديولوجية بين الأحزاب والحركات الإسلامية واليسارية، حيث أن اعتناق فضاء الديمقراطية تطلب من التيارين الإسلامي واليساري إنهاء تحفظ كل منهما على مشاركة التيار الآخر في اللعبة السياسية والاعتراف العلني والصريح بحقه المشروع في المنافسة السلمية من أجل الوصول إلى سدة الحكم، رفضت الدول التسلطية المغاربية، خيار الديمقراطية التعددية الحقيقية الذي يفسح في المجال للنشاط السياسي الشرعي والقانوني من جانب الحركات الإسلامية ذات الوزن الشعبي ـ مثل جماعة العدل والإحسان في المغرب، والجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة في الجزائر، وحركة النهضة في تونس ـ والتخلي عن امتيازاتها ومصالحها التي يؤمنها لهااحتكار السلطة. لاشك أن التعددية السياسية تكسر احتكار النظم المغاربية للدولة والمجتمع، وتفسح في المجال للإسلاميين لإنهاء عزلتهم وإقامتهم الجبرية، وتمنحهم فرصا ً ذهبية ً للعب دور فاعل في الحياة السياسية العربية.و في ظل إنقلاب ميزان القوى على صعيد المعارضة السياسية لمصلحة الإسلاميين بعد أن كان في العقود الماضية لمصلحة اليساريين، أصبحت الحركات الإسلامية أكثر تقبلا للتعددية السياسية والانتخابات العامة، بالرغم من استمرار تحفظها على مفاهيم الديمقراطية الغربية. كما إن نجاحات الإسلاميين المحدودة ناجم عن كونهم الفريق الأساسي الذي يصارع النظم الاستبدادية الضعيفة المشروعية في المغرب العربي. و إذا كان الإسلاميون بدؤوا جديا ً في تحديد مواقفهم المعقدة من قضية الديمقراطية وروافدها المتعددة ـ الحزبية، التعددية السياسية، المواطنة، المساواة القانونية بين الرجل والمرأة،إلا أن هذا التعاطي الإيجابي لا يعني أن الإسلاميين أصبحوا ديمقراطيين أو تخلوا عن تحفظاتهم العديدة عن بعض المفاهيم في الديمقراطية الغربية. 2 ـ مفارقات المصالحة مع الذات في المغرب "شعب لا يتهرب من ماضيه ولا يظل سجين سلبياته، بل يعمل على تحويله إلى مصدر قوة ودينامية لتشييد مجتمع ديمقراطي"، هذه هي الفكرة التي تحكمت في إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة،هل تجد طريقها للتجسيد الفعلي؟ لقد أمر الملك محمد السادس بإنشاء هذه الهيئة في 7 كانون الثاني من العام 2004، التي أعلن رسميا ً عنها في الظهير يوم 12 نيسان/أبريل الماضي. وتعتبر هيئة الإنصاف والمصالحة هيئة وطنية أسستها السلطة التنفيذية في المغرب، ومدتها محددة بسنة. وهي ذات اختصاصات غير قضائية، لا تثير المسؤولية الفردية عن الانتهاكات، ومن مهامها: البحث والتقويم والاحتكام والاقتراح،لأحداث الماضي كلها الممتدة من تاريخ استقلال المغرب عام 1956 ولغاية عام 1999تاريخ رحيل الملك الحسن الثاني. وهي المرحلة التي شهد فيها المغرب انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان التي اتخذت طابعا ً منظما ً ومكثفاًً، ومنها الاختفاءات بالقوة والاعتقالات السياسية، والتعذيب الوحشي بكل تلاوينه. و إذا كان الملك محمد السادس المولود في 21 آب/أغسطس عام 1963، يعتبرأكثرارتياحاً في بدايات حكمه، كونه استفاد من شعبية كبيرة، وأبقي بعيداً عن شؤون الدولة، وهو لم يتورط في أي من مسائل الأمن أو السياسة المحترفة، فإن والده الملك الحسن الثاني(1929 ـ 1999)، المتمتع بشخصية قوية وحكم المغرب بيد من حديد، والذي كان محمد الخامس (جد العاهل الحالي) قد اعتمد عليه وأوكل إليه أمر تسوية بعض القضايا الدقيقة مثل قمع تمرد البربر في الريف في عامي 1958و 1959، قد سحق أو سيطرعلى الساحة السياسية الوطنية أو المجال السياسي، على طريقته.. ثم جاء ابنه أخيرا، الملك محمد السادس، وقد قد ورث نظاما ً سياسيا ً لا تعطي المؤشرات أنه يريد تغييرهو مع كل ذلك، فقد فتح الملك فتحة صغيرة في محيط الظلمات العربي القاتم عبر إيعازه بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة التي أثارت جدلا ً واسعا ً داخل المنظمات الحقوقية حول طريقة عملها والكيفية التي ستقدم بها سنوات الرصاص إلى الرأي العام المغربي. وتتكون هيئة الإنصاف والمصالحة من سبعة عشرة مفوضا ً، غالبيتهم العظمى من المساجين السياسيين السابقين، ويترأسها السجين السياسي المعروف ادريس بنزكري الذي قضى 17 سنة في السجن العسكري في القنيطرة مع السجين السياسي الشهير أبراهام سرفاتي. وقد قدم ما يقارب عشرو ن ملفا إلى هيئة الإنصاف والمصالحة، التي شرعت في عقد أولى جلسات الاستماع العمومية، مساء يوم الثلاثاء 21 كانون الأول 2004 بالرباط، حيث تقدم عدد من ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الفترة ما بين 1956 و1999. وقد بدأت الهيئة بالتعاون مع الاعلام العمومي المغربي (القناة الثانية)، في تقديم أول التحقيقات المرئية والشهادات الحية والمباشرة حول سنوات الرصاص الحالكة، إذ شرعت بتعاون مع القناة المغربية الأولى في منتصف الشهر الحالي في عقد جلسات استماع إلى ضحايا الانتهاكات الجسيمة. وكان الرأي العام المغربي على موعد تاريخي أتاح، لمن كان غير مطلع على صفحات من ماضي الانتهاكات الحقوقية، الاستماع عن كثب لشهادات تخرج لأول مرة للعموم من أفواه أصحابها أو أفواه أناس عايشوا تجارب أقاربهم الضحايا، واكتووا بلظاها. لا شك أن تجربة فتح ملفات انتهاك حقوق الإنسان في المغرب، في جلسات علنية للعموم، وأمام أعين الصحافة الوطنية والأجنبية بشتى مشاربها وبثها علنا ً، تعتبر فريدة من نوعها في العالم العربي والإسلامي، مهما اختلفت الآراء بشأنها. ذلك أن الدول التي اختارت نهج هذه التجارب معدودة ومعروفة، تبنت خيار المصالحة لطي صفحة التجاوزات وفتح سجل آخر عبأت لـه وسائل لمنع تكرار ما سبق من انتهاكات. وكانت دولة جنوب إفريقيا التي شكلت لجنة الحقيقة والمصالحة في عام 1998 نموذجا ً يحتذى به على الصعيدالإفريقي، إذ كانت وظيفة اللجنة تتمثل في تقصي الحقائق في جنوب إفريقيا إبان حكم نظام الأبارتايد، وتقديم تقريرها الذي يحدد السبل الكفيلة بتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة. علما أن الجرائم المرتكبة في ظل النظام العنصري السابق لا تزال تشكل تحديا ًأمام المصالحة الكاملة مع الذات. و تبدو هيئة الإنصاف والمصالحة المغربية متواضعة بالمقارنة مع مثيلتها التي تشكلت في جنوب إفريقيا.فالهدف الحقيقي للهيئة المغربية هو معنوي يتمثل في جبر الضرر والمصالحة ورد الاعتبار لضحايا الماضي وأقاربهم بعد أن ينفضوا كل ما تختزله ذاكرتهم المثخنة بالجراح وطي صفحة الماضي، وهو ما أشار إليه إدريس بن زكري، رئيس الهيئة، في كلمة افتتاح للجلسات، إذ قال: "إن تنصيب جلالة الملك محمد السادس للهيئة نابع من صميم قناعة جلالته بقدرة الشعب المغربي وأحقيته في المشاركة الفاعلة في مسلسل تسوية نزاعات الماضي وفتح طرق المصارحة السياسية والاجتماعية". أما مسألة الإدلاء العلني بأسماء الجلادين الذين عذبوا المساجين السياسيين ومحاسبةالأجهزة الأمنية والعسكرية ـ التي أشرفت على الاعتقال التعسفي والاختطاف القسري والمحكامة اللاقانونية والسجن مع التعذيب المادي والنفسي للمناضلين السياسيين ـ فقد حسم أمرها، قبل بدء الجلسات، بعدم الخوض فيها، ذلك أنها تتعارض والمقاربة المغربية في ملف طي صفحة الانتهاكات، التي تستند إلى عدالة انتقالية تتوخى طي الصفحة من منظور شامل يرد الاعتبار للضحايا، ويتفادى سلوك طريق قد تؤدي لكثير من المنزلقات، حسب رأي بعض الجهات السياسية القريبة من القصر. فما فائدة هذه الهيئة إذا لم تكشف عن المسؤولين الذين ارتكبواهذه الجرائم الوحشية والبربرية التي تفوق كل خيال وتكاد لا توصف، خاصة في المعتقل السري "تازمامرت" وسط شرقي المغرب؟.ففي نظر الآلا َف من المساجين السياسيين السابقين، وأطراف من المعارضة المغربية، الخوف لا يزال قائما ً، لأن التغيرات التي حصلت في المغرب ليست بتلك التغيرات الراديكالية التي تجسد القطيعة مع الماضي، بل هي جزئية ومتدرجة، فضلا ً عن أن هيئة الإنصاف والمصالحة تبقى هيئة غير شعبية بتاتا ً. لذلك يعتبرهؤلاء المناضلون الديمقراطيون، أن المشاركة في أعمالها تنازل كبير جدا في ظل عدم محاسبة الأجهزة الأمنية المسؤولة هذه، وظلوا متمسمرين في مواقفهم المتصلبة من عقود الديكتاتورية التي عاشها المغرب. وللأسف الشديد لا تزال الأجهزة الأمنية والعسكرية تمارس أساليب العمل السابقة. و مايزيد من بقاء حالة الخوف والانقباض عند هؤلاء، هو أن المخزن الذي يمثل السلطة التقليدية في المغرب، والذي تأسس تاريخيا على مراكمة الثروة، لا يزال قائما ً. ومهما تباينت الآراء حول هيئة الإنصاف والمصالحة، فإن المحللين الإستراتيجيين في العالم العربي، وفي الغرب، يعتبرون أن أعمال هذه الهيئة بقدر ما تشكل خطوة صغيرة على طريق الدرب الطويل لتجسيد ثقافة حقوق الإنسان فكرا وممارسة، إلا أنها لا تستطيع أن تكمد جروح الماضي الديكتاتوري للمغرب. ومن هنا، فهم يطرحون التساؤلين لكبيرين اللذين قد يؤثران في عمل الهيئة، وهما: 1- مع من سيتصالح المغاربة حول الماضي، وكيف يتم حل إشكالية الربط بين الماضي والمستقبل، وبالتالي تصفية الماضي الديكتاتوري ؟ 2- كيف تستطيع الهيئة تسريب الثقة ونزع الخوف وإعطاء ضمانات للمغاربة حول عدم إمكانية عودة المخزن الى ممارسات سنوات الرصاص عينها؟ في المغرب، يبد وأن الأجهزة الأمنية لم تتعلم شيئا ً، أو بالأحرى لم تنس شيئا ً من أساليبهاالسابقة: المعاملة السيئة، والتعذيب، والاعتقال في أماكن سرية في تامارا، قرب الرباط، والمحاكمات السياسية غير العادلة، منذ أحداث الدار البيضاء في أيار/مايو 2003. وبعد أن غاب شبح اليسار والشيوعية، هاهو شبح الأصولية الإسلامية يطل برأسه لكي يستخدمه أعضاء الأجهزة الأمنية من أجل تبرير الجرائم وعمليات التعذيب والخطف والتعديات على الكرامة الإنسانية. وتبدو لجنة العدل والمصالحة إزاء خيار رئيسي. فبعد التجربة التنفيسيّة، سوف يكون عليها الكشف عن العناصر الناقصة في التركيبة المعقّدة (بازل) لتاريخ أعمال التعذيب في زمن الملك الحسن الثاني. غير أن ديناميّة هذا المسار في طورها التجريبيّ ما تزال هشّة. فالنظام الجديد قد جعل منها واجهة استغلال إعلاميّة دوليّة، ووسيلة لتهدئة مجتمع في حالة من الغليان الشديد. ولذلك يبدو أنه لم يتخلَّ عن ممارساته الامنية والقمعية، كما يُمكن تبيّنه بعد اعتداءات 16 أيار/مايو عام 2003. فانتهاكات حقوق الانسان، وعدالة التصفية في حق الاسلاميين الموقوفين منذ حملات المداهمة التي جرت في العام 2003، والتعاون مع الأجهزة الأميركية في مشروعها السرّي لالتزام أعمال تعذيب معتقلي غوانتانامو، هي من الأمثلة العديدة على التراجع الذي يلجم اندفاعة آلية المصالحة. فالنواة الصلبة في الحكم لم تتأثّر بعد بعملية "التحوّل الديمقراطية" التي يتأخّر تحقّقها منذ وفاة الملك الحسن الثاني، وقد مضى على ذلك حوالى خمسة أعوام(3). إن حقيقة المصالحة الوطنية هي تلك التي تقوم على إستراتيجية بناء دولة الحق والقانون والمجتمع المدني الحديث. أما في ظل عدم إنتقال المغرب إلى مثل هذا الطور من الحداثة السياسية، التي قوامها بناء ديمقراطية سياسية تكون السيادة الفعلية فيها للشعب، وضمان الانتقال السلمي للسلطة، فهذا يعني أن العدالة مستباحة. وهذا ما يجعل المصالحة في المغرب أمرا ً مستحيلا ً. وما يزيد تدعيم هذا التحليل أن صورة الملك محمد السادس بدأت تبتعد عن الصورة الوردية المعروفة عنه. فهذا الملك الذي ظهر في بداية عهده كرجل متزن وهادىء، وديمقراطي في الصميم، أصبحت صورته مناقضة تماما ً للملك الغريب الأطوار والغامض، والشحيح، خاصة حرصه الشديد على ضمان نمط حياته الملكية في حال نفيه. هكذا، وبعكس ما كان يمكن توقعه من ملك "حديث" لم يتخلَّ محمد السادس عن الشكليات والممارسات القديمة باستثناء لافت في زواجه. و يبقى أن أعظم جرائم النظام الديكتاتوري السابق تقع في الحقل الاقتصادي، حيث معدلات التفاوتات الاجتماعية قياسية مقارنة مع العالم أجمع، في ظل وجود طبقة سياسية مسيطرة، ورجال مال وأعمال يساندون الديكتاتورية،¸و يساهمون في تعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء. وهنا أيضا يدور اختبار حقيقي للمصالحة في المغرب. " فملك الفقراء ليس ملكا ًفقيرا ً" حسب وصف وزير الخارجية الفرنسي السابق ميشال جوبير، الذي ينتقد محافظته على جهاز أمني حاضر وقوي. وفضلا ً عن كل ذلك، يتقاضى الملك محمد السادس راتبا ً بقيمة 36000 يورو شهريا ً، وهو ما يعادل (4,32000 مليون يورو سنويا ً).و هذا الراتب لا يشكل سوى جزء بسيط من "القائمة المدنية " لمصاريف القصر، التي تبلغ 210 مليون يورو سنويا ً، حسب آخر تقرير نشرته المجلة الأسبوعية المغربية"تيل كيل TEL QUEL ".و تعتبر موازنة القصر، والمصاريف المختلفة المتعلقة به من المحرمات التي لا يجوز الخوض فيها. و مع ذلك تكشف المجلة المغربية المذكورة لأول مرة بعض الحقائق، منها على سبيل المثال، أن عدد الموظفين في مؤسسة القصر هو 1100 شخصا ً. ويوظف الديوان الملكي لوحده 300موظفا مثبتا، يتصدرهم " مستشاري الملك"، إذ إن رواتبهم نجدها " مساعرة نقديا ً لأعضاء الحكومة".و تبلغ تكاليف صيانة القصور، والحفلات في المناسبات،والزيارات الملكية 163 مليون يورو سنويا ً. وتبلغ المصاريف الأخرى على النحو التالي: فواتير الوقود 6 مليون يورو، فواتير الكهربا ءحوالي 5 مليون يورو، فواتير الماء 4 مليون يورو، شراء الملابس 2 مليون يورو. فهل أن "ملك الفقراء" قد أصبح ملك الأغنياء؟ إن الملك يدافع عن نفسه في ذلك. والسؤال الذي يطرحه المحللون: هل أن على الملك أن يتدخل في كل الأمور؟ أليس في هذا خطر بروز انعكاسات مكلفة جداً؟ أليس من الأفضل لـه أن يترك مسافة ويتخذ لنفسه موقع الحكم، فيعمل على إعادة الاعتبار إلى الطبقة السياسية التي بدونها لا يمكن تحقيق أي شيء؟ إن الكراهية واللامبالاة اللتين تتسبب بهما هذه الطبقة، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى موقف القصر منذ عقود، لا يمكن إلا أن تفيد المتطرفين. وهذا التحقير لم يعد مقبولا ًً إلا إذا كان المطلوب تقليص الحياة السياسية إلى أدنى أشكالها التعبيرية(4). ويعتبر الأمير مولاي هشام ابن عم الملك محمد السادس، وأحد المدافعين عن "إعادة تأسيس الديمقراطية "في المملكة المغربية، "أن الديمقراطية والقداسة لا يمكن التوفيق بينهما"، و"هذه هي إشكالية النظام السياسي المغربي".و في تعليقه على عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، وإدلاء المساجين السياسيين بشهاداتهم عن سنوات الرصاص أمام أجهزة الإعلام، قال: يوجد الآن في المغرب" رغبة في تجزئة إرث الملك الحسن الثاني إلى "جيد " و"سيىء".و بينما يستخدم " الجيد" كقاعدة مريحة ورصينة تقوم عليها الملكية، فإن "السيىء" هو الذي نهاجمه، من دون تسميته أبدا ً، من أجل بناء شرعية للحكم الجديد". ولا يزال العديد من المسؤولين الذين مارسوا القمع خلال العقود الماضية في مناصبهم، وبعض أركان النظام الحالي متّهمون بقوّة في ما يتعلّق بأعمال الابتزاز التي مُورست في تلك الحقبة. وإذا ما تسارعت مسيرة الكشف، واسترسلت الألسن فعلاً، فلسوف يكون على الأسرة المالكة نفسها الاعتراف بمسؤولياتها الخاصة. وإذا لم يتحرّر الملك محمد السادس مؤسّساتيّاً من ثقل سنوات الحسن الثاني، قاطعاً حبل السرّة الذي ما يزال يربطه بالنظام السابق، وذلك عبر إطلاق ورشة لاصلاحات سياسية جديدة، فإن أزمة سياسية كبيرة تلوح حكماً في الأفق. وستشكّل إشارة الانطلاق لإعلان فشل المغرب في السير نهائياً على طريق الديموقراطية(5). وعلى الصعيد الأمني فإن القسوة التي عومل بها الصحفي علي المرابط، الذي حكم بالسجن لخمس سنوات لـ"تجريحه بشخص الملك" (بسبب كاريكاتور اعتبر "مهيناً") كان لـه تأثير كارثي على سمعة المملكة(6). وهنا أيضاً تطلب الأمر تدخل السيد كولن باول قبل إنجاز اتفاق التبادل الحر من أجل وضع حد لتشبث السلطات المغربية التي أطلقت في النهاية الصحفي في 7 كانون الثاني/يناير عام 2004. وبعد أيام من اعتداءات 16 أيار/مايو عام 2003 في الدار البيضاء والتي سقط فيها 45 قتيلاً منهم اثني عشر من الإسلاميين، جاء اعتماد قانون مكافحة الإرهاب الذي لم يطمئن لا منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان(7) ولا شركاء المغرب المعهودين في أوروبا. فهذا القانون، الذي حدد الإرهاب بطريقة مبهمة، فتح الباب أمام مختلف التأويلات. ولأنه يعطي الكثير من التسهيلات لرجال الشرطة فقد اعتبره كثير من رجال القانون خطيراً بقدر ما هو مبالغ فيه. وقد أكد وزير العدل السيد محمد بوزوبع أنه تم، منذ بدء العمل بهذا القانون تجريم 2112 شخصاً... وهو رقم لا يأخذ في الاعتبار لا الاستجوابات التي لا حصر لها والعنيفة إلى حد ما ولا سوء المعاملة المعممة(8). أما السيد "باتريك بودوان"، رئيس الشرف للاتحاد الدولي لجمعيات حقوق الإنسان، فانه إذ يستنكر "منطق القمع والانتقام" لا يتردد في الكلام على "عدالة المذابح"(9). ومن أجل تبرير العودة بقوة إلى هذه الممارسات القمعية يوضح الملك محمد السادس أن "عصر التسامح" قد ولى وأنه آن الأوان من أجل "مواجهة الرعونة وأولئك الذين يجهدون لكي يمنعوا سلطات الدولة والقضاء من السهر على حماية سلامة الأشخاص والممتلكات وأمنهم(10). في حديث أدلى به الملك محمد السادس إلى صحيفة "لو فيغارو" الفرنسية، في آذار/مارس عام 2001، صرّح جلالته في الخصوص أنه من حقّ أسرة بن بركة أن تعرف كلّ الحقيقة حول اختفاء هذا المعارض السياسي في باريس في 29 تشرين الأول/أكتوبر عام 1965. وبعد أسابيع، وبأسلم الطرق الشرعية، قام الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية (USFP) بتقديم التماس "للمطالبة بالحقيقة" حول هذه القضية الى لجنة العدل والمصالحة. إلا أن المبادرة الأقوى والأكثر تميّزاً برمزيتها، كانت دون منازع الزيارة التي قامت بها الى مقرّ لجنة العدل والمصالحة أسرة مهدي بن بركة، ممثّلة بولديه منصور وبشير، يرافقهما نقيب محامي الرباط ومحامي العائلة السيدة موريس بوتان(11). وفي هذا اللقاء، لم يوفّر السيد بشير بن بركة وسيلة، معتبراً على الأخصّ أنّ عمل هيئة الإنصاف والمصالحة يشكّل مساهمة إيجابية لتسوية مسألة انتهاك حقوق الانسان الفادحة، ومسألة الحفاظ على الذاكرة الجماعية لدى الشعب المغربي. وقد اعتبر أن صلاحيات لجنة العدل والمصالحة، المتعلّقة بعمليات الخطف بالقوّة، تنطبق بطبيعة الحال على حالة مهدي بن بركة. قضية بن بركة تخرج من النفق المظلم لم يتسن للشهيد مهدي بن بركة الذي خاض الكفاح التحرري ضد المستعمر الفرنسي في المغرب أن يكون رجل دولة في بلاده المستقلة، على نقيض الجنرال محمد أو فقير الذي كان في تلك الفترة جنديا ً في الجيش الفرنسي يحارب في الهند الصينية وغيرها، وأسندت إليه وزارة الداخلية سنة 1962، قبل أن يصبح الرجل الثاني القوي في الدولة المغربية بل ويفكر في التحول إلى الرجل الأول، عندما تبين أنه وراء محاولتين انقلابيتين استهدفتا القصر الملكي في 1971 و1972. وعندما تولى الملك الراحل الحسن الثاني العرش على أثر وفاة والده ملك الاستقلال محمد الخامس في أذار/ مارس 1961، شيّد القمع المسلط على القوى الوطنية والديمقراطية المغربية خصوصاً في فترة 1963 ـ 1965، بسبب ما يسمى آنذاك بـ "مؤامرة " الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (تموز 1963 ) واندلاع حرب الحدود بين الجزائر والمغرب في العام عينه، وعمليات التزوير التي شهدتها الانتخابات التشريعية في أيار/مايو 1963. وكان المهدي بن بركة المعارض العنيد لنظام الحسن الثاني، و" دينامو " اليسار المغربي يعيش في المنفى منذ عام 1963، بعد أن حكم عليه بالإعدام مرتين في المملكة المغربية، وأصبح " وكيل ثورة متجول " حسب تعبير جون لاكواتير. إنه يتنقل بين كل العواصم التقدمية في العالم الثالث , من الجزائر إلى القاهرة، مروراً بهافانا. ويروي الضابط السابق أحمد البخاري الذي كان يعمل في المقسم التليفوني في جهاز مخابرات سري، كيف أن جهاز الاستخبارات " الكاب 1 " هو المسؤول عن تصفية المعارض المهدي بن بركة عندما تم اختطاف هذا الأخير أمام " براسيري ليب " الكائنة في جادة سان جرمان في باريس، من قبل عميلين سريين من المخابرات الفرنسية هما " روجيه فويتوت، ولويس سوشون "، اللذين يعملان في شرطة مكافحة المخدرات، ويعملان أيضاً في أجهزة المخابرات المغربية السرية من أجل اختطاف المعارض بن بركة. غير أنه في هذه المرة، عندما صعد مهدي بن بركة بمحض إرادته في سيارة بيجو 403 التابعة لقسم الشرطة، مثبت إلى الخلف بين " فويتوت " ومجرم آخر محكوم عليه سابقاً واسمه " جوليان ليني "، أحد المجرمين الأربعة الذين شاركوا في الاختطاف أيضاً , يبحر بن بركة في آخر رحلة له. فـ " المهمة منجزة "، والطرد جاهز للشحن، هذه هي المدونة باختصار، التي أملاها رئيس قسم مكافحة التخريب محمد عشعاشي إلى مرؤوسيه في الرباط، الجنرال أوفقير، والرائد أحمد الدليمي. فالأول هو الذراع الأيمن للملك، ووزير داخليته، ومدير الأمن الوطني، ورئيس أجهزة المخابرات الخاصة " الكاب 1 "، أما الثاني فهو نائب الجنرال أوفقير. وبالنسبة لرؤساء " الكاب 1" كما لكل فريقهم , تخص الرسالة المقتضبة القادمة من باريس العملية الأكثر طموحاً التي تحققت إلى حد الآن، إنه نصر كبير بعد سبعة أشهر من تتبع تحركات المهدي بن بركة عبر العالم. وكان قرار الاختطاف قد اتخذ من قبل الملك الراحل الحسن الثاني في اجتماع خاص ضم رؤساء أجهزة المخابرات في القصر يوم 25 آذار / مارس 1965، ثالث وآخر يوم من الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في الدار البيضاء في 23 آذار/مارس، وذهب ضحيتها المئات من القتلى. ومن بين الذين شاركوا في الاختطاف عميلان مغربيان هما محمد حليم وحسن بن يوسف ركبا نفس الطائرة مع بن بركة من جنيف إلى باريس يوم 29 أكتوبر 1965، وثلاثة عملاء مغاربة سريين كانوا في قاعة الانتظار بمطار أورلي هم: محمد بتسين، وعبد القادر درفوفي، ورجل ثالث اسمه " الشتوكي " وهو اسم مستعار للضابط ميلود التونسي. وقد وصل المختطف بن بركة إلى ضاحية باريس الجنوبية " فونتيناي لوفيكومت "، واستقر في فيلا يملكها جورج بوشيسيش، وهو رئيس عصابة المجرمين ومعروف عنه أنه كان يعمل لمصلحة الغيستابو الفرنسي، وأسهم بعد التحرير في إنشاء جهاز المخابرات الفرنسي لمكافحة التجسس، وأصبح يعيش لاحقاً في شيخوخة ملؤها النعيم في المغرب. وفي هذه الفيلا، اكتشف بن بركة أربعة وجوه لأشخاص يعملون في جهاز " الكاب 1"، هم: محمد عشعاشي وأخوه الكبير عبد الحق، وعبد القادر الصاك الذي روى البخاري أنه من كشف لـه ملابسات استنطاق بن بركة ومقتله في باريس، ومحمد مسناوي، وكذلك الممرض الحسوني الذي حقنه بجرعة قوية قد تكون أدت إلى وفاته. وقد عذب بن بركة تعذيباً وحشياً على أيدي الجنرال الراحل محمد أوفقير ومساعده الرائد أحمد الدليمي، اللذان جاءا خصيصاً إلى باريس على متن طائرة خاصة. ويقول أحمد البخاري أن جثة بن بركة نقلت في طائرة عسكرية من باريس إلى دار المقري في الرباط، حيث ذوبت هناك في حوض من الأسيد، وهو أمر قال سياسيون مغاربة وفرنسيون أنه يتطلب بالضرورة تواطؤ مسؤولين فرنسيين سمحوا للطائرة بالإقلاع من باريس. وفي نطاق هذا التواطؤ بين أجهزة المخابرات المغربية والفرنسية، إن لم نقل بين رجال السياسة على أعلى مستوى في كلا الدولتين الفرنسية والمغربية، تم عقد الاتفاق السري في " قضية بن بركة "، لأن جريمة الدولة التي اقترفها المغرب على الأراضي الفرنسية أصبحت جريمة دول بالمعنى الجماعي، تورطت فيها فرنسا وحتى الولايات المتحدة الأميركية. وفي ظل المناخ السياسي الدولي الراهن تعتبر تلك الجريمة ضد الزعيم بن بركة بمنزلة عمل إرهابي يعاقب عليه القاون الدولي. وأول أجنبي يعلم أن جثة بن بركة ستنقل إلى المغرب هو العقيد " مارتان " هو اسم مستعار، وهو ضابط أميركي يعمل في وكالة الاستخبارات المركزية، يوم 30تشرين الأول/أكتوبر 1965، أي بعد ساعات قليلة من وفاة بن بركة تحت التعذيب. وكان العقيد " مارتان " وزميلاه " سكوت " و" وستيف " من وكالة الاستخبارات المركزية يعملون في مهمة بناء جهاز المخابرات المغربية منذ عام 1960. وقد أشرف رجال استخبارات أميركيون على تشكيل جهاز " الكاب 1 " وتنظيمه، الذي كان يحتل مبنى في شمال العاصمة الرباط غير بعيد من صومعة حسان، وتحول في وقت لاحق إلى مبنى يتبع وزارة العدل المغربية. وفي بداية السبعينيات أعلن رسمياً في الرباط قيام جهازين للاستخبارات، أحدهما مكلف بالاستخبارات الخارجية والآخر بالاستخبارات الداخلية. وعين الملك الراحل الحسن الثاني مسؤولين رفيعي المستوى للاشراف على الجهازين. ووضع الملك بذلك حداً نهائياً لنشاط جهاز " الكاب 1 " الذي كان يرأسه الجنرال عبد الحق عشعاشي بإشراف الجنرالين محمد أوفقير وأحمد الدليمي، وكانت مهمته تكمن في التصدي لأي محاولة لقلب النظام، لاسيما بعد أحداث 1963 التي حوكم فيها قياديون كانوا ينتسبون إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وتعتبر " دار المقري " معتقلاً رهيباً، إذ يوجد فيه حوض للأسيد منذ نهاية عام 1961، وتم تذويب عشرات المعتقلين فيه. ويقول البخاري بأن العقيد الأميركي " مارتان " هو الذي كلفه بصناعة هذا الحوض، إذ شرح لـه بأن " مغطسة الموت " هذه كانت تستخدم في ايران في الخمسينيات، عندما كان هذا العميل الأميركي الآنف الذكر يعمل في طهران. وتقول صحيفة لوموند الفرنسية في عددها الصادر 1 ـ 2 تموز 2001، أن أحمد الدليمي سلّم الملك الراحل الحسن الثاني نسخة من الفيلم الذي صور فيه طريقة إلقاء جثة المهدي بن بركة الموضوعة في كيس من البلاستيك في حوض الأسيد بحضور كل من أحمد الدليمي نائب رئيس " الكاب 1 "، وميلود التونسي، والياس " الشتوكي "، ومحمد نويني، والممرضين بو بكر الحسوني وهميده. وتضيف لوموند أن الفرنسيين الأربعة الذين ينتمون إلى عالم الإجرام، وشاركوا في اختطاف بن بركة لجؤوا إلى المغرب مباشرة بعد مقتل بن بركة من قبل مسؤولين مغاربة، وهم: جورج بوشيسيش الذي غادر باريس يوم 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1965، وجان باليس، وبياردوباي، وجوليان ليني، وقالت إن هؤلاء المتهمين الرئيسيين كانوا يديرون محلات لبيع الخمور وفنادق للسياحة في المغرب. غير أن عميلاً فرنسياً آخر هو ابن عائلة جورج فيغون المنظر للعصابة، توفي في ظروف غامضة في باريس – وقالت الرواية الفرنسية الرسمية أنه " انتحر " – على أثر إعطائه لمجلة الإكسبريس الفرنسية الصادرة بتاريخ 10 كانون الثاني 1966، معلومات خطيرة يتهم فيها الجنرال أوفقير بقتل المهدي بن بركة، خصوصاً وأنه أفشى بقائمة الأسئلة المحددة التي يعتقد أنها طرحت على المهدي بن بركة بعد اقتياده إلى فيلا في ضواحي باريس، إذ أنها تعتبر شاهداً على الجريمة. وقد اعتقلت المخابرات المغربية كلا من بوشيسيش، ودوباي، وليني، في بداية أذار/مارس 1971 في دار المقري، حيث اختفوا نهائياً في نيسان 1974، لكي يعودوا موتى إلى فرنسا، بوشيسيش في 29 أكتوبر 1976 تاريخ ذكرى اختطاف بن بركة، وليني يوم 14 تشرين الثاني/نوفمبر، ودوباي يوم 16 تشرين الثاني/نوفمبر من العام عينه. أما المجرم الرابع جون باليس فقد توفي في فرنسا في آذار/مارس 1976. وعلى الرغم من قتل هؤلاء الفرنسيين الثلاثة في المغرب، والذين شاركوا في عملية اختطاف بن بركة، إلا أن السلطات الفرنسية لم تحرك ساكناً حول هذا الموضوع. ويجمع المحللون السياسيون للشؤون المغربية أن هؤلاء المجرمين الفرنسيين دفعوا ثمن الصعود القوي للعقيد أحمد الدليمي على حساب الجنرال أوفقير. فبعد فشل محاولة الانقلاب في عام 1972، قام الرجل الثاني في المملكة المغربية العقيد أحمد الدليمي بالتخلص نهائياً من الشهادات المربكة لعملية قتل بن بركة، ثم قام لاحقاً بحل جهاز " الكاب 1 " في عام 1973. لقد أسهمت اعترافات أحمد البخاري عميل المخابرات المغربية، وورود اسم الضابط الأميركي مارتان في كشف " جريمة قتل "، وضيقت الخناق أكثر فأكثر على كل من الرباط من جهة، وباريس وواشنطن من جهة أخرى، لأن المعارض بن بركة كان بصدد إعداد مؤتمر دولي مناهض للولايات المتحدة في هافانا، وكان ينظر إليه بوصفه " مشاكساً " من وجهة نظر واشنطن، خصوصاً في ضوء علاقاته مع الرئيس المصري الراحل عبد الناصر. وهكذا عاد شبح بن بركة يطارد الجميع في المغرب، إذ بدأت عملية نشطة بحثاً عن الحقيقة. فقدم المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي متزعم الائتلاف الحكومي في المغرب شكوى إلى قاضي التحقيق في محكمة الاستئناف بالرباط وذلك على ضوء المعطيات الجديدة التي كشفها العميل البخاري. وإذا كانت جثة بن بركة قد أذيبت في حامض الأسيد، فإن الحقيقة لا يمكن أن تذوب أو تموت بتقادم الزمن، ولا مسؤولية الذين كانوا وراء قتل بن بركة، واختفاء 600 عضو من المعارضة اليسارية واتحادات العمال منذ بداية الستينيات. إن الكشف عن الحقيقة يتطلب اشتراك فرنسا في التحقيق، وإلا فإن قضية بن بركة لن تخرج من النفق المظلم. وهذا ما جعل بشير نجل بن بركة يقول في عام 2001، إن احترام الديمقراطية يفرض على فرنسا رفع السرية عن ملف والدي. واتهم نجل السياسي المغربي الراحل المهدي بن بركة فرنسا والولايات المتحدة، بعرقلة سير التحقيقات في حادث اختطاف وقتل والده عام 1965.وقال بشير بن بركة إن فرنسا كشفت مؤخراً عن عدد من الوثائق ذات القيمة الثانوية المتعلقة باختطاف والده، وطالبها بالكشف عن كل الوثائق الموجودة لدى أجهزة مخابراتها.وأكد أن الولايات المتحدة رفضت الإفراج عن ثلاثة آلاف وثيقة متعلقة بالحادث بزعم أنها تمس الأمن الوطني الأميركي. ووجه بشير اتهامات مماثلة إلى الدولة الصهيونية، وقال إنها من بين الدول التي تعمل على الحيلولة دون الوصول إلى الحقيقة بسبب صلات والده بالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وما عرف عنه بتصديه للصهاينة بالمحافل الدولية. كما اتهم بن بركة السلطات المغربية بعدم التعاون مع القاضي الفرنسي الذي يحقق في هذه القضية.وقال بشير إن تحرك القاضي الفرنسي جاء في إطار إنابة قضائية دولية هي الخامسة في سلسلة إنابات حركتها عائلة بن بركة بدءاً من عام 1999. قد واجه قاضي التحقيق الفرنسي باتريك رامييل صعوبات وعراقيل أثناء أداء مهمته. فعندما طالب باتريك الاستماع للشهود المغاربة، قال لـه قاضي التحقيق المغربي جمال سرحان، أن ليس لـه علم بعناوينهم، إضافة إلى أنه يجهل مكان المعتقل الملقب (المركز الثابت رقم ثلاثة) الموجود في إحدى ضواحي العاصمة الرباط، والذي من المفترض ان يكون هو المعتقل السري الذي دفنت فيه جثة ابن بركة. وقد تضمنت الإنابة القضائية الأخيرة أسماء شخصيات مغربية تتهمها عائلة بن بركة بأنها على علاقة بعملية الاغتيال بحكم مواقعهم السابقة، وهم رئيس الدرك الملكي وقت حادث الاختطاف حسين بن سليمان والجنرال القادري الرئيس السابق للمخابرات والملحق العسكري لدى السفارة المغربية بفرنسا منذ 40 عاماً وميلود التونسي وهو الاسم الحقيقي لشخص تولى مسؤولية كبيرة بعملية الاختطاف واسمه المستعار إشتوكي. وشدد على أن هؤلاء الأشخاص مقيمون داخل المغرب حالياً.وكان القاضي الفرنسي ينوي، وفق هذه الإنابة، استجواب عشرين موظفا ً وعسكريا ً مغربيا ً من الذين أحيلوا على التقاعد، أو من الذين لا يزالون يمارسون مهامهم وأبدى بن بركة الابن عزمه على الشروع في إجراءات جديدة لإنابة قضائية سادسة، بعد ما أخفق القاضي الفرنسي باتريك رامييل في مهمته بالمغرب للتحقيق في الإنابة الخامسة وعاد في الرابع من الشهر الحالي دون التوصل إلى شيء، مشيرا إلى أن عائلته ستواصل مساعيها قضائياً وسياسياً للوصول إلى الحقيقة. يُذكر بهذا الصدد أن وزير العدل المغربي محمد بوزوبع وجد نفسه مع زيارة القاضي الفرنسي، باتريك رامييل، في قلب أحداث لم يكن يتمنى، أو لم يكن يتصور أنه سيكون داخلها يوم كان حزبه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يطالب بملء صوته بإجلاء الحقيقة كاملة عن ملف المهدي بن بركة. وعندما بدأت الأشياء تتحرك، فإن الوزيرلم يجد مما يمكن حسمه في هذه المسألة غير ترك الأشياء تسيركما كانت دائما ً، باعتبار وزارة العدل وزارة سيادية لا تخضع لتوجهات الأحزاب أو الظروف السياسية. ولاتملك وزارة العدل المغربية أية صلاحيات تمكنها من السير أبعد في هذا الملف.لذلك فإن القاضي الفرنسي عاد إلى فرنسا بجرعة أكبر من الغبن بعد أن وجد أنه لافرق بين أن يكون في وزارة العدل وزير من الاتحاد الاشتراكي، أو وزير ينتمي لتلك الأحزاب التي كان حزب بن بركة يطلق عليها "أحزاب الكوكوت مينوت"، في إشارة إلى ولادتها وطبخها السريع على الساحة السياسية المغربية، كما تطبخ الأكلات السريعة داخل طنجرة الضغط العالي. وقد حاول وزير العدل الفرنسي باسكال كليمان خلال مؤتمر صحفي عقده مؤخراً في العاصمة المغربية مع نظيره المغربي محمد بو زوبع، التقليل من شأن الجدل الدائر حول القضية داعياً إلى عدم تضخيمها. نقاشات المغرب المتناقضة لتقريرهيئة " الإنصاف والمصالحة"والانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية رفعت هيئة"الإنصاف والمصالحة" التي تقصت الحقائق في انتهاكات حقوق الإنسان التي شهدتها المملكة المغربية خلال حقبة "سنوات الرصاص" والتي تمتد من سنة 1956 ولغاية 1999، تقريرها النهائي إلى العاهل المغربي محمد السادس الذي أمر بنشره بنشره وإعلانه أمام الرأي العام في أقرب وقت ممكن لتأكيد تعهده بمزيد من الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. واعتبر إدريس بنزكري رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة في تصريحات أن قرار العاهل المغربي محمد السادس بنشر تقرير الهيئة وإطلاع الرأي العام عليه "يعزز التوجه القوي للإصلاح في المغرب ويعكس رغبته في اعتماد الشفافية التامة في قراءة صفحة تاريخ الانتهاكات الذي تقصت الهيئة حقيقته". وأكد بنزكري أن هذه الاستجابة تعد مصدر اعتزاز لـه ولباقي أعضاء الهيئة تندرج ضمن قاعدة من قواعد الديمقراطية التي تصب أساسا في اتجاه إطلاع الرأي العام على مضمون التقرير ووضعه رهن المناقشة والتفكير. وقد تلقت هيئة الإنصاف والمصالحة 22000 ملفاً، يعتبرون أنفسهم ضحايا مختلف الانتهاكات التي شهدها المغرب خلال 43 سنة، وما يعرف بسنوات الجمر والرصاص، غير أن تحريات الهيئة أسفرت عن قبول تعويض 6 آلاف حالة، اعتبرت أهلها ضحايا، وتتوافق ملفاتهم والمعايير التي عملت على ضوئها، وقدر عضو من الهيئة التكلفة المالية للتعويضات المرصودة في سياق ما يعرف ب "جبر الضرر" بمليار درهم مغربي، وقد تم إبلاغ مختلف الضحايا بقيمة التعويضات المرصودة لكل واحد منهم. وقالت اللجنة المعينة من قبل العاهل المغربي والأولى من نوعها في العالم العربي في تقريرها: إن 592 مغربيا قتلوا خلال حقبة القمع التي تمتد ما بين ستينيات وتسعينيات القرن الماضي والمعروفة في المملكة المغربية باسم "سنوات الرصاص". وقال التقرير إن من بين الضحايا 322 شخصا قتلوا بالرصاص على يد قوات حكومية في احتجاجات أحدها في عام 1981 عندما تظاهر مئات الآلاف في الدار البيضاء العاصمة المالية للمملكة احتجاجا على رفع أسعار الغذاء. كما أشارت اللجنة إلى أنها حددت مقابر 85 شخصا بعضهم ضباط جيش حاولوا الإطاحة بالملك الراحل الحسن الثاني وكانوا محتجزين في 7 سجون سرية. وأضافت أنها اكتشفت في الوقت ذاته أن 174 شخصا توفوا خلال عمليات اعتقال تعسفي بين عامي 1956 و1999 ولكنها لم تنجح في تحديد الأماكن التي دفنوا بها. وانتهى التحقيق إلى أن حالات الوفاة في السجون تراجعت مع توجه البلاد نحو مزيد من التسامح تجاه المعارضين أواخر التسعينيات قبل وفاة الملك الحسن الثاني في عام 1999. وقال التقرير إن 109 سجناء توفوا في سجون في السبعينيات مقارنة بتسع حالات في الثمانينيات واثنتين في التسعينيات. وأوصت هيئة"الإنصاف والمصالحة" الدولة بالاعتذار علنا للضحايا بحسب ما ورد في تقريرها النهائي. ودعت الهيئة أيضا في سلسلة توصيات أخرى رفعتها إلى العاهل المغربي إلى تطبيق "إستراتيجية وطنية لمكافحة الإفلات من العقاب عبر القيام بإصلاحات تشريعية ووضع سياسة حقيقية بشأن حقوق الإنسان في قطاعات القضاء والأمن وحفظ النظام". وقررت هيئة الانصاف والمصالحة في اطار جبر الضرر أن يستفيد 9280 ضحية من تعويض، منهم1895 كانوا موضوع توصية اضافية تهم أشكال أخرى من جبر الضرر (إعادة الإدماج في الوظيفة العمومية، تسوية الاوضاع الادارية والمهنية، الخ). كما كان 1499 ضحية ممن استفادوا بين 1999 و2003 من تعويض من جانب الهيئة المستقلة للتعويض. ووجهت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان انتقادات للتقرير. وقال عبد الله عبد السلام الناطق باسم الجمعية إنهم كانوا يتوقعون أن نتائج تحقيقات اللجنة ستكون جزئية فقط وليست كاملة، واعتبر ذلك يرجع إلى أن المغرب لم يتخلص من الانتهاكات بعد. وأضاف أن الأرقام التي أشارت إليها اللجنة بعيدة كل البعد عن الواقع، وأنه وفقا للبيانات التي حصلت عليها الجمعية فإن 1500 شخص قتلوا في احتجاجات وقعت في 21 مارس 1965 وأن ما يتراوح بين 500 و1000 شخص آخرين قتلوا في احتجاجات عام 1981. وأوصت الهيئة في تقريرها تعزيز استقلالية القضاء لاسيما من خلال مراجعة النظام الاساسي للمجلس الاعلي للقضاء وتأهيل التشريع والسياسة الجنائية في اتجاه تعزيز الضمانات القانونية والمسطرية ضد انتهاكات حقوق الانسان وتفعيل توصيات المناظرة الوطنية حول السياسة الجنائية التي انعقدت بمكناس عام 2004 وتحديد أشكال العنف الممارس ضد النساء انسجاما مع المعايير الدولية في هذا الباب. كما أوصت بتعزيز الضمانات الدستورية لحقوق الانسان واعتماد استراتيجية وطنية لمكافحة الافلات من العقاب. وشددت على ان تعزيز دولة القانون والحق يقتضي إصلاحات في المجال الأمني والقضاء والتشريع والسياسة الجنائية، وأوصت في هذا الصدد بتأهيل وتوضيح ونشر النصوص التنظيمية المتعلقة بصلاحيات وتنظيم ومسلسل اتخاذ القرار، وأنظمة مراقبة عمل أجهزة الأمن والاستعلامات. وتضمنت التوصيات مبدأ سمو القانون الدولي لحقوق الانسان على القانون المحلي، وقرينة البراءة والحق في المحاكمة العادلة، وتعزيز مبدأ فصل السلطات. واعتبرت الهيئة، من جهة ثانية، ان القضاء على الافلات من العقاب، يستدعي، اضافة الى الاصلاحات القانونية، بلورة وتفعيل سياسات عمومية في قطاعات العدل والأمن وحفظ النظام والتعليم والتكوين المستمر، وكذلك الانخراط الفاعل من قبل جميع مكونات المجتمع في هذا الاتجاه. ووضعت هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب برنامج عمل طموح لجبر الأضرار الجماعية في القرى والبلدات التي ارتبطت ذاكرتها الجماعية بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ما بين 1956 و،1999 حيث حالت هذه الأحداث دون تمكنها من تحقيق نقلة تنموية. ويعد البرنامج احدى الصيغ التي لاقت اشادة ونوهت بها اطراف وطنية دولية عديدة، إذ لم يسبق لأي لجنة للحقيقة والمصالحة من بين اللجان التي احدثت في بلدان عدة، وعددها حتى الآن 32 لجنة، أن اثارت الموضوع واخضعته للبحث والدراسة، وبلورت بشأنه مقترحات واستراتيجية واضحة الأهداف. وتنهض مقاربة الهيئة في هذا المجال على مجموعة من الاجراءات والأسس، ومن منطلق ان هناك مناطق مغربية، ارتبطت تاريخيا بالانتهاكات مثل تازمامارت وفكيك، ومناطق في الريف والأطلس، وتعرضت جراء ذلك الى تهميش منهج، اثر في تنميتها، وارغم جزءاً كبيراً من الأهالي معها على العيش في ظروف مزرية، وتأسيساً على ذلك ترى الهيئة انه يتعين تصحيح هذا الوضع غير الطبيعي لتنفيذ برامج لتسريع وتيرة نموها. ولبلورة تصورات أولية، باشرت الهيئة خطوات، من قبيل تنظيم ندوات في مختلف المدن والمناطق، حول موضوع جبر الأضرار الجماعية بإشراك الفعاليات المحلية، خصوصا في كل من فكيك على الحدود الشرقية مع الجزائر، والحسيمة في الريف، والرشيدية في الجنوب، وخنيفرة في منطقة الاطلس، قبل ان تنظم منتدى وطنيا حول جبر الضرر بمشاركة مائتي جمعية وخمسين خبيرا مغربيا ودولياً، وعقدت لقاءات تشاورية مع السلطات الحكومية وفاعلين في المجتمع المدني. واقترحت الهيئة تبني ودعم مشاريع برامج للتنمية الاجتماعية والاقتصادية أو الثقافية في عدد من المدن، منها الدار البيضاء، مع اعطاء عناية خاصة للنساء وفي عدد من المناطق كالريف، ومنطقة فكيك، وتازمامارت، أكدز زكورة والأطلس المتوسط، وهذه تشكل النقط السود في مسلسل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في المغرب، خلال ما يعرف بسنوات الجمر والرصاص، وأوصت الهيئة خصوصا بتحويل مراكز الاعتقال غير القانونية السابقة مثل تازمامارت، اكدز، درب مولاي الشريف في الدار البيضاء. وقد تم البدء بإجراءات من أجل ذلك، فأخليت الثكنة العسكرية الموجودة قرب تازمامارت وبوشر بتحويلها لتصبح فضاء يحتوي على مقبرة لضحايا تازمامارت، المتوفين في الثكنة وبنايات تضم مستوصفا ومركزا للتعاون الوطني وبناية للتربية والتعليم. وتمكنت الهيئة بتعاون وشراكة مع الأطراف المذكورة، من الوقوف على برامج التنمية الاقتصادية، ما مكن مفهوم جبر الضرر الجماعي، من أن يأخذ كل معانيه ودلالاته، في مقاربة جبر الأضرار، ما ساعد على تقديم اقتراحات لتعزيز مشاريع قائمة، واقتراح مراعاة مجالات أخرى لم تكن واردة في المشاريع المبرمجة، بما قوى مقاربة جبر الضرر الجماعي وما يرتبط بها من آليات الوساطة. وحرصت هيئة "الانصاف والمصالحة" على أن يتخذ جبر الأضرار أبعادا رمزية ومادية متعددة، تهم افرادا أو جماعات أو مناطق، كما جعلت منه احد المداخل الرئيسية لإقرار الدولة بمسؤوليتها في ما جرى. وترى الهيئة ان هذه الاستراتيجية تعد مدخلا اساسيا للإصلاح المتجه نحو وضع ضمانات تحول دون تكرار ما جرى في الماضي، وتفسح في المجال امام بناء دولة الحق والقانون وترسيخ الثقة بين المواطن والدولة، كما تعتبر انه لا يمكن الاقتصار، في مسار استعادة الثقة، على مجرد التمكين من تعويضات مادية أو خدمات اجتماعية، بل ينبغي العمل على ضمان تمتع الضحايا، كمواطنين، بكامل حقوقهم، بما فيها حق المشاركة في مسلسل الاصلاحات لتعزيز بناء دولة القانون والمؤسسات. ويتضمن التقرير النهائي مختلف الأسماء والمؤسسات التي تورطت في خروق حقوق الإنسان، من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، ويتطرق لتفاصيل مختلف الأحداث، التي نجمت عنها مجمل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في المغرب، فضلا عن تدوين مختلف المعتقلات، ومنها تازمامارت، جنوب المغرب، ودار المقري قرب الرباط، ودرب مولاي الشريف في الدار البيضاء، وأكدز وقلعة مكونة جنوب المغرب، إضافة إلى المقابر الجماعية. وفي باب التوصيات، يقدم تقرير هيئة الانصاف والمصالحة عدة خلاصات، منها الدعوة إلى إبعاد المتورطين في مختلف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان من مناصبهم، وضرورة إدخال إصلاحات تشريعية وقانونية ومؤسساتية ودستورية، لئلا يتكرر الماضي الأليم. وتوصي الهيئة بأولوية الإصلاح الإداري، لاسيما إدخال إصلاحات جوهرية على وظائف وزارتي الداخلية والعدل، وكذلك الأجهزة الأمنية، وتحديد مجالات تدخلاتها عبر نصوص قانونية واضحة، مع توسيع هوامش مزاولة الحريات الفردية والجماعية، كما توصي بإحداث هيئة داخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، لتتبع مدى تنفيذ توصياتها، وتحويل مختلف المعتقلات السرية السابقة إلى متاحف لحفظ الذاكرة الجماعية وتحقيق المصالحة الوطنية. وعلى رغم انتهاء مدة عمل الهيئة وعملها على طي ملف صفحة الماضي التي استغرقت عامين، فلا يزال أعضاؤها يقومون ببعض الأشغال، خصوصاً بعد الكشف عن مقابر انتفاضة 1981 في الدار البيضاء، وما خلفه ذلك من ردود داخل الأوساط الحقوقية والإعلامية المغربية، ما دفع بمنتدى الحقيقة والانصاف، وهو جمعية تمثل الضحايا، وتصفها وسائل الإعلام بنقابة الضحايا، إلى وصف إعادة دفن الضحايا، وعددهم يناهز الثمانين، في إحدى زوايا ثكنة الوقاية المدنية في الحي المحمدي، ب"محو لآثار الجريمة". إلى ذلك قال رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة، ورئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ادريس بنزكري إن التجربة المغربية في مجال إرساء الحقيقة، حول ماضي انتهاكات حقوق الإنسان، وتحقيق المصالحة، باتت نموذجا يستلهم في مناطق عدة في العالمين العربي والإسلامي. وأوضح في لقاء مع وفد المجلس الأمريكي للقادة السياسيين الشباب، الذي يزور المغرب للتعرف إلى التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المغرب، أن هيئة الانصاف والمصالحة ستساهم بتعاون مع الأمم المتحدة في بلورة تجربة مماثلة في أفغانستان، بينما تجري اتصالات للاستفادة من التجربة المغربية في العراق والجزائر. وقدم بنزكري عرضا عن محاور عمل هيئة الانصاف والمصالحة، التي أنهت أعمالها في الثلاثين من الشهر الماضي، بإصدار تقرير عام، حيث إن الإعلان عن تأسيس الهيئة يعد خطوة غير مسبوقة في مقاربة النظام السياسي المغربي لملفات الحريات العامة وحقوق الإنسان، ونظر إليه على أساس أنه ترجمة عملية لرغبة في تصحيح صورة الدولة لدى مواطنيها، وإعادة الاعتبار المادي والمعنوي لكل من عانى خلال ما يسمى في المغرب “سنوات الجمر والرصاص”، والممتدة حسب ما أعلنته الهيئة من 1959 إلى 1999. وقبل ظهور هيئة الإنصاف والمصالحة أطلق الملك الراحل الحسن الثاني في السنوات الأخيرة من حكمه سراح بعض المعتقلين السياسيين، وسمح بعودة منفيين إلى البلاد، وألغى قوانين كانت تعد مقيدة للحريات، إلى جانب إحداث وزارة حقوق الإنسان، وتشكيل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. إلا أن تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب تبقى فريدة من نوعها في العالمين العربي والإسلامي، وهي الثانية في إطار ما يسمى (العدالة الانتقالية في إفريقيا) بعد النموذج الجنوب إفريقي. يمكن القول أن ما يشهده المغرب حالياً من انتقال إلى الديمقراطية يبدو واعداً، إذ شكل القرار الذي اتخذته الحكومة المغربية والقاضي برفع التحفظ عن المادة 14 لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وعن المادتين 20 و22 من اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من المعاملات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، منعطفا تاريخيا مهما في مسيرة المغرب المعاصر.فالخطوة المهمة التى اقدم عليها المغرب قبل نحو عام سمحت للمتضررين باللجوء إلى المحاكم الدولية المختصة ورفع الشكاوى إليها بعد انتهاء إجراءات تقاضيهم أمام المحاكم المغربية. وهو ما جعل المغرب يتجه الى القيام بعدة إصلاحات مؤسساتية وقانونية، بعد حوار وطني كان صاخباً وصريحاً في حيثياته، لاسيما وانه بدأ يطرق نقاطاً مهمة تتعلق بالذاكرة الجماعية للمغرب المرتبطة بسنوات من العنف. الجديد في مشروع الإنصاف والمصالحة الذي يعمل المغرب على إنجازه، هو اشتماله على بلورة مشاريع وبرامج عملية ترسخ دولة القانون وتحمي الحريات وتساهم في منع تكرار الانتهاكات، فيما وصفه مراقبون بأنه أشبه بكتابة تاريخ المغرب المعاصر، بصفة موثقة ومنهجية على الانتهاكات، إلا أنه وطبقا للخبراء فى هذا الخصوص قد يكون ناقصاً في ظل غياب كتابات الشهود الكبار عن الفترة الماضية وأحداثها الدقيقة إضافة إلى وجود ضعف كبير في الكتابات المتعلقة بالانتهاكات. كما أن الجامعات ومؤسسات الدراسات والأبحاث المغربية بدورها لم تنجز أبحاثًا كبيرة حول هذا الموضوع، وهي الآن مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتدارك هذا الخصاص. فقد اعتبر محمد العيادي أن استعمال العنف في الحقل السياسي المغربي بدأ منذ فجر الاستقلال، مستعرضاً مجموعة من الأحداث العنيفة التي ميزت هذه الفترة من اعتقالات تعسفية واختطافات وانتهاكات في حقوق الإنسان أبرزها اختطاف واغتيال عباس المسعدي في 22 يوليو/تموز 1956 وتمرد عامل تافيلالت عدي وبيهي في 21 يناير/كانون الثاني 1957 ومنع الحزب الشيوعي المغربي في فبراير/شباط 1959 وغير ذلك من الأحداث. وأشار إلى أن العديد لجأوا للعنف خلال هذه الفترة تقديرًا منهم أن الاستقلال الذي حصل عليه المغرب لم يكن كاملا ولم يأت لوضع حد للسلاح، والبعض الآخر اعتبر أن الاستقلال منقوص، إضافة إلى وجود خلافات وصراعات قوية اتخذت طابعاً قبلياً في بعض الأحيان استمرت وتواصلت داخل المجتمع المغربي، مؤكدًا أن المشكل الأساسي لا يكمن في الصراع، فهذا أمر طبيعي في كل المجتمعات، وإنما في غياب آليات تدبير هذه الخلافات بطرق سلمية. وقال إن "الفرقاء اعتبروا أن العنف هو الوسيلة الناجعة لتدبير هذه الخلافات". ومن جهته أبرز الأستاذ الجامعي محمد سبيلا أن العنف شكّل ظاهرة تاريخية كلية طالت مختلف جوانب الحياة الاجتماعية، بل إن نتائجه طالت سيرورة تطور البلاد. كان عنفا سياسيا بالدرجة الاولى لكنه طال مختلف مستويات المجتمع واستقطب كل فعاليات الحقل السياسي وطالت نتائجه تطور المغرب وسيرورة تطور البلد. معتبراً أن المغرب "يعيش اليوم فترة يمكن أن نطلق عليها فترة الوعي التاريخي لأن الدولة تعترف فعليا بانتهاكات الماضي والعنف الممارس فيها". وأكد سبيلا أن المغرب عاش مزيجاً من العنف تعددت واختلفت روافده الأساسية من عنف الدولة (اعتقالات واختطافات) وعنف اجتماعي (السيبة والصراع بين القبائل) وعنف منحدر من المقاومة التي تعتبر البندقية شكلاً من أشكال النضال إلى عنف ورثه النظام بكل آلياته عن المستعمر الفرنسي. أما محمد جوهري محامي وعضو المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان فأرجع اسباب العنف الذي وسم الفترة السابقة ـ التى اصبحت تعرف اليوم في المغرب بأنها المرحلة التى توسم اليوم بالمصالحة والانصاف، بغياب النقاش والجدل السياسي. فالدولة في تلك الفترة كانت تسعى لترسيخ سلطتها في مجتمع خارج من الاستعمار لا يزال يحفل بروح المقاومة وجيش التحرير وتسكنه هواجس الانتقامات والاجتهادات الفردية وكأنه يواجه المستعمر. وأضاف أن "الدولة كانت خلال هذه الفترة تبحث عن تركيز جهودها من أجل إثبات وجودها سواء بطرق شرعية أو غير شرعية" مشيرًا إلى أنه لم يكن هناك استقلال بين سلطات الاتهام والتحقيق والحكم، وقال ان النصوص القانونية متطورة في الغالب لكن يبقى المشكل الأساسي في استقلالية السلطات، منتقداً في هذا الإطار أداء القضاء "منذ الاستقلال الذي افتقد في كثير من الأحيان للاستقلالية". ومن جهته اعتبر الباحث الاجتماعي عبد الرحمن رشيق أن الصراعات السياسية طغت خلال تلك الفترة على الصراعات الاجتماعية، مشيرًا إلى أن طريقة معالجة الدولة للوضع اختلفت حيث لم تقتصر على التدخل العنيف فقط بل لجأت خلال بداية الثمانينات إلى "التفكير مع الحركات الاحتجاجية وتغيير طبيعة التعامل مع المكونات السياسية وذلك وفق منظور أمني". ولاحظ أن أنماطًا جديدةً من الاحتجاجات برزت اليوم تقطع مع الماضي الذي تميز بمواجهات اجتماعية خطيرة مثل ما وقع في أعوام 1981، و1984، و1990، واتخذت في غالب الأحيان طابعًا عامًا على الصعيد الوطني. وهي الاحتجاجات التي لها طابع منظم، يمكن الحديث معه عن "عصرنة الاحتجاجات" هذا في الوقت الذي تمت المحافظة على الخطوة المهمة في هذا السياق وهي إشراك الرأي العام المغربي في تفكير صريح ومسؤول حول السياقات السياسية والفكرية والتاريخية لانتهاكات حقوق الإنسان التي عرفها المغرب منذ بداية الاستقلال والأسباب التي أدت إلى حدوثها والانعكاسات التي خلفتها على التطور السياسي في المغرب. كما يرمي التأسيس لتفكير بناء يعمل على بلورة مشاريع وبرامج عملية ترسخ دولة القانون والمؤسسات وتحمي الحريات وتساهم في منع تكرار الانتهاكات، بهدف تجاوز العنف كاستراتيجية للتدبير السياسي، من خلال تقييم الحصيلة السياسية للعنف في المغرب، وتقويم الأدوار التي قامت بها النخبة السياسية والفكرية في التصدي للعنف السياسي، وكيفية تطوير هذه الأدوار لمنع تكرار الانتهاكات مستقبلا. من جانب آخر أكد رئيس مركز الدراسات حول الإسلام والديمقراطية رضوان مصمودي، أن "العمل الذي قامت به هيئة الإنصاف والمصالحة، يكتسي أهمية كبرى، ويعد نموذجا بناء". وقال مصمودي: "إن عمل الهيئة الذي يعتبر تجربة غير مسبوقة، يترجم الإرادة القوية للإدارة المغربية للإغلاق النهائي لملف ماضي انتهاكات حقوق الإنسان التي سجلت خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999". وقال الكاتب التونسي صالح بشير في إشادته بالتجربة المغربية، ضمن مقال حمل العنوان التالي"المغرب مجترحا " لجنة الإنصاف والمصالحة. أقل من ديموقراطية لكن أقل من استبداد أيضاً ونشرته صحيفة المستقبل ـ الاحد 22 كانون الثاني 2006 ـ العدد 2159 ـ نوافذ ـ صفحة 11:الاستبداد المغربي لم يكن من قبيل التوتاليتاري. كان انفراداً بالسلطة ولم يكن انفراداً بالمجتمع. بطش عندما استشعر تهديدا، وإن كان في ذلك واهماً أو مبالغاً، ولكنه لم يسع الى الحلول في المجتمع حلولاً كاملاً حصرياً، ولم يسع الى مماهاته به مماهاة كاملة تحيل تعدده الى رتابة. فما كان يزعجه، ليس ذلك التعدد في ذاته على ما هي حال الأنظمة التوتاليتارية، بل الاعتراض على سلطته. أسكت مناوئيه، لم يأل في ذلك أقصى درجات القمع والقتل والتغييب، وهو ما كشف تقرير هيئة"الإنصاف والمصالحة"، التي انهت أعمالها أخيراً، غيضاً من فيضه، ولكنه لم يجترئ على التعدد ما لم ينازعه السلطة، فقمع ولم يلغِ، ولم يقم حزباً عقائدياً حاكماً بديلاً عن كل الأحزاب. من آيات ذلك، أن النظام المغربي، حتى في عزّ جبروته، لم يحلّ الأحزاب. لاحقها، عندما أراد أو اقتضت الضرورة في نظره ووفق ما يعتبره أولوياته، ولكنه لم يبادر أبدا الى منعها أو إسكات صوتها. هناك من ناحية رفقة نشأت إبان مكافحة الاستعمار، ظلت تُراعى، وإن الى هذه الدرجة أو تلك. ثم هناك بالخصوص، سلطة، مستبدة ولكنها غير إيديولوجية، تحكم بموروثها، وليست معنية بمنافحة أية قوة أخرى على ذلك الصعيد الإيديولوجي. لا يُقال ذلك، بطبيعة الحال، من باب الاعتذار للاستبداد الذي كابده المغرب أو من باب التهوين من اقترافاته، ولكن بدافع التأكيد على أن ذلك الاختلاف من حيث الطبيعة، بين استبداد عادي، أو تقليدي، وبين نظير لـه توتاليتاري. الأول، على ما يبدو وعلى ما توحي التجربة المغربية ذاتها، قابل لأن يتطور، نحو نصاب ديمقراطي أو واعد بالديمقراطية، وهو ما يبدو متعذراً بالنسبة الى التوتاليتاريات. فهذه الأخيرة، إذ سعت الى التماهي مع المجتمع وإلى إجهاض التعبيرات السياسية لمظاهر تعدده، أحدثت فراغاً من ناحية، وتصلبت من ناحية أخرى، بحيث لا يبقى أمامها، عندما تشتد بها الأزمة وتنتفي أمامها سبل البقاء، سوى الذواء نتيجة انفجار داخلي يصيبها، أو أن يدركها عدوان خارجي لأنها أضحت عبئاً على نصاب استراتيجي ودولي بعينه ما عاد يتسع لها. في حين أن أنظمة الاستبداد العادي، غير التوتاليتاري، إذ اكتفت بطغيان وظيفي، إن صحت العبارة، وإذ قنعت بقمع التعدد دون إلغائه، قد تجد، عندما يحين أوان التغيير، خياراً أو اضطراراً، قدراً من اليسر أكبر في التغيير، وسهولة أكبر في خوض تحول سلس محدودة مخاطره، إذ يمكنها أن تجد في خصوم الأمس شركاء في اجتراح الجديد. قد لا يمثل ذلك النموذج الديمقراطي الأمثل أو المنشود، ولكنه قد يكون أفضل المتاح، في هذه المرحلة الانتقالية. فهو وإن لم يتوصل الى إرساء الديمقراطية أو لم يستكمل إرساءها، لا يزال يتلمس الطريق نحوها، إلا أنه أخذ بما يمكنه أن يكون مبائها الأساسية: فكرة المساومة من ناحية، أساساً للحياة السياسية، والنظر الى موازين القوة، من ناحية أخرى، على أنها رهان مفتوح، لا "يجمّدها" الاستبداد، خصوصاً إذا ما كان من سوية توتاليتارية، في علاقة حديدية لا سبيل الى تجاوزها إلا بإحلال الكارثة، أي الحرب الأهلية أو استعداء الخارج. قد يكون المغرب لا يزال بعيداً عن الديمقراطية كنظام قائم ناجز، ولكنه على الأرجح اهتدى الى إكسيرها، ذلك الذي كان من تجلياته ما قامت به "لجنة الإنصاف والمصالحة"، إذ حققت في الجرائم المقترفة في حق الإنسان، وعرضتها على الملأ الداخلي والخارجي، فاجترحت بذلك جديداً مطلق الجدة في ربوع المنطقة. 3 ـ الجزائر: المصالحة التي تشترط على السياسيين إدارة ظهورهم للسياسة كل الحروب تنتهي بعفو شامل لمصلحة هذا الطرف أوذاك من الأطراف المتصارعة. ضمن هذا السياق، دعا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة فى خطاب ألقاه أمام إطارات الأمة، في قصر الأمم بنادي الصنوبر (20 كلم غرب العاصمة)، في 14أغسطس 2005، إلى التصويت بكثافة على "مشروع ميثاق السلم والمصالحة الوطنية"، عبر استفتاء نظم يوم 29 أيلول/سبتمبر (أيلول)2005. وأعلن عن إجراءات وصفها بالمصيرية، تتعلق بإبطال المتابعات القضائية ضد المسلحين، الذين أعلنوا تخليهم عن السلاح، وسلموا أنفسهم للسلطات قبل 13 كانون الثاني/يناير 2000، على ألا تكون لهم يد في المجازر الجماعية، وانتهاك الحرمات واستعمال المتفجرات في الأماكن العمومية"، والنشطاء الإسلاميين المقيمين في الخارج، وحرم الممارسة السياسية عن الذين ينادون إلى الجهاد. منذ أن ألقى بوتفليقه خطابه هذا الذي عرض فيه مشروع، لم تتوقف وسائل الاعلام الرسمية عن الحديث حول "فضائل المصالحة ودورها في لم الشمل والقضاء على الأحقاد" على أساس أنها السبيل لطي ملف الازمة التي خلفت نحو 200 الف قتيلاً، وخسائر لحقت بالبنية العامة للبلد تقدر بثلاثين مليار دولار، حسب ماصرح الرئيس الجزائري في أكثر من مناسبة. وكان المشروع قد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 15/8/2005، وعلى إثر ذلك رحبت به الأحزاب السياسية المشاركة في الائتلاف الحكومي، المكون من "جبهة التحرير الوطني" صاحبة الاغلبية البرلمانية، و"التجمع الوطني الديمقراطي" الذي يقوده رئيس الحكومة أـحمد أويحيى، و"حركة مجتمع السلم" (حماس). بينما تراوحت مواقف بقية القوى والأطراف السياسية بين الاشادة ببعض البنود ومعارضة بعضها الآخر، او الرفض التام لها..وتحفظت كذلك عليه منظمتا العفو الدولية (أمنستي) و(هيومان رايتس ووتش) لحقوق الإنسان. وكان مشروع بوتفليقة في الأصل يحمل اسم (مشروع العفو الشامل والمصالحة الوطنية)، كما جاء على لسان وزير الدولة الجزائري الممثل الشخصي للرئيس بوتفليقة، الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، عبدالعزيز بلخادم في نهاية تموز/يوليو2005. لكن ردود الفعل الأولى عليه، وبعض الحوادث التي وقعت لاحقاً، مثل مقتل الدبلوماسيين الجزائريين في بغداد، ودفاع القيادي البارز في (جبهة الانقاذ الإسلامية) علي بلحاج عن المقاومة العراقية، دفعت بوتفليقة للتراجع عن فكرة (العفو الشامل) والاقتصار على (المصالحة الوطنية) من أجل (السلم) في الجزائر. وقد تراجع عن ذلك علناً في أولى جولاته قائلا ً: إن "فكرة العفو الشامل مرفوضة تماما ً، ولا مجال لها مطلقاً"، وأضاف: "من لفظهم الشعب الجزائري لا مجال لهم للاستفادة من العفو". ولفت مراقبون إلى أن "الميثاق من أجل السلم والمصالحة والوطنية" يختلف عن مبادئ "العفو الشامل" الذي كان دعا إليه بوتفليقة في حملته الانتخابية الأخيرة. كما أنه ينص على "حظر ممارسة أي نشاط سياسي" للمتسببين في ما وصلت اليه البلاد من مآسي في التسعينيات من القرن العشرين، والذين تبنوا "سياسة تدعو إلى ما يُزعم جهاداً ضد الأمة ومؤسسات الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية".وفُسّر ذلك بأنه إغلاق للباب أمام عودة محتملة لحزب "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" المحظورة، كونها كانت بين الجهات التي دعت الى ما اعتبرته "جهاداً" ضد الحكم الجزائري، عقب إلغاء نتائج الانتخابات التي كانت على وشك اكتساحها بداية عام 1992. وقال بوتفليقة في خطابه أن "الميثاق" يتضمن إلغاء المتابعة القضائية "في حق كل الأفراد وما اكثرهم، الذين تخلوا فعلا ً عن نشاطهم المسلح، ومن المقرر أن يعرض العفو على متمردين وعناصر قوات الأمن هذا العام بعد استفتاء عام. وأضاف بوتفليقة "غايتي أن أضع حدًا نهائيا ً للعنف...إنني أعول على وفائكم للحصول من لدنكم على ما انتظره من مساعدة ومساندة للخروج نهائيا ً ببلادنا من الأزمة القاتلة التي عاشتها. "واقترح بوتفليقة استفتاءاً حول مبادرة "المصالحة الوطنية"التي يأمل أن تؤدي إلى جعل الاسلاميين يلقون السلاح. وسيمثل المشروع ثاني عفو يقره بوتفليقة بعد استفتاء عام 1999 الذي أعقبه استسلام مئات من الإسلاميين. وكانت السلطات الجزائرية انتظرت بداية سنة 2005 لكي تعلن التفكيك "شبه الكامل " للجماعة الإسلامية المسلحة التي طبعت عقد التسعينيات في الجزائر بطابعها العنفي المروع.فالجماعة الإسلامية المسلحة التي ضعفت إلى حد كبير، وأصبحت مقتصرة على بعض عشرات الأشخاص، ليست متماسكة على الأرض، على نقيض منافستها "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" وهي الجماعة المتمردة الرئيسة في الجزائر، التي تحافظ على مستوى منخفض نسبيا ً من العنف، ولكنه ثابت، والتي عوّضت انحسار نشاطها داخل البلاد، والانشقاقات التي تعصف بها، بعد التحاق "أميرها" السابق حسّان حطّاب بركب المصالحة والوئام، بامتدادات أُفقية عابرة للحدود، يشهد على ذلك الهجوم المسلح:" غزوة بدر موريتانيا" الذي قامت به الجماعة السلفية الجزائرية على قاعدة "لمغيطى" العسكريةالموريتانية. ويعتبر المحللون السياسيون المختصون بالشأن الجزائري أن المخاطر الأمنية ما زالت مرتفعة، لأن هناك حاليا نحو ألف إسلامي معظمهم من الجماعة السلفية للدعوة والقتال المرتبطة بالقاعدة، يرفضون إلقاء السلاح،و ما زالوا نشطين، ولا يرغبون في الاستسلام. كما أن "الجماعة الإسلامية المسلحة" المنحلة حالياً وجماعة أخرى صغيرة تدعى "الجماعة السلفية للإرشاد والدعوة" قد وحدت قواها بدلاً من قبول العفو. وفي ظل ظهورعدة انشقاقات داخل الجماعة الإسلامية المسلحة، أصبحت الجماعة السلفية الجهة الوحيدة التي تمارس العمل المسلح في مواجهة الدولة بالجزائر، ومن هنا أرادت الدولة أن تزيد من حدة الانشقاقات داخل الجماعة، حيث يتنازعها تياران حسب ما هو متسرب من معلومات، الأول يرى أنه لم تعد هناك جدوى من ممارسة العنف، ولابد من البحث عن سبل أخرى للصدام مع الدولة. والثاني يعتقد بعكس ذلك، وإن كان يرى أنه يجب توحيد القتال تحت راية واحدة هي الجماعة السلفية.وقد يكون الرئيس بوتفليقة عندما يطرح مبادرته هذه يعتقد أنها سوف تساعد على جذب الجناح الأول إلى السلم الأهلي، الأمر الذي يعني أنه لن تصبح هناك سوى جماعة واحدة تمارس القتال، هي الجماعة السلفية، وهو ما يسهل مهمة الدولة في مواجهتها وعزلها، وبالتالي تقليل خطورتها إلى الحد الأدنى الممكن. إن النجاح الذي استطاعت الدولة الجزائرية أن تحققه، والمتمثل في إقناع الولايات المتحدة بأن مواجهتها للجماعات الأصولية المسلحة الداخلية تأتي في إطار الحرب العالمية ضد الإرهاب، ومن خلال إقناعها للولايات المتحدة حصلت منها على العديد من المساعدات العسكرية واللوجستية وهذا الأمر جعل الدولة الجزائرية في موقف أقوى إزاء التنظيمات المسلحة. يضاف إلى ذلك أيضاً ًأن الدولة الجزائرية استطاعت في السنوات الماضية تحقيق نجاحات اقتصادية ملحوظة مما قلل إلى حد كبير من الاستياء الشعبي في مواجهتها، وهو ما جعلها أيضا في موقف قوي إزاء المعارضة سواء المدنية أو المسلحة.وبالتالي فإن طرح مبادرة من الدولة، وهي في موقف قوي، يعزز وضعها أمام شعبها، ويرفع عنها الحرج إذا زادت من حدة المواجهة العسكرية ضد التنظيمات المسلحة، وهو الأمر المتوقع إذا رفضت جماعات أو تنظيمات الدخول في المبادرة الجديدة.(12) لقد اتضح أن التوازنات داخل السلطة السياسية، والعلاقة مع المؤسسة العسكرية، فرضتا على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن يقدم مشروع المصالحة الوطنية بوصفه نسخة مطورة وأوسع من قانون الوئام المدني الصادر في أيلول /سبتمبر1999، وأقل من مشروع العفو الشامل.وقد تزايدت فكرة المصالحة قبولا لدى القوى السياسية الجزائرية، والرئيس بوتفليقة، وحتى لدى أوساط لم تكن متحمسة للفكرة قبل سنوات، ولذلك ما يفسره سياسياً ونفسياً، ومنه أن استتباب حالة الأمن والاستقرار النسبيين في عهد بوتفليقة أوحى بأن تغيير سياسة الاستئصال الأمنية بسياسة الحوار والاستيعاب أثمر إنهاءً متدرجاً للعنف، وبأن الذهاب في هذا الخيار القمعي باستكمال تصفية ظاهرة العنف السياسي في البلد، كما أن تباعد المسافة الزمنية مع وقائع الحرب الأهلية، قبل عقد، تكفل بتخفيف وطأتها الحادة على النفوس وأوسع مجالاً أمام إرادة المصالحة. الجزائر بحاجة ماسة إلى هذه المصالحة. كما أن قادة الجيش أدركوا أن السياسات القمعية وصلت بهم إلى طريق مسدود، ويبحثون عن حل مشرّف يحفظ للمؤسسة العسكرية هيبتها. والجماعات المسلحة بدورها أيضاً وصلت إلى طريق مسدود، والأغلبية الساحقة من أفرادها لم يعودوا يفكروا إلا عن الحل السلمي في الجزائر بما يبعدها عن شبح الحرب الأهلية. لاشك أن الرئيس الجزائري جاد في تحقيق المصالحة الوطنية في الجزائر، وإحداث تطورات في مجمل القطاعات الحيوية في الدولة والمجتمع. وهذه الرغبة الجادة حظيت برضى وقوبلت بترحيب واسع وتأييد بصورة لا سابق لها ببرنامجه الوفاقي "الوئام" الوطني كفصل من ذلك المشهد الطويل غرضه المصالحة الدائمة. وفيما تعتبر"الفئة الغالبة " من الناس أن مشروع المصالحة الوطنية الذي طرح للاستفتاء في نهاية أيلول/سبتمبرالماضي، استجابة لطموحات التشكيلات الوطنية منها الأحزاب السياسية والتركيبات والمنظمات الاجتماعية وفي مقدمتها القيادي الأول لجبهة الإنقاذ المحظورة عباس مدني أحد المبادرين لهذا المطلب، وخطوة على درب الطريق الصحيح، مادام أن آلاف الإسلاميين المنفيين، سيعودون إلى الوطن، إلى جانب ألاف العمال الذين طردوا من وظائفهم منذ أوائل التسعينيات بسبب انتمائهم إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ،رأى فيه البعض الآخر، ذرا للرماد في العيون، مادام أن هناك نية ظاهرة لدى السلطة الجزائرية، للنيل من أطياف سياسية معينة على غرار الإسلاميين، ومصادرة أي حق لهم في ممارسة العمل السياسي، تحت طائلة تورطهم في عبث. ولعله من المشروع التساؤل عن سبب إحجام الرئيس الجزائري عن إعلان عفو رئاسي مباشر ورفع الموضوع بدلاً من ذلك إلى استفتاء شعبي، ونحن نحسب أن ذلك قصد لأكثر من هدف، منه أن صدور العفو عن استفتاء شعبي عام يعزز شرعية قرار العفو، ويخرجه من دائرة الجدل السياسي، لاسيما مع معارضيه من ذوي ضحايا الحرب الداخلية، وهم بعشرات الآلاف، وبقايا التيار الاستئصالي من المتمسكين بمبدأ التصفية الشاملة للجماعات الاسلامية المسلحة وعدم مكافأتها بعفو سياسي، ومنه ان استفتاء الشعب على العفو يرسم أطراً نهائية لنوع الحقوق التي سيتمتع بها من حملوا السلاح في وجه الدولة، حيث ستتنزل (تلك الحقوق) تحت عنوان العفو لا تحت عنوان العودة إلى ما قبل كانون الثاني /يناير1992 (تاريخ الانقلاب على الرئيس الشاذلي بن جديد وعلى المسار الديمقراطي) مع ما تفترضه تلك العودة من إنصاف الإسلاميين في حقوق لهم اهتُضِمَت ومنها حقهم في العمل السياسي وفي المشاركة ("الجبهة الاسلامية للانقاذ"تحديداً). ثم منها تحويل نتائج الاستفتاء المفترض أن تكون إيجابية إلى استفتاء سياسي على شرعية الرئاسة أو قل لتجديدها(13). مستقبل المصالحة وطموحات الرئيس بوتفليقة ورد مشروع المصالحة في شكل اجراءات أمنية وقضائية، تهدف إلى معالجة الذيول السياسية للمواجهات، ومخلفات تطبيق "قانون الوئام المدني" وأيضا محاولة تسوية الملفات العالقة، وأبرزها ملف المفقودين وعددهم 7240 شخصا فقدوا في ظروف غامضة، وتشترط عائلاتهم اعتراف الدولة بمسؤوليتها عن اختفائهم. بعد الديباجة الطويلة التي تتناول على نحو خاص واقع الجزائر اليوم وماعاشته من اضطرابات خلال العقد الماضي، فإن المشروع يضع النقاط على الحروف في صدد الاجراءات الرامية الى استتاب السلم، وهو يدعوعلى نحو خاص، إلى جملة من الاجراءات القانونية التي جاءت على النحو التالي: أولاً: إبطال المتابعات القضائية في حق جميع الأفراد الذين سلموا أنفسهم للسلطات اعتبارا من 13 كانون الثاني (يناير)،2000 تاريخ انقضاء مفعول القانون المتضمن الوئام المدني. ثانياً: إبطال المتابعات القضائية في حق جميع الأفراد الذين يكفون عن نشاطهم المسلح ويسلمون مالديهم من سلاح.ولاينطبق ابطال هذه المتابعات على الأفراد الذين كانت لهم يد في المجازر الجماعية او انتهاك الحرمات او استعمال المتفجرات في الاعتداءات على الأماكن العامة. ثالثاً: إبطال المتابعات القضائية في حق جميع الأفراد المطلوبين داخل الوطن وخارجه الذين يمثلون طوعا أمام الهيئات الجزائرية المختصة.ولاينطبق ابطال هذه المتابعات على الأفراد الذين كانت لهم يد في المجازر الجماعية او انتهاك الحرمات او استعمال المتفجرات في الاعتداءات على الاماكن العامة. رابعاً: إبطال المتابعات القضائية في حق جميع الأفراد المنضوين في شبكات دعم الإرهاب الذين يصرحون بنشاطاتهم لدى السلطات الجزائرية المختصة. خامساً: إبطال المتابعات القضائية في حق الأفراد المحكوم عليهم غيابياً، باستثناء أولئك الذين كانت لهم يد في المجازر الجماعية أو انتهاك الحرمات أو استعمال المتفجرات في الاعتداءات على الاماكن العامة. سادساً: العفو لمصلحة الأفراد المحكوم عليهم والموجودين رهن الحبس عقاباً على اقترافهم نشاطات داعمة للإرهاب. سابعاً: العفو لمصلحة الأفراد المحكوم عليهم والموجودين رهن الحبس عقاباً على اقترافهم اعمال عنف من غير المجازر الجماعية او انتهاك الحرمات او استعمال المتفجرات في الاعتداءات على الاماكن العامة. ثامناً: ابدال العقوبات أو الاعفاء من جزء منها لمصلحة جميع الافراد الذين صدرت في حقهم احكام نهائية او المطلوبين الذين لاتشملهم اجراءات ابطال المتابعات او اجراءات العفو السالفة الذكر. وينص المشروع في باب الإجراءات الرامية إلى تعزيز المصالحة الوطنية على: "أن الشعب الجزائري صاحب السيادة يقرر أيضا ألا يسوغ الحق في ممارسة النشاط السياسي لكل من شارك في اعمال ارهابية ويصر، على رغم الاضرار البشرية والمادية الفظيعة التي تسبب فيها الارهاب والعبث بالدين لاغراض اجرامية، على رفض الاعتراف بمسؤوليته في تدبير وتطبيق سياسة تدعو الى مايزعم جهادا ضد الامة ومؤسسات الجمهورية". كما يقف المشروع أمام قضية المفقودين "،ويذكر أن مأساة الأشخاص المفقودين هي إحدى عواقب آفة الإرهاب التي ابتليت بها الجزائر". ويؤكد أيضا''أن تلك الافتقادات كانت في كثير من الحالات بفعل النشاط الإجرامي للإرهابيين الذين ادعوا لأنفسهم حق الحكم بالحياة أو الموت على انسان، جزائريا كان ام اجنبيا". وهو بالتالي''يرفض كل زعم يقصد به رمي الدولة بالمسؤولية عن التسبب في ظاهرة الافتقاد، ويعتبر ان الافعال الجديرة بالعقاب المقترفة من اعوان الدولة الذين تمت معاقبتهم من جانب العدالة كلما ثبتت تلك الافعال، لايمكن ان تكون مدعاة لالقاء الشبهة على سائر قوات النظام العام التي اضطلعت بواجبها بمؤازرة من المواطنين وخدمة للوطن". المصالحة بين المؤيدين والمعارضين من الصعب أن ننتظر حدوث نقاشات عامة متناقضة بين مؤيدين ومعارضين للمصالحة الوطنية. فالمؤيدون يريدون مصالحة وطنية قائمة على تدعيم المسار الديمقراطي في البلاد. وهذا الطرح يدافع عنه الرئيس بوتفليقة.في حين أن المعارضين"الاستئصاليين " يرفضون تقديم أي تنازل للإسلاميين. والأمر عينه من المتضررين من جرائم الإرهاب، الذين قللوا كذلك من فحوى أهداف العفو الشامل الجامعة وأبعاده الصافعة. علما ً أن هذا الاعتراض ليس إلا سلوكا ً معرقلاً لمسيرة إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة تعدد الانتماءات والتيارات في جو يسوده الاستقرار والسلم الأهلي، ويصعد بهم إلى باحة للنظر في جميع المسائل العالقة والبحث في نقاط التقاطع والخلافات.. و لم تكن عائلات المفقودين في معزل عن مجموعات الناقدين لمسعى الرئيس، إذ إنها رفضت أن تُمنح تعويضات مادية دون معاقبة المجرمين في حق أبناءها.هناك من يهمس بأن بوتفليقة يريد تخليص كبار قادة المؤسسة العسكرية من عبء الاتهام الخطير بارتكاب جرائم في حق الإنسانية، وجاء في نص قرار الاستفتاء الذي صدر في الجريدة الرسمية، أن ما ارتكبه أفراد من قوات الأمن، لا يمكن نسبته ظلما ً إلى سائر الدولة الجزائرية، وهو ما تعلق عليه عائلات المفقودين بقولها " إما أن أفراد قوات الأمن اختطفوا أبناءنا بعد تلقيهم الأوامر من قياداتهم، وإما أنهم ارتكبوا جرائمهم دون علم رؤسائهم، والمصيبة هنا أعظم". النتيجة محسومة؟ إن المصالحة الوطنية في الجزائر يجب أن تقود إلى إيجاد حل سياسي شامل وعادل للأزمة الجزائرية بأبعادها المختلفة، لاسيماالبعد المتعلق بالموقف من هوية الجزائر العربية الإسلامية، ومكوّنات شخصيتها. وإضافة إلى ذلك، هناك المسائل المتعلقة بملفات المفقودين، والمفصولين من وظائفهم خلال الأزمة بسبب انتمائهم السياسي، وملف المعتقلين السياسيين، وملف المهجرين وملف المسلحين، ثم ملف عناصر الأمن التي تورطت في الأزمة وقامت بممارسات خارج نطاق القانون. ثم هناك رد الاعتبار لجبهة الانقاذ الاسلامية من خلال السماح لقادتها عباسي مدني وعلي بلحاج أن يكونا كغيرهما من المواطنين المتمتعين بمواطنة وحقوق وواجبات كاملة ومتساوية.. إن تسوية هذه الملفات بمجموعها تقود إلى المصالحة الوطنية الحقيقية. ويتخوف الإسلاميون المعتدلون الجزائريون من خطورة مشروع المصالحة الوطنية الذي يجري الترويج له، لأنه يتخطّى أزمة التسعينيات في الجزائر، ليشمل حركة الأقدام السوداء والحركيين في فرنسا ممن ارتكبوا جرائم بحق الجزائريين خلال سنوات الاستعمار، يقابلها في الوقت ذاته، تصاعد موجة فرنسية لتمجيد حقبة الاستعمار، الأمر الذي يشكل خطرا على أبرز مقومات شخصية الجزائر :الإسلام والعروبة. ولا يعترف المشروع للداخلين في الوئام المدني سوى بالحق في الحياة، وهو ما ألمح إليه بوتفليقة بإشارته الى أن "الفئات التي اندمجت في الأزمة المسلّحة، يجب ألا تنتظر أن تتحوّل إلى فئات سياسية يكون لها حضور في الساحة السياسية، وإنما نعترف لها بالحق في الحياة كمواطنين". وفي مثل هذا التصريح (من جانب بوتفليقة) اعتراف بيّن على أن المواطنة المشار اليها مواطنة منقوصة. لقد أفرز رفض بوتفليقة أي عودة للجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى العمل السياسي الشرعي زوبعة في صفوف الحزب الإسلامي المحظور، ومعارضة صريحة لأحد من يعتبرون في ميزان المصالحة كونه القطب الرئيس في العملية. وكان الأمير السابق لما كان يعرف بالجيش الإسلامي للإنقاذ مدني مزراق، قد ذكر قبل عدة أيام من إجراء الاستفتاء أن خلافات كانت تجري في أعلى السلطة الجزائرية حول مشروع العفو الشامل، وأن جهات، لم يسمها، أرادت إخراج هذا المشروع في إطار قانون جاف مجرد من أي روح، مركّزا ً على اعتبار هذه التحركات التي وسمها ب"المناورات" بشأن ملفات المفصولين والمختطفين قسريا ً، يرفضها التائبون بشدة، ويرونها تمييعا لمعاني المصالحة في بلاده. وأضاف مزراق :أنّ تياراً في السلطة يريد الخروج بهذا المشروع في حلة تكون بمنزلة عقد شرف وطني يحمي المبادئ ويجمع بين الجزائريين، وأن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يناصر هذا التيار، وكشف عن أنّه استطاع"مؤخرا ً إقناع نسبة كبيرة من المسلحين بالتوبة ووقف العنف، كما تقدم بخطة لاستيعاب 80% من المسلحين، لكن المسعى بقي من دون تفعيل، بسبب معارضة أطراف في السلطة. وأشار مزراق إلى أنه لم يفهم ماذا تريد السلطة، حيث قلصت من مهلة الوئام ولم تعطهم الفرصة للالتقاء بمسلحين كانوا على استعداد للرجوع إلى جادة الصواب، مؤكدا ً أنه لو يتم الاستفتاء وفق ما يخطط لـه لن يبقى مسلح واحد يمارس العنف. و رغم تأييد "الجيش الإسلامي للإنقاذ" للمصالحة، فإن القيادة التاريخية للجبهة وهي من أبرز المعارضين للنظام، تشجب مصادرة العمل السياسي، وإقصاء الإسلاميين تحت اعتبارات أيديولوجية، وهو مايراه قيادي بارز في الجبهة الإسلامية، تناقض مع تعاليم الديمقراطية وحرية التعبير التي زعمت السلطة الجزائرية أنها كانت سباقة في إرسائها منذ نهاية الثمانينيات. إن (ميثاق السلم والمصالحة الوطنية) هو أقل من (المصالحة الوطنية) وأكثر قليلاً من (الوئام الوطني)، لكنه لا يحقق المصالحة ولا يضمن السلم الأهلي. ذلك أن بوتفليقة عندما يرفض عودة (جبهة الإنقاذ الإسلامية) إلى العمل السياسي يكون قد اتبع أسلوب الإقصاء، وترك الباب مفتوحا ً، كما هو الآن، أمام العنف والمعسكرات المتقابلة. وما مادامت هناك نية لمنع اتجاهات سياسية معينة من العمل السياسي، وحرمان أفراد وقيادات من حقوق المواطنة الكاملة، فإن الحديث عن السلم والمصالحة الوطنية (بعد أن توقف الحديث عن العفو الشامل)، هو حديث في غير محله ومبالغ فيه، فضلا ًعن أنه لا يتفق مع مبادئ الديمقراطية التي تعتبر السلطة الجزائرية نفسها من السباقين إليها. و على صعيد المعارضة الأمازيغية، أعلن الزعيم التاريخي لحزب القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد، من منفاه الاختياري في سويسرا عن رفضه ميثاق مشروع المصالحة والسلم الذي أطلقه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ووصفه ب"الأكذوبة التاريخية"، واعتبرها "إعلانا ً للحرب"من شأنه "تكريس الأحقاد".ويرفض "آيت أحمد"، تزكية ميثاق "يكرس النسيان واللاعقاب، ويتاجر مثلما قال بالمآسي والآلام". وعاد حسين آيت أحمد بالذاكرة إلى مطلع التسعينيات، وما أعقبها من سنوات الدم متهما السلطة باستغلال ما أسماه ب "التعب الشعبي" من أجل ضمان الحماية لمن أسماهم الانقلابيين الذين تسببوا في أزمة شتاء، 1992 في إشارة إلى التوقيف القسري للانتخابات التشريعية التي حققت فيها جبهة الإنقاذ المحظورة نصرا ً كاسحا ً في دورتها الأولى. في البداية تتوجب الإشارة إلى أن هذا الحزب عارض قرار الغاء انتخابات سنة 1991 التي اعتبرها الانتخابات الديمقراطية الوحيدة التي شهدتها الجزائر، وفسر البعض موقفه هذا في حينه بالتحالف مع "جبهة الانقاذ" التي كانت الرابح الأساسي، لكن مع الوقت تبين مدى التعارض بين الطرفين، وأن آيت أحمد كان ينطلق من رؤية مختلفة، لذااستمر منذ ذلك الحين في صف المعارضة التامة للسلطة على اختلاف الرؤساء والحكومات. لكن هذا الحزب الذي ينحصر نشاطه الى حد كبير في "منطقة القبائل" (تيزي اوزو) تراجع في الاعوام الأخيرة، وأصابه الوهن وتحول إلى جزر صغيرة يوحدها معنويا وجود آيت احمد الذي يحظى بالاحترام لمكانته التاريخية في ثورة التحرير الجزائرية. إن لهذا الحزب قوة معنوية أكثر منه مادية، لذا لم يأت موقفه في سياق الحراك السياسي الجديد الذي تشهده الجزائر. وقد اعتبر آيت أحمد أن "معارضة فاعلة للاستفتاء هي الخيار الأمثل والمنطقي في التعامل مع الوضع الحالي في البلاد". وأضاف:" أن المشروع يزج الجزائر في أزمة جديدة". ورأى أن المخرج في الجزائر يكمن في "حل شامل ديمقراطي يمكنه أن يبدأ بمجرد أن يجلس الجزائريون على طاولة المفاوضات من أجل الوصول إلى مصالحة سياسية".وقال "من اجل السلام والمصالحة يتوجب انهاء حالة الطوارئ فعليا، والقطيعة مع العنف". وكان آيت احمد يراهن على مقاطعة "منطقة القبائل"، لكن ذاك الرهان أصبح ضعيفا في ظل قرار الاطراف الاخرى في هذه المنطقة(تنسيقية العروش) التي تراجعت عن قرارها مؤخرا بالمقاطعة. إن الاستفتاء في كل الاحوال يشكل نقلة هامة في تاريخ الجزائر، لأنه يمهد الطريق لطي ملف الأحداث الدامية، وترسيخ السلم الأهلي الذي بدأ مع الولاية الأولى لبوتفليقة، ومثلما أن الأزمة استغرقت أكثر من عقد من الزمن فإن تسويتها لايمكن ان تتم بعصا سحرية، لذلك من الخطأ الرهان على حلول فورية قبل تضميد الجراح، وتهدئة الخواطر. ورأى "آيت أحمد"أنّ أي حل أو ميثاق يقفز على "العدل والحقيقة"، و"العفو المشروط"مآله الفشل الذريع، واستنكر عدم مبالاة السلطة في الجزائر بما أسماه "بالوساطات السياسية"التي لم تكترث لها الجهات المختصة، بل كانت وسائل الإعلام الحكومية تصف العديد منها ب"اللاحدث" مثلما وقع لمبادرة القيادي الإنقاذي عباس مدني للخروج من الأزمة الجزائرية. وتأتي إطلالة "آيت أحمد" إلى مقاطعة الاستفتاء، في وقت ما تزال فيه فعاليات سياسية وشخصيات وطنية معروفة من دعاة الحل السلمي تلتزم الصمت تجاه النقاش الواسع الذي تشهده الساحة السياسية والإعلامية حول المصالحة والسلم، ومنهم الزعيم السابق لجبهة التحرير الوطني عبد الحميد مهري، والرئيس الأسبق أحمد بن بيلا. و الواقع أن مشروع المصالحة الوطنية الذي طرحه الرئيس بوتفليقة، لم يخرج عن الإطار العام لتوجهاته السياسية الكبرى.فهو يرفض قيام دولة إسلامية تحكم بالشريعة الإسلامية، ويريد الإبقاء على الشكل العلماني للجمهورية الجزائرية. وخوف العسكر من "بعبع " الإسلاميين، متأتٍ مما يتصورونه أنه هشاشة التكوين السياسي للجزائريين، الذي يمكن لأي خطاب سياسي إغراؤهم، إذ ا ماتوافرت الدعاية الإعلامية اللازمة. العارفون بطبيعة الدولة الجزائرية يعتقدون أن مشروع المصالحة الوطنية لن يسهم في تغيير هذه الطبيعة. فلا شك أن الجزائر أصبحت نموذجا ً لنمط من الدولة "الديمقراطية" المعذبة.ولفهم هذا المعطى، يجب إدخال عامل مهم عادة ما يتم تجاهله في التحاليل السياسية سواء على المستوى الداخلي أم على المستوى الجيبوليتيكي:ألا وهو التعذيب. إن دولة جنرالات العسكر تحولت إلى نموذج يحتذى به في الحرب العالمية ضد الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.ففي رسالة أرسلها الرئيس جورج بوش إلى نظيره الجزائري عبد العزيزبوتفليقة،بتاريخ 3 تموز/يوليو 2004،بمناسبة عيد الاستقلال جاء فيها ما يلي:"تستمر أمريكا في الاعتماد على الجزائربوصفها شريكا ً في الحرب على الإرهاب وكذلك في مهمتها العصيبة لنشر الديمقراطية والازدهار في العالم". ولكن مايهم الأمريكيين و(الفرنسيين) في "النموذج الجزائري" هو أن المؤسسين لـه نجحوا في التستر على استخدام "ماكينة " الموت خلف واجهة"ديمقراطية" مقبولة.ففي محاولته بناء مشروع "الشرق الأوسط الكبير"، ذكرت إدارة الرئيس بوش الجزائر بوصفها أحد الأنظمة "الأكثر ديمقراطية" في العالم العربي.و في ضوء العلاقات الممتازة بين واشنطن والجزائر، يستمر هذا المشروع في تحقيق أهدافه بوضوح:تحرير المنطقة من الأنظمة المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني وتشجيع واجهة ديمقراطية، من أجل قمع الشعوب بطريقة أفضل، كي لا تجازف بتصدير الاحتجاج إلى الغرب. ذلك هو المنطق العميق للمحافظين الجدد الأمريكيين، خلف الوعد بتحرير الشعب العراقي من نظام ديكتاتوري.و هو المنطق عينه أيضا المتغير حسب مصالحه الخاصة. إنه منطق فرنسا الرسمية، على الرغم من معارضتها للحرب الأمريكية على العراق، لكنها تتقاسم مع واشنطن الميل عينه في التوليفة بين التعذيب وديمقراطية الواجهة في العالم العربي. لقد زكى الشعب الجزائري في الاستفتاء الذي جرى يوم الخميس 29 أيلول/سبتمبر 2005، وثيقة "ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" بنعم ساحقة، بلغت نسبة 97% من الأصوات. وبهذه التزكية منح الجزائريون الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تزكية شعبية لم يحصل عليها خلال إعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية في نيسان /أبريل 2004، ما يعزّز مركزه ويسمح لـه بقيادة البلاد بكل حرية من دون اللجوء في كل مرة إلى التنسيق مع القوى الخفية في السلطة أو الدائرة في فلكها لتمرير مشاريعه. و اعتبر وزير الداخلية الجزائري نور الدين يزيد زرهوني أن المشاركة القياسية في استفتاء "السلم والمصالحة" هو دليل على عودة الثقة إلى الجزائريين في دولتهم وفي مؤسسات الجمهورية وإصرارهم على طي صفحة الأزمة نهائيا، ودليل أيضا على صواب ما اسماه "منهجية الرئيس بوتفليقة" في حل الأزمة الجزائرية، وهو ما تعكسه، مثلما قال، المشاركة القياسية التي عرفتها اكثر الولايات المتضررة من الإرهاب مثل المدية وجيجل وعين الدفلى والشلف والأغواط وتيارت. لقد تعب الجزائريون من العنف الدموي الذي يعصف ببلادهم منذ عام 1992. فالحلم الذي يراود رئيس الديبلوماسية الجزائرية في ولاية الرئيس بومدين هو دخول التاريخ من بابه الواسع، فمنذ مجيئه إلى الحكم في ربيع 1999 بعد غياب دام عشرين سنة، سطر بوتفليقة لنفسه أهدافاً عدة في آن واحد. 1 ـ إعادة الهدوء للبلاد من خلال استئصال الجماعات الإسلامية المسلحة التي تمارس العنف ضد المجتمع، وإعادة تأهيل المقاتلين المستعدين للتخلي عن أسلحتهم، مع الدعوة في الوقت عينه الشعب الجزائري لكي يلتف حول السلطة الجزائرية التي تحولت شيئاً فشيئا ً إلى سلطة شخصية. 2 ـ التحرر من وصاية الجيش الجزائري، واستعادة استقلالية القرار السياسي في البلاد من هيمنة الجيش إذ أكد بانزعاج للذين يسمحون لأنفسهم بتذكيره فضل القيادة العسكرية عليه، أنه يرفض أن يكون "ثلث رئيس" ولن يرضى إلا برئيس كامل الصلاحيات. وقد تحرر الرئيس بوتفليقة من هذه الوصاية، عندما نجح في تحويل الجيش الجزائري إلى جيش محترف بعيدًا عن التدخل في الشؤون السياسية.. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل سيتمكن من فعل الشيءعينه للأمن العسكري، أي إزاحة أجهزة المخابرات العسكرية الحاضرة بقوة في كل دواليب الدولة الجزائرية بل وفي كل تفاصيل الحياة السياسية العامة في الجزائر، بشكل تحولت معه إلى القوة السياسيةالوحيدة الموازنة للسلطة في البلاد ؟ إن الرئيس بوتفليقة المفتون بشخصيته، والتسلطي أيضا ً وحتى الاستبدادي، والمقتنع بالطابع الرسولي لمهمته،و المحوط بفريق كبير من الممالقين السياسيين، أصبح يمركز السلطةاكثر فأكثر بين يديه. فمن سنة إلى أخرى، تسارعت وتيرة تحول النظام الجزائري على طريقة نظام الرئيس زين العابدين بن علي في تونس. فلا الأحزاب السياسية، ولا المعارضة، ولا البرلمان، ليس لهم الحق في إبدء الرأي.فالجزائريو ن الذين يعيشون في ظل حالة الطوارىءيتمتعون بحرية نسبية على أبعد حد. وهي بصدد التفتت.و الصحافة والقضاء الجزائريين هما الضحيتان الأوليتان(14). والآن وبعد أن مرّر بوتفليقة ميثاقه بسلام ومن دون مشقات تذكر، تطفو على سطح المشهد السياسي الجزائري مجموعة من التساؤلات حول مستقبل جزائر ما بعد الاستفتاء، وهل ستكون مختلفة عما كانت قبل تاريخ 29 أيلول/سبتمبر، كما وعدت أحزاب السلطة الجزائرية طوال الحملة الانتخابية للدعاية لهذا الميثاق، أم أن دار لقمان ستبقى على حالها؟. هل سيرفع بوتفليقة حال الطوارئ المعمول بها منذ توقيف المسار الانتخابي في 1992، وهل سيفتح المجال السياسي والإعلامي أمام قوى المعارضة الحقيقية في البلاد، باعتبار أن الديموقراطية والحرية شرطان أساسيان لأي تنمية شاملة والشواهد متوافرة في الدول الغربية، فحيثما وجدت الحرية والديموقراطية يكون هناك الرقي والرفاه الاجتماعي، وتتفجر، في هذه الحال، مواهب وطاقات الإنسان لتبدع أرقى وأجمل صور التقدم الاجتماعي والسياسي والازدهار الاقتصادي. الأكيد أن الجزائريين صوتوا في الاستفتاء على شعار "السلم والمصالحة الوطنية"، والأكيد أنهم لم يصوتوا على الوثيقة المعروضة للاستفتاء، لأنهم عانوا الويلات قرابة 15 عاماً من الإرهاب والأزمة السياسية، وهم اليوم يتطلعون إلى الأهم، أي تحقيق التنمية وتوفير فرص العيش الكريم للملايين منهم، من العاطلين عن العمل، ما دامت الأموال متوافرة لتحقيق ذلك، وما دام أن الأمن والسلم عادا إلى ربوع البلاد. وبعد 29 أيلول (سبتمبر) لن يكون أمام السلطة أي حجة لتبرير كل تأخر في تجسيد المشاريع التنموية التي يتوق إليها الجزائريون بفارغ الصبر ومنها مليون مسكن وعدهم بها سابقاً. هناك حقيقة يجب أن نشير إليها وهي أن الرئيس بوتفليقة كان في أشد الحاجة لهذا الاستفتاء وفي هذا الوقت بالذات، لأنه لم يفعل شيئاً خلال ولايته الرئاسية الأولى. فالحقيقة التي لا غبار عليها أن الأمن والسلم الذي تحقق كان أحد ثمار الهدنة التي وقعها الجيش الجزائري مع ما يسمى بـ"الجيش الإسلامي للإنقاذ" عام 1997، وما فعله الرئيس بوتفليقة حين جاء إلى قصر المرادية (الرئاسة) رئيساً لكل الجزائريين أنه منح الغطاء السياسي للهدنة، وهذا الكلام أكده في العديد من المرات ضباط من الجيش وسياسيون في مناسبات مختلفة. وها هما سنتان من الولاية الرئاسية الثانية لبوتفليقة تمران من دون أن يتمكن من تجسيد مختلف الوعود التي أطلقها خلال ولايته الأولى، وكل ما كان ينتظره من الشعب هو تزكية مشروعه تزكية مطلقة، حتى يقول بعد ذلك إن هذا ما أراده الجزائريون. إن ما يطمح بوتفليقة إلى تحقيقه فعلاً في المستقبل المنظور هو استفتاء آخر في 2008 لتعديل الدستور، والترشح لولاية رئاسية ثالثة ويكون عمره آنذاك 71 عاماً(15). وهناك إجماع لدى أغلبية المحللين والمتتبعين للمشهد السياسي الجزائري، أن الأمور في هذا البلد تسير نحو خلق انطباع وشعور عام لدى الجزائريين بضرورة منح بوتفليقة ولايات رئاسية أخرى حتى يتمكّن من تحقيق ما وعد به الجزائريين، بمعنى أنه سيلجأ إلى تعديل دستور 1996 باعتباره لا يسمح بأكثر من فترتين رئاسيتين.وما التصريحات الأخيرة لعبد العزيز بلخادم وزير الدولة والممثل الشخصي للرئيس بوتفليقة، في هذا الاتجاه، إلا دليلا ً قاطعا ً على الطبخة السياسية التي يجري التحضير لها حالياً قصد الذهاب نحو تعديل وثيقة الحكم، وتغيير شكله من النظام الحالي الذي هو خليط ما بين رئاسي وبرلماني إلى رئاسي خالص على منوال نظام الحكم في الجمهورية الخامسة الفرنسية. وأكد الأمين العام لجبهة التحرير الوطني الذي يحظى بوتفليقة برئاستها الشرفية، في تصريح لإحدى الصحف الناطقة بالفرنسية، في خريف 2005،أنه سيقترح على الهيئات العليا للحزب جعل مدة الولاية الرئاسية للرئيس المقبل سبع سنوات، وهذا خلال التعديل الدستوري الذي سيجري خلال االنصف الثاني من سنة 2006.ويذهب الممثل الشخصي لبوتفليقة إلى أن منصب القاضي الأول في البلاد يتطلب ولاية تمتد أكثر من خمس سنوات، لأن خمس سنوات برأيه هي ولاية نائب في البرلمان وليست ولاية رئيس للجمهورية بمهام ثقيلة ومعقّدة. وباعتبار رئيس الجمهورية في الجزائر يمثل السلطة والدولة، لكونه وزيراً للدفاع الوطني والقائد الأعلى للقوات المسلحة، ويملك صلاحيات التشريع بالأوامر ما بين دورتي البرلمان، فيجب أن تكون مدة ولايته الرئاسية سبع سنوات. الهدف الرئيس للرئيس بوتفليقة هو تعزيز وتقوية حكمه من دون المساس بالتوازنات المعمول بها في أعلى هرم السلطة في الجزائر، ومن دون تغيير القاعدة التي يقوم عليها النظام السياسي الجزائري والمتمثلة في كون مصدر السلطة في الجزائر هو الجيش باعتباره سليل جيش التحرير وقائد معركة التحرير الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، وهو الجيش إياه الذي ينتمي إليه الرئيس نفسه. إن المصالحة التي قادها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والتي يراد منها أن تطوي صفحة سنوات الحرب الأهلية الدامية في الجزائر، لا تستهدف رأب الصدع بين طرفي الصراع الأهلي: النظام السياسي الجزائري من جهة والحركة الإسلامية على اختلاف تياراتها من جهة أخرى. ووهي لا تريد معالجة أسباب انقسام المجتمع الجزائري إلى كتل متنازعة ومتنابذة، وبالتالي تحديد المسؤولية سواء من جانب النظام الذي ارتكبت أجهزته الأمنية والعسكرية جرائم قتل وتعذيب وخطف وتعديات على الكرامة الإنسانية، والذي تحوّل إلى طبقة متميزة تحتكر السلطة والثروة والمعرفة، أم من جانب الإسلاميين الذين هم أيضا ًانساقوا إلى ردات فعل مماثلة لممارسات النظام العسكري، الأمر الذي قاد قسم منهم إلى ارتكاب جرائم يعاقب عليها القانون. وترى جماعات أصحاب المصالح في دعوة المنادين بمصالحة وطنية حقيقية تحدد مسؤولية كل طرف من أطراف الصراع الأهلي، محاولة لتفجير تناقضات ونزاعات ولفتح جراحات تعمل السلطة المستحيل للتغطية عليها. ومن منطق الحفاظ على الأمن والنظام والاستقرار لم يتردد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عند شروعه في الترويج لميثاق المصالحة، من التركيز على عدم السماح لأي صوت معارض مهما كانت منطقيته في الظهور على شاشة التلفزيون الحكومي أو أي من وسائل إعلام الدولة الأخرى مثل الإذاعات والجرائد ووكالة الأنباء.كما حرص الرئيس الجزائري، على تأكيد بديهية راسخة عبر خطبه ومن خلال قنوات وزراء الحكومة، ومؤيدي السلطة من جمعيات ومنظمات شعبية، فحوى هذه البديهية يشدّد على استبعاد نهائي لأي عودة لجبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة، إلى العمل السياسي تحت أي غطاء، بدعوى أنها استخدمت الدين لإثارة العبث، وبثّ قلاقل مزمنة في البلاد، وعليها أن تدفع ثمن ذلك. إن الموقف الجدير بالرصد هو موقف قيادات "جبهة الانقاذ" التي يشير الميثاق صراحة إلى منعها من العمل السياسي لاحقا، وهنا تتوجب الإشارة إلى غياب رد فعل القياديين الذين تصدروا الأزمة مثل عباسي مدني وعلي بلحاج، لكن ذلك لم يمنع من قيام قيادات أخرى بالتعليق على الميثاق أبرزها رابح كبير الذي اعتبر أن الميثاق يحتوي الكثير من الإيجابيات لكنه يتضمن بعض السلبيات. وأشار على نحو خاص إلى "منع بعض الشخصيات من العمل السياسي مستقبلا كنتيجة لتحميلهم المسؤولية وحدهم دون غيرهم"، إلا أن كبير أوضح أن طبيعة التوازنات القائمة "دفعتنا إلى غض النظر مؤقتا عن التحفظات والنظر إلى الإيجابيات والفضائل". وبدوره انتقد الزعيم السابق ل "الجيش الاسلامي للانقاذ" مدني مرزاق نصوص المشروع معتبرا أنه كتب من جهة واحدة، وأنه لم يشمل المصالحة مع كافة الأطراف التي لها علاقة بالأزمة، وقال في مؤتمر صحافي عقده في الجزائر أن الرئيس بوتفليقة اعترف بأن المشروع جاء ثمرة ل "التوازنات الوطنية"، وشبه مشروع المصالحة الوطنية ب"السم النافع" الذي يتحتم على الجميع شربه لأن على مافيه يبقى مشروعا في مصلحة الدولة والمجتمع، ولتخليص البلاد من أزمة طال أمدها لأكثر من عقد. و بالمقابل نفى القيادي البارز في جبهة الإنقاذ الجزائرية المحظورة الدكتور أنور نصر الدين هدّام، أن تكون زعامات الحزب الإسلامي المنحلّ، قد أبرمت صفقة مع رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة، تمهيدا ً لعودة التشكيلة تحت غطاء جديد،. ويقول في حواره مع "الخليج"، إنّ سبب منع قيادات الجبهة من العودة إلى الجزائر، يجد مسوغا ً له، بحسب "هدّام" في شعور الطرف (الاستئصالي) النافذ في السلطة، بالإرباك والحرج. ويتصور هدّام المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية، أنّ تفعيل المصالحة الوطنية الحقيقية يمرّ عبر احترام ذاكرة الأمة وعدم تزييف التاريخ، ويقتضي من جميع الجزائريين، التحلي بثقافة مغايرة تماما ً لعقلية التصادم والإقصاء وتلفيق التهم للأبرياء، والتصالح رهان يحتاج إلى ثقافة التعددية وقبول الرأي، بحيث يتمكن الإسلاميون المنفيون من ممارسة السياسة واستعادة الاعتبار، والمشاركة في بناء الجزائر الجديدة.(16). إن عدم تحديد مسؤولية الجرائم المرتكبة في ظل النظام العسكري يشكل تحديا ً أمام المصالحة الكاملة مع الذات. فالشعب الجزائر ي بجميع طبقاته وفئاته يبحث عن الحقيقة بوصفها القيمة السياسية والأخلاقية التي تقوم عليها استراتيجية المصالحة الوطنية.و عندما لاتذهب المصالحة إلى تحديد سلسلة المسؤوليات التي كانت في أصل المسببات الحقيقية للحرب الأهلية، وما اكتنفها من جرائم قتل وتعذيب وخطف واختفاء، فهذا يعني أن العدالة مستباحة.في حين أن المنطق السليم يقول أن العدالة هي شرط السلام الأهلي. وهذا ما يجعل المصالحة أمرا ً مستحيلا ً. بيد أن هناك سببين رئيسيين لفهم مجرى الصراع الأهلي في الجزائر : الأول :إعادة إنتاج النظام العسكري السلطة الاحتكارية والانفرادية في الجزائر من دون تغيير لعقود طويلة، الأمر الذي مكن الطبقة البرجوازية الكومبرادوية الجديدة الحاكمة من الجمع في قبضة واحدة بين السلطة السياسية والاقتصادية والرمزية،و استمرارها في ممارسة احتكارالتعامل بالشأن العمومي وتحويل المجتمع بأكمله إلى مجموعات مصالح اقتصادية ومهنية مستقلة يقف دورها عند الشأن الخاص. وقد رفضت الدولة الشمولية الجزائرية التي فرضت مفهوم التماهي والتطابق بينها وبين المجتمع، وغيبت مفاهيم الشعب والطبقات والفئات والمصالح والتيارات المتباينة لصالح فرض هذا المفهوم التطابقي، أن يكون للمجتمع الجزائري رؤية شمولية أو وطنية تعنى بالمصير العام، حين جعلت مصير الوحدة المجتمعية معلقا ً بين يدي الطبقة ـ الدولة وحدها. ولما كان المجتمع الجزائري ينخره الفساد من الداخل، وهو غارق في الفقر، ومضطرب نتيجة زعزعة العادات والقيم الشعبية التي تربى عليها، وعجز السلطة الأوتو قراطية العلمانية عن بلورة وإرساء قيم مدنية حديثة، وغاضب نتيجة الوعود المنتهكة للعولمة في حين أن الطبقة الحاكمة الموالية للغرب تدور حول العالم وتنتهج أسلوبا ًاستهلاكيا ً تفاخريا ً مستفزا ً لمشاعر الفقراء من عامة الناس، فقد أفسح هذا المناخ في المجال لنشاة وترعرع الأصولية الإسلامية في ظل غياب البديل الوطني الشعبي والعلماني. الثاني:. موافقة الغرب السلطة العسكرية في الجزائر على إلغاء الانتخابات الديمقراطية بهدف منع وصول الأصوليين الإسلاميين إلى السلطة. و من المعلوم أن النظام الجزائري لا يتحرك بالسرعة المناسبة لكي يواكب التحولات العالمية باتجاه إرساء الديمقراطية، وما تحتمه من إدخال تغييرات سياسية تتواكب مع هذا المطلب الكوني، والأخذ بهذه التغييرات. والسبب في ذلك أن جماعات من "أصحاب المصالح" داخل النظام ترتبط مصالحها بإبقاء الأوضاع على ما هي عليه، مما يترتب عليه لون من الاحتقان السياسي، الأمر الذي يواجه معه النظام الحاكم أحد خيارين، اما القلاقل الداخلية أو المبادرة بالاصلاح! 4 ـ المعارضة التونسية والموقف من المصالحة من بين القوى السياسية التونسية التي طالبت بالإصلاح الديمقراطي ولاتزال حركة النهضة الإسلامية بزعامة الشيخ راشد الغنوشي، الذي بلور الأطروحات الإسلامية الجديدة المستنيرة. فهويرى أن الحركة الإسلامية، بتشابكها، وتفاعلها مع المعضلات الاجتماعية والسياسية العربية والإسلامية، بتحولاتها وتعقيداتها، كشفت عن قصور الفكر الإسلامي الأصولي هذا الذي يتعامل بطريقة دوغمائية نصية مع السلطة المرجعية، والذي عجز عن تقديم أجوبة للتحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها الأمة العربية والعالم الإسلامي. منذ نهاية القرن الماضي، ماانفكت حركة النهضة تطرح موضوع المصالحة مع حكم الرئيس بن علي، الذي كان ولا يزال ينتهج استراتيجية سياسية قوامها القمع والانغلاق السياسي الشامل.وجاءت الإسقاطات المدمرة للاحتلال الأمريكي للعراق، ومأزق إدارة بوش في هذا البلد العربي لجهة إخفاقها السياسي والعسكري في توطين الديمقراطية، والقضاء على المقاومة، ليعجلا موضوعيا ً بطرح موضوع الحواربين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي مع الحركات الإسلامية المعتدلة في العالم العربي، من أجل عزل التيارات الإسلامية الأصولية التي تمارس العنف ضد أمريكا والأنظمة العربية. هذه العوامل معا ً، تشكّـل إلى حدّ بعيد مُحَفـزات اللجوء إلى الحوار مع الجماعات الإسلامية المعارضة في البلدان العربية. بيد أن الأمر في داخل هذه الجماعات وحولها، وتحديداً التي تعمل داخل بلدانها، لا يسمح بالانخراط في مثل هذا الحوار، وذلك لأسباب شتى، منها أن جزءا ً أساسيا ً من الخطاب السياسى ـ إن لم يكن كله تقريبا ً ـ لهذه الجماعات، قائم على نقد الولايات المتحدة تحديدا ً، والغرب إجمالا ً على الكثير من التراجعات العربية الداخلية، وفي عدد من القضايا الكبرى كقضية فلسطين والعراق والسودان. وثانيا ً، فإن ثمة حساسية عالية جدا ً في هذه الأيام تجاه القوى التي تسمح لنفسها بالتقارب مع الولايات المتحدة أو الحوار معها في شأن سياسي داخلي، في الوقت الذي تثار فيه قضية الإصلاحات الداخلية، ومدى علاقتها بالضغوط الخارجية، إذ سينظر لها باعتبارها "حصان طروادة " للتدخل الخارجي في الشأن السياسي الداخلي. كما أن النظم نفسها متحفّـزة للتعامل بشدة مع أي تطور من هذا النوع، لأنه ببساطة يعني الخطوات الأولى لتغيير النظام نفسه. وما الحملة التي تشنها بعض المراجع الإعلامية الرسمية على هذا "التدخل الخارجي، الذي يمثل تطبيقا ً لمقولة كوندليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، عن الفوضى البناءة "، إلا مؤشرا ً على قدر الارتباك الذي يسود العديد من الدوائر الحاكمة عربيا ً. وحين ربط السيد مهدي عاكف، مرشد الإخوان المسلمين أي حوار مع الولايات المتحدة بأن يكون عن طريق الخارجية المصرية، فقد فسّـر د.عبد المنعم أبو الفتوح، عضو مكتب إرشاد الجماعة، هذا الموقف بأنه من نوع درء الشبهات. لكن بعض الجماعات الإسلامية الصغيرة، والتي لا يُـقارَن حجمها أو تأثيرها بحجم أو تأثير حركة كالإخوان المسلمين في مصر وفي بلدان عربية أخرى، ترى أنه لا مانع من الحوار، على أن يكون علنيا، وأن تكون عناصره محدّدة من قبل كل القوى العربية والإسلامية، وأن يهدف إلى مناقشة دور الغرب في القضايا العربية، وألا يكون سبيلا ً للتدخل في الشؤون الداخلية. وأيا ً كان موقف القوى الإسلامية المعارضة المستهدفة بالحوار الأمريكي أو الأوروبي، فإن الرسالة باتت واضحة، ذلك أن الغرب ذو التراث البراغماتي في السياسة كما في الاقتصاد ومجالات الحياة الأخرى، لن يترك التطورات الداخلية في البلاد العربية تسير على هواها، بل سيعمل على المشاركة فيها وتوجيهها، والتحسب أيضا ً لنتائجها المستقبلية، فإن جاءت ديمقراطية عربية وليدة بقوى إسلامية، فلن يعني ذلك نهاية الطريق، بل ربما بدايتها. وترى حركة النهضة التونسية أنه لا يمكن تصور إصلاح حقيقي وجاد بمعزل عن القوى الإسلامية المعتدلة التي أثبتت حضورها واتساع انتشارها وتأثيرها في عموم الساحة العربية والإسلامية يوما ً بعد آخر. وهي تعمل من جهتها على دعم أي توجه حواري جاد من شأنه أن يخفف من الصراعات ويقرب المصالح ويرسخ التعاون المشترك بين الأمم والحضارات.وترفض حركة النهضة علاقات الهيمنة والاستعمار الجديد والتحريض على صراع الحضارات والديانات وعلى الكراهية وبالخصوص الحملة الدولية على الاسلام والمسلمين، وهي تدافع عن حق الشعوب –الذي تضمنه المواثيق الدولية ـ في المقاومة والتحرير، ورفض التدخل في شؤونها، ورفض فكر الارهاب وحركاته ويدعو الغنوشي الحركة الإسلامية إلى تبني استراتيجية سياسية قوامها اعتماد المنهج السلمي والعلني في التغيير، ورفضها استعمال العنف وسيلة لحسم الصراعات السياسية والفكرية ومنهجا للوصول إلى السلطة أو التمسك بها باعتماد وسائل الضغط السلمية، والخطاب المعارض المعتدل والمسؤول. على أن تؤمن أن الحوار الوطني هو الكفيل وحده بضبط العمل السياسي الديمقراطي والتوصل إلى معالجة وطنية شاملة. كما يطالب الغنوشي بضرورة بناء مجتمع مدني حديث بالتلازم مع دولة الحق والقانون، وبرفع وصاية الاجهزة الامنية على الحياة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، واحترام حرية الصحافة وصيانة استقلالية القضاء، والمنظمات الشعبية الوطنية وحيادية الدولة، والتصدي لمظاهر التطبيع مع الكيان الصهيوني، والدفاع عن التضامن المغاربي والعربي الإسلامي والتوجه الوحدوي. في مقابل ميلاد هذا التيار الإسلامي الديمقراطي الذي جاء كنتاج لعملية مستمرة داخل منظومة فكرية تتراوح بين التجديد والانفتاح والأنسنة وبين الانغلاق والجمود وتعطيل العقل الاجتهادي، يظل الموقف من المصالحة الوطنية في المغرب العربي بوجه عام هو موقف زئبقي يتحول من طرف إلى آخرتبعا ً لارتفاع درجة الطقس السياسي والاجتماعي، وحسب المصالح والأهواء،لاحسب القناعات والوعي والثقافة الديمقراطية. و هنا نورد هذا المقتطف الصغير من المقابلة التي أجرتها مجلة أقلام أون لاين(17) مع زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، الذي يوضح فيها موقف حركته من المصالحة الوطنية في تونس. النقطة الأولى أن الحركة الإسلامية، وبالتحديد هذا التيار من الحركة الإسلامية، الذي عبر عن نفسه في إطار حركة الاتجاه الإسلامي منذ ولادتها يوم 6\6\1981، فطرق باب القانون، وراهن على العمل والتطور والتعلم في إطاره، هو لا يزال حتى اليوم، رغم كل الذي أصابه من عنف الدولة، رافضا ً الاستدراج إلى محرقة العنف، مصرّا ً أكثر من أي وقت سابق على الالتزام المطلق بأساليب التغيير السلمي، وبالخصوص بعد الذي تكشفت عنه كوارث العنف في أكثر من بلد لم يسلم من وبالها أحد. إن هذا التيار لا يزال يطرق باب القانون، ولكنه بقدر إصراره على مواصلة الطرق، كان إصرار السلطة، وبعض قوى المجتمع المدني للأسف، على صم الآذان، بل كان الرد بسلسلة من الاعتقالات الشاملة، والمحاكمات المصطنعة، وتحويل البلاد كلها إلى صحراء موحشة من الرعب، وإلى سجن رهيب، وهو ما انتهى بالبلاد إلى هذا المأزق المتمثل في إصرار السلطة على إنكار الواقع والرهان على التعامل مع طرف سياسي، إن لم نقل أهم طرف سياسي، تعاملا حربيا، في محاولة مستميتة لدفعه إلى حمأة العنف، حتى تجد دعاواها بأنها تحارب الإرهاب موضوعا، وهو ما كان لـه أكبر الإسهام في الأزمة المستحكمة التي انتهت إليها البلاد، حتى غدت مضغة في أفواه المنظمات الحقوقية الدولية، وثقلا ً على حلفائها. إن رفض أي نظام في الدنيا التعامل مع طرف سياسي رئيس، ليس من شأنه إلا أن يفسد الحياة السياسية جملة وتفصيلا، حتى لو كانت هذه الحركة السياسية حركة صغيرة، أو متوسطة، فما بالك إذا كانت هذه الحركة كبيرة. ثانيا: لقد ظلت الحركة رغم ما أصابها كما ذكرت، ومنذ زمن بورقيبة، تنادي إلى التعقل، وتنادي إلى الرشد، وتقدم المطالب المتتالية للاعتراف بها، وتغتنم كل فرصة للمشاركة في الانتخابات، سواء في المجالات السياسية أو في المؤسسات الاجتماعية، وذلك تعبيرا ً عن خلفية فكرية إصلاحية عميقة وأصيلة في الحركة، لا تنسجم مع المنهج الثوري، الذي يراهن على نسف القوانين، وعلى التغيير الشامل والسريع، بينما الحركة اتخذت سبيل التغيير التدريجي، والانتقال السلمي، وفي إطار القانون، ولكن الطرف الآخر ظل رافضا ً كما قلت. إذا باختصار المصالحة الوطنية الشاملة هي خيارنا وسنستمر على نهجه استجابت السلطة القائمة – وهو ما نبغي ـ أو وضعت أصابعها في آذانها واستغشت ثيابها وأصرت واستكبرت استكبارا. إنه لا صلح ما لم تتوفر إرادات مشتركة للإقدام عليه. والمشكلة اليوم ليس في المعارضة إسلامية وغير إسلامية فليس منها من تبنى نهج العنف أو الثورة الشاملة وطالب برأس السلطة. فهذا المحور للمصالحة الذي طرفه السلطة ما يبدو هذا التفكير عنده واردا على جدول أعماله ربما يحسب أن شروطه لم تتوفر فالمعارضة مشتتة والاستقرار قائم والدعم الدولي متوفر والضغوط الداخلية والخارجية وهي رأسمال العمل السياسي لا تزال غير موجعة فلم وجع الرأس. وإذا ً فباب الصلح لا يزال على حاله موصدا ً بقفل ثقيل في يد السلطة. . وفي السياق عينه نستعرض موقف أحد الأحزاب الديمقراطية غير المعترف بها من قبل السلطة من المصالحة الوطنية، من خلال هذه المقابلة التي أجرتها مجلة أقلام أون لاين مع الأمين العام لهذا الحزب الدكتور منصف المرزوقي(18). المصالحة ليست هاجسا ً بالنسبة لي، ذلك أن الشكل الأرقى للسياسة هو محاولة إيجاد قواسم مشتركة. والبحث عن الصيغ المشتركة هو البحث عن كل ما يمكن أن يجمع وأن يهدئ ويخفف من العنف. وبطبيعة الحال المصالحة هي جزء لا يتجزأ من العملية السياسية ومن العمل السياسي.وفي كل الحالات المصالحة والبحث عن الحلول السلمية والصلحية يجب أن تكون هاجس كل رجل سياسي مسؤول، وهذا حتى في الحياة العائلية. ولا أتصور أنه توجد خصلة في الإنسان أحسن وأقوى من قدرته على أن يذهب إلى الناس ويتصالح معهم ويتجاوز عن العيوب، وذلك هو الشرط الأساسي للحياة الاجتماعية. ومن دون ذلك تصبح الحياة مستحيلة. ولكن للمصالحة مجموعة من الشروط: الشرط الثاني للمصالحة أن تكون مصالحة حقيقية. يعني أن يكون فيها اعترافا ً متبادلا ً بالحقوق والواجبات، بحيث لا تكون المصالحة عملية منقوصة أو عملية استسلام مقنع وتسليم من طرف لآخر.بعد ذلك تأتي الشروط الترتيبية الأخرى، وهي أن تتم عملية المصالحة وفقا ً لبرنامج. فإذا توفرت هذه الشروط، تصبح العملية ممكنة. وإذا غابت هذه الشروط تصبح العملية مستحيلة. أنا أقول من جديد، الذي يفرض وجود مصالحة من عدم وجودها هو هذه السلطة وهذه السلطة تريد مصالحة لا تريد تقديم تنازلات فيها للمجتمع. وبالتالي ماذا عليك أن تفعل؟ ليس عليك سوى أن تواصل نضالك، إلى أن تغير موازين القوى. لو ثمة أي مبادرة من السلطة للمصالحة لأطلقت سراح المساجين السياسيين، ولطوّرت القانون الانتخابي حتى يمكن قيام انتخابات حرة ونزيهة.. هذه الشروط غير موجودة، ولم توجد، فلماذا تريد أن تحملني أنا وزر المشكلة بينما هي موضوعة على عاتق السلطة. أقول أي بادرة باستثناء أن سمحوا برجوع بعض زوجات الإسلاميين إلى الوطن. هل يمكن أن تعتبر شيئا ً مثل هذا بادرة، فليطلقوا سراح المساجين السياسيين.. فليعلنوا عن عفو تشريعي عام. لو فعلوا ذلك فتلك ستكون رسالة هامة. عندما يبادرون بذلك، عندها فقط نستطيع البدء بالتفكير في الموضوع. أما أن نفكر في الموضوع، ومن تواجهه لا يفكر فيه تماما ً.. أنا اعتبر هذا دليلا ً على أن الإرهاق بدأ يتسلل إلى المناضلين. 5 ـ الخاتمة لقد أصبحت المصالحة الوطنية في ظروف الأزمة البنيوية العميقة التي يعيشها المغرب العربي الشعار المركزي الذي تطرحة مختلف القوى السياسية المغاربية، بوصفها "البديل المطروح عن الثورة أو الانقلاب الذي يمثل آلية انتزاع الحكم بالقوة للدخول إلى ميدان السلطة وطرد المستولين عليها بسلاح القوة نفسه الذي استخدموه ولا يزالون للإبقاء على احتكارهم لها" على حد قول برهان غليون. بيد أن حجم الجرائم المرتكبة في ظل الدول المغاربية القائمة يشكل تحديا ً أمام المصالحة الكاملة مع الذات. من هنا نرى أن تحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية قي أي بلد مغاربي تحتاج إلى توافر عدد من الشروط، أهمها: 1 ـ إن المصالحة الوطنية الحقيقية لايمكن أن تكون إلا بين طرفين أساسيين هما السلطة من جهة والمعارضة ومختلف مكونات المجتمع المدني من جهة أخرى. وتقتضي تحقيق هذه المصالحة تشكيل لجنة البحث عن الحقيقة متكونة من رجال قانونيين مسؤولين يرشحهم مكونات المجتمع المدني في بلدان المغرب العربي، إضافة إلى شخصيات من السلطات المغاربية التي تتمتع بالنزاهة والاستقامة ومن أنصار بناء دولة الحق والقانون.وعندما تلجأ المجتمعات المغاربية إلى المصالحات الوطنية ‘ فإنها تريد طي صفحة الماضي الذي أنتج مآسٍ للجميع من قبل الأنظمة المغاربية، والتي تمثلت في جرائم الاغتيالات السياسية، وعمليات التعذيب للمناضلين السياسيين في مراكز الأجهزة الأمنية والسجون، وعمليات الخطف والتعدي على الكرامة الإنسانية، والانتهاكات الفاضحة لحقوق الإنسان. فالبدء بصفحة جديدة في أي مجتمع مغاربي يجب أن يشارك فيها الجميع في عمليّة البناء. فقد عرفت البلدان المغاربية أربعة عقو د من الصراعات السياسية والاجتماعية العنيفة، ووقعت عدة إنتفاضات شعبية، وشهد بلد كبير بحجم الجزائر حربا ً أهلية دامية، ومع ذلك، فإن تجارب المصالحات الوطنية التي بدأت في المغرب والجزائرو موريتانيا، لم تطو صفحة الحروب الداخليّة، والبدء ببناء دولة الحق والقانون على أساس العيش المشترك، بعد أن أذعن الجميع إلى أن حركة الصراع، مهما تطوّرت، فإنّها لا تقبل إلغاء أيّ طرف لآخر، أو حذفه من الدائرة المشتركة.ثم إنّ مشكلة هذه المصالحات التي جرت في المغرب والجزائر وموريتانيا، ويُراد تركيزها وتأكيدها في الحاضر والمستقبل، أنّها لم تراعِ الأسس والركائز، وربّما أقول البديهيّات، التي تبتنى عليها أيّ مصالحة. فما زلنا نجد أنّ الخطاب السياسي، وغير السياسي، لا يزال سلطويا ً قمعيا ً يغلّب مصلحة النظام السياسي والطبقة الحاكمة على مصلحة البلد، وغرائزياً يسحق العقل لمصلحة الغريزة، ومصلحيّاً يغلّف النفعيّة الذاتيّة بغلاف القيم، ومتكاذباً بصيغ أكثر حضاريّة من الماضي.. 2 ـ إن طي صفحة الماضي لا يعني إلغاءها من ذاكرة الشعوب المغاربية نهائيّاً وكأنّ شيئاً لم يكن، فيُصبح فيها أبطال القمع وانتهاك حقوق الإنسان وكأنّهم كانوا أبطال البناء، ومرتكبو الجرائم قضاةَ العدل، وناشرو الفساد مصلحي البلاد والعباد.. كلا. إنّ طي صفحة الماضي لا بدّ أن يقوم على الاعتراف بكل حرفٍ ورد فيها، وتقويم كلّ ذلك على أساس القيم التي يُراد البناء عليها للمستقبل. وذلك يعني أن نعترف بالجرائم كما هي التي ارتكبتها الأنظمة في حق شعوبها، وبالأوصاف كما كانت، وبالأحداث كما حصلت، من أجل مواجهة الحقيقة، علما أن البحث عن الحقيقة هو السبيل المؤدي إلى العفو الشامل، الذي من المفترض أن ينص عليه دستور ديمقراطي جديد.ولعلّه عند هذه النقطة بالذات، تبرز مشكلة كتابة تاريخٍ موحّد للبلدان المغاربية ؛ إذ إنّ كتابة التاريخ تقتضي وصفاً لمجرياته، كوقائع حصلت، مما لا أظنّ أحداً يختلف عليها، وإنّما يقع الاختلاف عندما يدخل التقييم، أو التحليل وتحديد المسؤوليات، ما يجعل كلّ نظام مغاربي يشعر بشيء أنه مستهدف في هذه المحطّة التاريخية أو تلك، الأمر الذي يستدعي من كلّ حكومة مغاربية أن تعترف بما كانت قد عملت به من جرائم القمع، وتقدم إعتذارا ً رسميا ً لشعبها، وتصرف تعويضات لضحايا ذلك القمع والإرهاب. 3 ـ إن المصالحة الوطنية الحقيقية هي التي تفسح في المجال للعيش المشترك بين السلطات المغاربية والمعارضات السياسية، الذي يفترض التباين البنيويّ في الخيارات السياسية والإيديولوجية والاقتصادية والمجتمعية، بين النخب الحاكمة والقوى السياسية الطامحة إلى التغيير على قاعدة التداول السلمي للسلطة. وأنّ المطلوب هو المشاركة في الحياة السياسية داخل كل بلد مغاربي، وهذه المشاركة تتطلب من السلطات المغاربية القائمة إعادة هيكلة الحقل السياسي، الذي يعكس شعار المصالحة الوطنية. 4 ـ إن إعادة هيكلة المجال السياسي يقود إلى نشوء فاعلين سياسيين جدد يطرحون على الأنظمة الحاكمة التي مارست الاحتكار السياسي بحرية مطلقة طيلة العقود الماضية، أي مهام التصور والتقدير والتقرير والتنفيذ التي تشكل جوهر السلطة، مسألتين مترابطتين. مسألة الاعتراف بالتعددية وما تتضمنه من صراع حول البرامج والتوجهات المجتمعية والثقافية، ومسألة التغييرأو مسألة التداول السلمي على السلطة، التي ترتبط بإخراج السياسة من مجال اللامفكر فيه إلى مجال التأمل والشفافية والمسؤولية. وهكذا يعكس مشروع المصالحة الوطنية ولادة حراك سياسي جديد يقود حتما ً، من خلال ديناميكية الصراع الثنائي بين الحاكم والمحكوم الذي أدرك معنى الحكم ومضمونه، إلى كسر السكون والأحادية القديمة والطويلة اللذين سمحا بإعادة إنتاج السلطة الاحتكارية والانفرادية من دون تغيير لعقود طويلة بقدر ما مكنا الطبقة الحاكمة من الجمع في قبضة واحدة بين السلطة السياسية والاقتصادية والرمزية.فهذا الجمع هو الذي مكن النخب الحاكمة من احتكار التعامل بالشأن العمومي وتحويل المجتمع بأكمله إلى مجموعات مصالح اقتصادية ومهنية مستقلة يقف دورها عند الشأن الخاص. وبقدر ما حرمت المجتمع من تكوين رؤية شمولية أو وطنية تعنى بالمصير العام في ما وراء الانقسامات المهنية حكمت عليه بانعدام التأهيل السياسي وجعلت مصير الوحدة المجتمعية معلقا ً بين يدي الطبقة ـ الدولة وحدها(19). 5 ـ إن المصالحة الوطنية تعني وضع حد للاحتكارالسياسي من جانب الطبقات الحاكمة، وتجسيد القطيعة مع الأنساق السياسة المغلقة التي أنتجتها الدولة المغاربية، وهي أنساق مولدة للعنف السياسي الرسمي بحكم طبيعتها ذاتها، إذ تمارس العنف على هذا الجتمع بعد أن أصبح جزءا ً أساسيا ً من بقاء النخب الحاكمة في المغرب العربي.و الأنساق المغلقة لهذه الدولة المغاربية، مغلقة على ذات شمولية وحصرية انتهجت سياسة الحرب على المجتمع، وانتهكت مجاله السياسي، ونظرت إلى السياسة ذاتها على أنها حرب تحكمها قاعدة الولاء لهذا النظام أوذاك، أو العداوة لـه، ونفت وطردت المعارضة الإسلامية والقومية والماركسية والليبرالية من دائرة رؤيتها، واعتبرت هذه المعارضة عدوا ً يجب الإجهاز عليه، وأخذه على حين غرة. والحال هذه أن الطبقات المغاربية الحاكمة لا تعتبر نفسها فئات من بين فئات عديدة أخرى ذات مصالح معينة وإنما تتماهى كليا ً مع المجتمع بقدر ما تطابق بين وجودها ووجود الدولة التي تمثل الكل الاجتماعي.فهي تعتبر نفسها ليست حتى الممثلة الشرعية الوحيدة للشعب ولكنها الشعب ذاته ممثلا بما تجسده هي من القيم الوطنية والاجتماعية والدينية والثقافية. فهي الضامن لوجوده والمؤتمن على مستقبله. ولا يمكن أن تعترف بوجود فريق آخر يعبر عن الشعب أو عن جزء من مصالحه من دون أن تضع هذا التماهي المطلق بين الطبقةالحاكمة والشعب والدولة موضع الشك. فوجودها كله نابع من تغييب مفهوم الشعب والطبقات والفئات والمصالح والتيارات المتباينة لصالح فرض هذا المفهوم التطابقي الوهمي للحكم والدولة والشعب وتعميمه. ولذلك بينما يريد أنصار المصالحة الوطنية من مشروعهم تأكيد إيجابية تعاملهم مع السلطة ولا يرون فيه سوى مطالب جزئية يمكن إجمالها تحت مفهوم إصلاح النظام، بما يعني تخليهم عن الدعوة لتغييره وبالتالي القبول بالعمل في إطاره وتحت سلطة القائمين على الأمر، تنظر الطبقة الحاكمة إلى أي تنازل مهما كان صغيرا ً في إطار مفهوم المصالحة هذا على أنه تهديد كلي لوجودها، أي للمنطق الشمولي الذي يحكم هذا الوجود. وهي لا تكف عن اتهام المعارضة بنيتها في تغيير نظام الحكم من وراء المطالبة بإصلاحات جزئية تتضمن الاعتراف بوجود معارضة والحوار أو التفاوض معها(20). 6 ـ تفترض المصالحة الوطنية أن تفكر السلطات المغاربية بتسويات تفاوضية بينها وبين المعارضات لمواجهة التحديات والمشكلات الوطنية التي لا يمكن حلها من دون اعتراف الأطراف المختلفة بوجود بعضها وبشرعية المطالب التي يرفعها.و يقتضي هذا الأمر من السلطات المغاربية الحاكمة أن تعرف السياسة بوصفها نفيا ً للحرب، والمعنى الذي تنعقد عليه وحدة المجتمع والدولة، ووحدة الحكم والشعب، وحدة السلطة والمعارضة، والتعبير عن ماهوعام ومشترك بين جميع المواطنين. إن تعريف السياسة بهذا المعنى يحتم على السلطات المغاربية الاعتراف بإفرادية الواقع ومعقوليته، وانطواء كليته ووحدته الجدلية على التعدد والاختلاف التعارض. والسياسة بما هي مشاركة إيجابية في الشأن العام هي حق من حقوق الإنسان والمواطن. فلا مشروعية لأي حزب معارض ولا مشروعية للسلطات القائمة، أو لأي سلطة محتملة إلا بتوافر هذه المواصفات في السياسة وتأسيسها. إن العلاقة بين السلطة والمعارضة في أي بلد مغاربي مفهومة فهما ً جدليا ً سليما ً تقر أن قوة المعارضة هي قوة السلطة الفعلية، وأن حق المعارضة نابع من حق السلطة، كما أنها تتطلب وجود مجال سياسي مفتوح تتطابق حدوده مع حدود المجتمع المنفتح. وفي مثل هذا المجال السياسي المشترك الذي ينتجه المجتمع، والذي تتجابه وتتقاطع فيه تيارات واتجــاهات وأحزاب سياسية مختلفة ومتخالفة، تتحقق الوحدة الجدلية للسلطة والمـعارضة على قاعدة التعدد والاختلاف والتعارض، ويتحقق في الوقت عينه الاستقرار السياسي، والتداول السلمي للسلطة، باعتبارهما من أهم المداخل السياسية إلى بناء ديمقراطية فعلية في المغرب العربي. 7 ـ إن المصالحة الوطنية تقتضي من السلطات الحاكمة المغاربية أن تكون لديها رؤية أشمل للديمقراطية تقوم على دمج المعارضة، وتقتضي أيضا ً تأمين حقوق الإنسان للجميع، أي بناء ديمقراطية شاملة تشترك فيها أحزاب متعددة لا تستبعد المعارضة في جوانب كثيرة من المشاركة السياسية في البرلمان، ومجلس الوزراء، والجيش،و على إقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة، الذي يقتضي وجود تعددية سياسية مؤسسة على قيم الحوار، والتنافس، والاعتراف المتبادل. (1) هشام بن عبد الله العلوي ـ في سبيل ديمقراطية أصيلة ـ الأزمة والاصلاح في العالم العربي صحيفة لوموند ديبلوماتيك ـ النسخة العربية ـ أكتوبر 2005. (2) برهان غليون ـ المصالحة الوطنية ـ موقع الجزيرة نت. (3) علي عمار ويونس علمي ـ المغرب والمصالحة البالغة الهشاشة ـ مرجع سابق. (4) إن تشكيل تجمع اليسار الديموقراطي في أول حزيران / يونية عام 2004 يضم خمس أحزاب اشتراكية صغيرة يهدف إلى إنشاء "حزب اشتراكي موثوق" بحسب ما يقول مؤسسوه. (5) علي عمار ويونس علمي ـ المغرب والمصالحة البالغة الهشاشة ـ صحيفة لوموند ديبلوماتيك، النسخة العربية، نيسان/ أبريل 2005. (6) اقرأ Alieisarafi, Tourdevissécuritaireaumaroc LemondeDiplomatique juillet 2003 (7) ويُسجل هنا أنه خلال التعديل الوزاري الأخير في 8 حزيران/ يونيو الماضي تم إلغاء ملف وزير حقوق الإنسان الذي كان يتولاه السيد محمد عوجا. (8) أحد الإسلاميين الشباب الذي أوقف في 26/5/2003 ويدعى عبد الحق بن تيسير،والملقب بـ " ملبسات؟؟؟" توفي " بشكل طبيعي" في إحدى عربات الشرطة أثناء نقله إلى إحدى مفوضيات الشرطة في الدار البيضاء. وفي 24/6/2004 نددت منظمة العفو الدولية بـ " أعمال التعذيب المنتظمة" في مركز الاعتقال في تمارا بين الرباط والدار البيضاء على ساحل الأطلسي . (9) من تصريح لصحيفة "جورنال"، الدار البيضاء، في 15/5/2004. (10) من خطاب إلى الأمة في 29/5/2003. (11) علي عمار ويونس علمي ـ المغرب والمصالحة البالغة الهشاشة ـ مرجع سابق. (12) خالد السرجاني ـ الجزائر في حاجة على مبادرة سياسية جديدة ـ صحيفة الخليج. (13) عبد الإله بلقزيز ـ نحو مصالحة وطنية في الجزائر ـ صحيفة الخليج ـ 22 سبتمبر 2005. (14) Florence Beauge - Adepte du pouvoir personnel, Abdelaziz Bouteflika se reve en faiseur de paix - Le Monde du 29 septembre 2005. (15) المرجع السابق عينه. (16) مقابلة مع أنور نصر الدين هدام القيادي في جبهة الإنقاذ الجزائرية المحظورة، أجراها معه مراسل صحيفة الخليج الإماراتية في الجزائر رابح هوادف بتاريخ 7 نوفمبر 2005. (17) أقلام أون لاين: دورية فكرية سياسية تعنى بشؤون المغرب العربي، وتصدر مرة كل شهرين. العدد التاسع، أكتوبر 2003، السنة الثانية. (18) المرجع السابق عينه. (19) برهان غليون ـ موقع الجزيرة نت. (20) المرجع السابق عينه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |