اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل ـــ توفيق المديني

دراسة تاريخية سياسية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 04:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل التاسع التجربة الديمقراطية في المغرب أمام استعصاءاتها

شهد المغرب طوال العقود الثلاثة السادس والسابع والثامن من القرن الماضي صراعا ً مريرا ً بين القصر الملكي من جهة والحركة الوطنية التي كان يطغى عليها الطابع اليساري الاشتراكي من جهة أخرى.ويعرف المناضلون من أجل الديمقراطية، والمدافعون عن حقوق الإنسان في المغرب، تلك السنوات العجاف والسوداءبسنوات الرصاص: نظرا لامتلاء السجون المغربية بالمعتقلين والمساجين السياسيين، لاسيما في سجن تازمامارت الشهير، إضافة إلى احتدام الصراع الاجتماعي والسياسي الذي ترجم إلى ثلاث انتفاضات شعبية كبيرة عمت المدن المغربية الرئيسة، في سنوات 1965، 1981، و1991. فقمع النظام الملكي المظاهرات، لاسيما في الدار البيضاء آذار/مارس 1965، وقضى على الزعامة اليسارية للحركة الوطنية المغربية(اختطاف المهدي بن بركة في تشرين الثاني/نوفمبر 1965 واغتياله) وأتاح المجال أمام تعطيل البرلمان إلى أجل غير مسمى ابتداء من شهر تموز/ يوليو من السنة عينها. كما أن الصراع على السلطة اتخذ شكلا ً مسلحا ً، في محاولتي انقلاب 1971 (التمرد المسلح ومحاولة اغتيال الملك الحسن الثاني الراحل في قصر الصخيرات) و1972(مهاجمة طائرة الملك) والتي كادت تنهي العهد الملكي، وأخيرا ً، محاولة انتفاضة مسلحة 1973 أُخمدت قبل أن تنتشر.‏

لم يكن الحسن الثاني يخفي تشاؤمه من الديمقراطية. وقد اعترف بذلك دون مواربة في كتابه"ذاكرة ملك"، فكلما فكر في إصلاح مؤسسة سلطة المخزن، وعزم على بناء ديمقراطية واضحة، اعترضت سبيله قوافل الموت. وقد ذكر أنه في عامي 1971 و1972 حين اختارالاتجاه نحو الديمقراطية، كان ثمة من يترصده للانقضاض على السلطة بالقوة(انقلابا ً المذبوح وأوفقير). وحين طرد الحسن الثاني كابوس الانقلاب وبدأ العودة نحو الديمقراطية، خرجت من ثنايا التاريخ قضية الصحراء التي جعلته يختار "الأسوأ" لتحقيق الممكن!وحين طالت قضية الصحراء وأصبحت بمنزلة"الحكم بالموت المؤجل" على آمال الديمقراطية، راى الملك الحسن الثاني أن تأجيل الديمقراطية لم يعد يناسب معركة التحرير.غير أنه ما أن وضع قطار الديمقراطية على سكته، حتى استعد قطار الموت ليلتحق به. وهكذا، إذا كان العاهل الحسن الثاني متشائما من "الديمقراطية"، فلأنه كان يدرك بحسه الشرقي النائم في الخرافة، أن الديمقراطية لا تقبل النوم في فراش ملوك الشرق الجبابرة!(1).‏

يشهد التاريخ للملك الحسن الثاني أنه رجل دولة بارع في اللجوء إلى استخدام سلاح المسألة الوطنية لطمس أي حل راديكالي للمسألة الديمقراطية في المغرب. فقامت الملكية المغربية بمطالبة الجزائر بأراض متنازع عليها في مرحلة أولى، فكانت حرب الرمال مع الجزائر سنة 1963،واستغلت الأحزاب الموالية للمخزن المناسبة لاتهام المناضلين اليساريين بالخيانة. وقد لجأت الملكية إلى أفضل سلاح من المزايدة الوطنية من أجل مواجهة ضغوط المعارضة اليسارية بقيادة حزبها الرئيس الاتحاد الوطني للقوى الشعبية، الذي أسسه وتزعمه المهدي بن بركة.و كان هذا الأخير يشعر أنه قريب من النظام الجزائري بقيادة الرئيس السابق أحمد بن بلّه. وقد تم القضاء على قيادة حزبه بتهمة التآمر على أمن الدولة. وعند اندلاع "حرب الرمال" في تشرين الأول /أكتوبر 1963 استنكر المهدي بن بركة من منفاه في الجزائر ما اسماه" اعتداء الملكية الإقطاعية على الثورة الجزائرية". وقد أدى ذلك إلى إضعاف الاتحاد الوطني للقوى الشعبية لفترة طويلة.‏

بعد الصدمة التي تلقتها سنة 1963، تبنت المعارضة اليسارية على اختلاف أطيافها السياسية والإيديولوجية خطاب الملكية المغربية بشأن المسألة الوطنية. والحال هذه أيدت مبدأ "استرداد" الصحراء الغربية التي كانت خاضعة للسيطرة الإسبانية باستثناء تنظيم ماركسي لينيني "إلى الأمام" بقيادة إبراهام سرفاتي. وقد دعت المعارضة اليسارية سنة 1975 إلى المشاركة في المسيرة الخضراء، التي قام الملك الحسن الثاني من خلالها باجتياح الصحراء بوساطة عشرات آلاف المغاربة حاملين المصاحف وصور الملك وذلك يوم إعلان انسحاب الجنود الإسبان منها.و هكذا، اصطفت مكونات الحركة الوطنية المغربية على أرضية الخط السياسي للملك، إذ حقق هذا الأخير هدفه باستيعاب أخطر أعدائه، أي ورثة المهدي بن بركة(2).‏

وليس خافيا ً على أحد أن جذور الصراع بين الحركة الوطنية المغربية والملكية يعود إلى مرحلة الاستقلال السياسي للمغرب، إذ إن التسوية السياسية التاريخية التي أبرمتها الملكية المغربية مع الاستعمار الفرنسي بشأن ذلك الاستقلال لم تكن محل إجماع سياسي وطني.ففيما استمرالجناح الراديكالي للحركة الوطنية في خوض حرب التحرير الوطني ضد الاستعمار في المناطق الشمالية والجنوبية للمغرب عبر ذراعه المسلح جيش التحرير المغربي، كان القصر مهتما بتدعيم أسس الملكية عبر الاستقواء بفرنسا. فقام ولي العهد آنذاك، مولاي الحسن، القائد الفعلي للقوات الملكية المغربية بالقضاء على الانتفاضات المسلحة في الجنوب بتافيلالت (1957) وأخرى في منطقة الريف بالشمال‏

(1958)، بفضل مساعدة العسكريين الفرنسيين والإسبان، وحارب خصوم الملكية بقسوة الذين كانوا يريدون القضاء على سلطة العرش.. وانتصرت الملكية المغربية على الجناح اليساري الراديكالي للحركة الوطنية التي كان يمثلها الزعيمان المهدي بن بركة والفقيه محمد البصري.‏

لقد اعتمدت الملكية المغربية، لاسيما ولي العهد مولاي الحسن، على الدعم السري والفعال لفرنسا، الذي كان حضورها لا يزال قويا ً في الجيش ومختلف تشكيلات الأمن، إضافة إلى إسهامها في تكوين العديد من الكوادر المغربية في الكليات الحربية والأمنية الفرنسية. بعد عشرين سنة من قمع التمرد المسلح، أكد الملك الحسن الثاني في كتابه التحدي، أن أولوية الأولويات للقصر، هي بناء سلطة قوية ترتكز على جيش حقيقي وبوليس فعال:"لقد استوعبنا بسرعة المغاربة المجندين في الجيوش الفرنسية والإسبانية، من أجل تشكيل وحدات عسكرية جديدةحيث تجد القوات المسلحة للتحرير مكانها فيها،وخلقنا كليات للضباط ولضباط الصف، في الوقت الذي كانت كوادرنا تقوم بدورات في المدارس العليا في فرنسا وإسبانيا.و في ربيع عام 1956، كانت القوات المسلحة الملكية موجودة، رافعة شعار: "الله، الوطن، الملك"(3).‏

ومع الاختفاء التدريجي لجيش التحرير، وحلّ المجموعات المسلحة، واندماجها في صفوف القوات المسلحة الملكية، وعودة العناصر المقاومة إلى الشرعية،تكون الملكية قد اقتلعت شوكة قوية من أرجلها. ومع وفاة الملك محمد الخامس في 26 شباط/فبراير 1961، أصبح الحسن الثاني ملكا على المغرب، وشكل حكومته الأولى في يونيو من السنة عينها، فاحتفظ لنفسه برئاسة الوزراء ووزارة الخارجية. أما الداخلية فقد كانت من نصيب صديق العمر أحمد رضا غديرة. وأبعد اليساريين، لاسيما الحزب الشيوعي واتحاد القوى الشعبية من الوزارة، ثم اتجه إلى تنظيم استفتاء شعبي لإلغاء ما كانت تطالب به الحركة الوطنية المغربية بإقامة ملكية دستورية، وفصل بين السلطات.‏

ضمن هذا السياق التاريخي، تم القضاء على الجنين الديمقراطي المغربي في المهد، وشرعنت الملكية المغربية أسلوباً سلطوياً مطلقاً في الحكم مدعوما ً بمجلس من العلماء المستشارين، يستبعد المشاركة الشعبية والتعددية السياسية، ويناهض نموذج الحكم الديمقراطي الغربي بل يرفضه مطلقا.و بالمقابل، لم تطرح المعارضة اليسارية المغربية رؤية أكثر تقدمية أو ليبرالية للديمقراطية المنشودة. فالاستبداد السياسي الملكي ولّد استبدادا ً سياسياً مضادا ً، بتركيز النخب السياسية على إزاحة النظام الملكي بأي وسيلة كانت،و اللجوء إلى التصفيات الجسدية للخصوم السياسيين. فكان مطلب تحقيق العدالة الاجتماعية وتغيير البنى الاجتماعية أكبر منهما إلى الديمقراطية.‏

وشهدت سنوات الاستقلال صراعا ً قويا ً بين قوتين رئيستين هما: قوة القصر وقوة حزب الاستقلال. إذ كان لكل طرف منهما رؤيته للنظام الحزبي الذي سيعمل به، ينسجم مع خدمة مصالحه. فبينما كان حزب الاستقلال يسعى لإقامة نظام الحزب الوحيد المهيمن، كان القصر يراهن على النظام الحزبي "التعددي". وحين صدر ظهير الحريات العامة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1958، الذي حدد الإجراءات القانونية لتأسيس الأحزاب السياسية، ظل واقع الحريات السياسية على حاله، بسبب سياسات احتكار السلطة من جانب القصر وهضم الحقوق وانتهاك الحريات التي نهجتها الملكية طويلا ً، وأصابت الأفراد والأحزاب السياسية، لا سيما منها الأحزاب التي تناضل في سبيل إقامة ملكية دستورية.‏

ومع توطد سلطة الملك الحسن الثاني داخليا ً، بإنهاء عهد الاضطراب الإداري والاجتماعي والازدواجي السياسي مع وجود عناصر يسارية في الحكومة الأولى التي شكلها الراحل عبد الله إبراهيم، يكون بذلك حسم استحالة انتقال المغرب إلى النظام الدستوري.و منذ أن ناداه والده محمد الخامس وليا للعهد، وضع الحسن الثاني صوب عينيه أن يكون ملكا يملك ويحكم. ففي مناسبات عدة احتدم الجدال بين المعارضة اليسارية والقصر حول الانتقال إلى مملكة دستورية على المنوال الأوروبي(بريطانيا، بلجيكا وإسبانيا)، خصوصا ً حين عرض على الاستفتاء في كانون الأول /ديسمبر 1962 أول دستور ممنوح، وذلك بعد موت الملك محمد الخامس، الذي كانت سياسة المغرب في عهده تتجه اتجاها معاديا ً للإمبريالية. فكان مشروع الدستور رجعيا ً لا يعمل إلا على "شرعنة " البنيات الاقتصادية والاجتماعية الموروثة عن سلطات الحماية، فضلا عن أنه دستور لا يؤسس ملكية دستورية بل "يدستر" constitutionnaliser الملكية المطلقة، في حين أن المعارضة اليسارية كانت تطالب بانتخاب مجلس تأسيسي توكل إليه مهمة وضع دستور ديمقراطي.‏

لقد ساق الملك الحسن الثاني حججا يقاومها أصحاب الانتقال إلى مملكة دستورية، تقول إن الثقافة العربية الإسلامية لم تعرف في تاريخها نمط الملوك الأوروبيين، ذلك أن الملك في ديار الإسلام هو الحاكم، وهو أمير المؤمنين.في كتابه المعنون: ـ الملوك الثلاثة –(4) يستحضر إينياس دال، مدير مكتب وكالة فرانس بريس في الرباط، والعارف الجيد للمملكة المغربية، التاريخ السياسي للمغرب منذ الاستقلال من خلال مسيرة تاريخ ملوكه، حيث يعتقد الكاتب أنهم " سحقوا أو سيطرواعلى الساحة السياسية الوطنية أو المجال السياسي، كل على طريقته".و يبدأ الكاتب بالملك محمد الخامس(1909 ـ 1961) أبو الاستقلال المغربي(1956)، الذي توفي في ظروف غريبة، عقب عملية غير خطيرة بعد خمس سنوات من الحكم فقط. ثم جاء ابنه الحسن الثاني(1929 ـ 1999)، المتمتع بشخصية قوية وحكم المغرب بيد من حديد. وأخيرا ً محمد السادس، المولود في 21 آب/أغسطس عام 1963، والذي يعتبرأكثرارتياحاً في بداياته كونه استفاد من شعبية كبيرة. فقد أبقي بعيداً عن شؤون الدولة. وهو لم يتورط في أي من مسائل الأمن أو السياسة المحترفة على عكس والده الحسن الثاني الذي كان محمد الخامس (جد العاهل الحالي) قد اعتمد عليه وأوكل إليه أمر تسوية بعض القضايا الدقيقة مثل قمع تمرد البربر في الريف في العامين 1958 ـ 1959، وقد ورث نظاما ً سياسيا ًلا تعطي المؤشرات أنه يريد تغييره.‏

و ينتقد الكاتب الملك الحسن الثاني الراحل، صاحب السلطة المطلقة، والذي لم " يعمل طيلة حكمه الطويل (...)سوى تعزيز الثقافة اللاديموقراطية في المغرب(...) لقد جلب كل مظاهر الحداثة تقريبا ً، ولكن في الواقع ليس بكل تأكيد جوهر هذه الحداثة، بما يعني الحريات السياسية وحرية التفكير". ورغم أن الملك الحسن الثاني خريج حقوق من جامعة بوردو، وهو نتاج غربي خالص عندما يتحدث أو يتوجه إلى الأوروبيين، فإننا بالمقابل نجده عربيا ً – مسلما ً وشرقيا ً حتى النخاع حين يتعلق الأمر بإدارة الحكم. فالملك الذي عاش معلقا أو منشطرا بين الحداثة والتقليد، بين الشرق والغرب، يعجبه كثيرا ً أن يكون رجلين في رجل واحد.‏

إن الحسن الثاني قارىء التاريخ الجيد يعرف جيدا ً أن ضعف النظام الملكي ليس في فلسفته وإنما في بعض ملوكه وهو ما جعله جارحا أحيانا في نقده لبعض الملوك السائرين بجانب اللعنة ومعجبا ً مفتتنا ً بالبعض الآخر القابضين على الحكمة والقوة. ففي فرنسا اختار ان يكون الأقرب إلى لويس الحادي عشر لما كان يتمتع به من حس سياسي، ولويس الرابع عشر الذي عرف كيف يخضع قصر فرساي المليء بالمؤرات لمشيئته. أما في المغرب فلطالما أبدى إعجابه بالسلطان إسماعيل(1664 ـ 1727) الذي فتح طنجة وأسس مكناس عاصمة لـه وبمولاي الحسن الأول الذي حكم المغرب من شماله إلى جنوبه لمدة21 عاما ً (1894). وإلى جانب هذين السلطانين، أحب الحسن الثاني أحد مؤسسي الدولة العلوية في عهدها الأول مولاي رشيد الذي فتح فاس ومراكش(1631 ـ 1672)، ومؤسس الدولة العلوية في عهدها الثاني والده محمد الخامس(1909 ـ 1961). لقد كان داخل الحسن الثاني أشياء كثيرة من هؤلاء الملوك. كانت فيه جرأة مولاي رشيد، وجبروت مولاي إسماعيل، وسماحة محمد الخامس، وفن لويس الحادي عشر، وفطنة لويس الرابع عشر إلى جانب غموض سلاطين بني عثمان حين كانوا يحكمون عالما ً سريا ً متشابكا ً متدافعا ً ومتلاطما ً.‏

لقد اختار الملك الحسن الثاني الراحل بلا مواربة المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة،و انتهج خلال حكمه الذي امتد إلى ثمانية وثلاثين عاما، من دون انقطاع تقريباً، سياسةً استبداديةً شرسةً وانتهاكا ً دائما ً لحقوقالإنسان. فقد تعرضت المعارضة السياسية لاضطهاد وحشي، لا سيما اليسار واليسار المتطرف، إذ غالبا ما اعتقل قادتها، لا بل اغتيلوا(مثل المهدي بن بركة في تشرين الأول /اكتوبر 1965)، وعذب العديد من المناضلين ( ومنهم ابراهيم سرفاتي) في شكل منظّم وحكم عليهم بأقصى العقوبات، أو أنهم بكل بساطة تعرضوا للخطف والتصفية.‏

لكي نفهم الطبيعة الفردية والمطلقة لسلطة الملك الحسن الثاني الذي يمثل دولة المخزن نستعين، بالدراسة الأكاديمية التي انجزها باللغة الانكليزية الباحث الامريكي جون واتربوري، والتي حملت العنوان التالي:"الحسن الثاني، أمير المؤمنين": الملكية والنخبة السياسية المغربية(5).‏

فقد تبنى المؤلف النظرية الانقسامية La segmentarite منهجاً في التحليل، ليصل إلى مجموعة من النتائج المسبقة، تدخل ضمن مفهوم المنهج المذكور الذي طبقه بعض الأنثروبولوجيين الأوروبيين علي المجتمعات القبلية. فعندما وضع دوركهايم أسس النظرية الانقسامية في بداية القرن العشرين في شكلها العام، كان يريد بذلك أن يبحث عن مفاتيح جديدة في مجال البحث العلمي بهدف رصد أنماط الحياة في المجتمع القبلي لمعرفة نوعية العلاقات السائدة بين أفراده، ماذا يوحدهم؟ وماذا يفرقهم ؟ وقد حدد هذه الأنماط في كتابه تقسيم العمل الاجتماعي الذي نجد فيه مفهوماً عاماً للنسق الانقسامي، انطلاقاً من أن المجتمع القبلي انقسامي، قائم علي أساس العشائر، نظراً للتماثل الموجود بين أفراده المتعاقبين والمترابطين في حلقات تُكَوِّن وحدة القبيلة، وتعطيها طبيعة متشابكة عائلية وسياسية في الوقت نفسه، وهذا ما يجعل أعضاءها يعتبرون أنفسهم أقرباء، بينما هم في الواقع تجمعهم وحدة الدم.‏

ولتأكيد هذا النسق، يوضح دوركهايم الشروط الانقسامية التي ترتكز على التشابه بقولـه: لكي يكون التنظيم الانقسامي ممكناً، لابد من أن تتشابه الأقسام، ودون هذا التشابه لا يمكن أن تتحد، وأن تتباين، ودون هذا التباين والخلاف سيضيع بعضها في بعض، وتنتهي إلي التلاشي.‏

تشكل هذه الفكرة فيما نعتقد نقطة الانطلاقة الأولى التي بلورها معظم الباحثين الانثروبولوجيين فيما بعد، وأضحت محور أبحاثهم عن القبائل، من ايفانس بريتشارد إلى هارت وغيلنر.‏

وهكذا تتكون القبيلة من وحدات متعارضة، وتتحكم فيها أجزاء متشابهة، يمكن أن تتحد عند الضرورة. وهذه الأجزاء ذاتها تنشأ فيما بينها خلافات تحافظ علي ديمومتها، لأن التضاد الذي يسيطر علي حياتها المعيشية في مستوى أدنى، يمكن أن يتحول إلى تحالف ودفاع مشترك في مستوى أعلى. ويمكن تحديد هذا النسق الانقسامي للمجتمع على مستوى المجموعة، وعلى مستوى الفرد. وفيما يتعلق بالمجموعة، فإن الأنساب الأبوية تحدد وضعها ومسارها، سواء على مستوى الاندماج، أو الانشطار والتماسك، أو التعارض، حسب النموذج الذي قدمه المؤلف.‏

أما على مستوى الفرد، فإن صورة المجتمع الانقسامي وأجزاءه تتحدد داخل القبيلة بسبب مجموعة من الدوائر متحدة في المركز، يوجد الفرد في داخلها، وكل دائرة من هذه الدوائر تختص بنظام معين من العلاقات الاجتماعية بقمة الهرم، ولها وظيفة، وهكذا فإن الدائرة المركزية تتولى تسوية النزاعات اليومية الناشئة بين أفرادها، بينما الدائرة الموالية تعتمد على التوازن داخل مجتمع القبيلة، والدوائر التالية تتولى الحفاظ علي المراعي والإرث الاجتماعي، وما إلى ذلك... ويجب الإشارة إلى أن أكبر دائرة تتصل في نسبها بقمة الهرم. يستغل في هذا المجال الانثروبولوجيون الذين يتبنون النسق الانقسامي المثل الشـــعبي المشهور(( أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب )).‏

فقد استفاد واتربوري من المنهج الانقسامي في دراسته عن النخبة السياسية، باعتبارها مجموعة من الشرائح الاجتماعية من ذات العائلة الواحدة. وليس من المغالاة في شيء إذا قلنا إن المغرب في نظر واتربوري قد تحول إلى اتحادية قبائل، تتحكم فيه أجزاء يحكمها الانصهار والانشطار على رقعة الشطرنج، تعرف حدودها وإمكاناتها وطاقاتها، ولا تتجاوز الحد المسموح به ضمن إطار اللعبة السياسية، خاضعة لصاحب السلطة والسيادة أمير المؤمنين الذي يتحكم في رقابها، ويتدخل في شؤونها ويحدث انقساماتها بذكاء.‏

وركز واتربوري على الظواهر العامة، واجتهد في لقط التصرفات الفردية من داخل الأحداث السياسية الكبرى التي عرفها المغرب، ليجعل منها قواعد تصب في إطار النسق الانقسامي، مستخلصاً النتائج، وقد توصل إليها عبر أحداث عينية مجردة، ودون محاولة سبر أغوارها وظروفها، لا لشيء إلا لأنها تتلاءم في ظواهرها مع أطروحة النسق الانقسامي. وهكذا فإن التركيز على سلطة السلطان، وعلاقتها بالنخب السياسية، وعملية الترويض التي تخضع لها، ليست في نهاية الأمر إلا محاولة نقل النسق الانقسامي من مستوى القبيلة إلى مستوى المجتمع، حيث نجد مستويات الصراع نفسها في إطار تعارض متوازن للنخب القائدة للمجموعات، تتفرق لكي لا تحكم.. وهذه المجموعات عبارة عن أجزاء متشابهة، يمكنها أن تتحد عند الضرورة، كما تتفرق عند الضرورة، وتحمل في خلافاتها قوة، ما يجعلها تستمر وتظهر على السطح، حيث تنتقل من التوتر إلى التماسك، كلما كان ذلك ضرورياً للتأثير، ولملء الفراغ، وكأنها في حالة توازن حسب منطق الأحداث، على استعداد لكي تلجأ إلى حكم الزعيم والأب الروحي الذي يسخرها حسب أهوائه، ويغدق عليها من خيراته بحساب، وبغير حساب، ويعرف في الوقت نفسه كيف يسحب من تحت رجليها البساط عندما يقتضي الأمر ذلك.‏

وهذه الظاهرة هي واحد من ثوابت الحياة السياسية المغربية المعاصرة، حيث الملك هو الحاكم الفعلي الموحَد للأمة، والمحدَد الرئيس في وضع سقف للمجموعات السياسية المتخاصمة لا يجوز أن تتجاوزه. وحسبما يفهم من واتربوري فإن المجتمع المغربي تحكمه نزعتان: الأولى هي النزعة الإسلامية الاجماعية للسلطة، ثم نزعة الدولة ـ الأمة. والنزعتان تتوحدان في آخر المطاف عند المرجعية الملكية المطلقة. ولهذا كان الحسن الثاني هو الملك وهو الحاكم، وقد تمكن في ظرف 38 سنة من إقامة مؤسسة ملكية مهيمنة ومسيطرة على الحياة السياسية المغربية، ومن إعادة تشكيل النظام السياسي الملكي المغربي لكي يكون أكثر ثباتا وتؤمن لـه المحافظة على حرية القرار،وجعل الأحزاب السياسية على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية تعمل تحت هذا السقف المرسوم لها.‏

كان الحسن الثاني يعيش صراعا ً مع الزمن، وحين داهمته السن على طريقة نابليون الثالث تقريبا، أعطى الإنطباع أنه أرسى أسس الملكية الليبرالية.وقد ترك الملك الحسن الثاني لبعض التقنيين الماليين الجيدين مثل السيدين عبد اللطيف جوهري ومحمد برادة إدارة عملية الإصلاح البنيوية الاقتصادية وغير الشعبية التي فرضها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وفي شكل من الأشكال كان للوزراء "التكنوقراط" أحياناً، إبان حكمه، كلمتهم يقولونها من أجل سير أعمال الدولة.‏

1 ـ الانتقال الهادئ إلى الديمقراطية التعاقدية..‏

التناوب على طريقة الملك الحسن الثاني – وهو تناوب خاضع للسيطر ة بصورة قوية، يختلف عن التناوب الديمقراطي الحقيقي. ومع ذلك ثمة أحداث خطيرة جعلت الملك الحسن الثاني يقوم بهذه التسوية التاريخية مع المعارضة اليسارية لجهة الانتقال إلى الديمقراطية التعاقدية، على أن تبقى الملكية في وضعية اللاعب المركزي في النظام السياسي، من دون أن يكون الحسن الثاني مستعدا ً للتخلي عن سلطته الشخصية الواسعة.‏

1 ـ إن خيار الحسن الثاني نابع من محاولته طمأنة الدول الغربية المانحة، أنه قرر طيَ صفحة الماضي، لجهة حسمه انفتاح الملكية على المعارضة اليسارية باعتبارأن هذا الانفتاح رمز على الحداثة، وضمان لبرنامج التسوية البنيوية الذي يستعيد توصيات البنك الدولي، واتجاه المغرب للتقارب مع أوروبا على المدى الطويل.‏

2 ـ الضغوطات التي مارستها منظمة العفو الدولية، والجمعيات المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، للتنديد بالممارسة المنظمة والمنهجية لأساليب التعذيب ضد المعتقلين والمساجين السياسيين في مراكز الشرطة والمعتقلات من ِقبل السلطات المغربية.‏

3 ـ صدور كتاب :"صديقنا الملك" للكاتب الفرنسي جيل بيرو في باريس عام 1990، الذي أحدث زلزالا ً في المغرب، لأن الكتاب فضح السياسات القمعية للنظام الملكي طيلة سنوات الرصاص. فما هو مؤكد أن المغاربة الذين لم يجرؤوا على قوله في الأوساط العامة، أصبح منشورًا في كتاب بصراحة فجة أكثر من أساليب النظام المغربي عينه.إذ أصبح الكتاب يهرب إلى داخل المغرب بطريقة سرية. كما عرَى الكتاب الطبيعة المنافقة للسياسة الخارجية الفرنسية في تعاطيها مع الأنظمة المغاربية. يقول جيل بيرو في كتابه :"لو أن المغرب لم ينتشر صيته بالإشادة والاحتفال "بالديمقراطية الحسنية" ماذا سيخسر غير مظاهر ملك تقطعه منذ ثلاثين سنة صرخات المعذبين، ورشقات نيران فصائل تنفيذ أحكام الإعدام،ونحيب متواصل من محبوسين في زنزانات مدى الحياة؟ إنه يملك سيدا ً على الجميع وعلى كل فرد، يحطم بالقمع، وينخر بالفساد، ويشوه بالتزويرويذل بالخوف"(6).‏

4 ـ شكل إرسال قوات مغربية إلى الخليج للمشاركة مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في حرب الخليج الثانية مع بداية عام 1991، مصدرا ً جديدا ً للتوتر بين القصر والمعارضة. فمعظم المغاربة لم يتفهموا قرار الملك إرسال قوات مغربية لمساندة الإمبريالية الأمريكية التي تخوض الحرب دفاعاً عن مصالحها النفطية وأهدافها الجيوبوليتيكية.‏

5 ـ في الوقت الذي يقود فيه الملك الحسن الثاني المغرب بيد من حديد منذ ثلاثة عقود من الزمن، أصبح المغرب يعاني من فوارق طبقية واجتماعية فاضحة في المدن الكبرى حيث غالبية السكان مهمشة، جراء فرض طبقة من المرتهنين الخوة على البلاد مستأثرة بالمناصب والامتيازات، متوزعة الثروات الوطنية ومجذرة أسوأ أشكال التخلف في نظام لا يزال إقطاعياً إلى حدٍ بعيدٍ. كما أن الخيارات الاقتصادية الاجتماعية التي تبناها النظام قادت إلى تفشي البطالة في أوساط الجامعيين، إذ يفتش عن عمل أكثر من مئة ألف من حملة الشهادات الجامعية من مهندسين وأطباء ومعلمين وتقنيين.‏

و فضلا عن ذلك، فقد قادت الخيارات عينها إلى ازدياد الفقر، وتنامي أحياء الصفيح في الدار البيضاء وغيرها من المدن المغربية، التي باتت مصدر الانفجارات الشعبية الكبيرة التي شهدها المغرب طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات.. إن تنامي الفساد الذي ينخر المملكة مثل الغرغرينة، وازدياد عدد الأغنياء الجدد وبروزهم يجعل الفارق بين الأضداد ظاهرا ً للعيان وهو خارج سيطرة الدولة. كما أن استمرار القمع البوليسي مع منع قيام الاحتجاجات الشعبية، هذه العوامل كلها قادت إلى "انتفاضات الجوع" العديدة، أغرقها النظام في الدماء مثلما حدث مع مثلا في الدار البيضاء في حزيران /يونيو1981(66 قتيلا) وفي مراكش وتطوان كانون الثاني /يناير عام 1984(أكثر من 110 قتلى) وفي فاس وطنجة في كانون الأول /ديسمبر عام 1990(20 قتيلا). وقد ساعد العنف الرسمي، والرعب الناتج منه، النظام طويلا في تأخير عمليات الإصلاح الضرورية(7).‏

لقد أصبحت " الثورات المدينية"مصدر التهديد الحقيقي للنظام، بعد أن كان التهديد يأتي لوقت طويل من مجتمع الريف المهَمش.فالشباب المغربي العاطل عن العمل لا يحلم سوى بالهجرة إلى "فراديس الجنة" في الغرب وهناك تسعة مواطنين(سكان المدن) من أصل عشرة، وفلاح من أصل ثمانية فلاحين، يتمتعون بالكهرباء، والنسب عينها للكهرباء.و إذا كان هناك تسعة مغاربة من أصل عشرة لا يعرفون القراءة والكتابة عشية الاستقلال، فإن النسبة أصبحت ستة من أصل عشرة في عام 1991. ويحتل المغرب المركز 125 في ترتيب مؤشر التنمية البشرية الذي وضعته الأمم المتحدة سنة 1998.وهو متأخر كثيرا ً عن الجزائر وتونس وحتى عن مصر وسورية، إذا اعتمدنا المؤشرات السياسية المتعلقة بالتعليم والطبابة أو الناتج الداخلي الخام للفرد الواحد.‏

6 ـ لقد بات سكان مدن الصفيح، وأقسام من الطلاب يميلون أكثر فأكثر إلى الأطروحات الأكثر راديكالية، أي إلى أطروحات الإسلاميين الأصوليين الذين اكتسبوا صفة المعارضين الوحيدين الصادقين في نظر الكثير من المحرومين، وأصبحوا يشكلون ربما، على مستوى المغرب، الطرف السياسي الأخطر، بعدما دخل الاشتراكيون الحكم.و يأتي تنامي الحركة الإسلامية الأصولية في المغرب على دبال الظلم والفقر والفساد، وفي ظل تحول قطاعات من سكان أحياء الصفيح نحو التيار الإسلامي المتطرف الذي يبدو كأنه شكل المعارضة الوحيد المقنع، خصوصاً بعد تراجع اليسار(الاشتراكي والشيوعي). والحال هذه، لجأالملك الحسن الثاني إلى تسويق خطاب سياسي للغرب يتذرع فيه بخطر الأصولية الإسلامية، ويزعم أنه من أهون الشرور"أنا أو التزمت الديني".‏

في مواجهة هذه التحديات الداخلية البنيوية العميقة من نمط الفقر الفاضح، والتفاوتات الطبقية، وتفشي الفساد، أصبح المغرب بحاجة إلى تطور عميق في ثقافته السياسية، وتحقيق تقدم فعلي على طريق بناء " ديمقراطية تعاقدية "، قاعدتها التوافق والتراضي والحوار من دون أن يعني ذلك إقصاء الرأي المخالف أو الاحتجاج على التجاوزات التي تقع.‏

وهذا هو معنى انتقال المعارضة السياسية إلى السلطة عبر تعيين الملك الحسن الثاني الزعيم الاشتراكي المغربي عبد الرحمن اليوسفي رئيساً للوزراء، أي رئاسة الحكومة، الذي أكد أن حكومة التناوب ستواجه مرحلة صعبة، وان شعورنا بجسامة المشكلات وخطورة الأوضاع جعلنا نتطوع للمشاركة في الحل.‏

ويأتي تعيين السيد اليوسفي في سياق ديناميكية التغيير للمشهد السياسي المغربي، ولتطور المسألة الدستورية، منذ التصريح الملكي في افتتاح دورة البرلمان في تشرين الأول /أكتوبر 1996، الذي ورد فيه نصاً " …إنني مللت أن أسمع وأن يسمع عن بلدنا أن انتخاباته لم تكن نزيهة، أو ان استشاراته كانت مخلوطة أو مشوبة".‏

وقد تعاملت معظم الأحزاب السياسية في المغرب بمنطق إيجابي مع الإصلاحات السياسية والدستورية التي أعلنها العاهل المغربي، ووقعوا ( 11 حزباً سياسياً ممثلاُ في البرلمان) والسلطة ممثلة بوزير الداخلية إدريس البصري على " ميثاق الشرف السياسي " حتى تمر كل العمليات الانتخابية في جو من النزاهة والشفافية واحترام روح التنافس، وتجري أيضاً في ظل ثوابت، يشكل تجذر المؤسسة الملكية ومركزيتها في البنية السياسية للنظام، والإجماع على الملكية الدستورية محورها، سواء تعلق الأمر بالمكانة الدينية والرمزية للملك، باعتباره" أمير المؤمنين "، أم باعتباره ملكاً دستورياً وحكماً بين المؤسسات والهيئات يتحمل مسؤوليات واسعة لجهة علاقته بالحكومة والبرلمان والقضاء، وتعيينه الوزير الأول.‏

ولا شك في أن هذا التعاقد المكتوب بين السلطة والمعارضة جاء في سيرورة إرساء شروط ديمقراطية تحتاجها الحياة السياسية في المغرب، وتقترب أكثر ما يمكن من مقاييس العمل السياسي الديمقراطي المعاصر، الذي بإمكانه أن يشكل مجالا ً سياسيا ً عصرياً يقود إلى بناء دولة الحق والقانون. كما يعتبر هذا التعاقد الأول من نوعه في العالم العربي، وفي تجربة العلاقة بين المجتمع السياسي ( الدولة ) ومكونات المجتمع الدولي الوليد، وبين السلطة والمعارضة.‏

ومن الواضح أن تطور المسألة الدستورية في المغرب، وتجذير المسلسل الديمقراطي لتأمين التداول السلمي على الحكم بين السلطة والمعارضة، مرتبط اشد الارتباط بتحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها لتكون مؤهلة للعبور إلى القرن الحادي والعشرين وثورته المعلوماتية المستمرة،و بالالتزام بالقيم السياسية الديمقراطية المعاصرة. من هنا فان قرار الحسن الثاني بتعيين اليوسفي نابع من ديناميكية الانفراج السياسي، والرغبة الملكية في إرساء أسس التداول السلمي على السلطة بوساطة الانتخابات، والنظر إلى هذه الخطوة العملية باليقظة والاحتراز والدقة. في حين أن المعارضة تتعامل بقدر عالٍ من النضج السياسي والعمل في صياغة مدركاتها السياسية لمتطلبات المرحلة الراهنة.‏

و يعتبر تعيين اليوسفي على رأس الحكومة بمنزلة" التحديث لشرعية السيطرة الملكية وتجديدها من خلال استقطاب نخب يسارية، وانفتاح على الإسلاميين المعتدلين، مع رقابة منهجية للأخطار المحتملة"(8).‏

وقد جرت الانتخابات البلدية في حزيران/يونيو من العام 1997، والانتخابات التشريعية في كانون الاول من العام ذاته، في ظل ثوابت تختلف كلياً عن الانتخابات التي جرت في بقية دول المغرب العربي ( الجزائر، تونس، موريتانيا )، حيث طغت عليها ديناميكية التأزم، وغياب إمكانية الصراع التنافسي بين الاحزاب، وامكانية التداول التوافقي على السلطة، بسبب هيمنة عقلية الحزب الواحد، ونزعة الاقصاء والتدهور في الحياة السياسية.‏

وقد منحت الانتخابات التشريعية الأخيرة اليسار المعارض، لا سيما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي احتل مركز الصدارة، فرصته التاريخية الكبيرة الأولى لترؤس الحكومة، التي لم يحتلها سابقاً، وهو حزب سياسي عربي معارض يترأس الحكومة بوساطة الانتخابات والتوافق السلمي، منذ أن عين السلطان محمد الخامس عبد الله ابراهيم رئيساً للحكومة كنتاج لمرحلة النضال الوطني من أجل الاستقلال في العام 1959. وقد ظل اليسار المغربي أكثر من ثلاثة عقود وهو خارج الحكومات المتعاقبة. كان الاشتراكيون وحلفاؤهم يمثلو ن حساسية الشارع واندفاعه، غير أن اليمين كان هو الذي يشكل الحكومات المتعاونة مع المخزن.وقد كان ذلك بمنزلة –الثقب الأسود ـ الذي لم تعرف الديمقراطية المغربية تجاوزه منذ بداية الستينيات.‏

ولعب اليوسفي في النصف الثاني من عقد التسعينيات دوراً كبيراً في إيصال حزبه إلى الفوز في الانتخابات التشريعية الأخيرة، إذإنه عاش أكثر من عشرين عاماً في أوروبا وبذلك عايش الديمقراطية الكلاسيكية الغربية من الداخل، فضلاً عن أن رؤيته تقوم على التوافق في التعامل مع الاطراف الفاعلة في المجال السياسي في سبيل تدعيم المكاسب الايجابية والاصلاحات الدستورية والسياسية والقانونية التي تم انجازها، والمضي قدماً من أجل الاسهام في خلق شروط جديدة لتحقيق إصلاحات اقتصادية واجتماعية تأخذ بعين الاعتبار مصالح القطاعات والفئات الشعبية الفقيرة.‏

وعلى الرغم من أن اليوسفي يحظى بدعم وثقة الملك الحسن الثاني، فإنه كان يواجه صعوبات حقيقية من أجل تشكيل الحكومة الجديدة. وفي 4 شباط من العام 1998، تسلم القائد الاشتراكي التاريخي عبد الرحمن اليوسفي مهام قيادة أول حكومة تناوب في المغرب، من أجل ضمان انتقال المغرب إلى الديمقراطية، قبيل رحيل الملك الحسن الثاني في تموز 1999. وكان السيد عبد الرحمن اليوسفي يبلغ 77 عاما ً في حينها، وهو يريد أن يحقق حلمه الكبير المتمثل في تنظيم أول انتخابات تشريعية حرة في المغرب، قبل أن يترك الساحة السياسية.‏

2 ـ طوبوغرافية الأحزاب السياسية في المغرب‏

تتميز الحياة السياسية في المغرب، والخارطة السياسية الحزبية بوجود عدة فئات من الاحزاب حسب التصنيف الايديولوجي الدارج ( يمين/وسط/ يسار ). ونجد داخل كل فئة أحزاباً سياسية ذات جذور تاريخية عميقة وأخرى حديثة النشأة، انبثقت في مراحل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات حيث شهدت هذه الحقبة التاريخية ظهور تيارات فكرية وايديولوجية وسياسية، محلية مغربية وعربية وعالمية، طبعت بسماتها الايديولوجية الأحزاب.‏

الفئة الاولى:‏

1 ـ التجمع الوطني للأحرار‏

نشأ هذا الحزب في أعقاب الانتخابات التشريعية للعام 1977، وقد أسسه الوزير الأول السابق أحمد عصمان. اتجاه الحزب ديمقراطي ليبرالي، وهو يمثل مصالح شريحة واسعة من قوى البرجوازية الصناعية والتجارية ذات التطلعات التحديثية. وقد حصل الحزب على 41 مقعد ا ً في الانتخابات الأخيرة.‏

2 ـ الاتحاد الدستوري‏

أسس هذا الحزب القائد الراحل السيد معطي بوعبيد في عام 1983 خلال تقلده مسؤولية رئاسة الحكومة. اتجاه الحزب اعتناق الليبرالية الاقتصادية الكاملة والتجاوب مع برنامج الخصخصة ووصفات صندوق النقد الدولي. وحصل الحزب على 14 مقعدا ً في الانتخابات الأخيرة.‏

3 ـ الحزب الوطني الديمقراطي‏

انشق هذا الحزب عن التجمع الوطني للاحرار، بسنوات بعد تأسيسه، وقاده السيد أرسلان الحديدي، يدافع الحزب عن مصالح كبار المزارعين، والخصخصة في القطاع الزراعي. وحصل الحزب على 10 مقاعد في الانتخابات الأخيرة.‏

4 ـ الحركة الوطنية الشعبية‏

وهي استمرار لحزب " الحركة الشعبية " الذي أسسه أحرضان منذ ما بعيد استقلال المغرب. إنه حزب بربري يستثمر " المسألة الامازيغية " لتكوين قاعدة اجتماعية وبناء موقع سياسي في المجال السياسي العام الوطني. تدافع الحركة ـ كسابقاتها ـ عن الليبرالية الاقتصادية والتعبير عن مصالح قسم كبير من ملاك الاراضي ومن البرجوازية التجارية. وحصلت الحركة على 16 مقعدا في الانتخابات الأخيرة.‏

وقد ائتلفت أحزاب الاتحاد الدستوري والحركة الشعبية، والحزب الوطني الديمقراطي في إطار تكتل جبهوي عرف باسم " الوفاق الوطني ". وتجمع هذه الاحزاب اعتبارات سوسيو مهنية وسياسية بالاساس: الليبرالية الاقتصادية، والخصوصية المحلية، والمقصود بها أساساً "الهوية الأمازيغية ". وقد شكلت أحزاب "الوفاق" الثلاثة "الاتحاد الدستوري""و"الحركة الشعبية"و "الحزب الوطني الديمقراطي" المعارضة البرلمانية (اليمينية) لحكومة اليوسفي أحزاب الإدارة المغربية الموالية للقصر.‏

الفئة الثانية :‏

تضم هذه الفئة أحزاب الوسط، وتضم تجمع الأحرار والحركة الوطنية الشعبية والحركة الديمقراطية الاجتماعية، وهي أحزاب تتراوح ميولاتها بين الفئة الاولى والثالثة، وتتداخل عناصر أساسية واعتبارات ظرفية في تقاربها.‏

الفئة الثالثة:‏

تتألف هذه الاحزاب في إطار ما يسمى » الكتلة الديمقراطية « التي تضم أحزاب: الاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والتقدم والاشتراكية.‏

ـ حزب الاستقلال، تأسس عام 1944 إبان الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي. وكان زعيمه الوطني المصلح السلفي الكبير الراحل علال الفاسي الذي توفي عام 1974 وخلفه الاستاذ محمد بوسته. يدافع الحزب بشدة عن الهوية العربية ـ الإسلامية للمغرب، وعن النظام الديمقراطي الدستوري. إن تشكيلة الحزب القيادية والقاعدية على السواء قد ظهرت كتعبير عن تحالف ائتلافي وطني واسع في السنوات التي سبقت الانشقاق الأول الذي عاشه الحزب عام 1959. وقد تكونت عناصر الائتلاف الوطني في حزب الاستقلال من :‏

ـ البرجوازية التقليدية، لاسيما برجوازية مدينة فاس التي انتمى إليها أغلب مؤسسي ومسيري الحزب، وتتصف رموزها القيادية أصلا ً بانتمائهم إلى التيار الإسلامي – الإصلاحي، ويتمتعون بثقافة عربية – إسلامية واسعة.‏

ـ البرجوازية التجارية، لاسيما من أبناء المدن الساحلية، التي كانت قد عاشت انفتاحا ً اقتصاديا ً وحضاريا ً وثقافيا ً على الغرب ونمط تفكيره، وحياته ومواقفه.‏

ـ الشرائح المثقفة من أبناء الطبقة المتوسطى.‏

في النصف الأول من عقد الستينيات قام رئيس الحزب آنذاك علال الفاسي بإدخال تغييرات جذرية على الحزب، إذ أدخل عناصر شابة ذات تكوين أكاديمي عصري إلى اللجنة التنفيذية للحزب، وأحدث تغييرات " إيديولوجية" على توجهات الحزب وأهدافه حيث أصبحت "الاشتراكية الإسلامية " بمنزلة قاعدة لبرنامج الحزب السياسي.‏

لقد هيأت هذه التبدلات " الجوهرية" داخل الحزب لمواجهة هجمة القصر على الحزب في إطار هجومه على التنظيمات السياسية الوطنية المغربية في نهاية الستينيات، الأمر الذي هيأ للقاء بين حزب الاستقلال بزعامة علال الفاسي، وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في عام 1970، وتشكيل الكتلة الوطنية كجبهة موحدة في مواجهة القصر، ولخوض المعارك السياسية ضده، خصوصا معركة الدستور والانتخابات البرلمانية، وإقامة ديمقراطية سياسية واقتصادية واجتماعية، وتحقيق إصلاح زراعي، وتأميم القطاعات الاقتصادية الأساسية، تحرير الأجزاء المحتلة من الأراضي المغربية.‏

بعد وفاة الزعيم الوطني علال الفاسي في عام 1974، استلم قيادة الحزب محمد بوستة، وهو من الوجوه "الشابة" في الحزب، وأجرى تغييرات ذات أهمية على موقع الحزب ورؤيته السياسية ومواقفه. فقد نقل بوستة الحزب تحت قيادته من المعارضة إلى المشاركة في السلطة، خاصة بعد انتخابات عام 1977 البرلمانية، وفك عرى التحالف في إطار الكتلة الوطنية مع حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والذي كان قد عقد عام 1970 عندما كان علال الفاسي على رأس الحزب.‏

إن وصول محمد بوستة إلى منصب الأمين العام للحزب أنهى صفة المعارضة والمقاطعة التي اتخذها الحزب بزعامة علال الفاسي. ومنذ عام 1977 اشترك الحزب بنشاط في تأييد سياسات القصر والسلطة من خلال مشاركته في الانتخابات النيابية والمشاركة في حكومة أحمد عصمان، ثم حكومة المعطي بوعبيد، والعمراني، منهيا ً بذلك موقفه المعارض.‏

شارك حزب الاستقلال في حكومة التناوب التي تشكلت في عام 1998، بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، واستلم آنذاك نجل الزعيم الراحل علال الفاسي، عباس الفاسي قيادة الحزب. وشارك الحزب في الانتخابات الأخيرة الني جرت في 27 سبتمبر 2002، وحصل على (48 مقعدا)، محتلا ً بذلك المرتبة الثانية بعد الحزب الاشتراكي للقوات الشعبية.‏

ـ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خرج من أحشاء " الاتحاد الوطني للقوات الاشتراكية" الذي تأسس في عام 1959، وكان من قادته عبد الله ابراهيم والمهدي بن بركة الذي اغتيل سنة 1965 في الخارج وعمر بنجلون الذي اغتيل بدوره سنة 1975 وعبد الرحيم بوعبيد الذي تزعم حزب الاتحاد الاشتراكي المنشق عن الاتحاد الوطني منذ نشأته عام 1975 وحتى وفاته عام 1992 ليخلفه عبد الرحمن اليوسفي أحد القادة السياسيين التاريخيين الذي ارتبط منذ الخمسينيات بتيار المقاومة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي وجيش التحرير، وأحد مؤسسي الاتحاد بشقيه الوطني والاشتراكي.‏

ويوجد إلى جانب هذه الشخصيات التاريخية، الفقيه محمد البصري أحد الزعماء التاريخيين للمقاومة المسلحة المغربية ضد الاستعمار وهو اليوم إلى جانب اليوسفي، من بين الشخصيات القلائل داخل الاتحاد الاشتراكي.‏

يمثل الاتحاد الاشتراكي أهم قوة سياسية في المعارضة وفي الساحة السياسية، ويستقطب قطاعاً كبيراً من النخب السياسية ذات المنزع الحداثي والديمقراطي، وتشكل تياراته التاريخية مدارس حقيقية للعمل السياسي في داخل الحزب.‏

* مدرسة المهدي بن بركة، ويشكل الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي أحد رموزها. كما يشكل محمد نوبير الاموي أمين عام الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أحد امتداداتها في صفوف الأجيال الشابة داخل النخب النقابية والاجتماعية.‏

* مدرسة عبد الرحمن بو عبيد.‏

* مدرسة جديدة، يشكلها جيل يساري شاب يؤمن بالحداثة والديمقراطية، تتمثل‏

في" الشبيبة الاتحادية" التي يترأسها محمد الساسي وهو جامعي. وترتبط هذه‏

الفئات بعلاقة جيدة مع الفقيه البصري واليوسفي.‏

* مدرسة عمر بن جلون.‏

وتشكل الايديولوجية " الاشتراكية الديمقراطية " القاسم المشترك بين جميع هذه المدارس المتعددة داخل الحزب. وكان مؤتمر 1975 محطة تاريخية مهمة لجهة مراجعة الحزب نظرية الاشتراكية العلمية التي يتبناها القادة التاريخيون، وعملية التغيير في المغرب، حيث تحول الحزب بمقتضاه من حزب يساري راديكالي إلى حزب اشتراكي اصلاحي، يركز على التغيير الاقتصادي والاجتماعي والاصلاحات السياسية التي تهدف إلى تحديث المؤسسات السياسية وتفعيل مفاهيم حقوق الانسان ودولة الحق والقانون مع المحافظة على الملكية الدستورية. انعقد المؤتمر العام السادس لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الأربعاء 28 آذار 2001، واستقطب بلا شك مجموعات وتيارات ظاهرها أنها تنتمي لحزب واحد، وحقيقتها ما ستسفر عنه وقائع المؤتمر الموعود. ويعود آخر مؤتمر لحزب الاتحاد الاشتراكي إلى سنة 1989 (المؤتمر الخامس)، حيث اختار عبد الرحمن اليوسفي مكتباً سياسياً موالياً له، لم يتم انتخابه منذ أكثر من عشر سنوات. ويتألف المكتب السياسي من القيادات الرئيسة للحزب، عبد الرحمن اليوسفي رئيس الحكومة المغربية الحالي، ومحمد اليازغي الرجل الثاني في الحزب، والزعيم النقابي نوبير الأموي الأمين العام للكونفيدرالية الديمقراطية للشغل، وعبد الواحد الراضي (رئيس مجلس النواب) ومحمد الحبابي، وفتح الله ولعلو ( رئيس الفريق النيابي في مجلس النواب ووزير الاقتصاد ) ومحمد جسوس ومحمد بخصاصي والحبيب الشرقاوي ومحمد منصور ومحمد الحبيب الفرقاوي.‏

ويعتبر المؤتمر أعلى سلطة مقررة في الحزب، وهو سلطة معنوية ورمزية من الناحية الواقعية، لأن مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي لم تكن منتظمة منذ تأسيسه في سنة 1975، حين انبثق عنه تقرير إيديولوجي يشكل الوثيقة المرجعية الأولى في أدبيات الحزب، وكان من أبرز محرريها الراحل عمر بن جلون والمفكر المعروف الدكتور محمد عابد الجابري، وأحمد الحليمي رئيس مؤسسة عبد الرحيم بو عبيد. وتحت سلطة المؤتمر يتولى المكتب السياسي (11 عضواً) واللجنة المركزية (أكثر من 40 عضواً) إدارة شؤون الحزب واتخاذ القرارات الأساسية فيه، ما بين المؤتمرين.‏

ينتمي حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى اليسار المغربي، بل يعتبر أقوى حزب يساري، وظل أكثر من ثلاثة عقود خارج السلطة. وكان الاشتراكيون يمثلون حساسية الشارع المغربي واندفاعه. ويركز حزب الاتحاد الاشتراكي في خطابه الإيديولوجي على مفاهيم الاشتراكية الديمقراطية، وهي اقرب ما تكون لتوجيهات الحزب الاشتراكي الفرنسي. أما على صعيد البنية الطبقية للحزب، فهو يضم فئات اجتماعية من الطبقة الوسطى، وبعض الميسورين، إلى جانب قاعدة واسعة من الفئات الشعبية التي تؤطرها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بوصفها أهم أذرعة الحزب. ويبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي أكثر ميلاً في تكوين نخبه إلى الفئات ذات المنزع الحداثي والديمقراطي، ولكنه يسعى باستمرار للحفاظ على ما يصفه قادة الحزب بـ »ماضيه النضالي وإرثه التاريخي « في إشارة واضحة للكفاح ضد الاستعمار الفرنسي. وقد أسهم قادة تاريخيون في صنع الماضي الاشتراكي للحزب أمثال الزعيم التاريخي المهدي بن بركة. كما يعمل بعض الزعماء حالياً مثل الفقيه البصري، الذي عاد حديثاً من المنفى بعد ثلاثين سنة لتغذية التوجهات التاريخية للحزب بإضفاء البعد القومي العربي، حيث واجه المؤتمر السادس للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تحديات في غاية الصعوبة ومنها :‏

تجربة حكومة التناوب التي يقودها الاتحاد الاشتراكي منذ سنة 1998، عندما عين الملك الحسن الثاني الراحل عبد الرحمن اليوسفي وزيراً أولاً في شباط من العام عينه. وقد علق المغاربة عامة واليسار خاصة آمالاً كبيرة على هذه التجربة بهدف إحداث تغييرات ديمقراطية، حيث جاء اليوسفي من قلب معاناة الديمقراطية في صراعها مع تقاليد المخزن، وكان يمثل الأبوة النابضة والحكيمة لليسار الخائب المتشرذم، والمتذمر دائماً.‏

وعلى الرغم من أن استراتيجية اليوسفي كانت تقوم على مواجهة طمع اليسار وكبح جموح اليمين التقليدي، وبناء تجربة ديمقراطية جديدة، وجعل اليسار يسهم في ممارسة السياسة الحية من موقع المسؤولية الحكومية، ويكف عن النضال السهل والمريح بالاطروحات النظرية، وإقامة مصالحة بين أهل الأحزاب والمخزن ممثلاً بأهل الإدارة، وجعل التداول والتناوب جزءا ً من ثقافة الشعب السياسية، فإن سنوات حكمه اتسمت بالجمود، وبالنتائج السلبية. ويتهم المعارضون الائتلاف الحاكم وتحديداً الاتحاد الاشتراكي لحكومة اليوسفي، بالتواطؤ مع المخزن. فهذا "الحلف المقدس " بين إدارة مخزنية متجددة وقيادات حزبية جسدت قطيعة مع قاعدتها الشعبية شكل حزباً أمنياً حقيقياً معادياً للديمقراطية، ويستعلي على المؤسسات والتشكيلات السياسية. لهذا السبب، فإن حكومة التناوب الملقبة بالديمقراطية فقدت وزنها السياسي والشعبي تحت ضغط تناقضاتها الداخلية وفشلها الذريع في المجال الاقتصادي الاجتماعي وفي مجال الانتقال إلى الديمقراطية الفعلية.‏

ويعترف قادة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بأن اليسار "تبرجز"، وأن الجماهير الشعبية في الأحياء الفقيرة لم تعد تثق بالأحزاب الاشتراكية، بل أصبحت تستقطبها جمعية العدل والاحسان التي يقودها الشيخ عبد السلام ياسين، وهي جمعية إسلامية أصولية.‏

ـ حزب التقدم والاشتراكية : وهو الحزب الشيوعي سابقاً الذي تأسس عام 1943، وغيرالحزب اسمه في مؤتمره الثالث في تموز 1966، وقرر على إثره اطلاق اسم جديد على الحزب " حزب التحرر والاشتراكية"، وتحول بعد خروجه إلى العلنية عام 1974 إلى حزب التقدم والاشتراكية.‏

و على الرغم أن حزب التقدم والاشتراكية يعتبر فرعا ً من فروع الوطنية المغربية الحديثة فإن المؤسسة الملكية اتخذت منه موقفا ً معاديا ً بسبب تبنيه الايديولوجية الماركسية اللينينية في العقدين الأولين من مرحلة مابعد الاستقلال.و حصل حزب التقدم والاشتراكية على مقعد واحد في البرلمان عام 1977 شغله الأمين العام الراحل للحزب علي يعته. وحصل الحزب على 9 مقاعد في الانتخابات الاخيرة.‏

منظمة العمل الديمقراطي الشعبي: تأسست هذه المنظمة عام 1983 بزعامة الاستاذ محمد بن سعيد، أحد القادة التاريخيين للمقاومة. وتجمع المنظمة بين الاختيار الاشتراكي والاختيار القومي الديمقراطي. وتعرضت إلى انشقاق في ايلول عام 1996، حيث خرج منها "الحزب الاشتراكي الديمقراطي " الذي انضم إلى " الكتلة الديمقراطية "( والذي حصل على 6 مقاعد في الانتخابات الأخيرة). ويقود الحزب حالياً الاستاذ عيسى الورديفي أحد قادة منظمة 23 مارس في فرنسا سابقاً.‏

وهناك أحزاب اليسار التي ظهرت حديثا في عقد التسعينيات، ومنها الاشتراكي الديمقراطي، وجبهة القوى الاشتراكية، والحركة من أجل الديمقراطية.‏

بعد هذا العرض الموجز لخارطة الاحزاب السياسية، نأتي إلى موضوع تشكيل الحكومة الجديدة، التي اضطلع بتشكيلها الاستاذ اليوسفي، إذ إن مهمته تغدو في غاية الصعوبة للأسباب التالية :‏

أولاً: إن تعيين زعيم حزب سياسي معارض في رئاسة الحكومة يمثل حدثا استثنائياً في العالم العربي، إذ إن تجربة العقود الماضية لم تثبت لنا ان هناك نظاماً عربياً قبل بمبدأ التداول السلمي للحكم. من هنا تبرز هشاشة عملية التغيير السياسي في ظل عزوف قسم كبير من الشباب عن السياسية، وانغراس ثقافة سياسية وإدارية تقليدية مناوئة موضوعياً لأي عملية تغيير سياسي، تسمح للمعارضة بإدارة شؤون البلاد.‏

ثانياً: اذا كان الوزير الاول اليوسفي يعتبر رجلاً حوارياً، ومعتدلاً ورمزاً لزعامة حزب الاتحاد الاشتراكي، الا ان قيادة عملية التغيير السياسي تحتاج إلى جهود ودعم بقية أحزاب الكتلة الديمقراطية لاسيما حزب الاستقلال الذي يعتبر الحليف الرئيس للاتحاد الاشتراكي في المعارضة، الذي لم يتخذ بعد موقفا ً نهائيا ً ازاء المشاركة في الحكومة او عدمها نظراً إلى وجود تباينات في وجهات النظر داخل قيادة الحزب حول الموقف الذي يجب اتخاذه، فضلاً عن ان الحزب الثاني في " الكتلة الديمقراطية "، أي منظمة العمل، أعلن عن رفضه المشاركة في الحكومة، الامر الذي سيجعل رئيس الحكومة الجديدة مضطرا ً للنظر في اتجاهات أخرى بعضها لا يتوافق دائما ًمع تطلعاته السياسية.‏

ثالثاً: لقد اشترط الملك الحسن الثاني على اليوسفي أن يحتفظ بالكلمة الأخيرة فيما يتعلق بوزارات السيادة الوطنية: أي الداخلية والخارجية والعدل. فالسياسة الخارجية هي ملف ملكي خاص، أما حقيبتا الداخلية والعدل فان معظم أركان المعارضة استبعدوا الوصول إليهما، مشيرين إلى ان الرجل القوي في النظام وزير الداخلية ادريس البصري موجود في منصبه منذ اكثر من 20 عاما، واتهمته المعارضة بالمسؤولية عن تزوير الاستحقاقات السابقة.‏

رابعا: تستعد احزاب المعارضة لتبوؤ مناصب حكومية أخرى قد تكون أهمها الوزارات المرتبطة بالاقتصاد الذي يخضع لعملية اعادة هيكلة وفق شروط صندوق النقد الدولي، فهل ستنجح حكومة اليوسفي في معالجة الازمات المستعصية التي تتخبط فيها الغالبية العظمى من الشعب المغربي، الفقر المدقع، والتفاوتات الاجتماعية، والفساد الإداري، والبطالة التي تعصف بنحو 20% من السكان العاملين، لاسيما من الشباب حيث يوجد 300 الف شخص حاصل على شهادة جامعية من دون عمل، بالاضافة إلى واقع الأميّة المظلم الذي يمس 50 في المئة من السكان، وترتفع الأمية بين النساء إلى 60 او 70 في المئة.‏

خامساً: ان العقبة الصعبة التي تواجه حكومة اليوسفي المقبلة، هي حل مشكلة الصحراء المغربية بوساطة المفاوضات، حيث يؤكد اليوسفي أن موضوع مغربية الأقاليم الصحراوية لا يمثل أي شك في أذهان المغاربة قاطبة سواء أكانوا مسؤولين أم محكومين أم حاكمين.‏

إن مدى نجاح حكومة اليوسفي الجديدة في حل هذه المعضلات المستعصية ستفتح من دون شك ديناميكية تغيير سياسي حقيقي وفعلي نحو التداول التوافقي على الحكم وإرساء دولة القانون على أرض الواقع، لعلها تكون بادرة خيرة في العالم العربي الذي تسود فيه ثقافة الاستبداد والإقصاء والنظرة التعادمية بين السلطة والمعارضة.‏

3 ـ حكومة التناوب والآمال المهدورة‏

لا شك في أن قيادة حكومة التناوب ليست بالمهمة السهلة. .. فقبل أربع سنوات، كان المغرب على شفا الكارثة، خصوصا مع استمرار الجفاف للسنة الرابعة على التوالي. ومع ذلك، عملت الحكومة على تأمين الضمان الصحي للجميع، وكذلك تعميم التعليم، حيث إنه ابتداء من شهر سبتمبر 2002، سوف يكون التعليم الابتدائي إلزاميا ً لكل الأطفال، وأخيرا ً القيام بالإصلاح في مجال الإعلام المرئي والمسموع من أجل ضمان استقلاله.‏

غير أن هذه الإنجازات المهمة التي تحققت لا يمكن لها أن تخفي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المغرب. فإذا كان التضخم هو الآن أقل من 1%، ومعدل النمو الاقتصادي ارتفع إلى نحو5، 6 في المئة، إلا أن معضلة البطالة تظل الهم الأكبر لحكومة عبد الرحمن اليوسفي نظرا لبلوغها أكثر من 20% من عدد السكان العاملين، وتتطلب معالجتها توفير حصة قوية من الاستثمارات الكبيرة الوطنية والأجنبية. وكل المبادرات في هذا الاتجاه، مثل إقرار قانون العمل الجديد، اصطدمت بالمعارضة القوية من جانب النقابات العمالية، والمظاهرات، والإضرابات، حتى وكأن المغرب أصبح يعيش في ماي / أيار 1968 بشكل مستمر.‏

إضافة إلى كل ذلك، هناك العوائق البنيوية التي ورثتها حكومة التناوب، والتي يصعب تجاوزها بسهولة وفي وقت قصير. فثلث موازنة المغرب يذهب إلى تسديد فوائد الديون، والإدارة العامة للدولة تمتص أكثر من 50% من الموازنة، لأنه من الصعب جدا ً القيام بتسريح عدد كبير من العاملين في القطاع العام، الذين مازالوا غير مندمجين بعد في نظام الخصصةالاقتصادية. ففي العالم العربي، يحتل المغرب المرتبة الأولى من حيث النسبة الكبيرة في عدد الموظفين والرواتب، وليست مصر كما هو شائع.‏

في المرحلة الأخيرة تصاعدت الانتقادات من الشارع المغربي الموجهة ضد حكومة التناوب، وكثرت الأسئلة حول مَن يحكم المغرب ؟ وإلى أين ستقود حكومة التناوب الحالية ؟ ولماذا يسود هذا الجمود في آلية عمل الحكومة ؟ والمغاربة اليوم منشغلون بمعاودة تشكيل التحالفات السياسية الداخلية استعدادا ً للانتخابات العامة التي ستجري في سبتمبر المقبل. وكانت سنة 2001 حبلى بالتجاذبات بين أحزاب السياسية. فبعد المخاض القاسي الذي مر فيه " الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ) حزب الوزير الأول السيد عبد الرحمن اليوسفي، في أعقاب خروج قياديين وكوادر معه بدافع المطالبة بانتهاج خط راديكالي عرفت الأحزاب الأخرى مخاضات مماثلة في اتجاه الانقسام أو تجميع القوى المتقاربة على نحو ألغى عمليا دور " الكتلة الديمقراطية " التي شكلتها الأحزاب الرئيسة المشاركة في الحكومة الحالية في مطلع التسعينيات.‏

إذا كان الوزير الأول المغربي عبد الرحمن اليوسفي يحافظ على صورته كرجل مستقيم ومحترم، إلا أن عمله في نطاق الحكومة ما انفك يتعرض للنقد من غالبية السكان المغاربة، وكذلك من محيط الملك أيضا. فالوزير الأول متهم بأنه " تنقصه الجرأة " و"الشجاعة السياسية "، وليس لديه طموح شخصي، ولا يمتلك موهبة المخاطبة والتواصل مع المواطنين، فضلا عن أنه يمتنع عن الرد على هذه الانتقادات، وكأنه أراد لنفسه أن يكون كبش المحرقة. وقد شنت أحزاب المعارضة الحالية التي تألفت منها الحكومات على مدى العقود الثلاثة الماضية، إضافة إلى " حزب الاستقلال " بزعامة عباس الفاسي الشريك في "حكومة التناوب "، حملات قوية على حكومة اليوسفي، واتهمتها بأنها خيبت الآمال المعلقة عليها. فالتفاوتات الاجتماعية والطبقية ما انفكت تتعمق باستمرار، حيث يوجد 5، 7 مليون مغربي من أصل 28 مليونا ً يعيشون بدولار واحد في اليوم، وتصل نسبة الأمية إلى نحو 50% من عدد السكان.‏

وقد أشرفت حكومة اليوسفي على أول انتخابات حرة وشفافة، وهو المكسب المهم لهذا الانتقال الديمقراطي. ويقول اليوسفي في هذا الصدد إنه يريد إقناع الشعب المغربي بمنح ثقته لصناديق الاقتراع، حتى تكون الأغلبية التي ستفرزها هذه الانتخابات تتمتع بتفويض شعبي من أجل مواصلة مسيرة هذه التجربة. ولهذا السبب اعتمدت اقتراعا ً بالقائمة النسبية. لأن هذا النمط من الاقتراع النسبي يرد الاعتبار للأحزاب السياسية، التي هي الآن تمثل هدفا ً مباشرًا لحملة من الانتقادات اللاذعة. كما أن الاقتراع بالقائمة النسبية يسهم في مقاومة التزوير.‏

في ظل ضآلة الطبقة السياسية المغربية وهشاشتها، وعدم تمتع الأحزاب السياسية المغربية بالمصداقية الكافية لدى جمهور الناخبين، كرست القوى الإسلامية خصوصا " جماعة العدل والإحسان " موقعها بوصفها أحد اللاعبين الرئيسيين في انتخابات خريف ســنة 2002، وتفادت في غير مناسبة الاحتكاك مع السلطات للمحافظة على قواها استعدادا ً لهذا الاستحقاق الانتخابي.‏

4 ـ استحقاقات الانتخابات التشريعية في المغرب‏

تعتبر الانتخابات التشريعية التي جرت في 27 سبتمبر 2002، نقطة تحول في المشهد السياسي المغربي، إذ نزلت إلى حلبة المنافسة الانتخابية الأحزاب الديمقراطية التي تشكل نواة حكومة التناوب التوافقي الحالية التي يرأسها الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي، ومعها الأحزاب التي كانت الإدارة السابقة تسعفها بالمدد لكي تكون معارضة للأحزاب الديمقراطية، وأحزاب أخرى شكلها فاعلون جدد، أي ما مجموعه 30حزبا ً.‏

لا شك في أن هذه الانتخابات التشريعية هي الأولى في عهد الملك محمد السادس، ولهذا تعد محطة جديدة لجهة ترسيخ التوجهات الديمقراطية وجعلها خيارات لا رجعة فيها، وبالتالي تكييف المسار الديمقراطي في المغرب لجهة القطع أيضا مع سلبيات الافتقار إلى النزاهة، وحياد الإدارة في تجارب انتخابية سابقة، أو لجهة تشكيل خارطة سياسية تعكس ميول الرأي العام. كما أن هذه الانتخابات تميزت عن مثيلاتها السابقة ليس لكونها ثمرة الإصلاح السياسي الديمقراطي في المغرب فقط، بل إنها كانت هي في حد ذاتها حلقة مصيرية في هذا الإصلاح.‏

فالانتخابات نظمت في ظل استمرار ولاية حكومة رئيس الوزراء السيد عبد الرحمن اليوسفي إلى ما بعد نتائج الاقتراع، وهذا دليل على أن هذه الحكومة هي التي أشرفت على سير هذه الانتخابات، عل عكس التقليد السابق الذي كان يقيل حكومة السياسيين عند أي استحقاق انتخابي من هذا النوع، ويكلف حكومة تكنوقراطيين للإشراف على الانتخابات لفترة انتقالية.‏

وكانت الخريطة السياسية، التي تمخضت عن تلك الانتخابات ثمرة الصيغة التي وقع عليها التوافق، وهي الاقتراع بالقائمة الذي رجح كفة الأحزاب التقليدية في المدن، في حين كان الأمر مختلفا ً في الأرياف، نظرا ً إلى صعوبة التميَز لناخبين لا يحسنون القراءة والكتابة. وكانت الخريطة السياسية حينها مبلقنة، ولم تعط إلا ائتلافا ً من عدة أحزاب، تتحالف فيما بينها لتكوين حكومة، لكن المغاربة لن يحرزوا حكومة قوية، فهذا أمر يرتبط في الأنظمة الديمقراطية المتطورة بالنجاعة والمردودية.‏

إن الإيجابي عند المغاربة أنهم خرجوا من دوامة الجدل حول صنع الخريطة السياسية، بعد أن خرجوا من أجواء القطيعة والتشنج، لينضموا في مسيرة تطوير وإصلاح المؤسسات الدستورية، ووضع المغرب على سكة ودرب الحداثة والديمقراطية. وقد تنافست في تلك الانتخابات أربعة تيارات رئيسة، تكاد تنفرد بمركز الاستقطاب السياسي في الشارع المغربي :‏

1 ـ التيار الاشتراكي ويتكون من أحزاب حكومة التناوب، ويشمل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والاستقلال، وتجمع الأحرار، والتقدم والاشتراكية، والقوى الديمقراطية، والحركة الوطنية الشعبية والاشتراكية الديمقراطية. ويتزعم هذا التحالف الحكومي، حزب الاتحاد الاشتراكي بقيادة الكاتب الأول ( الأمين العام ) عبد الرحمن اليوسفي، الذي قال في معرض تقديم مرشحيه للانتخابات التشريعية، " إن الاتحاد الاشتراكي سيواصل عمله من أجل الإصلاحات الديمقراطية، وإنه سيخوض الانتخابات تحت شعار محاربة البطالة وتحقيق مطالب النساء". ولم يعد حزب الاتحاد الاشتراكي حزبا ً راديكاليا ً يضم تيارات يسارية راديكالية هيمنت على الحزب منذ تأسيسه عام 1959 من قبل المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد ومعهما اليوسفي والفقيه محمد البصري وآخرين. بل أصبح الحزب إصلاحيا ينزع نحو الاعتدال، حزب اشتراكي إصلاحي يؤمن بالتغيير المتدرج، حزب حدثت فيه تحولات شبيهة بالتحولات التي عرفها حزب العمال البريطاني.‏

وقد شهد الحزب انشقاقا ً في مؤتمره الأخير، عندما انشق عنه الزعيم النقابي نوبير الأموي. وهذا الانشقاق ألقى بظلال سلبية على حظوظ الحزب. ودافع اليوسفي عن صيغة الاقتراع بالقوائم لأنها تخفف من الصراعات بين الأحزاب الحليفة والمتقاربة. وواجه حزب الاتحاد الاشتراكي بعض المصاعب في تلك المعركة الانتخابية، كون الحركة الوطنية الشعبية ذات التوجه الأمازيغي المشاركة في الحكومة نأت بنفسها عن هذا التحالف من خلال طرح خطة وقائية مع الحركة الشعبية المحسوبة على المعارضة. وأبدى زعيمها المحجوبي احرضان وزير البريد السابق مزيدا ً من الانتقاد لنمط الاقتراع بالقائمة في الانتخابات المقبلة. وهدد في وقت سابق بسحب دعمه حكومة اليوسفي، بعدما تعرض حزبه العام الماضي إلى انشقاق أسفر عن تأسيس الاتحاد الديمقراطي الذي سيجد نفسه مضطرا إلى الدفاع عن تجربة الحكومة، نظرا إلى أن بعض وزرائها انضموا إلى الحزب الجديد.‏

2 ـ الأحزاب المعارضة ( تكتل الوفاق ) وتتشكل من الاتحاد الدستوري، والحركة الشعبية والوطني الديمقراطي. وتنتقد هذه الأحزاب حكومة اليوسفي لعجزها عن حل مشكلات البطالة والصحة وتزايد وتيرة الفقر، وانصياعها لتوجيهات صندوق النقد الدولي، التي كانت أحزاب الحكومة تنتقدها قبل تحملها المسؤولية.‏

3 ـ الأحزاب الليبرالية التي تمثل تحالف رجال الاعمال، وتتكون من حزب المواطنة الذي يتزعمه رجل الأعمال عبد الرحيم المحجوبي الرئيس السابق لفيدرالية المقاولات، ورابطة الحريات والليبرالي المغربي والإصلاح والتنمية والتجديد والإنصاف. وتخوض هذه الأحزاب الليبرالية الانتخابات لأول مرة، وتنقصها التجربة السياسية.‏

4 ـ الإسلاميون، ويتجمعون في حزب العدالة والتنمية، وهو حزب معتدل معارض يندد بالعنف بكل أشكاله، لكنه اتهم أوساطا " علمانية متطرفة " وأطرافا ً أجنبية بالقيام بـ"عمليات تضخيم لأحداث معزولة وفردية " في إشارة إلى أحداث العنف الأخيرة التي اتهمت السلطات المغربية جماعة " السلفية الجهادية" بارتكابها في بعض المدن المغربية. ويتميز حزب العدالة والتنمية بمناهضته التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبمبادراته لمكافحة الفساد في المؤسسات العامة في المغرب، وضد مظاهر التفسخ الأخلاقي والانحرافات الاجتماعية. وقد انتقل الحزب من موقع المساندة " النقدية " لحكومة عبد الرحمن اليوسفي إلى موقع المعارضة "الناصحة" بسبب تقييمه السلبي لحصيلة عمل الحكومة وعدم تنفيذها لتعهداتها، وظهور مؤشرات إحباط لدى الرأي العام الشعبي إزاء أداء الحكومة، إضافة إلى معالجة الحكومة لعدد من القضايا بأسلوب إيديولوجي وضمن تلك القضايا موضوع المرأة.‏

ولعب الإسلاميون في المغرب دورا مهما، وإن لم يكن حاسما ً في تشكيل الحكومة. فالحواجز التي وضعت أمام انتشار الإسلام السياسي في المغرب لم تؤد إلى تراجع نفوذه، بل قد تكون عززت صدقيته أمام الأحزاب العلمانية التي تصنف بأنها قريبة من الحكم ومؤيدة للغرب.‏

في قراءة للخريطة السياسية التي أفرزتها نتائج الانتخابات الأخيرة، يمكن أن نسجل الملاحظات الآتية :‏

أولا: إن هذا الاستحقاق الانتخابي يشكل أهمية مزدوجة، للملك محمد السادس الذي وفى بوعده الذي قطعه لشعبه أكثر من مرة، وكان آخرها في خطاب احياء ذكرى"ثورة الملك والشعب"، وللوزير الاول السيد عبد الرحمن اليوسفي، الذي قبل رئاسة حكومة التناوب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني حتى يجنب المغرب "أزمة قلبية"، كما أكدها الحسن الثاني نفسه عقب تقديمه تقرير البنك الدولي أمام البرلمان المغربي في أكتوبر 1995.و في تلك الظروف أصبح إشراك المعارضة الوطنية في قيادة شؤون البلاد ـ بالنظر إلى جذورها الاستقلالية عقب الاحتلال الفرنسي_ قضية حياة للملكية في المغرب. ولأن إبقاء هذه المعارضة الاكثر صدقية خارج المجال السياسي للدولة، يعني أن يتحمل العرش( المخزن حسب التعريف المحلي ) وحده النتائج الاقتصادية والاجتماعية الكارثية.‏

ثانيا: على خلاف جيرانه في المغرب العربي، استطاع المغرب أن يقدم صورة مختلفة تكون قد حصنته من الراديكالية الإسلامية التي عرفتها الجزائر، وبلدان أخرى من العالم العربي والإسلامي. ونجح المغرب حيث عجزت تونس والجزائر سابقا ً، ولم ينزلق الى انتخابات الحزب أو الشخص الواحد، رغم أن نتائج الانتخابات التشريعية لن تغير شيئا ً في طبيعة الحكم، حيث يبقى العرش هو الحاكم الأول والأخير. ويعتبر المحللون للشؤون المغاربية الانتخابات الأخيرة مجرد استمرارية للمسار الديمقراطي الجاري، الذي تساهم في إنجاحه كل الأحزاب. ..باستثناء جمعية العدل والإحسان، القوة السياسية الإسلامية الراديكالية الأكثر شعبية ً في المغرب.‏

ثالثا: إن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة رئيس الحكومة عبد الرحمن اليوسفي، لم يشهد التقهقر الذي توقعه لـه البعض، وإنما صمد وحافظ على شعبية جيدة، لابل إنه سيبقى بيضة القبان في قيادة وتشكيلة الحكومة المقبلة. لكن يجب القول إن هذه الانتخابات النزيهة‏

أ ظهرت الأحزاب الوطنية والديمقراطية المغربية على اختلاف مرجعياتها الإيديولوجية اليسارية أو الليبرالية، أحجامها الحقيقية وأوزانها الانتخابية، ماكان لتتبين أحجامها وأوزانها الحقيقية في المرحلة السياسية الماضية التي كان يسود فيها التزوير الانتخابي. فبعد أن ا رتفع عذر التزوير الانتخابي تبين أن حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية" و"حزب الاستقلال" لا يملكان أن يمثلا أكثر من ثلث جمهور الناخبين.‏

رابعا:إن رياح الناخبين هبت في الاتجاه الذي تشتهي سفن الإسلاميين على نحو عزز " الاختراق " الذي حققته الجماعات المعتدلة في انتخابات سابقة. لكن هذا لا يعني أن الطريق أمام الإسلاميين باتت مفروشة بالورود، بل إن الحجم الذي أعطي لحزب العدالة والتنمية كان مرهونا ً بالضغوطات الإقليمية والدولية، سواء على صعيد الحصة التي حصل عليها الإسلاميون، أو أقله على صعيد الموقع الذي احتلوه في الطواقم التي تحكم. . أو خارجها.‏

أخيرا ً، إن تجربة المغرب الديمقراطية جديرة بالنقاش والاهتمام، لكن هذه الديمقراطية سوف تظل معطوبة إن لم تقرن مسألة الإصلاح السياسي بالإصلاح الاقتصادي، لكي تقدم الديمقراطية حلولا ً للتحديات التي يواجهها المغرب. فالمطلوب من الأحزاب المغربية أن تتخلص من النقاش حول كيفية صنع المؤسسات، والانتقال إلى النقاش حول ما يجب أن تصنعه هذه المؤسسات، لكي تعطي حلولا ً.‏

5 ـ استحالة تقاسم السلطة في المغرب‏

في 23 تموز 1999 أسلم العاهل المغربي الحسن الثاني الروح إثر ذبحة قلبية، بعد أسبوع على حضوره (كضيف شرف ) العرض العسكري الفرنسي في باريس الى جانب الرئيس جاك شيراك بمناسبة العيد الوطني لفرنسا في 14 تموز. هكذا انتهى حكم دام 38 سنة، وبدأ في 26 شباط / فبراير 1961 حين خلف الحسن الثاني والده محمد الخامس، وكان السلطان السابع عشر في الأسرة العلوية وأمير المؤمنين.وفي 23 تموز 1999 ليلاً، بايعت الأسرة الحاكمة وممثلو مؤسسات الدولة، محمد السادس البالغ من العمر آنذاك 36 عاماً، ملكاً جديداً على البلاد. وكان على رأس المبايعين أخوه الأصغر مولاي رشيد، وابن عمه مولاي هشام.‏

ومنذ أن تربع الملك محمد السادس المولود في 21 آب/أغسطس عام 1963، على العرش في المغرب، علقت علية آمال واسعة في البلاد، حيث نظر بعين الاستحسان إلى "العناية" و"العاطفة" اللتين أبداهما تجاه "الطبقات الاجتماعية الأكثر حرماناً" ورغبته في تنشيط مؤسسة محمد الخامس "التي تخصص أعمالها لشؤون الفقراء والمحتاجين والمعوقين"(9).‏

وكان الملك الشاب حريصا ً على تجسيده القطيعة مع الماضي، كونه لم يتورط في أي من مسائل الأمن أو السياسة المحترفة على عكس والده الحسن الثاني الذي كان محمد الخامس (جد العاهل الحالي) قد اعتمد عليه وأوكل إليه أمر تسوية بعض القضايا الدقيقة مثل قمع تمرد البربر في الريف في العامين 1958 ـ 1959،أولا ً. والمضي قدما ً في الإصلاحات الاقتصادية التي تعزز نظام الملكية الدستورية، والتعددية الحزبية، والليبرالية الاقتصادية، والسياسية،‏

و إقامة دولة الحق والقانون، وصيانة حقوق الإنسان والحريات الفردية والعامة، وصون الأمن وتحقيق الاستقرار للملكية المغربية، ثانيا ً.‏

وقد دشن الملك الشاب عهده الجديد بمبادرة من الوزن الثقيل حين زار شمال البلاد (منطقة الريف البربري) الذي لم يزره الملك الراحل الحسن الثاني، وسماحه للمعارض اليساري إبراهام سرفاتي، الذي كان يرأس جماعة "إلى الأمام" الماركسية اللينينية، بالعودة إلى المغرب في 31 أيلول /سبتمبر 1999. وكان هذا اليهودي المغربي يمثل إحدى الشخصيات الرمزية في معارضة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي حكم عليه بالسجن المؤبد في عام 1977، قبل أن يتم طرده إلى فرنسا في 13 أيلول /سبتمبر 1991.‏

وفي ظل إصرار الملك الشاب محمد السادس على بلورة المفهوم المتقدم لدولة القانون، أقال هذا الأخير، أولا: "الوزير" إدريس البصري الذي تولى الداخلية من العام 1979 إلى العام 1999، الرجل القوي شديد الإخلاص للملك الراحل الحسن الثاني، الذي ينتمي إلى قوى الماضي في "المخزن"، ويرفض الإصلاحات السياسية والاجتماعية، وثانيا: المستشار (الفرنسي اليهودي) أندريه عازولي. ومن بين المؤشرات الإيجابية للعهد الجديد، إجراء الملك محمد السادس تغييرات واسعة في الفريق السياسي ـ الأمني المسؤول عن إدارة ملف الصجراء، الذي تم تشكيله في عهد والده الملك الحسن الثاني. وقد شمل التغيير رئيس جهاز الأمن الداخلي، حيث تم تعيين شخصية عسكرية على رأس جهاز المخابرات الداخلية، هو العقيد حميدو العنقري بديلا ً عن القيادة الثنائية لهذا الجهاز التي كان يتولاها وزير الداخلية السابق إدريس البصري، ومدير العمليات في الجهاز اللواء عبد العزيز عليوش. إضافة إلى ذلك اصبح جهازالأمن الداخلي يتبع مباشرة القصر الملكي ليخرج من صلاحيات وزارة الداخلية.‏

وكان الملك المغربي قد رقى رجالا مختصين ينتمون إلى جيله، وهم من الشباب الذين يقاربونه سنا ً، ودرسوا معه في "الكوليج "الملكي الذي أسسه الحسن الثاني في القصر الملكي لكي يدرس فيه أبناؤه مع بعض الطلاب المتفوقين من كل أنحاء المملكة، والذين واصلوا دراساتهم العليا معا في جامعة الرباط. ومن بين هؤلاء الشباب:. برز جيل في الأربعينيات من العمر أحاط بالعاهل الجديد، حين كانوا جميعاً طلاباً في المعهد الملكي. ومنهم مدير مكتبه رشدي شرايبي، ومسؤول مكافحة التجسس ياسين منصوري، وحسن أوريد الذي كان الناطق الرسمي باسم القصر الملكي قبل أن يعين أواسط حزيران الماضي محافظاً لمدينة مكناس. وبين هؤلاء جميعاً برز على نحو خاص فؤاد عالي الهمة الذي يتولى اليوم وزارة الداخلية، ومن المقرّبين من الملك كذلك، دون أن يكونوا من قدامى العهد الملكي، منير مجيدي مدير السكرتارية الخاصة بالملك، وطيب فاسي فهري الوزير المنتدب للشؤون الخارجية. هذا هو "جيل الانترنت" الذي جدد هياكل الدولة، والذي يطلق عليه أيضاً لقب "جيل أمنزيا" وهو اسم النادي الليلي الذي كان يرتاده ولي العهد ورفاقه أيام الشباب.إضافة إلى بعض المستشارين من العهد السابق أمثال: المستشار مزيان بلفقيه المختص بالملفات الصناعية، والمستشار محمد معتصم المختص بالشؤون القانونية وكاتب خطب الملك، والسيدة زليخة نصري نصيرة حقوق المرأة.‏

ومن الواضح أن الملك الملقب "بالليبرالي"، والطموح للحداثة، والمتنبه لمصير الفقراء، يقف اليوم على رأس قيادة بلد محكوم من قبل فريق يهيمن عليه الاشتراكيون. وكانت الأحزاب السياسية التاريخية، وفي مقدمها الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية (USFP) والاستقلال، سهلت مهمة الملك الجديد بانضوائها تحت رايته، وعبرت عن حرصها على التفاوض على دعمه. فما إن توفي الحسن الثاني في 30 تموز/يوليو عام 1999، حتى أكدت "الكتلة"، وهي ائتلاف ديموقراطي يضم قوى اليسار والاستقلال، رغبتها في "البقاء على إخلاصها لذكرى الحسن والطريق الذي رسمه". وليس ما يفاجئ في كل هذه المجاملات بعد عقود من القمع والإذلال(10).‏

وفضلا ً عن ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هل الملك الذي يمتلك رأسمالا رمزيا من التعاطف الذي يتغذى من الآمال التي علقها عليه شعبه، يمكن أن يصبح المهندس الرئيس لتأصيل الديمقراطية في المغرب؟‏

مع المبادرات هذه كلها التي تم اتخاذها، فإن المثقفين ورجال الأعمال، ما انفكوا يطرحون الأسئلة المتعلقة بالتغيير في المغرب،لأنه وراء معظم القرارات السياسية التي اتخذها الملك الشاب، لا يرتسم في الأفق أي مشروع سياسي، أو أي رؤية شمولية قادرة على تجميع القوى الحية في المجتمع، بينما يعيش الاقتصاد المغربي بالتقتير.و البر والإحسان لا يشكلان سياسة.فالملك الشاب، يحكم ويدير شؤون البلاد، ويعين، ويطرد، ويأمر، ويدفع، كل الحقل السياسي، في حين أن حكومة اليوسفي أضحت مهمشة.‏

ولما كانت طبيعة النظام السابق أقوى من الملك الشاب، تغلبت بسرعة وزن العادات ومداهنات المتزلفين على رغبة الملك في التغيير. فقد نصحه المستشارون السابقون، خاصة أزولاي، والقسم الأكبر من الأسرة المالكة بالحفاظ على "هيبة" والده، وعلى هذا المزيج من الخشية والاحترام اللذين ما من ملك من دونهما جدير بهذا الاسم...‏

ومنذ أن وصل إلى رئاسة الحكومة، فضل عبد الرحمن اليوسفي، من دون ان يستشير حزبه، ولا حتى الأحزاب الأخرى الممثلة في الحكومة، تداول السلطة الملكي على حساب "التداول الديموقراطي" العزيز على الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي.فالديمقراطية لم تتقدم خطوة واحدة، بينما الملكية تعززت.إذ أنه على الرغم من إجراء الانتخابات التشريعية في العهد الجديد، فإن الأحزاب السياسية الممثلة في حكومة عبد الرحمن اليوسفي عجزت عن طرح مسألة التفاوض حول تقاسم السلطة بين القصر والحكومة.‏

وتبرر الحكومة عدم قيامها بالإصلاحات الديمقراطية المنتظرة من قبل الشعب، بوجود "لوبيات تعوق الإصلاح". والحالة هذه استشرى الفساد الإداري، واستفحلت الرشوة، وزورت الانتخابات الحزبية، وتم إلحاق العديدين بالوظيفة عن طريق العلاقات العائلية والحزبية، ولم يتم إشراك الجماهير في القرارات وفي حل القضايا الكبرى.‏

ومن هذا المنطلق لا عجب أن تكون حكومة اليوسفي خدمت المخزن، لأنها جاءت من خارج السياق السياسي المعارض الذي تبلور في الفترات السابقة، لا سيما منذ بداية السبعينيات، وهو سياق ارتبط بثلاثة توجهات: الإصلاح، المطالبة بالديمقراطية الحقيقية، وتغيير الدستور والقوانين.‏

و إذا كان الرأي العام المغربي يتفهم أن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم يكن مسموحا ً لها أن تذهب بعيدا ً في طريق الإصلاحات بسبب هيمنة الملك الحسن الثاني على الحياة السياسية في المغرب، ووزير داخليته القوي إدريس البصري على قيادة الشؤون الحكومية، فإنه لم يلمس أي تغيير في نمط عمل الحكومة بعد مجيئ الملك محمد السادس وإقالة إدريس البصري في 9 نوفمبر 1999. فالنشاط الذي يقوم به الملك ملحوظ من قبل الراي العام، في حين أن عمل الحكومة مشلول. وهذا ماجعل العديد من المحللين السياسيين في المغرب يقولون إن هناك "مخزنا ً جديدا ً" بدأ يقوض المخزن القديم.‏

وازداد القلق المغربي أكثر فأكثر مع توجه الشيخ عبد السلام ياسين أبرز زعيم إسلامي إلى الملك محمد السادس في نهاية كانون الثاني عام 1999، حيث طالب زعيم جماعة العدل والإحسان، الخاضع للإقامة الجبرية في منزله في مدينة مسلا المتصلة بالرباط منذ كانون الأول 1983، الملك الشاب بتوظيف ثروة أبيه لدفع ديون المغرب، لكن " ملك الفقراء" لم يفعل أي شيء من هذا القبيل.‏

وبعد إزاحة السيد عبد الرحمن اليوسفي من دون أي حرج في تشرين الأول/أكتوبر عام 2002، تعرض خلفه السيد إدريس جطو، وزير الداخلية في الوزارة السابقة، لحملة مضايقات فعلية قادها بنوع خاص وزير الداخلية السيد فؤاد علي الحمى صديق الملك. فأن يتمكن بعض الرجال ممن لم يكادوا يبلغون الأربعين من العمر ومن ذوي التجربة السياسية المحدودة، من معاملة رئيس وزراء أكثر خبرة منهم بهذه الطريقة، وهم الذين فرضوه على طبقة سياسية متحفظة، فذلك يدل على مدى "انحطاط السلطة"، وذلك بحسب تعبير أبو بكر جماعي.إن غطرسة هذه المجموعة الصغيرة، ومنها أيضاً السيد منير مجيدي، السكرتير الخاص للعاهل ومدير الثروة الملكية الهائلة، تغيظ أكثر فأكثر مسؤولين كباراً وتثير مخاوف الكثيرين ممن يتساءلون أين تذهب الحال بالمملكة(11).‏

في ظل نظام ملكي يسود فيه الحكم الفردي المطلق، لا تعني خلافة أمير "جيد" لملك "قاس بلا جدوى" حسب تعبير الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، أن الملكية المغربية أصبحت سلطة وصاية مستحبة من قبل رعاياها. إلى أين انتقل ـ لكي لا نتكلم عن الجمهوريين المغاربة – دعاة تطور الملكية المغربية "على الطريقة الإسبانية"، عبر تحويل سلطة مطلقةـ يقودها "أمير المؤمنين" إلى ملكية دستورية، إن لم تكن برلمانية ً؟‏

لقد كان الملك الحسن الثاني مهندس عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الحكومة، وتعهد بالاحتفاظ لنفسه بحرية اختيار وتعيين "وزراء السيادة"في وزارات ( الداخلية، الخارجية، الشؤون الدينية، والعدل). ولم يغير ابنه شيئا ً من هذه الممارسة(غير المنصوص عليها في الدستور)، كما أنه لم يطرح ثانية للبحث مسألة وضع الأيدي الخفية للقصر على جزء من مداخيل الخصخصة. وقد ذهب الملك محمد السادس إلى أبعد من ذلك في صيف عام 2001، عندما عين الولاة (المحافظين ) من دون أي نقاش مسبق مع رئيس الجكومة عبد الرحمن اليوسفي أولا. ثم مع بداية كانون الثاني / يناير 2002، عندما أعلن زيادة سلطة الوالي (المحافظ) على حساب الإدارات المركزية، ثانيا. فباسم "اللا مركزية الإدارية"، وخوض " المعركة من أجل تنشيط الاستثمارات"، تنازلت الحكومة عن جزء من سلطتها لمصلحة وزارة الداخلية، وبوجه آخر لمصلحة القصر الملكي.‏

وكان الملك محمد السادس ـ بحسب صحيفة "البايس" الاسبانية (9/6/2004) ـ توجه للوزراء في آخر اجتماع معهم بالقول: "باستثناء اثنين أو ثلاثة فإنكم غير فعالين وإذا كانت المهمة لا تعجبكم فلماذا لا ترحلون؟". وهذا ما جعل مدير مجلة "لو جورنال" الأسبوعية، أبو بكر جماعي، يعبر عن استيائه، فيستنكر "نظاماً" مناقضاً للديموقراطية حيث تسود علاقات سيئة بين الملك ومستشاريه من جهة، والحكومة والأحزاب السياسية (التي فقدت اعتبارها) من جهة أخرى(12)..‏

هكذا، وعلى عكس ما كان يمكن توقعه من ملك "حديث" لم يتخلَّ محمد السادس عن الشكليات والممارسات القديمة باستثناء لافت في زواجه(13). وهذا الأمر بدا واضحاً جداً في حديث أجرته معه مجلة "باري ماتش" الأسبوعية(14)" البروتوكول هو البروتوكول ويبقى كذلك. وقد سرت أحاديث عن أنني سأتصرف بما يقلب قليلاً ما كان قائماً. وهذا خطأ. فالأسلوب مختلف لكنني (...) أحرص على الحفاظ على دقته وعلى كل من قواعده".‏

وإذا ما وافقنا فلوبير في قوله إن "الشكل هو بالضبط ابن الفكر"، فلا يمكننا إلا أن نرى في التمسك ببروتوكول بالٍ سمة نظام لا يرى الرئيس نفسه فيه خاضعاً لأي محاسبة ويفعل بالتالي ما يطيب له.‏

لقداستعادت السلطة الملكية السلطات القليلة التي ظلت بين أيدي الحكومة.و السؤال الذي يطرحه المثقفون الفرنسيون الذين يعرفون بدقة واقع المملكة المغربية أمثال جيل بيرو، وجان بيار توكواو الخ: هل تهم السلطة هذه الملك محمد السادس الذي لا يمتلك مشروعا ورؤية لبناء دولة حديثة؟ فمحمد السادس لا يعطي انطباعاً بأنه يستوعب الصعاب التي يعيشها مواطنوه ولا حتى أنه يملك رؤية واضحة لما يمكن فعله للشروع لكي يحل المعضلات المستعصية التي يعاني منها المغرب. .وهذا ما لحظه منذ العام 2002 البروفسور ريمي لوفو إذ رأى أن الملك "يعاني أكبر الصعوبات في التحكم بمعطيات المشاكل التي تواجهه". وللأسف فإن الكوادر الشابة التي تحيط به ليست بالمستوى الملائم لمساعدته.‏

لقد كتب إينياس دال كتابه:الملوك الثلاثة ـ المملكة المغربية من الاستقلال إلى يومنا هذا ـ (15) بشكل بسيط ومن دون زخارف، وخصص صفحات كثيرة للحديث عن الإسلاميين والطبقة السياسية المسيطرة. ويعتبر الكتاب ذا أهمية تاريخية، نظرا ً لأنه شامل، وموثق، وبصورة إجمالية لا يكيل المديح للسلالة العلوية الحاكمة.هل يجب أن نرى العلاقة بين السـبب والنتيجة. والكتاب غير موجود الآن في المغرب( حيث إن الكاتب تعرض للسب والشتم من قبل قسم من الصحافة).‏

وتبدو الصفحات المخصصة للملك محمد السادس نقدية مادامت صورة الملك تبتعد عن الصورة الوردية المعروفة عنه. لقد تم تصوير الملك كرجل متزن وهادىء، وديموقراطي في الصميم. بيد أن الكاتب إينياس دال الذي قضى وقتا ً طويلا ً في المغرب، وبعد تمحيص في أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية، قدم لنا صورة مناقضة تماما للملك الغريب الأطوار والغامض، والشحيح، خاصة حرصه الشديد على ضمان نمط حياته الملكية في حال نفيه.‏

ويسخر الكاتب إينياس دال من المصاريف الباهظة للملك محمد السادس بقوله " فملك الفقراء ليس ملكا فقيرا" حسب وصف وزير الخارجية الفرنسي السابق ميشال جوبير، الذي ينتقد محافظته على جهاز أمني حاضر وقوي. وكان البروفسور ريمي لوفو، المطلع جيداً على أوضاع المغرب والمشتبه قليلاً في كونه خصماً عنيداً، قد طرح أساساً السؤال في أواخر العام 2000: "أنا أطرح الأشياء بكل سذاجة: هل محمد السادس سيستمر في عمله كرجل أعمال؟ ففي نظام هو في طريق التحول الديموقراطي لا يمكن للملك أن يكون مستثمراً. ولا يمكنه أن ينافس المستثمرين. وفي هذه الحالة يجب أن يعزز موقعه كحكم".فمحمد السادس، وهو المقاول الأول والمستثمر الزراعي الأول، وصاحب الثروة الكبرى في البلاد، والذي يمسك بكل السلطات الدستورية، هو في الوقت نفسه الخصم والحكم. ومنذ خمس سنوات لم تكن الهيمنة الملكية على عالم الأعمال بهذه القوة. فهل "ملك الفقراء" قد أصبح ملك الأغنياء؟ إن الملك يدافع عن نفسه في ذلك.‏

ليس من شك في أن انتظارات الشعب المغربي كبيرة، وهي ناتجة من السياسات التي كانت متبعة خلال عقود متتالية. ويتطلب أي إصلاح ديمقراطي...أو أي تغيير حقيقي في المغرب، إحداث انقلاب فعلي في العلاقات بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، بما يسمح بالانطلاق من تطوير أجهزة الدولة، وتحسين عمل المؤسسات، أي وضع القوانين الأساسية لتطور ديمقراطي سليم، يسير في اتجاه ترسيخ دولة الحق والقانون، وتقوية دور الأجهزة الحزبية، والنقابات، وجمعيات المجتمع المدني. ولو تحقق مثل هذا الانقلاب في العلاقة بين سلطة المخزن والمجتمع المدني، فإن تحولا ً راديكاليا ً سيطرأ على طبيعة الديمقراطية عينها: فمن ديمقراطية تمثيل ستتحول أيضا ً إلى ديمقراطية مشاركة... والديمقراطية إما أن تكون تشاركية وإما لاتكون ديمقراطية أصلا ً.‏

(1) الصافي سعيد – المغرب بين أيدي ملوكه(الحسن الثاني، او الملك الطافح) ـ دراسة نشرت في جريدة النهار اللبنانية على ثلاث حلقات بتاريخ 16/8/2000.‏

(2) الهواري عدَي ـ عود على بدء بين الجزائر والمغرب ـ الأخوة المستحيلة، مقال نشر في جريدة لوموند ديبلوماتيك – النسخة العربية – جريدة النهار اللبنانية، كانون الأول / ديسمبر 1999.‏

(3) Hassan II,Le Defi,Albin Michel,1976,P.68‏

(4) Ignace Dalle ـ LES TROIS ROIS ـ La monarchie marocaine de lindependance a nos jours ـ EditionsFayard ـ 2004.‏

(5) Waterbury John, Le commandeur des croyants,Editions PUF,Paris,1995.‏

(6) جيل بيرو، صديقنا الملك، ترجمة ميشيل خوري، ورد للطباعة والنشر والتوزيع سورية، الطبعة الأولى2002،(ص 382 ـ 383).‏

(7) انياسيو رامونيه، المغرب إلى أين ؟ لوموند ديبلوماتيك – النسخة العربية التي نشرتها جريدة النهار اللبنانية،آب/أغسطس 1999.‏

(8) ريمي لوفو، من أجل إنجاح التجربة الديمقراطية في المغرب ـ لوموند ديبلوماتيك، النسخة العربية التي نشرتها جريدة النهار اللبنانية، تشرين الثاني /نوفمبر 1998.‏

(9) من خطابيه في 30/7 و20/8 1999.‏

(10) إينياس دال،خيبة الآمال في المغرب، لوموند ديبلوماتيك، النسخة العربية التي تصدرها جريدة الرأي الأردنية، شهر آب/أغسطس 2004.‏

(11) المرجع السابق عينه.‏

(12) صحيفة "لو جورنال"، الدار البيضاء، 8 ـ 14/5/2004.‏

(13) عقيلته، لالا سلمى، المهندسة، تشارك في الحياة العامة ولا تعيش منكفئة.‏

(14) في 13/5/2004.‏

(15) مرجع سابق: Ignace Dalle LES TROIS ROIS‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244