اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل ـــ توفيق المديني

دراسة تاريخية سياسية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 04:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم الثاني المغرب العربي على طريق الليبرالية الأمريكية: ـ الفصل الثامن حدود [الثورة الديمقراطية ] في منظور الإمبراطورية الأمريكية

إذا كان أهم مقوم من المقومات الأساسية التي ينطوي عليها تاريخ الإمبراطوريات هو الميل المتواصل نحو توحيد العالم، تجسيدا لكونية الروح البشري وكونية العقل، فإن الإمبراطورية الأمريكية تفتقد إلى مبدأ العمومية، أي القدرة على التعامل بالمساواة مع الأفراد والشعوب والأمم الأخرى. وفضلا ً عن ذلك، لم يدرك منظرو الإمبراطورية الأمريكية في طورها الراهن أن أشكال توحيد العالم، ما تحقق منها في عهد الإمبراطوريات السابقة الرومانية، والعربية الإسلامية، والفرنسية داخل النطاق الأوروبي، والسوفيتية، وماهو قيد التحقيق الآن في ظل العولمة الرأسمالية المتوحشة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، كانت دائما أشكالا ً تناقضية، ينبع تناقضها من واقع التعدد والاختلاف السائد على صعيد عالمي، وصيرورة الفروق الملازمة فروقا ً تناقضية، ولذلك كان الميل التاريخي للامبراطوريات السابقة نحو توحيد العالم يقوم على مبدأ المغالاة في المساواة، وهو المبدأ الذي طبقته الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية العربية الإسلامية حيث يجمع كل دارسي التاريخ الإسلامي على القول إن التوسع الفائق والسرعة للفتوحات ولبناء هذه الإمبراطورية العربية المترامية الأطراف يعود في جانب أساس منه إلى مبدأ المساواة الذي يعتمده الدين الإسلامي في تعامله مع الشعوب والأمم التي اعتنقت الإسلام وكذلك الأمر عينه للإمبراطورية السوفيتية التي اعتمدت على إيديولوجية الشيوعية بوصفها الإيديولوجيا الأكثر عمومية منذ الثورة الفرنسية التي نادت بمبدأ المساواة والحرية لجميع الشعوب. ومهما كانت عيوب ونقائص الشيوعية، فلا يمكن نكران أنها عاملت جميع الشعوب المغلوبة بالتساوي، وكانت مصدر إغراء شديد للعديد من الثورات الوطنية في البلدان المستعمرة شبه المستعمرة.‏

أما الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها أمة حديثة التشكل ومنوطة بهوية عضوية، وتالياً بملاذ مفتوح أمام المهاجرين الجدد، فقد قامت على أساس الاستبعاد والعنصرية، لأن النواة الصلبة لهذه الأمة قوامها البروتستانت الأنكلوسكسون البيض الذين يشكلون "عرقا ً" خاصا ً، ينبغي الانصهار في مصهره، للانتماء إليه، ولا يدخل فيه السود، مهما فعلوا، والهنود اللهم إلا إذا تخلوا عن "زنجيتهم" و"هنديتهم" على حد قول الكاتب الفرنسي ميشال بوغنون. وهكذا فإن الأمة الأمريكية التي قامت على أساس الاستبعاد الاقتصادي والإثني والعنصرية بامتياز لا تتبنى مبادىء قيم المساواة بين الشعوب والأمم على اختلاف مشاربها الثقافية والحضارية، بل على النقيض من كل ذلك تتقرب من الدول والشعوب التي تعتمد التمييز كإيديولوجيا، وتحمي الأنظمة الديكتاتورية والعنصرية في كل أصقاع الأرض. من هنا كان التوتر الشديد بين العمومية أي مبدأ المساواة والتمييز يحكم النهج السياسي برمته لكل التاريخ الأمريكي، مهما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية أن تقدم صورة عن نفسها مغايرة عن الازدواجية التي تتحكم في خطابهاالسياسي والإيديولوجي، ومنذ انهيار الشيوعية، وبالتالي انهيار القطب المنافس أي الاتحاد السوفيتي، داعب الأمل الولايات المتحدة الأمريكية لكي تكون الإمبراطورية التي تقود عالم ما بعد الحرب الباردة، وهو عالم بكل تأكيد شديد الاتساع والتنوع ونزاع إلى الظفر بالديمقراطية بعد سقوط أعتى الأنظمة الشمولية. لكن الولايات المتحدة الأمريكية كإمبراطورية شديدة الإفراط في قوتها العسكرية تفتقر افتقارا ً كليا ً إلى مشروع ثقافي وإيديولوجي تحتل فيه المسألة الديمقراطية مركز الصدارة. ففي ظل غياب هذا المشروع الذي يقوم على نشر مبدأ المساواة والعمومية على مستوى كوني، بوصفه مصدرا ً لا غنى عنه لأي إمبراطورية تريد قيادة العالم، تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد تراجعت كثيرا ً عن القيم التي كانت تدافع عنها خلال حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.‏

ففي تلك الحقبة كانت الولايات المتحدة الأمريكية تجمع في صيرورتها القوة الاقتصادية والعسكرية والتسامح الفكري والثقافي، وتتجه إلى الخارج للدفاع عن الليبرالية الاقتصادية من أجل ضم الدول الصناعية الكبرى والبلدان المستقلة حديثا في العالم الثالث إلى فضاء الاقتصاد الحر المتجانس، حيث كانت أمريكا تعتبر نفسها بلد ديمقراطية الجماهير وحرية التعبير، كما شجعت التخلي عن الاستعمار في سائر أنحاء العالم، وإن كانت هذه المسألة لها علاقة بسعيها المحموم لإرث الدولتين المستعمرتين بكسر الميم فرنسا وبريطانيا، وشهدت في داخلها أعظم حركة نضال ضد التمييز العنصري ومن أجل الظفر بالحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كين.‏

لقد ولى ذلك الزمن، فنحن نعيش في ظل التطور غير المتكافىء في مجال العلم والتكنولوجيا الذي يدخل في إطار التبادل غير المتكافىء ليزيد في تأخر وتبعية وفقر بلدان العالم الثالث، وتدويل دورة الإنتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك على مستوى عالمي بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية التي شملت الاقتصاد القومي لكل أقطار العالم، وتدويل الأزمة التي تتحول أكثر فأكثر إلى أزمة عالمية، كونية، حيث كانت عناصر الأزمة العالمية تتراكم بادئة بضرب وإخفاق حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، وفي القلب منه الوطن العربي منطقة العواصف. ولم تلبث هذه الأزمة حتى انفجرت بصورة مفاجئة، عاصفة هذه المرة بالاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية، وبحرب الخليج الثانية‏

على العراق‏

وقد اتخذت هذه الأزمة العالمية شكل حركة عالمية من أجل دمقرطة النظم السياسية في العالم الثالث، وإطلاق قوى السوق، مشفوعة بعودة الشعارات اليمينية المتطرفة إلى واجهة المسرح الاجتماعي ـ السياسي، لاسيما لدى اليمين المحافظ الأمريكي. وإذا كانت إيديولوجية المحافظين الجدد في أمريكا المتطرفة تنسجم مع قوانين السوق والعولمة الرأسمالية المتوحشة، ومنطق التوسع الرأسمالي، فإنها تعبر في الوقت عينه عن التراجع المأساوي للقدرة الاقتصادية الأمريكية الحقيقية، ونفيها وجود هذا العالم المستقل وتنوع شعوبه وأممه على المستويين الثقافي والحضاري، وكذلك لتراجع مبدأ المساواة والعمومية في أمريكا، وفقدان الولايات المتحدة الأمريكية قدرتها على السيطرة على العالم في ظل سعيها نحو بناء نظام القطبية الأحادية على صورتها ومثالها تحت ستار أيديولوجيا الليبرالية الجديدة، وخوض الحرب ضد مايسمى الإرهاب، وتبني الرئيس بوش مبدأ الحرب الاستباقية في عقيدته الإيديولوجية‏

فالامبراطورية الأمريكية تسعى للسيطرة لا إلى الحرية، وليس الديماغوجيا التي يطلقها الرئيس الأمريكي بوش حول تعايش الديموقراطية والقيم الاسلامية في العالم العربي وسياسته الرامية الى تغيير المنطقة وإدخال دولها ومجتمعاتها في "الثورة الديموقراطية العالمية" إلا مظهرا ً من مظاهر العداء للديمقراطية عينها، بسبب الطابع العدواني والرجعي للإمبريالية الأمريكية، وميلها المتنامي، ولكن المتفاوت الشدة، إلى الأوليغارشية في المراكز والأطراف يتجليان في عدائها الشديد للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الشعوب. وليس احتلال العراق إلا تعبيرا ً عن هذا العداء الذي ينبع من جوهر الإمبريالية الأمريكية ذاتها بوصفها امبراطورية آيلة للأفول تقاتل من أجل إحكام سيطرتها على العالم وفرض نفسها زعيمة لـه بوساطة القوة العسكرية، واكتساب احتكار عالمي للعنف المشروع.‏

خطاب بوش وخطب غيره من المسؤولين البارزين حول الديمقراطية في الشرق الأوسط وحملته على أنظمة الشرق الأوسط المعادية والصديقة للولايات المتحدة الأمريكية ليسا نابعين من إيمان الولايات المتحدة الأمريكية بأن الديمقراطية يجب أن تكون في خدمة الشعوب العربية بما هي ذوات فاعلة، وبما هي صانعة لنفسها ولحياتها الفردية والجماعية، ولتاريخها السياسي والاجتماعي، وعلى اعتراف المؤسسات المجتمعية بالحرية الفردية والجماعية التي لا قبل لها بالوجود ما لم يكن المحكومون قادرين على اختيار حكامهم بملء إرادتهم، ومالم يكن القسم الأعظم من هذه الشعوب قادرا ً على المشاركة في إيجاد المؤسسات المجتمعية وغيرها.‏

على العكس ذلك تماما ً، الرئيس بوش لايملك من مشروع للتغيير في العالم العربي سوى مشروع الهيمنة الإمبريالية الأمريكية، التي في سياق توسيعها وتعزيزها تتهيأ "لإسرائيل" فرصة التحول إلى "إسرائيل العظمى". كما أن الديمقراطية ما كانت ولن تكون يوما ً قرارا ً أمريكيا ً، وإنما هي تخص الشعوب والمجتمعات العربية التي لا تنفك أبواق موتورة في إدارة الرئيس بوش نفسها ترشقها بالاتهامات والإهانات تقول إن انتشار الديموقراطية وقيمها في بعض الدول التي ذكرها بالاسم، سوف يؤدي بحد ذاته إلى تخفيف مشاعر الاستياء وحتى العداء لأميركا المنتشرة في تلك المجتمعات، لا سيما إذا لم يصاحبها تغيير جذري في السياسات الأميركية ليس فقط تجاه الأنظمة السلطوية، ولكن أيضا ً تجاه "اسرائيل" وممارساتها، والتخلي عن مبدأ من ليس معنا فهو ضدنا، أو التهديد بالحروب الاستباقية، وغيرها من الممارسات.‏

وكيف يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تركز إيديولوجيتها على الديمقراطية في الشرق الأوسط، في حين أن العالم أجمع يشهد تراجع العمومية الخارجية الأمريكية من خلال التحالف العضوي الاستراتيجي القائم بين أمريكا والكيان الصهيوني، والدعم غير المحدود الذي تقدمه إدارة الرئيس بوش لحكومة المجرم شارون وعصابته، حيث يعتبر بوش الكيان الصهيوني "دولة ديمقراطية " بالمواصفات الأمريكية البحتة، ليبارك كل رفضها للقوانين الدولية وليبرر إرهابها وإبادتها للشعب الفلسطيني بحجة "الدفاع عن النفس"، ويتفهم بناء الجدار العازل وجرف الأراضي المزروعة وقطع أشجار الزيتون وضم الأراضي وسكانها عدا الاغتيالات لقيادات فصائل المقاومة وتهديم المنازل والأبنية خطاب الديمقراطية مهم بكل تأكيد، لكنه يتناقض جذريا مع الإستراتيجية الأمريكية الواقعية التي تمارس على الأرض، والتي قوامها: إعطاء الأولوية للعلاقة مع الكيان الصهيوني الذي يحتل الأراضي العربية وفي القلب منها فلسطين ويمارس الظلم ضد الشعب الفلسطيني كل يوم. إضافة إلى علاقة معادية شاملة من جانب الولايات المتحدة للعالم العربي. وهذا بحد ذاته نفي لمبدأ المساواة الذي هو أساس الديمقراطية. فبالنسبة للإمبراطورية الأمريكية واستراتيجيتها في المنطقة، تعتبر مساندة الكيان الصهيوني، الذي يمتلك أقوى جيش في كل منطقة الشرق الأوسط قادر على تدمير أي جيش عربي في مدة قصيرة، أكثر أهمية من أي اعتبار أو تقدير حاجة العالم العربي للديمقراطية، ويبدي المحافظون الجدد في إدارة الرئيس بوش تعاطفا ً قويا ً مع دولة الكيان الصهيوني، يقابله من جانب آخر حقد دفين يكنونه للعالم العربي والإسلامي. ثم إن هذا التأييد المفرط في حماسته من جانب اليمين الجمهوري الأمريكي للكيان الصهيوني في ساحة الشرق الأوسط، فضلا ً عن التغييب المتعمَد الذي اعتمده بوش لأي نقد لعصابة شارون، يؤكد للمرة الألف تفضيل الولايات المتحدة عدم المساواة الذي يميز الإمبراطورية الأمريكية الحالية. وبذلك تكون أمريكا فضلت ممارسة سياسة المعايير المزدوجة والكيل بمكيالين، واللامساولاة والظلم والتمييز ضد العرب والمسلمين، وهذا ليس عاملا ً مساعدا ً على بناء ديمقراطية في العالم العربي، فضلا ً عن أنه يتناقض على طول الخط مع إيديولوجيا العمومية التي تنادي بالتكافؤ بين الشعوب، وبتطبيق مبدأ المساواة بوصفه مبدأ ضروريا ً لبناء تحالف بين الشعوب.‏

إن مجرد التبشير بالديمقراطية لا يكفي لتحقيقها، لأن حجر الزاوية في البناءالديمقراطي في العالم العربي هو في القضاء على أسباب الاستبداد، والاحتلال الصهيوني لفلسطين وباقي الأراضي العربية الأخرى، والاحتلال الأمريكي للعراق. فاستمرار هذين الاحتلالين الصهيوني والأمريكي للأراضي العربية لا يساعد في إحلال الديمقراطية. من هنا فإن الدعوة الأمريكية إلى الديمقراطية تفتقر إلى الصدقية.‏

وترمي الإمبريالية الأمريكية المندرجة في الإطار العام لهجوم ليبرالي كوني، إلى توحيد قسري لكل الشعوب والأمم تحت هيمنتها، يكون الهدف الأخير منه حصر البشرية في كتلتين متواجهتين: كتلة شرائية قوامها زبائن محتملون، شراة ومستهلكون للسلع الأمريكية وتسهم أفعالهم في إغناء الإمبراطورية الأمريكية. وكتلة أقلوية، قوامها باعة وسماسرة ووسطاء تجاريون، ينظمون الدورات التجارية التي تغنيهم، والتي يعود تثمير أرباحها الفاحشة. فهل هذه هي رسالة الليبرالية التي تنادي الإمبراطورية الأمريكية بتطبيقها على صعيد كوني؟‏

1 ـ الديمقراطية الأمريكية المصدرة بوساطة الحرب‏

ترى الولايات المتحدة الأمريكية نفسها بدقة،أنها الوكيل الرئيس لآلية ثورية كونية تنشر، في طول العالم وعرضه، الديمقراطية والرأسمالية الليبراليتين.إذ تسيطر بشكل مطرد أفكار الشكل الجديد من الرأسمالية الألفية المعولمة وقيمه على الحزب الجمهوري بشكل خاص وإدارة بوش بشكل عام.ويبدو واضحا ً أن القيم والسلوكات الاجتماعية التي تعمل النيوليبرالية على نشرها وثيقة الصلة بالفردية الأنكلو ـ ساكسونية التي حاولت النزعة الفوردية(نسبة إلى الرأسمالية التي طورها الصناعي الأمريكي هنري فورد بعد أزمة الرأسمالية في سنة 1929)تهميشها وقمعها.‏

وجاء الرئيس بوش المتحمس لإحداث نقلة نوعية في اتجاه الرأسمالية النيوليبرالية، ليعمل على نشر هذا النمط الجديد من الاقتصاد السياسي بوصفه الرافعة الجديدة للمشروع الأمريكي حيال النظام العالمي. وترى إدارة الرئيس بوش أن نشر العولمة النيوليبرالية التي تهدد قدرتها على تشكيل الاقتصادات والأحداث السياسية الوطنية،باتت تصطدم بالدول في العالم الثالث ومنها العالم العربي، التي تحاول نخبها الحفاظ على النظام الفوردي الدولتي في وجه المستجد من التهديدات القادمة من الرأسمال الكوزموبوليتي.‏

و تأتي أطروحات رواد اليمين المحافظ الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية في هذا السياق. وهنا يُطرحُ السؤال التالي: ما هو مفهوم "الفوضى البناءة" الذي انتشر بين ظهرانينا نحن العرب في الآونة الأخيرة؟‏

"الفوضى البناءة "مصطلح أطلقه اليمين المحافظ الأمريكي تجاه "مسارات التغيير" في الشرق الأوسط، ومفاده أن هذه المجتمعات العربية، وتلك القريبة منها في المنطقة.. من محاذاة الأطلسي في الغرب، حتى حدود أفغانستان في الشرق، هي مجتمعات "راكدة" سياسيا. ولكي يتحرك ركودها هذا، لابد من إحداث "شيء من الفوضى" والخلخلة حتى يحصل التغيير في ظنهم.‏

و فيما تعتمد السياسة البريطانية "الإصلاح" في عملية التغيير، مع إبقاء الوضع في جملته، على ما هو عليه، تميل الولايات المتحدة الأمريكية إلى تبني فكرة "الهدم الكامل" ثم البناء من جديد. ويوطد هذه الرؤية ماكتب ولا يزال يكتب في الدوريات الأمريكية الرصينة الصادرة في الولايات المتحدة. وممن كتبوا في هذا المجال ريتشارد هس، مدير التخطيط السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، ويترأس اليوم إحدى أكبر مؤسسات الفكر الاستراتيجي وهي "مجلس العلاقات الخارجية" الذي يصدر إحدى أهم المطبوعات تأثيرا في الشؤون الدولية :مجلة" الشؤون الخارجية" (فورين أفيرز) ذائعة الصيت، التي تضع فلسفة الأفكار الأولى للسياسات الأمريكية المركزية اللاحقة.‏

في عدد سبتمبر /أيلول 2005، كتب ريتشارد هس في "الفورين أفيرز" مقالا مطولا تحت عنوان:"تغيير الأنظمة"، يقترح فيه طريقتين مجربتين وناجحتين لمجابهة "التهديد" ضد المصالح الأمريكية: الأولى هي تغيير الأنظمة من الخارج، وبالقوة، والثانية هي الإحتواء أو التغيير المتدرج، من الداخل.‏

سياسة تغيير الأنظمة بالقوة أصبح مكلفا، ويحتاج إلى قناعة ينبغي أن تصل إلى درجة مئة في المئة أن المصالح الأمريكية مهددة، وأن لا بديل من استخدام القوة أو الضغط الشديد.أما سياسة الاحتواء ومحاولة التغيير من الداخل، فهي ما يسميه زلماي زاده سفير الولايات المتحدة في العراق"بناء الأوطان"، وهو بناء ليس سهلا ولا يسيرا، فالتجربة الألمانية واليابانية وأخيرا العراقية والأفغانية، تبين أنها مكلفة في المال والرجال، ولكنها ضرورة لا بد منها، من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية.‏

في كتابه الجديد "القوة الإرهاب السلام والحرب" الصادر عن مجلس السياسات الخارجية الأمريكية (2004)، يرى والتر راسل أن الشعور بالتهديد يتجاوز الأطر النخبوبة إلى الأطر الشعبية، إذ يستميت المستفيدون الحقيقيون والواهمون بالاستفادة في الدفاع عن النظم الاقتصادية. ففي الدول النامية يبدو الالتصاق أوثق بالمعونات والسياسات الحمائية والتشريعات الاجتماعية التي أثمرتها الحقبة الفوردية، حتى وإن ضاقت رقعة المستفيدين من هذا النهج الاقتصادي. دول كمصر والبيرو وماليزيا، مثلا ً توفر الحكومات فيها الحماية لشريحة محظية تكون شديدة الارتباط بالسلطة، وبالغة الوحشية في الدفاع عن مصالحها ومواقعها. وعندما تضغط قوى اقتصادية خارجية، كأسواق القطع أو صندوق النقد الدولي أو الولايات المتحدة لإحداث تغييرات غير شعبية، تبدو هذه الأقلية المتعلمة والمسيسة، غالبا ً موحدة في ممانعتها ومقاومتها، أما حين لا يكون هناك من إجراء تنازلات مؤلمة فإنها غالبا ما تصحب معها كثيرا ً من اللوم الذي يلقي على النيوليبراليين وبيروقراطيي واشنطن.‏

ولقد تجددت مشاعر العداء للولايات المتحدة الأمريكية حين أصر الرئيس الأمريكي جورج بوش على نشر الديمقراطية في العالم العربي، وجعل من هذا الأمر نقطة مركزية في سياسته تجاه الشرق الأوسط، ومحوراً مهماً في الحرب على الإرهاب قائلا ً: إن الديمقراطية في الشرق الأوسط حيوية ومهمة للمساعدة على تغيير الظروف التي تؤدي إلى ظهور التشدد والتطرف وزيادة الإرهاب. ففي مقابلة مع صحيفة "واشنطن تايمز"،اعترف الرئيس بوش أن كتاب "قضية الديموقراطية"(1) للمنشقّ السوفييتي المهاجر الى الكيان الصهيوني ناتان شارانسكي، الذي شغل لبعض الوقت منصباً وزارياً في حكومة آرييل شارون، مثل"الخريطة الجينية لرئاسته"(2).‏

و الكتاب يعبر عن الحاجة الملحّة لنشر الديموقراطية في العالم العربي، وكشرط لا غنى عنه من أجل توقيع اتفاق للسلام الشامل في "الشرق الأوسط "ومن أجل ترسيخ السلم العالمي. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، لن تتردّد الولايات المتحدة في إعادة النظر بالأوضاع القائمة في "الشرق الأوسط" منذ عقود، "مهما كانت المخاطر الناجمة عن ذلك"، بحسب قول وزير الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس.‏

وينظر السيد شارانسكي إلى الإسلام، المحدّد كحركة إرهابية في الأساس، على إنه تهديد ليس فقط لوجود الكيان الصهيوني بل للعالم الغربي أجمع. فاستئصال الإرهاب لا يمكن ان ينتج فقط من عمل أمني بحت، في مواجهة هذه المنظمات، أو من طريق تجفيف منابع تمويلها. إذ إنه من الملحّ معالجة الأسباب العميقة للإرهاب، وهي النابعة حصراً من سياسات الأنظمة العربية الاستبدادية والفاسدة، كما من ثقافة الكراهية التي تنشرها. وبحسب هذا المنشقّ السابق، فانّ السياسة الاميركية في الشرق الأوسط، كما الاحتلال الصهيوني للأراضي العربية، لا تتحمّل بالطبع المسؤولية في هذا المجال. ومن أجل التدليل على الدور الرئيس للعناصر المحلية في ظهور "الارهاب"، فانّ السيد شارانسكي لا يجد مثالاً أفضل من فلسطين.‏

فالسيد شارنسكي يستعيد الأطروحات الاستشراقية التي تصف العالم العربي بكونه تجمّعاً لأقلّيات دينية وعرقية عاجزة عن العيش سوية في كيانات دولتية وطنية. وترتكز الحلول المقترحة من أجل خدمة الديموقراطية ومصالح أميركا معاً، والمفترض أنهما مترابطان، على استخدام صريح للطائفية في إطار استراتجية تعرف بالـ"فوضى البنّاءة". عندما يطلق من يستوحي منهم الرئيس بوش اسم "رجل القرن الحادي والعشرين المريض" على العالم العربي، فانهم بالكاد يخفون أملهم في رؤية هذا العالم يلقى المصير الذي لقيه رجل القرن التاسع عشر المريض، الامبراطورية العثمانية، من تقسيم غداة الحرب العالمية الأولى.‏

يشير منظّر المحافظين الجدد، الاختصاصي في العراق والشيعة والباحث في مؤسسة "امريكان انتربرايز" للدراسات، روول مارك غيريشت، إنّ إدارة بوش بلورت مشروعها حول "الشرق الأوسط الكبير"(3) بالارتكاز جزئياً على أبحاث "مؤرّخين من اصحاب النفوذ، أمثال برنارد لويس من جامعة برنستون وفؤاد عجمي من جامعة جونز هوبكنز"(4). وقد اشتهر برنارد لويس، المناصر الراديكالي لدولة اسرائيل، باعتباره أول اختصاصي أميركي أعلن، بعد حرب الكويت، عام 1991، موت العالم العربي ككيان سياسي: لقد حاربت دول عربية دولة عربية أخرى (العراق)، الى جانب التحالف الغربي، وتهمّشت منظمة التحرير الفلسطينية بسبب موقفها المناهض لهذه الحرب(5).‏

وقد اقترحت، منذ ذلك الحين، عبارة "الشرق الاوسط" بدل "العالم العربي". وفي ما يشبه رجع الصدى لتوجيهات برنارد لويس، ينصح روبرت ساتلوف المدير التنفيذي المعروف في مؤسسة "واشنطن لسياسات الشرق الادنى"، وفي مقالة على شكل رسالة موجّهة إلى السيدة كارن هيوجز، مساعدة وزير الخارجية الاميركية لشؤون السياسة العامة، "إقصاء تعابير العالم العربي والعالم الاسلامي من القاموس الديبلوماسي الاميركي. دافعوا قدر الامكان عن مقاربة خاصة بكلّ بلد على حدة، قولاً وفعلاً. يريد الاسلاميون المتطرّفون محو الحدود، وخلق عالم فوق الأوطان، حيث تنفصل دار الاسلام عن دار الحرب. لا تتراجعوا أمامهم حتى قبل خوض المعركة(6) ".‏

أما فؤاد عجمي، الذي يشكّل الضمانة العربية لأنصار الليكود والمحافظين الجدد في واشنطن، فإنه الناطق الرئيس باسم الرؤية الطوائفية للواقع الاجتماعي السياسي في العالم العربي. ففي مقالته الأخيرة المخصّصة للتطورات الأخيرة في لبنان، يعتبر "أنّ بلاد الأرز كانت على الدوام، في جوهرها، وطناً للمسيحيين". ويضيف أنّ "العديد من اللبنانيين مقتنعون أنّ الضعف في التماهي (العربي مع لبنان) ناشئ من كون هذا البلد هو مسيحيّ بشكل رئيس، إضافة إلى طوائف منشقّة تعيش فيه. هناك الكثير من الحقيقة في هذا الهجوم(7) ".‏

لا تمثل الاستراتجية الأميركية، بالطبع، ترجمة آلية لهذه الطروحات، فالعديد من العوامل تتداخل في بلورة هذه السياسة. لكن هذه المفاهيم توفر، وباعتراف السيد بوش ومساعديه، رؤية شاملة وخطوطاً توجيهية. يسمّي السيد روبرت ساتلوف هذه السياسة بالـ"فوضى البنّاءة"، ويلاحظ أنّ البحث عن الاستقرار كان "تاريخيا" صفة مميزة لسياسة الولايات المتحدةفي الشرق الأوسط. "يناقش واضعو الاستراتجية الأميركية ملاءمة مسألة الاستقرار في مناطق أخرى من العمل، لكن جورج بوش كان أول رئيس يعتبر أن الاستقرار بحدّ ذاته يشكّل عائقاً أمام تقدّم المصالح الاميركية في الشرق الأوسط (...) فالولايات المتحدة استخدمت في عملها مروحة من التدابير القسرية وغير القسرية، من استخدام القوة العسكرية لتغيير الأنظمة في أفغانستان والعراق، مروراً بسياسة الجزرة والعصا، أولاً لعزل ياسر عرفات وتشجيع قيام قيادة فلسطينية جديدة ومسالمة، ووصولاً الى التشجيع المُهذ ّب لمصر والسعودية على الالتزام بطريق الاصلاحات(8) ".‏

ولكن ما الذي تعنيه ديمقراطية الشرق الأوسط؟ وهل ستؤدي حقيقة إلى إضعاف شوكة المتطرفين؟ أم أنها ستقود إلى ظهور حكومات بميول وتوجهات إسلامية قوية ومعادية للولايات المتحدة؟‏

لقد اتخذ حديث بوش عن ضرورة الديمقراطية في الدول العربية بعداً من الأهمية الخاصة بعد فشل الأمريكيين والبريطانيين في العثور على أسلحة دمار شامل في العراق، بعد أن كان على مدى الأعوام الثلاثة الماضية مجرد تصريحات وأحاديث نظرية.‏

وشهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الأحداث التي شكلت على ما يبدو مؤشراً واضحاً على اتجاه جديد: الانتخابات الرئاسية والبلدية في الأراضي الفلسطينية، والانتخابات البرلمانية في العراق، إلى أي مدى يمكن للأنظمة السياسية المختلفة في الدول العربية تغيير جلدها وجوهرها وطبيعتها الجامدة؟ وهل هناك خطر على هذه الأنظمة من أي تغييرات سريعة قد تفضي إلى ظهور حكومات وأنظمة إسلامية؟‏

ويخيم على هذا الجدل بكل ما فيه من تساؤلات شبح ما جرى في الجزائر عامي 1991 ـ 1992 حينما كانت جبهة الإنقاذ الإسلامي على وشك تشكيل حكومة وتولي السلطة بعد فوزها في انتخابات تم إلغاؤها سريعاً بانقلاب قام به العسكريون، وأدخل الجزائر في عقد من العنف الدموي، ولديّ سؤال واحد أطرحه على الإصلاحيين العرب: هل النموذج في الجزائر لاازال حياً وصالحاً، وله علاقة بما يجري أم أنه فقد صلاحيته وتجاوزه الزمن؟‏

وفي الضفة الغربية وقطاع غزة أعلنت السلطة الفلسطينية تأجيل موعد الانتخابات التشريعية بسبب مخاوف من احتمالات نجاح كبير قد تحققه حركة "حماس" وفي العراق هناك تساؤلات ومخاوف بشأن الاتصالات والعلاقات الجيدة لعدد من الأحزاب والقوى المشاركة في الحكومة العراقية بإيران.‏

كما يجادل كثير من دعاة الإصلاح السياسي في العالم العربي ممن ليسوا من المحافظين أو المتدينين بأن أي إصلاح سياسي حقيقي وجاد يجب أن يسمح للقوى والجماعات الإسلامية بالمشاركة، إذ يقول عمرو حمزاوي الخبير السياسي المصري الذي يعمل حالياً في مؤسسة كارنيجي في واشنطن"لا يمكننا تصور حدوث أو نجاح أي تحرك نحو التغيير الديمقراطي من غير الحاجة إلى القوى الإسلامية، لأن هذه القوى أكبر وأضخم وأهم من أي محاولة لاستبعادها أو استثنائها من أي تغيير حقيقي".‏

وكانت إدارة الرئيس بوش لجأت إلى ثلاثة أنواع من الحجج لتبرير الحرب على العراق: النوع الأول يتعلق بالطبع بما يسمى الحرب على الإرهاب التي أعلنت بعيد 11 أيلول/سبتمبر 2001. فخلافا ً للواقع، تم اتهام الرئيس السابق صدام حسين أمام الرأي العام الأميركي بأنه متواطئ إن لم يكن الموجه لأسامة بن لادن. الحجة الثانية كانت ما تمثله "أسلحة الدمار الشامل" من تهديد وبات اليوم معروفا ً أن المعلومات التي قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا كانت كاذبة. وبينما كانت الحجتان الأوليتان تتراجعان اكتسبت الحجة الثالثة المزيد من الأهمية وهي وعد واشنطن بجعل العراق نموذجا يحتذى للديموقراطية في الشرق الأوسط.‏

وكان هذا التبرير الذي أطلق بالتزامن مع باقي الحجج منذ بداية الحملة على بغداد قد لقي رواجا ً خاصا ً لدى أصدقاء إدارة بوش من "المحافظين الجدد"(9) النشطين في أروقة وزارة الدفاع الاميركية. وقد عبر الرئيس نفسه رسميا ً عن طموحه في نشر "القيم الديموقراطية" في الشرق الأوسط، وهذا ما أعلنه منذ 26 شباط/فبراير 2003، عشية اجتياح العراق أمام مؤسسة الأبحاث الاميركية (AEI ( المعروفة بأنها تؤوي المحافظين الجدد وأصدقاء "اسرائيل" غير المشروطين والذين يفتخر السيد جورج بوش بأنه "استعار" عشرين منهم لإدارته(10) وفي خطوة لاحقة ومن أجل التدليل على نوع هذه القيم، اقترح الرئيس الاميركي في 9 أيار/مايو 2003، "إقامة منطقة تبادل تجاري حر بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط في غضون عقد من الزمن"(11).‏

2 ـ في الديمقراطية استنهاض للحركة الشعبية العربية‏

بيد أن الحرب العدوانية الأمريكية – البريطانية على العراق فجرت الطاقات المكبوتة في الشارع العربي، حيث عمت عواصم المراكز الإقليمية في العالم العربي مظاهرات قوية تندد بالحرب الأميركية العدوانية تجاه الأمة العربية، وتطالب برحيل القوات الأمريكية من العراق. ولقد تصدر هذه المظاهرات الأجيال الجديدة من الشباب التلمذي والطالبي الذي كثيرا ً ما قيل أنها مائعة وتعمل فيها الثقافة الاستهلاكية الأميركية، وأنه ليس بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية تناقضات حادة من الطراز الذي كان قد دفع بآبائهم إلى معاداتها طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.‏

كما أكدت هذه المظاهرات الشعبية الحاشدة عن عمق الطلاق التاريخي بين جماهير الشعب العربي ومعظم الحكومات العربية، لجهة وقوف كل منهما على طرفي نقيض، من حيث الموقف من الحرب الأمريكية. غير ان الذي كرس هذا الافتراق الكبير والشاسع في موقف الشعب العربي عن موقف الحكومات هو ما بدأ يتكشف من أن بعض الحكومات العربية كانت موافقة على العدوان الأميركي – البريطاني منذ أشهر، علما ً بأن العدوان لا يستهدف العراق فقط، بل إنه يستهدف الأمة العربية كلها.‏

وتميزت المظاهرات الشعبية بردود أفعال واحدة وبرفع شعارات واحدة، وأكدت مرة أخرى أن الحركة الشعبية لها نزوع أصيل إلى التحرر والتقدم، تجلى دائما ً في نزوعها الوحدوي الديمقراطي، واذا كان المدخل الديمقراطي هو المدخل الضروري، بل المدخل الوحيد الممكن لاطلاق سيرورة هذه الحركة الشعبية على الصعيد العربي، فإن مقاومة الإمبريالية، لا سيما الإمبريالية الأميركية والكيان الصهيوني ومقاومة التواطؤ مع العدو القومي للأمة، وما سينجم عنه من بلايا، هي الوجه الآخر لهذا المدخل ومن دونه يفقد المدخل الديمقراطي نفسه طابعه القومي التقدمي.‏

فالنزوع إلى استعادة اللحظة الليبرالية والديمقراطية التمثيلية يكاد يشمل اليوم مختلف القوى الاجتماعية والأحزاب السياسية في الوطن العربي، حيث جعلت هذه الأخيرة من الديمقراطية أدلوجة وشعاراً، ومعياراً أخلاقياً قيمياً تقوم في ضوئه أنظمة الحكم، وبنى الأحزاب، وأنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية السياسية. وحتى الأحزاب التي انفردت بالسلطة أصبحت هي ذاتها تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الانسان حين تتضارب المصالح، على الرغم من أنها حكمت ولا تزال، وأعادت مؤسسات الدولة وفق رؤيتها الحزبية الواحدية الضيقة، أي مركزة السلطة، ونفي مبدأ المؤسسات، ومبدأ التداول والمشاركة. فطبعت الدولة بطابعها الايديولوجي الشمولي، وباتت أيديولوجيتها بمنزلة دين جديد للدولة يستبعد سائر الايديولوجيات الأخرى ويقمعها.‏

وقد تحول المجتمع العربي بعد اختراقه وتكييف أو تنسيق بناه الاجتماعية، انطلاقا ً من ارتباط أنظمة الحكم العربية بمراكز الرأسمالية الغربية، واختيارها طريق التنمية الاستهلاكية المشوهة التابع في إطار البقاء كجزء تابع للاقتصاد الرأسمالي العالمي، حيث أدى ذلك في ظل العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة إلى وقوع الدول العربية في أزمات اقتصادية خانقة تحملت الطبقات الشعبية إسقاطاتها السلبية والمدمرة، في ظل توزيع غير عادل للدخل القومي، والانفاق المتزايد على التسلح، وانخفاض شديد في معدلات الانتاج، وعدم اهتمام أنظمة الحكم العربية بالمشاركة السياسية، وتدهور الديمقراطية وانتهاك حقوق الانسان حين تركزت السلطة في أيدي الأقلية المستغلة التي تستخدم أسلوب القمع والقهر للحفاظ على سلطتها وتكريس استغلالها للحفاظ على مصالحها الخاصة، تحول هذا المجتمع إلى جمع أو حشد غير منتوج من أفراد استلبت فعاليتهم السياسية، وصاروا مربوطين بالدولة والسلطة، رباط الأمن أولاً، وبالصفة التوزيعية غير العادلة للدولة التي احتكرت مصادر الثروة والقوة والسلطة في المجتمع ثانياً.‏

وكان من الطبيعي أن يقود ذلك كله إلى سيادة حالة الاستلاب السياسي التي يعيشها المجتمع العربي، الذي تهشمت قواه الاجتماعية، وفقد فعاليته السياسية، وانخرط في نمط الاستهلاك الذي عممته الرأسمالية الحديثة المتوحشة، وبات أقرب إلى المجتمع الجماهيري منه إلى المجتمع المدني المنتج.‏

وأمام إخفاق الأحزاب السياسية الحاكمة والمعارضة في صنع العملية الديمقراطية، باعتبار أن الديمقراطية قضية مجتمعية، وبسبب من بنية هذه الأحزاب التي تجعل النفوذ فيها يبدأ من القمة متجها ً إلى القاعدة، وهذا وضع مقلوب من الناحية السياسية والدستورية من شأنه أن يجعل نفوذ الزعماء في الحزب على الكتلة الشعبية مطلقا ً أو شبه مطلق، ولا يسمح للجماهير هنا بمناقشة الزعماء والحساب. فأصبحت هذه الأحزاب موسومة بالسلبية السياسية، سواء من حيث ذوبانها في السلطة واندماجها في عالمها، أو من حيث معارضتها لها على أساس برنامجها ذاته، ورؤيتها ذاتها.‏

لذلك تجدنا أمام مشكلة نظرية وعملية قوامها خروج القوى السياسية ذات الايديولوجيا العصرية والمناهج الحديثة من عالم المجتمع، وذوبانها أو الغاء نفسها إيجابيا ً أو سلبيا ً في عالم السلطات الحاكمة، وبزوغ حركة الشارع العربي العميقة الجذور في المجتمع تطرح في الغالب أهداف ثورية كالصراع ضد الإمبريالية الأميركية والوجود العسكري الأميركي، ومقاومة العدو الصهيوني، وتحرير فلسطين، وتحرير العراق من الاحتلال الأمريكي.‏

ولما كان موضوعنا يتلخص في تحديد المدخل الديمقراطي لنمو حركة شعبية مقاومة، فان هذه الحركة بحاجة إلى معارضة اتجاهين شائعين حول الديمقراطية.‏

الاتجاه الأول اتجاه الليبرالية الجديدة الأميركية القادمة الينا مع نمط الاستهلاك الأميركي، ومع الانتهاك الامبريالي، والذي يتجلى في خطاب السلطات العربية الحاكمة، باعتباره خطاباً يعبر عن حالة الاستلاب السياسي للمجتمع العربي، ويقوم على حصر السياسة في دائرة الأقليات الحاكمة، ويخفض السياسة إلى تأييد أو معارضته، ويتبنى ايديولوجية الليبرالية الجديدة الأميركية، متجاهلاً مسألة الليبرالية، والمسألة القومية في عصر الإمبريالية، ومتجاهلاً حقيقة أن الإمبريالية الأميركية لا تسعى إلى الديمقراطية بل إلى السيطرة على مقدرات الأمة العربية، ويتبنى بالكامل خطاب الليبرالية الجديدة الأميركية القائمة على مبدأ الفرد لا على مبدأ المجتمع، وعلى مبدأ الاستهلاك لاعلى مبدأ الإنتاج وعلى مبدأ النفعية الآنية لا على مبدأ التاريخ وفكرة التقدم.‏

الاتجاه الثاني هو اتجاه الخطاب الديمقراطي للحركة السياسية العربية التي تطالب بإحلال الديمقراطية محل القومية أو الاشتراكية، أي تحويل الديمقراطية إلى أيديولوجية بديلة، ذهب عنها التحديثات الموضوعية والتاريخية للمجتمع والأمة، وذهبت عنها الرؤية المستقلة للمسألة الاجتماعية في الوقت عينه. في معارضة هذين الاتجاهين، تجدنا معنيين بالكشف عن الروابط الضرورية المنطقية والتاريخية بين الديمقراطية والمجتمع المدني، من أجل وضع الديمقراطية في سياقها المنطقي، أي في سياق المشروع النهضوي العربي، وأهدافه القومية والاجتماعية، أي كشف الروابط بين الديمقراطية والمسألة القومية من جهة، وبين الديمقراطية والاشتراكية من جهة أخرى.‏

نقطة الإنطلاق الأساسية الفارقة بين الخطاب الديمقراطي النهضوي، والخطاب الشائع حول الديمقراطية بشقيه الليبرالية الجديدة الأميركية، وخطاب الحركة السياسية العربية المأزومة، هو خطاب الفكر السياسي الراديكالي الذي يربط أو يضع الديمقراطية تحت مقولة السياسة بوصفها فاعلية اجتماعية، وإنتاجا ً لحياة المجتمع السياسية، أي حياته القومية، ويقوم على منطق الممارسة ( البراكسيس ) أي على الديالكتيك منطق الصيرورة وعقل الواقع.‏

إن الديمقراطية من هذه الزاوية هي عملية تحديث الفكر والسياسة وعقلنتهما، في مزاولة تحديث المجتمع والدولة، وشرط هذا التحديث، وهي سيرورة نمو المجتمع المدني والدولة القومية أي سيرورة نمو الأمة وتجديد بنيانها، وتعزيز حضورها في التاريخ وفي العالم، وسيرورة نمو القومية بوصفها المجال السياسي أو الفضاء السياسي العام للأمة وتشكل وجودها السياسي إزاء الخارج وإزاء الآخر.‏

3 ـ الديمقراطية بين العمومية الأمريكية والعمومية الأوروبية‏

هناك شبه إجماع في العالم على أن الديمقراطية تمثل مطلبا ً ضروريا ً وملحا ً لكل الشعوب والأمم المحبة للحرية والسلام. ومع كل ذلك يسود السخط والحنق العالم أيضا من خطاب الرئيس بوش عندما دعا إلى شن " الحرب ضد الطغاة والتقدم نحو ديمقراطية عالمية". فهذا الخطاب الإيديولوجي عن الديمقراطية يتسم بالسطحية والمغالاة، حين تقوم استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية على رؤية واحدية مفادها أن السبيل الوحيد لمكافحة إرهاب دولي قادر ذات يوم على امتلاك أسلحة دمار شامل، تكمن في شن الحرب على " الدول المارقة"، والحال هذه العراق، بهدف تحقيق إنهاء الطغيان، وتشجيع نمو الحركات والمؤسسات الديمقراطية في عالمنا.‏

و يتساءل المفكرون في العالم الغربي، كيف يمكن للرئيس الأمريكي ولواشنطن، نشر قيم الحرية والديمقراطية، ودعم منظمات المجتمع المدني لأي دولة، دون التدخل المباشر في شؤون هذه الدولة أو تلك؟ ألا يعتبر هذا التدخل في هذه الحالة، قمة الاعتداء على الحرية والديمقراطية، ومنتهى الاستبداد والطغيان بحق الشعوب التي يراد تحريرها بوساطة الحرب الأمريكية ؟فالديمقراطيات الناضجة لا تميل إلى شن الحروب لفرض الديمقراطية بالقوة على شعوب ودول العالم. والديمقراطية الأوروبية هي خير من يجسد هذه الظاهرة. وهنا تتعمق الفروقات بين الأوروبيين والأمريكيين حول هذه المسألة، رغم أنهم يتقاسمون القيم الديمقراطية عينها.‏

هناك ثلاثة عناصر تفسر لنا بشكل عام هذه الفروقات. الأول ويتعلق بالأسلوب وهو مسألة جوهرية.إن الأسلوب الانتصاري، والرسالي التمديني، والأخلاقي التبشيري للرئيس الأمريكي لا يطاق.فالتقويم لصحة وشرعية الطرائق المستخدمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية يشكل أيضا ً الاختلاف.فالأمر يتعلق بمناقشة شرعية إعلاء الديمقراطية ونشرها بوساطة الحرب، وفي الوقت عينه القيام بتحليل حقيقي لتكاليف ومزايا مثل هذه الأعمال الحربية لبلوغ هذا الهدف. الثاني، ويتمثل في غياب الترابط المنطقي الأخلاقي والسياسي للولايات المتحدة الأمريكية فيما يتعلق بالمسألة الديمقراطية. فهي تطلب من الآخرين أن يتمثلوا قيم الفضيلة في حين أن أمريكا لا تتمثلها على الإطلاق. وللدلالة على ذلك، نذكر مسألة الوضع القانوني لسجناء غوانتنامو، ومسألة التعذيب الوحشي والممارسات السادية التي مارسها القادة العسكريون الأمريكيو ن في سجن أبو غريب بالعراق. العنصر الثالث، ويتعلق بالمعايير المزدوجة والسياسة الانتقائية في إدانة الطغيان ( تشدد في أفغانستان والعراق، وخجول مع كوريا الشمالية وروسيا).‏

بكل تأكيد، تشكل هذه العنا صرالثلاثة محركات الفروقات بين الأوروبيين والأمريكيين فيما يتعلق بالنظرة إلى المسألة الديمقراطية.و لكنهم لا يحفرون خندقا ً متعذر عبوره بين ضفتي الأطلسي. إذا ً توجد اختلافات سياسية أو استراتيجية، ربما تكون عميقة، وصراع مصالح في هذه الميادين جميعها، بيد أنه لا توجد مسافة يمكن تسميتها بالفلسفية بين أوروبا وأمريكا حول الديمقراطية.و في الواقع يوجد مفهومان للكونية يميلان إلى التعارض بشأن الديمقراطية، مفهوم كوني " دوغمائي" تتبناه أمريكا، ومفهوم كوني تجريبي تتبناه أوروبا.‏

الكونية الدوغمائية تصف لنا علاقة بسيطة ونمطية للعالم. إنها كونية التكافؤ، التي تنظر إلى التقدم في صيرورة تجانس العالم، وفي ظل آفاق انتشارية. إنها ترتكز على مفترض جوهري: المعرفة والسيطرة على الخير.و هي لا تطرد التعددية، إنما تضعها في نوع من الآفاق ما وراء السياسة والأخلاق العالية.وهكذا، وانطلاقا ً من هذه الكونية، فإن الديمقراطية المصممة في هذا الإطار، مثل النظام الخاص جدا ً، نظام الحزب الواحد قطعا ً، الذي يزاوج بين تبني نوع من الأصولية الشاملة مع قبول التنوع في المجتمع المدني. والديمقراطية مفهومة فهما ً جيدا ً وفق هذه الكونية هي كالدين أكثر منها قوانين ومؤسسات. إنها تشكل معطىً مقدسا ً، وخيرا ًباطنيا ً، يجب والحال هذه نشرهما في كل أصقاع الأرض. ومنذ وقت طويلٍ تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية مثل هذه النظرة الانتشارية. وليس الرئيس بوش سوى امتداد للنهج الذي سلكه أسلافه أمثال تيودور وروزفلت، ووودرو ويلسون، وجون وكيندي.‏

و كان تيودور روزفلت يرى أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تلعب دورا ً عالميا ً لأن مصالح البلاد تتطلب ذلك، ولأن التوازن العالمي لا يمكن أن يتحقق دون أمريكا.....أما الرئيس وودرو ويلسون، كان يرى أن لأمريكا دورا ً مقدسا ً في العالم والمهم لـه ليس تحقيق التوازن في القوى، ولكن نشر المبادىءالتي تحكم أمريكا في سائر العالم.‏

و منذ زمن الآباء المؤسسين لأمريكا، ظلت المسألة الديمقراطية مفتوحة. والكل يتذكر الجدل الحاد بين الرئيسين جيفيرسون وماديسون.و كان مفهوم الديمقراطية يمثل مشكلا ً حقيقياً، إذ يرى البعض فيه أنه يشكل عامل عدم استقرار دائم، في حين يعتبره آخرون ضمانة للسلم الاجتماعي.و في أواسط القرن التاسع عشر تم إيجاد تسوية حول المسألةالديمقراطية. وحصل هذا على حساب تقديس فكرة الديمقراطية.و في ذلك العصر، ترافق مع مأسسة الديمقراطية كدوغما أخلاقية، تجريد ملموس لنفي دينامكيتها الاجتماعية. ويمكن للمؤرخ أن يراكم من دون أي عناء المقولات التي تبرهن على التشابه القائم بين الديمقراطية" والمسيحانية المطبقة".‏

و تختلف التجربة الأوروبية عن التجربة الأمريكية، إذ تطورت الديمقراطية الأوروبية عبر قرون عديدة. ولأن الديمقراطية مفهوما ً وممارسة، واحدة من معطيات التجربة التاريخية التي تتلون بألوان العصر والمكان وبالخصائص النوعية للأمم والشعوب التي أبدعتها أو طورتها، لم تتم مأسستها في قالب دين سياسي. فقد تطلبت أولا كنيسة مستقلة عن الدولة، ثم حركة الإصلاح التي فرضت تعددية الدين، وعصر التنوير الذي عزز استقلالية العقل عن الكنيسة والدولة، وعصر الاكتشافات الذي وسع الأفق، وأخيرا ً الرأسمالية بتأكيدها على المنافسة والسوق. وهكذا تأسست الديمقراطية الأوروبية عبر تاريخ طويل من الصراعات. ولاتزال هذه الديمقر اطية موجودة ومعيشة كتجربة تاريخية، رابطة بصورة دائمة الصعوبات مع الوعود.من هنا تبدو الرؤية الأوروبية للديمقراطية متواضعة وواقعية في الوقت عينه.‏

و بين الديمقراطية كدين سياسي من جهة، والديمقراطية كتجربة تاريخية من جهة أخرى،تنجم عن هاتين المقاربتين مفاهيم مختلفة جدا ً عن الكونية الديمقراطية. ذلك أن الكونية الدوغمائية التي تتماشى مع مفهوم الديمقراطية كدين سياسي، هي حاملة للكبرياء والتعجرف والحروب لنشر الديمقراطية.و قد أثبتت التجربة، أن نشر الديمقراطية بوساطة الحرب في العراق، بهدف التمهيد حسب هذه الرؤية الأمريكية الساذجة، التمهيد لقيام أنظمة حكم مسالمة، علمانية، ومؤيدة لأمريكا، وقابلة للاعتراف بالكيان الصهيوني، قد طرحت مشكلات جديدة في وجه واشنطن بقدر ما طرحت أيضا من المشكلات في وجه عواصم المنطقة، فيما تحدث تغييرا ً حاسما ً في معطيات الواقع في الشرق الأوسط.‏

4 ـ امبريالية الفضيلة تصدر ديمقراطية متوحشة‏

شكلت التقارير التي نشرت مؤخرا عن عمليات التعذيب الوحشية التي أخذت بعدا ً ساديا ً واضحا ً ومكشوفا ً ضد السجناء العراقيين أثناء التحقيق، تحولا ً حقيقيا ً في الجد ل الساخن حول الحرب الأمريكية على العراق. وكان سجن أبوغريب رمزاً للعذاب والإرهاب في ظل نظام صدام حسين،لكن العسكريين الأميركيين الذين جاؤوا لإنهاء كل ما كان يمثله، لجؤوا إلى استخدام أساليب الاستعمار القديم والجديد ضد أسرى الحرب العراقيين.‏

و يشير التقرير الداخلي للجيش الأمريكي الذي قام به في سجن أبو غريب القريب من بغداد خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول 2003 عن تورط مؤسستين للخدمات العسكرية المأجورة هما شركة كاسي أنترناشيونال التي تتخذ من ولاية فرجينيا الأمريكية مقرا ً لها، وشركة تيتان التي تتخذ مقرها في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية. وقد كشفت التحقيقات التي قام بها الجيش الأمريكي عن ممارسات منحرفة ارتكبت بحق السجناء من بينها إرغامهم على تمثيل مشاهد جنسية وتشكيل أهرام من الأجساد العارية، وإيلاج ما يدعى ب" القبضان الكبريتية الحارقة" في فتحاتهم الشرجية. وقد تمادى الجناة في ممارساتهم السادية هذه إلى حدالاستمتاع بالتقاط صور فوتوغرافية للسجناء في هذه الأوضاع زادت عن ألف صورة، من ضمنها واحدة تظهر سجينا ً عراقيا ً يقف فوق صندوق وقد غطى رأسه بكيس، وتم توصيل أسلاك كهربائية بيديه وأعضائه التناسلية، وقد قيل لـه أن يحافظ على توازنه فوق الصندوق الصغير لأنه سيصعق كهربائيا ً في حالة سقوطه عنه.‏

لقد جابت كل هذه الصور والأعمال البر برية والوحشية التي ارتكبها العسكريون الأمريكيون كل العالم، وهي تظهر لنا مجموعة من الحقائق يجب التأكيد عليها:‏

أولا ً: إن التعذيب الوحشي هو مدان أخلاقيا ً وقانونيا ً في كل المعاهدات الدولية ويعاقب عليه القانون الدولي، لاسيما تجاه سجناء الحرب التي تنطبق عليهم اتفاقيات جنيف. ولم تسلم أي دولة استعمارية من ممارسة التعذيب , بما فيها فرنسا، حيث أن الشعب الجزائري مازالت عالقة في ذاكرته تلك الأوقات السوداء من الحرب الجزائرية. كما أن الكيان الصهيوني ومنذ تأسيسه ينتهك كل المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، ومبادىء أخرى تؤمن المحافظة على السلام وتضمن حق الشعوب، ومنها شرعة حقوق الإنسان الصادرة في العام 1948، واتفاقيات جنيف حول الحق الإنساني في حالة النزاع المسلح، والإتفاقية ضد التعذيب أو اتفاقية حقوق الطفل (وهي مجموعة نصوص إلزامية) تمثل جميعها القيم المشتركة للمجتمع الدولي في حالي السلام والحرب.و مع ذلك، فإن الحكومات الصهيونية المتتالية تجاهلت هذه العناصر جميعها مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية.‏

ثانيا ً:إن الممارسات السادية التي تعرض لها الأسرى والمعتقلون العراقيون لم يمارسها جنود عاديون معزولون، وإنما ضباط الاستخبارات العسكرية الأمريكية والبريطانية أنفسهم، خريجو مدارس التربية العسكرية الأمريكية، قاسمو اليمين على احترام قوانين الحرب، ومعاهدات جنيف، وحقوق الإنسان، دعاة ورسل الحرية والديمقراطية الأمريكية. إن جرائم الحرب التي ارتكبت بحق الأسرى والمعتقلين العراقيين في سجن أبوغريب تجبر إدارة الرئيس بوش خاصة، والولايات المتحدة الأمريكية عامة على أن ترى قبلا، وأكثرمن مرة، ذلك التناقض الصارخ بين عقدة التفوق الأخلاقي التي تتشدق بها، والعنف الاستعماري الجديد المروع والفظيع لجهاز الاستخبارات العسكرية الأمريكية الذي يأخذ على استخبارات دول العالم أساليبها وطرائقها، فهل من أسلوب أبشع أو طريقة أشنع من النموذج الاستخباراتي الأمريكي؟‏

ثالثا ً:إن جرائم الحرب هذه تعكس صورة الولايات المتحدة الأمريكية عن نفسها، التي تقسم مع ادعاءاتها الكاذبة أنها تجسد الخير ضد الشر.و كان الرئيس جورج بوش قد استخدم في خطابه الأيديولوجي وبشكل ممنهج تلك المقولة التي استعارها من الرئيس السابق رونالد ريغان بشأن موضوع الاتحاد السوفييتي " امبراطورية الشر"، لكي يدين في شهر كانون الثاني من عام 200، "محور الشر"المتكون من العراق وإيران وكوريا الشمالية.و عند رؤية الرئيس بوش وأركان إدارته وجنرالاته يحتلون العراق، لا يمكن التفادي التفكير بأن الولايات المتحدة الأمريكية في حقبتها الاستعمارية الجديدة تبنت ما سماه جوزف كونراد " عبء الرجل الأبيض"، أو ما كانت عصبة الأمم تسميها منذ 1918 " المهمة الحضارية المقدسة" حيال شعوب "عاجزة عن إدارة شؤونها في الظروف البالغة الصعوبة للعالم الحديث".‏

رابعا ً: هاهي الإمبريالية الأمريكية الجديدة تجدد المفهوم الروماني للسيطرة الأخلاقية ـ المبنية على الاقتناع بأن التبادل الحر والعولمة ونشر الديمقراطية الأمريكية كلها مفيدة للعالم العربي. ولكن أيضا ً ممارسة الفظاعة العسكرية على الشعب العراقي بوصفها "رسالة المستعمر التمدينية".فبعد إ سقاط الديكتاتورية الرهيبة وعدت واشنطن بإقامة ديمقراطية نموذجية في العراق يؤدي إشعاعها بدفع الإمبراطورية الأمريكية الجديدة إلى إسقاط جميع الأنظمة الاستبدادبة في المنطقة.فهل من مصداقية لهذا الوعد؟ بالطبع لا. فجرائم الحرب في العراق عامة، وفي سجن أبوغريب خاصة شاهد على أن الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان هما آخر ما يريدبوش وجودهما في المنطقة.و من الواضح تماما ً أن الرئيس بوش واليمين المحافظ الأمريكي والعسكريين الأمريكيين لا يحاولون رؤية المشكلة في سياقها الصحيح والبحث عن المعوقات التاريخية والسياسية التي حالت دون المنطقة والديمقراطية. أولى هذه المعوقات هي أن الدول في هذه المنطقة قد جرى تشكيلها في القرن الماضي وفقا ً لمصالح القوى العظمى في حينه. وثانيهما، وجود أنظمة ليست بحاجة لجباية الضرائب من مواطنيها لذا لم تكن بحاجة إلى محاسبتهم لها عبر صناديق الاقتراع. وثالثها، والأهم هو الصراع مع الكيان الصهيوني، والدعم اللامحدود الذي تقدمه الولايات المتحدة الأمريكية له.و مؤخرا وهو الأكثر أهمية لأمريكا الخوف من الراديكالية الإسلامية.و يصور الرئيس بوش حملته لدمقرطة الشرق الأوسط من منظور إما أبيض أو أسود. وهو بهذا يعكس لغة الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي( وهذا بالتأكيد يسعد المحافظين الجدد). وهو يعلم جيدا أن أي انتخابات حرة في العراق إذا عقدت غداً أو في المستقبل القريب ستكون كارثية للولايات المتحدة الأمريكية لأنها ستأتي بحكومة أكثر عداء لأمريكا من الأنظمة الراهنة. وهذه هي مشكلته الحالية في العراق. فإن كان فعلا ً يرغب في تطبيق الديمقراطية في العراق فإنه سيرى في النتيجة سلطة أو حكومة عراقية منتخبة معادية لأمريكا.‏

خامسا ً:إن نهاية الحرب الباردة وسيادة الأحادية الأمريكية قد فجر الإطار التقليدي للعلاقات الدولية. فالنزاعات ما بين الدول منذ خمسة عشرة عاما ً، حلت محل المواجهة العسكرية الأيديولوجية المباشرة بين الغرب بزعامة أمريكا والكتلة الشيوعية بزعامة الاتحاد السوفييتي. والحال هذه تم خصخصة الحرب التي أصبحت إقطاعية خاصة للشعوب الصغيرة التي لا تمتلك جيوشا، أو المجموعات الإثنية أو الدينية التي ليست لها من وسيلة لإسماع صوتها سوى وجود الأسلحة في " السوق الحرة".و خصخصة الحرب تمس الدول الكبيرة، وبالدرجة الأولى القوة العظمى الوحيدة في العالم: أمريكا، التي لجأت إلى الشركات العسكرية الأمريكية الخاصة لاستئجار مقاتلين للقيام بخدمات عسكرية في العراق. وتشكل هذه الشركات المأجورة قطاعاً اقتصادياً متنامياً في الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الماضية، إذ حققت مجموع مبيعاتها نحو 100 مليار دولار. وهي تستخدم موظفين وعسكريين قدامي كانوا يعملون في البنتاغون،و قد تعاقدت مع القوات الأمريكية. ويبلغ مجموع هؤلاء المأجورين 20000مرتزقا، الأمر الذي جعلهم يحتلون المرتبة الثانية بعد الجيش الأمريكي، وقبل الجيش البريطاني. ومن المستحيل محاسبة المرتزقة في الجيش الأمريكي عن أية جريمة يرتكبونها،لأن أصحاب الخدمات العسكرية المأجورة هم مدنيون في نظر القانون العسكري الأمريكي. فهم ليسوا جزءاً من القوات العسكرية الأمريكية، وبالتالي فهم لا يخضعون للتسلسل العسكري والإداري الذي يخضع لـه الجنود والضباط النظاميون، وبناء على ذلك لا يمكن تقديمهم للمحاكم العسكرية ولا ملاحقتهم بالقانون العسكري.‏

فنتائج الانتخابات العراقية، أفرزت تكتلا ً سياسيا ً شيعيا ً يحظى بدعم آية الله السيستاني، وسيحمل إلى عتبة السلطة في بغداد نظام الحكم، الذي دون أن يكون تابعا ً لإيران، سيشكل الصيغة التي تحظى بأعلى درجات القبول من قبل طهران.كما أن لا مصلحة لحلفاء أمريكافي المنطقة: أنظمة الحكم العربية السنية(الأردن، مصر، والعائلات المالكة في الخليج)من نجاح استراتيجية واشنطن بصدد نشر الديمقراطية، للأسبات التالية:‏

1 ـ لأنها أوصلت الشيعة إلى السلطة في العراق، الأمر الذي يمهد، في نظرها، بروز مجال شيعي دولي، بقيادة إيران، يشمل المناطق النفطية في شمال الخليج.‏

2 ـ ولأن ماجرى هو انتخابات، أي ممارسة ديمقراطية، حتى لوكانت في ظل الاحتلال الأمريكي، في الوقت الذي لا تتمتع فيه أنظمة الحكم القائمة بأي شرعية ديمقراطية.‏

3 ـ ولأن واشنطن قد أعدت لقيام الديمقراطية بصيغ مجردة وتقنية من دون أي اعتبار لمسألة جوهرية هي مسألة المشروعية السياسية. والحال أن المشروعية في العراق كما في أماكن أخرى من الشرق الأوسط لا يمكن أن تقوم إلا عبر الأخذ بعاملين اثنين: النزعة القومية والإسلام.و من مفارقات هذه الديمقراطية المصدرة بوساطة الحرب، أنها ستؤدي إلى تعزيزالنزعة القومية العربية التي مازالت معادية للغرب على نطاق واسع، وإضفاء طابع الشرعية على نسخة ملطفة من الأصولية الإسلامية. وبذلك تواجه الولايات المتحدة الأمريكية سوء فهم مستعصيا ً لمعنى الديمقراطية.‏

إن كل ما فعله الأمريكيون منذ أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 قد أدى إلى تدعيم مواقع إير ان الإقليمية، من خلال تدمير عدوي إيران الرئيسين هذين: أي صدام حسين(العروبة السياسية) وحركة طالبان، على الرغم من اعتبارها العدو رقم واحد. فبصرف النظر عن نظام الحكم الذي يسودها، تريد إيران أن تغدو القوة الإقليمية وتاليا ً شرطي خليج أكثر فارسية مما كان عليه في يوم من الأيام.و العقبة الرئيسة التي تعترض هذا الطموح تتمثل في التحالف القائم بين النزعة القومية العربية والنزعة السنية المتشددة.‏

هل نحن في وسط ربيع الديمقراطية العربية؟‏

ينتقد فرغاني بصورة خاصة إرادة الولايات المتحدة في فرض نموذجها الاقتصادي على الشرق الاوسط. يضاف الى ذلك ان الوثيقة تتجاهل المشكلات الرئيسة في العالم العربي إذ تطالب باندماج "اسرائيل" في المجموعة الإقليمية حتى من دون الاشارة إلى حقوق الفلسطينيين. وهي لا تهتم إلا باعادة إعمار العراق ـ وليس بسيادته ـ فيما يعني ذلك "توزيع العقود على الشركات المنتمية الى الدول التي ساهمت في تدمير العراق".‏

يصف التقرير غياب الشرعية الديمقراطية لدى أغلبية الأنظمة العربية، التي تشوّه الآليات الانتخابية والمؤسسات التمثيلية من خلال تزوير قواعد اللعبة. فنادراً ما تكون المؤسسات القضائية مستقلة عن الحكومات، في حال لم يقتصر الأمر فقط على سلطات قضائية استثنائية. وأنّ الأحزاب السياسية المعارضة، حتى لو تمّ قبولها، مهمّشة بمختلف أشكال العوائق.‏

ويصف التقرير، بشكل لافت، بأنّ الدولة العربية الحالية عبارة عن "ثقب أسود": على غرار الظاهرة الفضائية التي تحمل التسمية نفسها، تجذب ضمن حقل دورانها ـ المتمركز حول سلطة تنفيذية مهيمنة ـ القوى الحيّة في المجتمع. كلّ ذلك يؤدي، مع اجتراف الشرعيات التقليدية أو التي تتمتع بهيبة كبيرة، الدينية أو القومية، الى افتقار للحياة السياسية التي لم تكن منظمات المجتمع المدني قادرة حتى على تجاوزها.‏

5 ـ منتدى المستقبل بين "جلب الديمقراطية " واستراتيجية الهيمنة‏

من هنا جاءت مبادرة الإصلاح الديمقراطي للعالم العربي من الولايات المتحدة الأمريكية. وبينما اعتمدت مبادرة الشرق الأوسط الكبير الأمريكية على ما وصفه الأوروبيون بنموذج واحد للإصلاح، وافترضت أنه يصلح لكل الدول الواقعة في إطار الشرق الأوسط الكبير الذي عرفته المبادرة الأمريكية بأنه العالم العربي، مضافا ً إليه باكستان وأفغانستان وتركيا وإيران والكيان الصهيوني، أدخل الأوروبيون تعديلا ً أساسيا ً مفادُه أن نجاح الإصلاحات رهن ببلدان المنطقة، وأن التغيير يجب ألا يُـفرض من الخارج.‏

إن الأسس النظرية للمشروع الأميركي معروفة. والحرب على العراق تترتب على العمل الفكري الطويل والسياسي لمجموعة المحافظين الجدد الصغيرة، بدءاً بـ نورمان بودهورتز وريتشارد بورل ودافيد فرام وبرنارد لويس وفؤاد عجمي، وصولاً إلى المحبّب على قلب الرئيس جورج بوش وهو المنشق السوفييتي والسياسي الإسرائيلي اليميني ناتان شارانسكي. وجميعهم يتقاسمون رؤية واحدة للعالم العربي المنغمس في الانحطاط الدائم نتيجة الشوائب الثقافية والنفسية والدينية للمجتمعات العربية (أو الإسلامية). و"علم الوراثة" هذا يفسر العنف الإرهابي المتصاعد ويعوق الديمقرطة التي تعتبر العلاج الوحيد لكل تلك الآفات.‏

وفي مواجهة هذا الإرهاب الذي يمكنه في أي لحظة استخدام أسلحة الدمار الشامل (الكيميائية والجرثومية والنووية)، لا يمكن لأميركا بحسب المحافظين الجدد أن تنتظر من الدول القيام بإصلاحٍ ذاتي. ويتعين عليها بالتالي التصرف لتغيير مجرى التاريخ في العالم العربي الإسلامي، والتخلص من عيوبه وإجباره على الدمقرطة. ووحدها الولايات المتحدة قادرة على ذلك، عبر اللجوء إلى القوة عند الحاجة.‏

وإن هذه النظرية الولسونية اليمينية (نسبة إلى توماس ودرو ويلسن) تثير بفعل تماسكها الاهتمام. وإن التمسك المبهم بالديمقراطية يعتبر التبرير الأقصى للتصرفات الأميركية، وهذا أشبه بنهج "الاشتراكية" في الاتحاد السوفييتي. وإن أهمية الحرب على العراق لا تكمن في الفوائد التي يفترض أن تؤمنها لهذا البلد بل في الخطوة التي تجسدها في إطار خلق إطار جغرافي سياسي جديد، ونظام شامل للأمن والإصلاح يدار من واشنطن لصالح الجميع بحسب ما يزعمونه، بما في ذلك العالم العربي المضطرب(12).‏

باختصار، تمثل هذه الحرب في نظر المحافظين الجدد، العبور من الأفكار التجريدية كالـ"شر" والـ"ديمقراطية" إلى مشروع ملموس من الفتح والاحتلال والتحوّل، لكنها تكشف أيضاً عواقب تحولٍ مماثل. وكان منظّرو واشنطن وعدوا ً بإجراء انتقال سريع إلى دولة عراقية مستقلة ومستقرة وموحدة وعلمانية تكون نموذجا للديمقراطية في الشرق الأدنى. لكن عوض ذلك، أدى التدخل إلى مأساة أودت بحياة آلاف الجنود وعشرات آلاف المدنيين وهدمت قرى بكاملها وأعادت فتح طريق التعذيب من دون التوصل إلى ضمان أمن المدنيين أو تزويدهم بالماء والكهرباء والغاز: وهكذا تحوّل مجتمع مهدم على وشك الوقوع في حرب أهلية بحسب أجهزة الاستخبارات إلى مصنع ضخم للإرهاب(13).‏

وفي قمة مجموعة الدول الثماني، التي عُـقدت في مدينة سي أيلاند (ولاية جورجيا الأمريكية(سنة 2004، اعتمدت مبادرة معدلة للإصلاح في الشرق الأوسط تختلف في شكلها ومضمونها عما سُمي بمبادرة "الشرق الأوسط الكبير" التي طرحتها واشنطن.وتناولت بدرجة أساسية مسألة التنسيق فيما بينها حول ما يتعلق بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي في منطقة الشرق الأوسط الموسع أو الكبير التي تمتد من المغرب إلى أندونيسيا.‏

واستوعبت التعديلات الأوروبية التي انطوت عليها المبادرة الصادرة عن قمة الدول الصناعية معضلة تبرير تأجيل إدخال الإصلاحات في العالم العربي بأولوية حل الصراع العربي الصهيوني، حينما أكّدت المبادرة التي تحمل اسم "الشراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك مع منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" ضرورة حل النزاعات الطويلة الأمد، لاسيماالنزاع الفلسطيني –الصهيوني الذي يُعتبر عاملا مُهما للتقدم في المنطقة، غير أن المبادرة أشارت في الوقت نفسه إلى ضرورة ألا تكون الصراعات الإقليمية عقبة أمام الإصلاح.‏

وعالجت المبادرة المعدّلة كذلك المخاوف العربية من أن تنطوي مبادرة" الشرق الأوسط الكبير" على تدخل أمريكي لفرض نمط مُعين على المجتمعات العربية بأن دعت إلى إنشاء منتدى المستقبل للجمع بين وزراء من مجموعة الثمانية، ومن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في لقاءات دورية لمناقشة قضايا الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي فيها، وأكدت المبادرة الجديدة على أن دعم مجموعة الثماني لدفع خطى الإصلاحات سيكون من خلال شراكة ستقوم على تعاون حقيقي مع حكومات المنطقة ومع ممثلي القطاعات الاقتصادية والمجتمع المدني لترسيخ الحرية والديمقراطية وتحقيق النمو والازدهار للجميع.‏

وقد جاءت أول الانتقادات وألذعها من رئيس تحرير "تقرير التنمية البشرية العربية" المصري نادر فرجاني الذي استنكر وضع واشنطن يدها على التقرير فنشر في "الحياة" مقالا ً يشير فيه إلى أن آلية العمل ـ المهلة القصيرة المعطاة للدول الثماني وللدول العربية لإبداء الرأي في المشروع ـ تبرهن عن "العقلية المتعجرفة للادارة الاميركية الحالية تجاه سائر العالم وسلوكها كانها تتحكم بمصائر الدول والشعوب"(14).‏

في الختام، يدعو فرجاني الدول العربية إلى رفض المشروع الأميركي مع الإشارة الى إن هذا الرفض لا معنى لـه اذا لم يترافق مع جهد أصيل لهذه الدول لاجراء إصلاح نابع من مجتمعاتها يسعى الى النهوض بالعالم العربي. هذا ما رمى اليه في الواقع تقرير الصندوق العربي وبرنامج الامم المتحدة للتنمية في اصداره الأخير في تشرين الاول/اكتوبر 2003 بعد المآخذ التي وجهت الى صيغته الاولى (تموز/يوليو 2002) بالتقيد بالمسار النيوليبيرالي واهمال مسؤولية الهيمنة الخارجية عن احوال العالم العربي. يشدد تقرير العام 2003 على الطبيعة التبعية للاقتصادات العربية ويخفف من غلوائه الليبيرالية في الجانب الاقتصادي ليحذر من استبدال احتكار الدولة بالاحتكارات الخاصة موجها الانتقاد الشديد اللهجة للسياسات الاميركية والصهيونية في الشرق الاوسط.‏

ويأخذ الكاتب على الوثيقة تعميم معطيات عربية على منطقة جغرافية واسعة ومتنوعة غالبيتها مسلمة ومصنفة في نظر المحافظين الجدد على إنها بؤرة الإرهاب، ويضرب هذا التعميم عرض الحائط بخصوصيات الدول المعنية. ويعرض فرجاني لاسباب عدة تدعو الى رفض المشروع رفضا ً قاطعا ً. أولا ً لأنه "مفروض من الخارج" من دون استشارة مسبقة للمعنيين الرئيسيين به. ومن ثم لانه يفتقر الى "المصداقية" كونه صادرا ً عن إدارة تزرع الفساد في العالم العربي وتهدد مصالحه. لذا فان وثيقة واشنطن ترنكز على تقرير الصندوق العربي وبرنامج الامم المتحدة للتنمية كما "يتكىء السكير على المصباح كي لا يقع وليس كي ينيرنا به".‏

ويضيف في تعبيره عن شعور عام في المنطقة ان واشنطن تسعى الى "توريط" اوروبا في مشاريعها الخاصة. وينطبق ذلك على الدول التي عارضت اجتياح العراق وفي مقدمها المانيا وفرنسا والتي "حازت تأييد الشعب العربي واحترامه إلى درجة أن قوى التغيير في المنطقة تنظر إليها كدول حليفة لها". اذا التحقت هذه الدول بالسياسة الاميركية فانها، بحسب فرغاني، "ستخسر الرأسمال السياسي الذي حققته من دعمها ولو المحدود للحقوق العربية". ويبدو ان هذا هو "الهدف الكامن" وراء الوثيقة الاميركية.‏

وقد أعربت الخبيرة (منى يعقوبيان)، مستشارة المعهد الأمريكي للسلام في واشنطن عن اعتقادها بأن الفارق الأساسي بين المبادرة الأمريكية الأصلية وتلك الصادرة عن قمة الثماني هي أن مبادرة "الشرق الأوسط الكبير "كانت تتّجه أكثر إلى العمل مع المنظمات غير الحكومية في العالم العربي ومؤسسات المجتمع المدني بعكس مبادرة قمة الثماني التي تميل أكثر إلى العمل مع الحكومات ووفقا لمدى رغبة كل منها، وترى أن هذا فارق بالغ الأهمية. كما رأت السيدة يعقوبيان أنه بينما تسعى المبادرتان إلى الإسراع بخطى الإصلاح في المنطقة، إن الأمر يتوقّف في المبادرة المعدلة على مدى استعداد مجموعة الدول الثماني للضغط الفعلي من أجل إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي.وقالت الخبيرة المعنية بمبادرة لمعهد السلام الخاصة بالعالم الإسلامي، إن السؤال الذي سيُحدد توجه التغيير وسرعته هو: ما هو القطاع من المجتمعات العربية الذي ستعمل معه مجموعة الثماني لإحداث التغيير والإصلاح؟ فإذا اقتصر عملها على التعاون مع الحكومات الراغبة في اتخاذ خطوات الإصلاح، فإن نطاق الإصلاح سيكون أضيق بكثير مما لو اختارت مجموعة الثماني أن تتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، بالإضافة إلي الحكومات الراغبة.‏

وترى مني يعقوبيان أن التعديل الخاص بعدم اتّـباع نموذج واحد للإصلاح يصلح لكل المجتمعات لم يتطرق بالتفصيل إلى كيفية إحداث الإصلاحات المطلوبة، واكتفى بالإقرار بشكل غير متعمّـق بخصوصية كل دولة واختلاف الظروف فيها، وبالتالي، ضرورة اختلاف منهج وسرعة إيقاع الإصلاح بحسب تلك الظروف.‏

ولاحظت أن صياغة مبادرة الشرق الأوسط الكبير، وإن كانت أكثر طموحا ً، فإنها كانت أيضا ً أكثر حسما ًوصلابة في إبراز الحاجة الماسة للإصلاحات، بينما تشير صياغة المبادرة المعدلة إلى وضع يقترب كثيرا من إبقاء الحال على ما هو عليه، ما لم تكن الحكومات راغبة في إدخال الإصلاحات.‏

وانبثق عن قمة مجموعة الثماني منتدى المستقبل في شهر حزيران/يونيو من سنة 2004،و عقد مؤتمره الأول في المغرب يومي 11 و12كانون الأول/ديسمبرمن السنة عينها، بمشاركة أكثر من عشرين دولة عربية وأجنبية من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وممثلين عن مجموعة الثماني على مستوى وزراء الخارجية والمالية.‏

وركز المنتدى بصفة خاصة على الإصلاحات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى محاولة إيجاد حلول لمشكلات الحدود في منطقة المغرب العربي، والنزاع المغربي الجزائري حول الصحراءالمغربية والخلاف الليبي الموريتاني، هذا المنتدى بوصفه المؤتمر الأول في إطارمايسمى" مشروع الشرق الأوسط الكبير"الذي يهدف إلى تطوير الديمقراطية في العالم العربي، لا يحمل أية مبادرات جديدة لتشجيع الإصلاح الديمقراطي الحقيقي.‏

فبعد أن كانت مهمة "إصلاح المنطقة" تحتكرُها الولايات المتحدة من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي طرحته إدارة الرئيس بوش، أصبحت المهمة دولية، وتتولّى الإشراف على تنفيذها ومتابعة مراحلها كُبريات الحكومات الغربية. وكان الرئيس بوش يتحدث عن "جلب الديمقراطية" إلى العالم العربي منذ عام 2002.‏

لا شك أن هناك تحديات جمّـة تواجه تنفيذ المبادرة المعدلة، أولها عدم وجود آلية لضمان تحرك دول المنطقة بالفعل نحو الإصلاح السياسي، لا من خلال ربط المساعدات الخارجية بمدى ما تحقق من خطوات الإصلاح، ولا من خلال منح حوافز لتشجيع التحرك نحو الإصلاح المنشود، وبذلك، لم تحدد المبادرة الجديدة استراتيجية واضحة للتنفيذ.كما أن هناك تحديا آخر يتمثل في أن المشاعر المعادية للولايات المتحدة وصلت إلى ذِروتهافي عموم العالم العربي، وتلونت بقدرٍ عالٍ من القتامة والكراهية الشرسة للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك للأسباب التالية :‏

1 ـ التطابق الاستراتيجي في الرؤى والمواقف بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني إزاء كيفية التعامل مع الصراع الفلسطيني –الصهيوني، وإعطاء الرئيس بوش الضوء الأخضرلحكومة شارون بتصفية المقاومة الفلسطينية، وبالتالي القضية الفلسطينية، تجلى ذلك في التحول الرئيس في الموقف الأمريكي من المستوطنات وحق العودة وبناء السور من خلال خطاب الضمانات الذي سلمه بوش لشارون والسماح لـه بتجزئة المرحلة الأولى من خارطة الطريق إلى عدة مراحل أدت إلى تأجيل احتمالات تنفيذها من المستقبل المتوسط إلى المستقبل البعيد.‏

2 ـ عملية غزو العراق واحتلال الولايات المتحدة لدولة عربية وهي سابقة تاريخية تجعل العرب ينظرون إلى الولايات المتحدة كامتداد لمرحلة الاستعمار البريطاني والفرنسي لأراضيهم.‏

3 ـ تصاعد التهديدات الأمريكية لسورية وإيران يعمق الشعور بأن الولايات المتحدة تسعى للهيمنة الإقليمية وتنفيذ خطة القرن الأمريكي الجديد التي رسمها المحافظون الجدد.‏

4 ـ التصعيد المحتمل ضد السودان حول أزمة دارفور حتى بعد أن رضخت حكومته للضغوط الأمريكية وقبلت بتقاسم السلطة والثروة مع الجنوبيين.‏

5 ـ تردي العلاقات الأمريكية مع الدول العربية الصديقة لاسيما السعودية ومصر وانحسار علاقات التعاون الاستراتيجي معها.‏

6 ـ نزوع الولايات المتحدة إلى تجاهل التشاور مع الأطراف العربية حول خطط الإصلاح قبل طرح مبادرتها المسماة "الشرق الأوسط الكبير" على مجموعة الدول الصناعية الكبرى مما زاد الشكوك العربية حول رغبة واشنطن في فرض التغيير على العالم العربي.ثم إن العداء الشديد لادارة بوش في البلدان العربية والتشكيك المتزايد بكل ما يصدر عنها دفع بحلفاء واشنطن كمصر والسعودية الى الوقوف على مسافة سريعة من المبادرة الاميركية. حتى ان الرئيس مبارك تزعم معسكر المنتقدين كي يتفادى الانتقادات القاسية التي ستتعرض لها المبادرة. فبعد التعبير عن تحفظاته زار السعودية حيث رفض بالتوافق مع المسؤولين فيها "الفرض الخارجي لنوع محدد من الاصلاحات على البلدان العربية والاسلامية"(15).‏

7 ـ نزوع الولايات المتحدة إلى استخدام تعبير الشرق الأوسط عند الحديث عن المنطقة العربية والكف عن استخدام تعبير"العالم العربي".‏

8 ـ محاولة خلق نوع من التطابق بين ما هو عربي وما هو مسلم كمفاهيم استراتيجية فيما يتعلق بالمصالح والتهديدات وإمكانات العمل ودمج الدول العربية والإسلامية في شرق أوسط كبير يمتد من المغرب وحتى إندونيسيا.‏

9 ـ اختراق الحدود بالتأثير الأمريكي في مجريات الأمور من داخل العالم العربي وليس من خارجه.‏

10 ـ تبدل آليات التغيير الأمريكي المطلوب بحيث لم تعد الولايات المتحدة تستبعد اللجوء إلى استخدام القوة لتغيير النظم السياسية في العالم العربي.‏

11 ـ التأثير السلبي على القضية الفلسطينية التي كانت جزءا ً هاما ً من منظومة العلاقات العربية الأمريكية بحيث انهار التركيز الأمريكي على خلق نظام ينطوي على السلام والتعاون في المنطقة ليحل محله 2 ـ تآكل العلاقات التقليدية بين الولايات المتحدة ومن يسمون بالمعتدلين العرب كالسعودية ومصر من خلال تعاون دام ربع قرن لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة هي تحقيق السلام وحماية أمن الخليج والحفاظ على استقرار المنطقة.‏

12 ـ احتدام المجابهة بين منظومة القيم لطرفي العلاقات العربية الأمريكية وخلق صور نمطية سلبية لدى كل طرف عن الطرف الآخر بحيث أصبحت نظرة الطرف الأمريكي إلى العرب متمثلة في أن العرب بدو يتسمون بالشراسة ولا أمان لهم وبوسعهم الانحدار إلى مستويات وحشية كقطع الرقاب كما أن عقلية البازار تسيطر عليهم فيغرقون في المساومة على أشياء لا تستحق التفاوض كما أنهم منافقون يدّعون الفضيلة ولكنهم يقبلون على رقص البطون العارية وهم أثرياء بترول ولكنهم لا يستخدمون ثرواتهم في تنمية بلادهم ولدى العرب مبرر لنسف الآخرين ولا يجدون غضاضة في اللجوء إلى الإرهاب كما أنهم رجعيون يعيشون على أمجاد الماضي. وعلى الطرف الآخر، حدث تشويه لصورة أمريكا عند العرب الذين ينظرون الآن إلى الطرف الأمريكي على أنه يتعامل مع العالم بعقلية راعي البقر الذي لا يعبأ بالقانون ويسرف في استخدام القوة من دون مبرر وأنه محكوم بنزعة استعمارية تجعل منه امتدادا ً لتاريخ طويل من النظام الاستعماري العالمي، كما ينظر العرب إلى الطرف الأمريكي على أنه رأسمالي مستغل يمتص دماء الفقراء والعمالة الرخيصة وأن اليهود الأمريكيين مسيطرون على الاقتصاد والإعلام بل والقرار السياسي وبالتالي لا يفسر الطرف العربي أي إجراء أمريكي إلا من خلال نظرية التآمر واستهداف العرب والمسلمين وأن الطرف الأمريكي يقوم بدور الصليبيين الجدد ولكنهم جبناء يهربون من الالتحام المباشر كما حدث في بيروت والصومال.‏

ـ 13 تناقص الاعتماد المتبادل بين الطرفين العربي والأمريكي في مجالات التجارة والسياحة وكل أشكال التعاون الأخرى.‏

14 ـ انحسار التفكير الاستراتيجي المشترك بين الجانبين وتحوله إلى مجالات محدودة تختلف بحسب سخونة الموقف من فلسطين إلى الإصلاح ثم إلى مكافحة الإرهاب بحيث لم يعد هناك تصور استراتيجي مشترك يجمع بين الولايات المتحدة وأصدقائها التقليديين في العالم العربي.‏

إضافة إلى هذه الأسباب الموضوعية هناك دور الحركات الإسلامية المعتدلة الموجودة في العديد من الأقطار العربية، والتي طرحت تصورا ً للإصلاح الشامل وأضافت بُـعدا ً آخر لعدد من مقترحات الإصلاح الأخرى التي انبثقت من منظمات المجتمع المدني في مصر وفي عدد آخر من الدول العربية.وخلصت إلى أنه يتعين على المبادرة الأوروبية ـ الأمريكية أن تتعامل مع واقع الدور القوي الذي يؤدّيه الإسلام السياسي كأبرز قوى التغيير، بحيث لا يتم استبعاد العناصر المعتدلة داخل ذلك التيار لكي يصبح التغيير والإصلاح أكثر فعالية ومصداقية.وبررت انتقادها للمبادرة على النحو التالي:‏

أولا ً: رفع شعار أن "المفروض مرفوض"، لاسيماإذا جاء من الخارج، وتستخدم في ذلك تعبئة الرأي العام واستثارة المشاعر الوطنية المستقلة.‏

ثانيا ً: رفض القبول بإدخال إصلاحات جزئية وشكلية تحمل البعض على الاعتقاد بوجود شكل ما من الممارسة الديمقراطية في إطار التعددية السياسية المقيدة، وتنطوي على واجهة تسمح بقدر معين من الحرية دون أن تصل بالممارسة السياسية إلى تداول السلطة أو التأثير الفعلي في صنع القرار‏

ثالثا ً: دعم علاقات بعض الأنظمة العربية بفروع مهمة من الإدارة الأمريكية، مثل وزارة الدفاع من خلال التعاون الأمني والتسهيلات الدفاعية والمناورات المشتركة وغيرها لكي تضغط تلك الأنظمة العربية من خلال التحالف مع وزارة الدفاع الأمريكية في الاتجاه المعاكس لتوجهات وزارة الخارجية نحو إحداث إصلاحات في العالم العربي.‏

رابعا ً: استخدام الطرف الأوروبي ضد الطرف الأمريكي في مقاومة أي ضغوط أمريكية للتغيير باستغلال التنافس بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة على قيادة التغيير مُـدركين أن الاتحاد الأوروبي لا يركّـز على مسألة الإصلاح السياسي ويشدد على الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، ما يسمح للحكام العرب بإبقاء الوضع على ما هو عليه فيما يتعلق باستمرارهم في الحكم وشراء مزيد من الوقت.‏

من الواضح أن المغرب العربي بوصفه جزءا ً من هذا العالم العربي الكبير أصبح مع مطلع القرن الجديد في قلب الاستراتيجيات الدولية، تتجاذبها أوروبا الغربية من جهة، وأمريكا من جهة أخرى، دون أن يكون مستقلا ً في إرادته السياسية وا ختياراته الوطنية.وإذا كان هذا حال الحكومات المحلية التي لم تعُـد قادرة على رفض ما يُـطرح، أو ملاحقة ما يجري، حيث لم يبق لها من خيار سوى المشاركة في مختلف المبادرات والحوارات على أمل الخروج ببعض المكاسب أو بأقل الأضرار، فإنه من باب أولي أن تُـصاب المجتمعات المدنية المغاربية بالارتباك، وهي المسكونة أصلا ً بالخوف والشكوك، سواء في نوايا الحكام أو في أطماع الدول الغربية.‏

و الحال هذه انفجر الخلاف بمناسبة انعقاد اجتماع "منتدى المستقبل" بين من يدعون إلى مقاطعة هذه التظاهرة الدولية، ويرون فيها "وجها ًسياسيا ً لمخطط أمني وعسكري"، وبين من يُـحذرون من مَـخاطر انتهاج سياسة "الكراسي الشاغرة.‏

فقد اعتبرت عدة قوى سياسية ومنظمات أهلية من المغرب العربي، المبادرة كلها سوى تمهيدا لعودة الإمبريالية والاستعمار الغربي للمنطقة.و يعتقد المناهضون للمنتدى أن الذي أسفرت عنه قمة الثمانية كان "خطوة نحو إدماج الاتحاد الأوروبي في المشروع الأمريكي للشراكة مع الشرق الأوسط الكبير، وذلك بعد تعديل بعض جزئياته، أي أن مستقبل علاقة دول جنوب المتوسط، وضمنها المغرب، مع الاتحاد الأوروبي أصبح هو الآخر مرتهنا ً في أهدافه وتوجّـهاته وأولوياته للمشروع الأمريكي في إعادة صياغة المنطقة العربية ككل".‏

الأكيد، أن المنظمات الأهلية العربية تجد نفسها لأول مرة مدعوة لتأسيس نمط جديد من المنتديات التي تهدف إلى ممارسة الضغط على الجهات الرسمية. ومما يكسب الاجتماع الموازي، الذي نظم على هامش "منتدى المستقبل" أهمية خاصة وجود أطراف دولية ومحلية ضمن هيئة التنسيق، مثل الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والشبكة الأورو ـ متوسطية لحقوق الإنسان، إلى جانب "المنظمة المغربية لحقوق الإنسان" و"منتدى المواطنة بالمغرب". فهل ستنجح هذه الأطراف في تأسيس "آلية جديدة لدفع عملية الإصلاح وتعزيز حقوق الإنسان في المنطقة"، كما ورد في الورقة التمهيدية للأطراف المنظمة للاجتماع؟ هذا ما سيقع اختباره خلال الفترة القادمة.‏

لكن الإصلاح الحقيقي الديمقراطي والتقدمي والقادر على إرضاء حاجات الشعوب المغاربية، يجب أن يتخطى هذه الدمقرطة الخجولة القائمة على الانتخابات الدستورية المحدودة. ويتطلب من القوى السياسية التخلص مما يصفه برنامج الأمم المتحدة للتنمية في تقريره حول التنمية البشرية العربية (2004) بالـ"فجوة السوداء في الدول العربية". وقد اعتبرت هذه الوثيقة أن حصر السلطات في أيدي السلطة التنفيذية، أكان ملكيا ًأو عسكرياً أو ديكتاتورياً أو ناتجاً عن انتخابات رئاسية قائمة على المرشح الواحد، أثار "ما يشبه الفجوة السوداء في قلب الحياة السياسية" وجمّد الحياة الاجتماعية. وللخروج من هذا المأزق، تدعو الحاجة إلى إصلاحات سياسية وقانونية قوية ومباشرة، تقود إلى فصل السلطات تحترم حريات الرأي والتعبير التي تضمن حرية القضاء وتقضي على "حالة الطوارئ التي أصبحت دائمة رغم غياب المخاطر التي تبررها".‏

(1) Nathan Sharansky, The Case for Democracy. The Power of Freedom to Overcome Tyranny & Terror, Public Affairs, New York, 2004.‏

(2) ورد في صحيفة "الاندبندنت"، لندن، 6/2/2005.‏

(3) Gilbert Achcar, “ Le nouveau masque de la politique américaine au Proche ـ Monde diplomatique, avril 2004 Orient ”, Le‏

(4) Ruel Marc Gerecht, “ The struggle for the Middle East ”, The Weekly Standart, Washington, 3 janvier 2OO5.‏

(5) Bernard Lewis, “ Rethinking the Middle East ”, Foreign Affairs, New York, automne 1992‏

(6) Robert Satloff, “Memo to Karen P. Hughes”, Washington Institute for Near East Policy, 28 mars 2005.‏

(7) Fouad Ajami, “ The Autumn of the autocrats ”, Foreign Affairs, New York, mai ـ juin 2005.‏

(8) Robert Satloff, Assessing the Bush administration’s policy of constructive instability‏

(9) اقرأ حول برنامج "دمقرطة" الشرق الأوسط، العرض الساذج في مقالة Victor Davis Hanson, “ Democracy in the Middle East: It’s the hardheaded solution ”, The Weekly Standard, 21 octobre 2002.‏

(10) George W. Bush, “ President Discusses the Future of Iraq ”, Office of the Press Secretary The White House, 26 février 2003.‏

(11) George W. Bush, “ Remarks by the President in Commencement Address at the University of South Carolina ”, Office of the Press Secretary, The White House, 9 mai 2003.‏

(12) العالم العربي بين الأزمة والإصلاح ـ ترجمة: ألين طباع عن "لوموند ديبلوماتيك،تشرين الأول/أكتوبر 2005، صحيفة البلد الثلاثاء، 11 تشرين الأول/أكتوبر، 2005.‏

(13) المرجع السابق عينه.‏

(14) صحيفة الحياة، 19 شباط/فبراير 2004‏

(15) Nevine Khalil, “ Winds of Change ”, Al ـ Ahram Weekly, Le Caire, 26 février 2004.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244