اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل ـــ توفيق المديني

دراسة تاريخية سياسية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 04:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل العاشر [الديمقراطية المسيطر عليها] في الجزائر

1 ـ الرئيس بوتفليقة والمهمات الصعبة‏

ـ 1 ـ‏

إن الدولة في الجزائر في تراجعها عن مذهبها القائل أن الجيش هو الكل بالكل، قد وضع أمامها خيارين بعد عشر سنوات من الحرب الأهلية الضروس: أن تسلم السلطة إلى المستويات الأدنى من المسؤولين، أو أن تسلم صلاحية صنع القرار إلى أطراف غير رسمية تؤمن بالليبرالية السياسية. ولقداختارت الحكومة الجزائرية الخيار الأول، وتجاهلت الخيار الثاني، باستثناء ما يتعلق بالليبرالية الاقتصادية، نظرا ً لأن هناك تواطؤا ً بين النخب السياسية والعسكرية من جهة، ومنظمي الأعمال والطبقة البرجوازية القديمة ـ الجديدةمن جهة أخرى، التي اشترت تحررها الاقتصادي، بتنازلها عن افتكاك السلطة. ومادام هذا التواطؤ قائما ً بين السلطة العسكرية والطبقة البرجوازية ومعظم فئات الطبقة الوسطى، فإنه من الصعب أن تتطور الديمقراطية باتجاه بناء دولة الحق والقانون. وهذا الوضع يجعل الديمقراطية في الجزائرمتحكما ًفيها.‏

وتسلّم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مهامه كسابع رئيس جمهورية للجزائر المستقلة في ربيع عام 1999، بعد أن حصل على 73.8 في المئة من إجمالي أصوات الناخبين في اقتراعٍ اتسم بضعف الاقبال بعد انسحاب منافسيه الستة الآخرين احتجاجاً على ما وصفوه بالتزوير وانحياز السلطة إلى المرشح الذي تدعمه المؤسسة العسكرية المهيمنة على البلاد. وتعتبر هذه الانتخابات الأخيرة أقل صدقية من الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 1995، وأوصلت اللواء اليمين زروال إلى سدة الرئاسة. ففي تلك الانتخابات راهن الشعب الجزائري بصدق على الرئيس اليمين زروال، واقتنع أن هذا الأخير يمتلك القدرة على تنفيذ برنامجه الاصلاحي وإعادة بناء الساحة السياسية، ودفع سياسة البلاد في اتجاه بناء الديمقراطية، وإقامةحكم مدني على قاعدة الشرعية الديمقراطية، وهو ما يعني في نهاية المطاف تقليص نفوذ التيار الاسلامي، وتحييد المؤسسة العسكرية عن الفعل السياسي.‏

لقد أخذ الرئيس اليمين زروال المراقبين على حين غرة حين أعلن في تشرين أول/ أكتوبر1998 قراره تقصير مدة ولايته وتخليه عن مهامه في رئاسة الدولة.لكن خطوة الرئيس ولو أنها غير منتظرة، كانت متوقعة مادام خرج إلى العلن خلافه مع رئيس الأركان الجنرال محمد العماري. وكانت الصحافة أوردت خلال صيف 1998 التهجمات والتهديدات التي أطلقها كلا الفريقين. لقد أدى إبراز التباينات بين السلطة الحقيقية(الجيش) والسلطة الشكلية(الرئاسة والحكومة) إلى الوصول كما هو متوقع إلى نهاية منطقية، أي إنسحاب صاحب الثانية أمام قوة صاحب الأولى(1).‏

وعندما جرت الانتخابات الرئاسية في 14 نيسان/أبريل 1999، أكد المرشحون الستة الذين انسحبوا منها، على فظاعة التزوير وشناعة إصرار السلطة الجزائرية على التنكر للحقائق، بسبب التجاوزات والخروقات التي اكتنفت العملية الانتخابية في كل مراحلها، بدءا ً بجمع التواقيع لمصلحة مرشح النظام عبد العزيز بوتفليقة، وعرقلة باقي المرشحين بالضغط والتهديد، وانتهاء بتوزيع كمية فوق العدد المطلوب من أوراق التصويت لمرشح النظام تقدر بـ 25 في المئة عبر مختلف محافظات الجزائر لاستعمالها في التزوير، وتوزيع ورقة تصويت مرشح النظام قبل يومين من الاقتراع في بعض المحافظات، وتوزيع عدد غير محدود من بطاقات الناخب مختومة وغير معبأة لاستعمالها في التصويت لمرشح النظام، ودفع بطاقات الناخب خارج مراكز التصويت للتصويت بدل أصحابها.‏

مما لا شك فيه أنّ مخاطر التزوير الواسع النطاق كما عرضها على الرأي العام، بشكل مقنع، المرشحون الستة، الذين اضطروا إلى اعلان انسحابهم عشية يوم الاقتراع، تستند إلى إرث أصبح متجسداً في مؤسسات الدولة الجزائرية القائمة على التزوير والمطعون في شرعيتها، بعد أن كانت رئاسة الجمهورية هي المؤسسة الوحيدة التي تتمتع بنوع من الصدقية الانتخابية. كما أن مخاطر التزوير حولت تلك الانتخابات وما آلت اليه من نتائج، إلى عمل انقلابي صادر على إرادة الناخبين سلفاً.‏

فالمؤسسة العسكرية أجهضت المسار الانتخابي، وقد أصبحت عريقة في ذلك. ففي الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الاسلامية للانقاذ في نهاية عام 1991، قام العسكر بإلغائها حتى لا يفوز من يهدد سلطة المؤسسة العسكرية، ويصحح نصاب الحياة السياسية. ومنذ العام 1992، انتهج الجيش – بعد انقلابه على شرعية الجبهة الاسلامية للانقاذ المنبثقة من انتخابات نيابية شرعية – خطا ً استئصالياً في مواجهة المعارضة الإسلامية المسلحة، الأمر الذي جعله ينتقل إلى محاصرة المجتمع وإعادته مرة أخرى إلى "سجن السلطة".‏

وعلى الرغم من أن المؤسسة العسكرية قد عملت على تكوين واجهة شرعية مدنية تستطيع من خلالها إدارة شؤون البلاد وتجنب المنزلقات المباشرة، إلا أنها في تلك الانتخابات الرئاسية ضيعت فرصة ثمينة أمام توسيع القاعدة الشعبية للحكم، لتشمل معظم الاتجاهات والقوى السياسية والاجتماعية في الجزائر. ففي تلك الانتخابات التي جرت في ربيع عام1999، أصرت المؤسسة العسكرية، على إنجاح مرشحها عبد العزيز بوتفليقة حتى وإن أدى ذلك الى إفراغ العملية الانتخابية من كل محتوى.‏

كانت الانتخابات الرئاسية الجزائرية، لو جرت بالشكل الذي كان مرسوماً لها، ستشكل تظاهرة تعددية نادرة المثال في التاريخ الحديث للمنطقة العربية: أولاً، بسبب مشاركة كل الاتجاهات الرئيسية في البلاد، بدءا ً من الوطنيين وانتهاءً بالاسلاميين المتشددين غير المسلحين مروراً بالعلمانيين والاشتراكيين الاصلاحيين والحرس القديم والمتفرنسين والمتعربين والأمازيغيين. وثانياً، بسبب عيش الجزائر حملة انتخابية تعددية حقيقية جرت في مناخ من التنافس والسجال اتسما بقدر من الحرية والتعددية، حيث أكدت الحملة الانتخابية على وجود قوى سياسية معارضة ذات طبيعة ديمقراطية واضحة قضت على مبرر الخطر الاسلامي الذي جعلت منه السلطة سببا ً لاستمرارها في نهجها السياسي الرافض للمصالحة الوطنية الحقيقية والتغيير الحقيقي لطبيعة النظام.‏

المؤسسة العسكرية – وفي اجتماع مغلق ضم كبار جنرالات الجيش، منهم رئيس هيئة الأركان، والرجل القوي في الجزائر الجنرال محمد العماري، وقيادات جيش البر والجو والبحرية، وقيادات المناطق العسكرية الخمس في الجزائر، والجنرال محمد مديان الملقب بتوفيق مديان رئيس إدارة البحث والأمن، وريث جهاز الأمن العسكري ( المخابرات الجزائرية ) ونائبه الجنرال اسماعيل العماري، مدير مكافحة التجسس، والجنرال الطيب الدراجي رئيس الدرك الوطني – بدت أنها منقسمة بدورها الى تيارين: تيار أقلوي يريد فعلاً انسحاب الجيش من واجهة الحياة السياسية العامة، والقبول برئيس للبلاد يخرج من صناديق الاقتراع. غير إن هذا التيار لم يستطع فرض رأيه. وهناك التيار الاستئصالي الأكثري الذي يقوده العماري وتوفيق مديان، والداعم لعبد العزيز بوتفليقة، إضافة إلى قدماء وزارة التسليح والعلاقات العامة – السلف الأول للمخابرات الجزائرية التي تأسست أثناء حرب التحرير من قبل الحفيظ بوسوف.‏

وهكذا، يمكن القول إن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لا يستند إلى مؤسسة عسكرية مجتمعة على دعمه وتقف وراءه صفاً واحداً، ما قد يجعل رئاسته مقبلة على أزمات شتى وكبيرة، قد تقصر أجلها. فالميزة الأساسية للانتخابات الجزائرية المجهضة، هي تأكيدها أن مناط الشرعية قد استكمل انتقاله النهائي من الجيش وريث حرب التحرير الوطنية، الى المجال الشعبي، والى الارادة الانتخابية المعبرة عنه.‏

ـ 2 ـ‏

وبعد تلك الانتخابات، وبعد انسحاب المرشحين الستة، عجزت أحزاب المعارضة الديمقراطية، التي يشكل حزب آية احمد " جبهة القوى الاشتراكية " نواتها الصلبة في الجزائر، على خلق مجال سياسي جديد قوامه تفعيل التكوينات المختلفة للمجتمع المدني الحديث، وعلى سحب البساط من تحت أرجل هذه الطائفة من الأحزاب الانتهازية والفضفاضة التي زكت ومنحت مساندتها لترشيح عبد العزيز بوتفليقة، ومنها حزب جبهة التحرير الوطني، والحزب الوطني الديمقراطي (حزب زروال )، وحزب مجتمع السلم، الذي ترأسه محفوظ نحناح وحزب النهضة.. لأن هذه الأحزاب قد اندمجت إيجابياً في عالم السلطة الجزائرية، وعلى أرضية تاريخها.‏

وكان التحدي الأول الذي واجه الرئيس بوتفليقة يتمثل في نوعية العلاقة مع المؤسسة العسكرية، حيث أن هذه الأخيرة هي التي تصنع الرؤساء في الجزائر، وذلك منذ وفاة الرئيس الراحل هواري بومدين عام 1978. ويسيطر على هذه المؤسسة العسكرية جنرالات يقفون جميعاً والديمقراطية على طرفي نقيض، ويشكلون طغمة عسكرية حاكمة تعلو بسلطتها على سلطة مؤسسة الرئاسة، وتفرض الخط السياسي الذي يتماشى مع مصلحة المؤسسة العسكرية. وإذا حاد أي رئيس عن الخط المرسوم لـه من قبل هذه المؤسسة، أو حاول إبداء نوع من الاستقلالية، فإنه يتعرض للاقالة بالاكراه كما حصل مع الرئيس الشاذلي بن جديد في بداية عام 1992 أو مع الرئيس اليمين زروال في نهاية عام 1998، حين أوجد مخرجا ً لاقالته عبر اجراء انتخابات رئاسية مبكرة في 15 نيسان الماضي. وكان الرئيس القتيل محمد بوضياف قد دفع ثمن مواجهته للمؤسسة العسكرية، حين أراد تغييرها من خلال إرسال عدد كبير من الضباط الكبار إلى التقاعد ومن بينهم الجنرال محمد العماري.‏

وعلى الرغم أنه منذ العام 1992 تعاقب على رئاسة الجمهورية أربعة رؤوساء هم الشاذلي بن جديد، محمد بوضياف، علي كافي، واليمين زروال، إلا أن رئيس هيئة الأركان الجنرال محمد العماري ورئيس الأمن العسكري توفيق مديان، استمرا في منصبهما من دون أي تغيير يذكر.‏

وكان عبد العزيز بوتفليقة قد نال ثقة الجيش في العام 1994، رغم فشل محاولة تعيينه على رأس الدولة، لمناسبة انعقاد المؤتمر الأول للوفاق الوطني عندما قال في اجتماع مع كبار الضباط كلمته الشهيرة " أنا وإياكم في خندق واحد " في إشارة واضحة إلى محاربة الاسلاميين المتشددين. وكرر قبل الحملة الانتخابية وبعدها قوله " ليس في نيتي الإخلال بالتوازنات الراهنة" في إشارة واضحة أيضاً إلى عدم رغبته في استبدال كبار الضباط المتنفذين داخل المؤسسة العسكرية أو إرسالهم إلى التقاعد. ورغم المذابح والمجازر الشنيعة التي وقعت وطالت القرويين الذين كانوا يسكنون على بعد مئات الأمتار من مراكز قيادة هؤلاء الجنرالات، ورغم فشلهم الذريع والمروع في إدارة هذه البلاد منذ عام 1992، فهل سيكون الرئيس عبد العزيز بوتفليقة واجهة مدنية للمؤسسة العسكرية ؟ أو أنه سيعطي وزناً كبيراً لمؤسسة الرئاسة في مواجهة مراكز القوى الأخرى، لاسيما وزارة الدفاع، مصدر سلطة قرار الجيش ؟ وهل سينجح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في تجاوز الخطوط الحمر التي اصطدم بها كل من الرؤساء السابقين الشاذلي بن جديد، ومحمد بوضياف واليمين زروال لجهة طرحه المسائل الجوهرية التي تعيد لمؤسسة الرئاسة وزنها ودورها الحقيقي في قيادة الدولة والجيش، ونزع الطابع السياسي للجيش، وتحديد موقعه في المؤسسات، وإقناعه بضرورة التحول إلى جيش من المحترفين مهتم بشكل رئيس بالدفاع عن حرمة البلاد من الاعتداءات الخارجية، وإقناعه أيضاً بضرورة التكيّف مع المتغيرات الداخلية والدولية، التي تنص على أن يبقى الجيش في الثكنات، تحقيق واستقلال. واستغلال القضاء، وانسحاب الأمن العسكري من المجال السياسي والاعلامي، وتعيين وزير دفاع من قبل مؤسسة الرئاسة ( إذا اراد الرئيس التخلي عن هذه الحقيقة ) ؟.‏

أما التحدي الثاني الذي واجه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، فهو الفساد والرشوة والاحتكارات، هذه الآفات الثلاث المستشرية داخل المؤسسة العسكرية. ومن المعلوم، أن المؤسسة العسكرية أقامت امبراطورية من الاحتكارات بتواطؤ من الدولة، واصبحت هذه الاحتكارات بمنزلة " دولة داخل الدولة "، وهي تهيمن على طرق الاستيراد والتصدير وتعبث بالقوانين. وتسعى هذه المافيا السلطوية التي راكمت أموالاً هائلة بطرق غير مشروعة لاغتصاب الأراضي الزراعية وعائدات الغاز. وهذا ما كشفه النائب والكاتب السويسري جان زيغلر المختص في شؤون المصارف السويسرية في مجلة " شارلي ايبدو " الفرنسية، حيث يوضح " أن مئات الضحايا التي تتعاقب في الجزائر لا تبعث الحزن في قلب الجماعة العسكرية الحاكمة في الجزائر، بل أن هؤلاء (ضحايا المجازر) يساهمون في إبقاء عائدات النفط المتدفقة، فيتراكم بعضها باستمرار في صناديق المصارف وخصوصاً في سويسرا. وتضيف صحيفة "شارلي ايبدو" شريحة أخرى من المستفيدين من شلالات الدماء في الجزائر حين ترى الصحيفة الفرنسية في ملحقها عن الجزائر أن عمليات القتل الدائرة تحركها مافيا سياسية مالية تهدف إلى اغتصاب الأراضي الزراعية الخصبة في البلاد بشكل " قانوني " فيما بعد. فالمطلوب من الحكم الجزائري وقف توصيات صندوق النقد الدولي خصخصة المناجم والبريد والهاتف والتعليم العالي والأراضي الزراعية. ووحدها الأراضي الزراعية تثير الشهية في هذه اللائحة، وأهمها تلك التي تملكها تعاونيات، و80 في المئة تقع في المناطق التي حصلت فيها المجازر حالياً.‏

وهكذا يتم عبر عمليات القتل إبعاد الفلاحين عن أراضيهم، في حين تؤمن المصارف للمافيا المالية السياسية أموالاً لشراء الأراضي التي هي أصلا ً ملك القطاع العام.. تماماً كما في روسيا على حد قول الصحيفة الفرنسية في عددها 3260/ ص 18.‏

وتقف هذه الاحتكارات وراء كل المجازر والعمليات الإرهابية التي لها علاقة مباشرة بالبترول والعقارات وشراء الأراضي بعد الثورة الليبرالية في الجزائر، كما تقف أيضاً حجر عثرة في طريق التنافس الحر الشريف على مستوى المستثمرين الخواص المحليين، كما أنها تنفر المستثمرين الأجانب في ظل غياب دولة القانون. فطالما الجيش هو المسيطر بصورة غير قانونية وغير شرعية على مؤسسات الدولة، فمن غير الممكن إجراء إصلاحات جذرية في نطاق مقاومة الفساد والرشوة، وبناء العملية الديمقراطية.‏

وكان الرئيس محمد بوضياف قد راح ضحية مواجهته لاخطبوط هذه الاحتكارات التي وصفها بـ " المافيا السياسية المالية ". ويبدو أن هذه الاحتكارات قد دعمت الرئيس "المزكى" عبد العزيز بوتفليقة حسب ما نقلته مجلة الاكسبريس الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 22/4/1999. إذ إن بوتفليقة اقترح على أصحاب المليارات من الجزائريين المتمركزين في الخليج وأوروبا والولايات المتحدة الأميركية أن يعيدوا أموالهم لاستثمارها في الجزائر، من دون أن توجه لهم أي مساءلة قانونية بصدد مصدر تلك الثروات الهائلة.‏

ـ 3 ـ‏

لأسباب تعود إلى عدم تمتعه بقاعدة سياسية خاصة به ترتب على الرئيس بوتفليقة أن ينتهج اسلوبا مختلفاً كلياً عن اسلوب سلفه لكي يوجد نوعاً من التوازن بين الأحزاب التي دعمته والجنرالات الذين دفعوه إلى سباق الانتخابات، ولكي يتعاطى بمرونة أكبر مع مسألة الهدنة التي أبرمها الجيش الاسلامي للانقاذ. فقد وعد بوتفليقة بأنه سيعطي الهدنة التي أبرمها الجيش الاسلامي للانقاذ ( الجناح العسكري للجبهة الاسلامية للانقاذ ) بعداً سياسياً.‏

ومن المعروف أن المؤسسة العسكرية هي التي أبرمت الهدنة مع الجيش الاسلامي للانقاذ في 1 تشرين أول / أكتوبر 1997، بهدف قطع الطريق على المفاوضات التي كانت جارية آنذاك بين الرئيس زروال ومستشاره محمد بشتين والقيادة السياسية للجبهة الاسلامية للانقاذ، والتي كانت ستجعل من الرئيس زروال بطلاً للسلام، وتعزز موقعه في مواجهة جنرالات الجيش المتنفذين على صعيد القيادة، لاسيما منهم محمد العماري وتوفيق مديان(2). وقد فضلت قيادة الجيش ابرام اتفاق مباشر مع مدني مرزاق رئيس الجيش الاسلامي للانقاذ بعدما قدمت لـه تنازلات تتمثل بعودة هذا الأخير إلى الساحة السياسية في شكل حزب تحت اسم جديد كمكافأة لـه على دخوله الهدنة وحشد اكبر عدد من الوحدات الاسلامية المسلحة الأخرى إلى صف الهدنة ( علماً ان حوالي 40 وحدة اسلامية مسلحة انضمت فعلا إلى الهدنة إلى حد هذه الساعة ). وكانت المؤسسة العسكرية قد اشترطت على مدني مرزاق عدم اعطاء أي دور سياسي للقيادة التاريخية للجبهة الاسلامية للانقاذ ( ومنهم عباس مدني، وعلى بلحاج، وعبد الرزاق حشاني ) في صياغة الحزب المقترح.‏

في تلك الظرفية التاريخية، طرح السؤال التالي، هل سيتفاوض الرئيس بوتفليقة مع القيادة التاريخية للجبهة الاسلامية للانقاذ على قاعدة قبولها بشروط السلطة وأهمها تغيير اسمها، في انتظار أن تدخل معترك الحياة السياسية مجدداً، باعتبارها طرفاً رئيسياً في الأزمة الجزائرية، أم أنه سيكتفي بالتفاوض مع قيادة الجيش الاسلامي للانقاذ وبعض حلفائه من السياسيين في "الجبهة الاسلامية للانقاذ "، برفض حق العودة إلى الساحة السياسية لمسؤولي الانقاذ بشرط التخلي عن القيادة التاريخية للحزب ؟.‏

إن الطريقة السياسية التي تعامل بها عبد العزيز بوتفليقة مع ملف " الجبهة الاسلامية للانقاذ " وكيفية حله هو الذي يكشف لنا، إما جدية الرئيس الجديد وقدرته على مواجهة المؤسسة العسكرية لجهة انتزاعه منها قدرا كبيرا من الحرية والمناورة تسمحان لـه بايجاد حل سياسي للأزمة الجزائرية، وإما ضحالة مناورته السياسية المكشوفة التي تستهدف تقسيم صفوف الاسلاميين وتفكيك " الجبهة الاسلامية للانقاذ " الى الأبد ؟.‏

يجسد الرئيس بوتفليقة الشعبوية الوطنية (التي اسسها الرئيس الراحل بومدين) والتي لا تزال لها سحرها في نظر فئة من الطبقة السياسية الحاكمة التي تحن للعودة إلى مرحلة الحزب الواحد الشمولي، حيث كان النظام محترماً ومهابا ً(3). ولكن إضافة إلى انتمائه للبومدينية التي يظنها الجزائريون اليوم طريقا للخروج من الحرب الأهلية والأزمة الاقتصادية، يقدم عبد العزيز بوتفليقة نفسه على أنه صاحب برنامج اقتصادي إصلاحي جديد بلسان ووجه قديمين لا ينكرهما أبداً.‏

إن بوتفليقة الذي نال دعم المركزية النقابية التي تضم نحو مليون صوت يملك تشخصياً للأزمة الاقتصادية في البلاد، ومشاريع حلول تهدف إلى " تحقيق الوثبة الوطنية الجديدة بالتمكين لانجاز التقويم الوطني". والالتزامات الواردة في برنامج الرئيس بوتفليقة تهدف على الصعيد الاقتصادي إلى إعادة الاعتبار للخدمة العمومية، والقطاع العام، وبالتالي تحمل تطوراً لامكان العودة إلى البوميدينية في التنمية وصولا إلى تحقيق ما يسميه بـ " العدالة الاجتماعية ".‏

غير إن لبوس ثوب البوميدينية أو الشعبوية الوطنية من جانب الرئيس بوتفليقة يجعله في مواجهة مباشرة مع النخبة من الخواص التي استولت على القطاع العام ومؤسساته، والتي رفعت شعار تحرير الاقتصاد الوطني، والانتقال به من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية الأفراد أولاً، ومع من يسمونهم الجزائريون المستفقرون بـ " حيتان الانفتاح " على الطريقة المصرية، من اثرياء الغفلة، ومتلاعبين بالمال العام وفاسدين ومرتشين على مستويات رفيعة ممن لهم حلفاء اقليميون ودوليون، ولديهم مصالح كبرى مع شركات دولية اميركية واوروبية متنافسة على السوق الجزائرية ثانياً، ومع المؤسسات الدولية الدائنة للجزائر (لاسيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي )، التي أملت على الجزائر اتباع سياسة الخصخصة التي لا يفضلها بوتفليقة، ثالثاً.‏

فهل يمتلك بوتفليقة استراتيجية محددة للجزائر للخروج من أزمتها ؟ أو أنه يحاول بعث البوميدينية الشعبوية الوطنية، دون وجود بومدين ذاته، أي إعادة انتاج الأزمة ذاتها. علماً أن البومدينية ذاتها هي التي اسهمت في خلق الدولة التسلطية، وما رافقها من أزمات مستعصية، وهي التي نمت في كنفها " الشاذلية " باعتبارها مرحلة لاحقة قادت الاقتصاد الجزائري إلى حافة الكارثة بدءا ً من المديونية الخارجية وارتفاع أرقام البطالة، وتعثر عملية التنمية في مختلف الميادين وتراجع الزراعة، وتدهور أوضاع طبقات اجتماعية بأكملها في وقت حولت عملية برنامج الاصلاح الهيكلي الاقتصاد الجزائري إلى حالة من التشوه.‏

أسئلة يطرحها الاستفتاء الجزائري‏

مرة جديدة توجه الجزائريون للمرة السادسة منذ عام 1995إلـى صناديق الاقتراع، كانت جميعها لاختيار قيادة يأملون بها الخلاص، وقد أعطوا هذه المرة بأغلبية ساحقة وصلت إلـى 98.63 %، موافقتهم على قانون " الوئام المدني ". كما عبرت هذه المشاركة الشعبية الواسعة على رغبة الجزائريين عموماً في الخروج من دوامة العنف الأعمى التي تحتجهم منذ سبع سنوات.‏

قانون " الوئام المدني " الذي عرضه الرئيس بوتفليقة يتضمن الغاء كل الملاحقات القانونية ضد الإسلاميين الذين لم يتورطوا في عمليات القتل الفردي والجماعي والاغتصاب والتفجير في الأماكن العامة، ويتضمن أيضاً تخفيف العقوبات والعفو الجزئي عن المحكومين وصولاً لعفو عام يقبله المجتمع المدني في الجزائر. وقد صدر قانون " الوئام المدني " في 13 تموز/يوليو 1999، وحددت مدة العمل به بستة أشهر تنتهي في 13 كانون الثاني / يناير 2000.‏

وقال الرئيس بوتفليقة في خطب سابقة :" أقول لهم ( الإسلاميون المسلحون )، أن الشعب الجزائري أكثر رحمة مما يتصورون "، لكنه أقسم وتوعد قائلاً أن صبره سينفذ بعد ذلك التاريخ وقال " قسما ً بالله.. قسما ً بالله قسماً بالله فإن السيف الذي سأشهره بعد 13 كانون الثاني، سيكون أقطع من سيف الحجاج ".‏

وما انفك بعض المحللين يقارنون بين الرئيس بوتفليقة والزعيم الفرنسي الراحل شارل ديغول، بسبب ميلهما المشترك إلـى الاستفتاء. وإذا كان الاستفتاء الشعبي يعتبر في الديمقراطيات الكلاسيكية الغربية أداة ديمقراطية مهمة، يسمح للشعب من خلالها أن يعبر بشكل مباشر عن موقفه إزاء القضية المطروحة عليه، بدلاً من أن يتولى نوابه المنتخبون التعبير عنه بالوساطة، فإن الاستفتاء الشعبي في البلاد العربية لم تتحول بعد إلـى أداة توظفها الدول العربية من أجل توطيد الديمقراطية والمؤسسات الديمقراطية المنتخبة.‏

والاستفتاء الشعبي في الجزائر للتصويت على قانون "الوئام المدني" والذي تضمن سؤالاً واحداً: هل تقر مسعى رئيس الجمهورية من أجل الوئام المدني، لا يخرج عن هذا السياق لأن ما يهم الرئيس بوتفليقة أولاً وقبل النتيجة، وهو معدل الاقبال على اقتراع هو بمنزلة اقتراع بالثقة عليه كرئيس، وتقويم لأدائه خلال فترة المئة يوم السابقة التي قضاها في السلطة.‏

وفي ظل هذه التزكية القوية من جانب الشعب الجزائري على قانون " الوئام المدني "، فإن الاستفتاء الأخير تحول إلـى مبايعة جديدة للرئيس بوتفليقة، الذي أراد أن يكسب شرعية شعبية مضافة يستمدها من الاستفتاء، كان خصومه يشككون فيها عقب الانتخابات الرئاسية التي جرت في نيسان/ أبريل عام 1999.‏

ويجمع المحللون في الشأن الداخلي الجزائري أن قانون " الوئام المدني " الذي وافقت عليه كل "مؤسسات " الدولة التي يتشكل بها نظام الحكم في الجزائر، لم يكن يحتاج إلـى استفتاء شعبي، لأن نتائجه كانت معروفة ومضمونة سلفاً، والحال هذه فإن طرحه على الاستفتاء الشعبي يكاد يكون محاولة لفرض نوع من " الأمر الواقع " على الأطراف الأخرى تحت خيمة الاستفتاء، ولكن من دون معالجة الأزمات الأساسية المستعصية على الحل، إن على المستوى السياسي أو على المستويات الاقتصادية – الاجتماعية العديدة، والتي قد فجرتها مرحلة ما بعد 1992.‏

ويعتبر الاستفتاء بمنزلة " شيك على بياض " من الشعب الجزائري لمصلحة الرئيس بوتفليقة الذي كان بحاجة إلـى تأييد قوي لتدعيم شرعية بمثل هذا التفويض الشعبي الواسع، وتعزيز مواقفه داخل التركيبة غير المرئية للنظام، واستعادة " كامل الصلاحيات " من الجيش حتى لا يظل ينعت أنه الابن المدلل والمفضل للمؤسسة العسكرية. علماً أن الجيش كان المؤسسة الوحيدة التي أفلتت من انتقادات الرئيس بوتفليقة. فقد أكد في حديثه لمجلة " باري ماتش " الفرنسية، أنه يشعر بالامتنان للجيش الذي لولاه لانهارت الجزائر وغرقت في حرب أهلية لا نجاة منها منذ عشرة أعوام ولا استولى أصحاب اللحى على السلطة والحكم. ورداً على سؤال للمجلة "من منكما يتمسك بزمام الآخر فخامتكم أو الجيش " أعرب بوتفليقة في اعتقاده أنه والجيش يعزفان نفس النغمة، فهو قائد الجيوش حسب نص الدستور وهو فضلاً عن ذلك ليس بالدخيل عليه لأنه والقول لـه " قبل أن يتخرج جنرالات الجيش الحاليين كنت أنا قائد جيش التحرير الوطني ".‏

بيد أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يكن راضيا ً أن يكون "ثلاثة أرباع رئيس" على حد قوله،فقد طرح مشروع "الوئام الوطني" المعاكس لمشروع "الاستئصال" الذي وضعه وقاده الجنرال خالد نزار ثم خليفته الفريق محمد العماري. وعندما نجح في فرضه وأطلق الشيخ عباسي مدني وعلي بلحاج وغيرهما من إسلاميي "الجبهة الاسلامية للانقاذ"، شدد على أنه فعل ذلك على الرغم من أنف المؤسسة العسكرية وجنرالاتها.وعمد في كل لقاءاته الدولية، لاسيما مع الرئيس جاك شيراك على "تسويد" صفحة المؤسسة العسكرية، مشدداً على أنها تتحمل جزءاً مهماً من مآسي "الارهاب"و فعل "الارهاب المضاد"، وأن هزيمة "الارهاب لا تكون بالحل العسكري بل بحل سياسي واجتماعي واقتصادي متكامل. وتبنى بوتفليقة خلال قمة الجزائر الافريقية، قرار عدم الاعتراف بأي نظام منبثق من انقلاب عسكري.واستثمر الى أقصى درجة "التوافق" الفرنسي ـ الأميركي" حول ضرورة استعادة الجزائر سلامها الأهلي وموقعها ودورها الاقليمي والدولي!‏

هنالك عدة أسئلة طرحتها عدة أوساط جزائرية وعربية ودولية، ومنها: هل أن الاستفتاء الشعبي الأخير شكل بداية مرحلة جديدة بدأت أو هي على وشك أن تبدأ مع الرئيس بوتفليقة بعد سبع سنوات من القتل والمذابح البشعة، وزادت من تفاقم أزمات الجزائر، وبصورة عامة العلاقة بين الدولة والمجتمع الجزائري كله بمختلف فئاته وتياراته، وبصورة خاصة مشكلة السلطة السياسية، وتداولها والعلاقة فيما بينهما والجيش ؟ وهل أن الاستفتاء سيكون حافزاً على البحث عن حل سياسي للأزمة الجزائرية، وهذا ما يدعو إليه كل الجزائريين التواقين إلـى وقف العنف، والتطلع إلـى نحو تحقيق السلم والاستقرار والأمن والطمأنينة، واستعادة الشعب حقه في بناء مصيره بشكل حر وديمقراطي، أوأن الجزائريين لازالوا يضمرون في قرارة أنفسهم خشية معينة من أن تفسر الـ " نعم " التي منحوها لـ " الوئام المدني " كأنها " نعم " لـ "الوئام العسكري " حيث سيتحول هذا الاستفتاء الشعبي إلـى ما يشبه المحطة التي انطلق منها في العام 1992 قطار الموت الذي حصد عشرات الآلاف من القتلى وأوصل البلاد إلـى الكارثة ؟.‏

بداية الوئام في اللغة العربية من فعل وَأَمَ، وئاماً ومواءمة، ويعني الموافقة، والمطابقة، والانسجام، والألفة، وهو لا يحتاج إلـى قانون ليشيع في مجتمع مدني، وهو لا يحتاج إلـى استفتاء الشعب عليه، وهو الذي يتوق إليه بالطبيعة والفطرة، فالانسان مدني بطبعه، وهو لا يحتاج إلـى سبع سنوات من الحرب الأهلية المدمرة لادراك ضرورته الملحة. أما المصالحة فهي من فعل صالح وتعني تسوية الخلاف بين شخصين وعقد صلح بينهما، وفي حال الجزائر، فالمصالحة المطلوبة هي مصالحة وطنية بين الدولة الجزائرية، وبين الأطراف الأخرى المتعددة، أي الإسلاميين الذين لجؤوا إلـى السلاح لمقاتلتها كأسلوب للرّدِ.‏

إذا كانت العودة إلـى الشعب لاستفتائه حول قانون الوئام المدني شكل مبادرة جيدة من الرئيس بوتفليقة الذي لا يشك أحد في نيته لجهة إطلاق آلية تهدئة يمكن أن تقود إلـى إنهاء الحرب الأهلية وإصلاح العلاقة بين الدولة والذين قاتلوها، وإشراكهم في دينامية السلام هذه، فإن المصالحة الوطنية تتطلب تسوية تاريخية مع الإسلاميين، لاسيما منهم الجبهة الإسلامية للانقاذ، من أجل إخراج الجزائر من بؤرة الحرب، لكي تلتفت إلـى مشكلاتها الرئيسة الاقتصادية والاجتماعية، وتسمح للمواطنين بالخروج أخيراً من حالة الخوف.‏

خلال فترة ولايته الأولى، شجع بوتفليقة فتح أبواب الجزائر أمام المنظمات الإنسانية لكشف ملفات التعذيب والمخطوفين والمختفين عسكريين ومدنيين. ويقال أنه ذهب على درجة تحضير سبعة آلاف ملف يمكن سؤال الجنرالات وباقي أطراف المؤسسة العسكرية حول مصير أصحابها. وجاء العون الخارجي، حين جرت محاكمة خالد مزار في باريس فتحول إلى "مثال" لكل "الاستئصاليين" مع إحتمال تكرار "المحاكمات " من دون تحفظات، لا بل بتشجيع وموافقة جزائرية رسمية في المستقبل. وأن صمت بعضهم وموالاته، هو طريقهم لكي لا يتحولوا إلى "فئران" لا يجسرون على مغادرة الجزائر.‏

وخلال هذا المسار، عمد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى تشديد الحصار على مجموعة "الاستئصاليين"، لاسيماالفريق العماري، انطلاقاً من أن انقسام المؤسسة العسكرية لأول مرة حول هوية الرئيس المقبل للجمهورية قد أسقط "وحده" المؤسسة العسكرية، فأصبحت "الضعيفة بين "الضعفاء" من القوى السياسية، وليست "الأقوى" بين "الضعفاء". وخلال تجواله الخارجي عمد مع مجموعة من قدماء الضباط الى خلق توازن جديد داخل الثكن. ولعل اخراج الجنرال محمد التواتي (المعروف باسم "المخ" في المؤسسة) من "الطفارة" الى "المرادية" كمستشار للرئاسة شكل ضربة خفية ضد العماري لأنه أفقده "المخ" كما يقال في الجزائر. كما عمد بوتفليقة الى استثمار تحول عميق ضمن مجموعات الضباط الجدد. فهم من جهة يرون من حقهم الشرعي الصعود إلى الصف الأول من القيادة، وعدم البقاء تحت مظلة جنرالات تجاوزوا السبعين من عمرهم، فترهلوا في القيادة في وقت يحتاج الجيش إلى ضباط عصريين يعرفون التطورات والاستحداثات والتكتيكات العسكرية الجديدة المتوافقة مع المتغيرات التكنولوجية. كما التقط صدى غزو العراق في الفكر العسكري الجزائري إذ أدرك الكولونيلات الجدد في الجيش الجزائري أن الغزو الاستعماري ممكن في القرن الواحد والعشرين ولذا من الأفضل الاستعداد عسكرياً على جميع الصعد جاهزية وتدريباً وسلاحاً من الانخراط في الحروب السياسية. ولذلك ركز بوتفليقة على سياسة تحديث الجيش معتمداً في ذلك على "التوافق" الفرنسي ـ الأميركي! دافعاً إلى الواجهة مجموعات من هؤلاء الضباط المتشوقين لأخذ موقعهم الشرعي!(4).‏

2 ـ الانقلاب القضائي يؤجج الصراع على السلطة في الجزائر‏

دخلت الجزائر في أزمة جديدة عندما أصدرت الغرفة الإدارية لمحكمة الجزائر حكماً قضائيا ًبإلغاء نتائج المؤتمر الأخير وتجميد جميع الأنشطة والأرصدة المالية وإقفال المقرات لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية، بما فيها المقر الرئيس للحزب في العاصمة الجزائرية، بعد الشكوى التي تقدمت بها ما سمي بـ الحركة التصحيحية غير المعتمدة التي انشقت عن جبهة التحرير والتي يرأسها عبد العزيز بلخادم وزير الخارجية حليف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والضارب بسيفه، حيث طعنت في نتائج المؤتمر الثامن للجبهة الذي انعقد في آذار/مارس 2003،الذي انتخب فيه بن فليس أمينا ً عاما ً للحزب بطريقة قالت عنها حركة بلخادم بأنها لم تكن ديمقراطية وأقصت الكثير من القيادات والقواعد وهو ما استند عليه بالأساس حكم القضاء.‏

وجاء هذا القرار القضائي على خلفية احتدام الصراع بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحليفه السابق علي بن فليس الأمين العام لجبهة التحرير الوطني صاحبة الأغلبية في البرلمان، ومنافسه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 8 نيسان/أبريل 2004. ولاشك أن طريق كرسي المورادية مفروش بالألغام الشديدة الانفجار التي كان أولها الإطاحة بعلي بن فليس من كرسي رئاسة الوزراء في أيار/مايو2003، واستقدام غريمه أحمد أويحيى ليحتل الكرسي رئيسا لحكومة ذات أغلبية تنتمي لحزب بن فليس. وتعود بداية الخلاف بين الرجلين إلى زيارة بن فليس إلى باريس حين كان رئيسا ً للحكومة والتي خلفت أثرا ً سيئا ً عند بوتفليقة، لاسيما بعدما اعتبرت صحيفة لوموند الفرنسية علي بن فليس خلفاً للرئيس بوتفليقة، الذي يراهن كثيرا على دعم الخارج في الانتخابات الرئاسية. واعتبر المراقبون أن الإفراج عن رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة حاليا ونائبه في 20 تموز/يوليو من العام2003 بعد نهاية مدة عقوبتهما خطوة تهدئة وسعيا ً إلى كسب تأييد الحركة الإسلامية، بعد أن اتهم عباسي مدني الرئيس بوتفليقة بعدم تنفيذ التزاماته.‏

وكانت الحرب المفتوحة بين الرئيس بوتفليقة وبن فليس ليس للسيطرة على مقاليد حزب جبهة التحرير الوطني العريق في التاريخ الجزائري المعاصر فقط، وإنما أيضا ً على رئاسة البلاد. ومنذ الإطاحة بعلي بن فليس من رئاسة الحكومة، أعطى الرئيس بوتفليقة الضوء الأخضر لخصوم بن فليس في جذب جبهة التحرير الوطني وأعضاء سابقين وحاليين في اللجنة المركزية، وأعضاء بالبرلمان لينقلبوا على الأمين العام بعد أن صاغ التشكيلات الحزبية الرئيسة في المؤتمر الأخير، بحيث احتل أنصاره مقاعد اللجنة المركزية مع استبعاد خصومه الحزبيين، ومن بينهم شخصيات ذات تاريخ عريق.‏

وأعلن بن فليس أن بوتفليقة ديكتاتور يعيش في حقبة الستينيات والسبعينيات ولا يقبل أي معارضة، وهو بذلك لن يحصل على تزكية جبهة التحرير الوطني التي كانت حينها انتخبت بن فليس علي رأسها.واتهم علي بن فليس ومن خلفه من الأحزاب المحسوبة على التيار العلماني الرئيس بوتفليقة بالتحضير لتزوير شامل للانتخابات الرئاسية المقبلة من خلال الضغط على الإدارة وتغيير ولاة الولايات وتنصيب الموالين للرئيس وتقديم الأموال لهذه الولايات خلال زياراته الأخيرة لها، ورأي معارضوه أنها حملة انتخابية قبل الوقت. وأوضح بن فليس أن نواب الحزب في البرلمان والبالغ عددهم 190 نائبا ً أغلبهم أوفياء للخط السياسي لجبهة التحرير، مشيرا إلى أن التحالف في حال ضرورته وارد مع أي تشكيلة أو شخصية سياسية تقاسم الحزب مبادئه وقيمه بما في ذلك الإسلاميين.‏

وأعلن بلخادم أن وقوفه ضد علي بن فليس يرجع إلى انحراف هذا الأخير عن الخط السياسي المناوئ للتغريب والاستئصال(العلمانية) في الجزائر، وقال أن بن فليس وقف في صف التغريبيين والاستئصاليين وأن الإعلام الخاص المحسوب على هذا التيار يدعم بقوة علي بن فليس. وكان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة راهن في تلك الحرب الرئا سية على عدة أوراق لعل أهمها: استقطاب التيار الإسلامي المنبثق عن "الجبهة الإسلامية للإنقاذ " التي تقرب منها عبر مشروع الوئام الوطني، والاعتماد على الدعم الخارجي، لاسيما الأمريكي منه، إذ تقرب الرئيس بوتفليقة كثيرا ً من إدارة بوش من خلال ملفي النفط ومكافحة الإرهاب.‏

وكان ذلك الصراع المحتدم بين الرئيس بوتفليقة وخصمه اللدود بن فليس يراقب عن كثب من قبل المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي أصبحت في موقف أقوى اليوم لجهة أنها تمثل الشرعية التي فقدتها خلال السنوات الماضية، حيث يستنجد بها اليوم. ولم يكن مصادفة مثلاً صدور كتاب بقلم وزير الدفاع السابق للواء المتقاعد خالد نزار بعنوان " الجزائر، سلطنة بوتفليقة"، يتهم فيه الرئيس أنه يحاول الانتقام لعهد أستاذه السابق الرئيس الراحل هواري بومدين، والانتقام من الجيش وإقامة دولة استبدادية.‏

و من المعروف في التاريخ السياسي المعاصر في الجزائر أن الجيش هو الذي يصنع الرؤساء في الجزائر لا صناديق الاقتراع، وهو دائما يلعب دورا ً أساسا ًفي تعيين أو إقالة الرؤساء، إذ تعتبر المؤسسة العسكرية الجزائرية أنها الحامية الوحيدة لقوانين الجمهورية، إذ لم تشهد أي انقسام في صفوفها مطلقا ً في خلال أخطر الأزمات،على غرار المؤسسة العسكرية التركية التي تعتبر نفسها الحامية الوحيدة للعلمانية.‏

بيد أن خطاب المؤسسة العسكرية تميز بنبرة حيادية منذ تفجر الصراع بين بوتفليقة وبن فليس، إذ صرح رئيس هيئة الأركان للجيش الجزائري الفريق محمد العماري في حديثين لمجلة فرنسية ويو مية عربية أن الجيش مصمم على التزام الحياد هذه المرة، وأنه على استعداد للتعاون مع الرئيس المنتخب "ولو كان إسلاميا" بل " حتى لو كان الشيخ جَاب الله" رئيس حركة الإصلاح الوطني. ويجمع المحللون للشأن الجزائري أن قادة الجيش كانوا دائما ً يعلنون الموقف عينه قبيل كل موعد رئاسي، دون أن يمنعهم ذلك من دعم اليمين زروال عام 1995 وعبد العزيز بوتفليقة عام 1999.‏

ومن الواضح أن الجيش كان يغذي هذا الاستقطاب الثنائي على الساحة الجزائرية، بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الراغب في تجديد ولايته، وعلي بن فليس رئيس الحكومة السابق وأمين عام حزب جبهة التحرير الوطني الذي لا يخفي طموحاته إلى قصر المورادية. وهناك عدة أسباب تحول دون تدخل الجيش في ذلك الصراع، أولا ً: لأن ذلك الصراع ظل داخل الحزب الواحد، وهذا لن يؤثر على المجتمع بكل طبقاته السياسية. وثانيا ً: لأن ذلك الصراع لم يشكل خطرا على أمن البلاد في الوقت الحاضر. وثالثا ً: لا يريد الجيش أن يتخلى حتى لا تقوم حملة جديدة ضده، لجهة انه يتخلى في العمل السياسي، وهذا مناف للعملية الديمقراطية التي هي مطلب داخلي وضغط خارجي. لكن الجيش تعود أن يتدخل في الوقت المناسب، حين يبلغ الصراع ذروته.‏

3 ـ أبعاد صراع القطبين في الانتخابات الجزائرية‏

الحزب الذي حكم الجزائر منذ استقلالها عام 1962 وحتى مطلع التسعينيات، بوصفه القوة السياسية الأولى في البلاد، أحدث مفاجأة من العيار الثقيل حين عجّل يوم الجمعة الماضي بإعلان ترشيح الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني علي بن فليس رسميا ً للانتخابات الرئاسية لربيع 2004، وسحب وزرائها المقربين من أمينها العام علي بن فليس من الائتلاف الحكومي الجزائري برئاسة احمد أويحيي. فالمفاجأة كانت كبيرة. فمن أجل تجنب مواجهة محتملة مع السلطات الجزائرية، ومخاطر صراع تناحري بين أهل البيت الواحد في شوارع الجزائر، استعجل حزب جبهة التحرير الوطني بعقد مؤتمره الاستثنائي يوم الجمعة 3 أكتوبر2003،حين أعلن مصدر رسمي في الحزب أن هذا المؤتمر عقد في العاصمة الجزائرية ,واختار بن فليس مرشحا إلى الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع العام 2004، وأوضح المصدر أن 1375 عضوا ً في جبهة التحرير من أصل حوالى 1500 اجتمعوا في باحة مقر الحزب في حيدرة في الجزائر العاصمة، وأقروا ترشيح بن فليس.‏

واعتبر ذلك التحرك السريع تحديا ًجديدا ً من جانب جبهة التحرير الوطني لقرار قضائي صدر، عن محكمة الجزائر قضى بمنع مؤتمرها الاستثنائي الذي كان مقررا السبت 4 أكتوبر 2003 بغية ترشيح زعيمه علي بن فليس إلى رئاسة الجمهورية في مواجهة الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة. وكان قرار المنع قد جاء بعد ساعات فقط على الموافقة. والمنع والموافقة سلما ً إلى المعنيين من قبل وزير الداخلية نفسه يزيد زرهوني.‏

وكان قرار المنع يمكن أن يمر من دون إثارة ضجة إعلامية،لولا أن رئيس محكمة الجزائر السيد محمد زيتوني لم يندد بهذا الإجراء القانوني. فالسيد زيتوني صرح لصحيفة لوموند الفرنسية بأنه " علم بالقرار من خلال التلفزيون". مضيفا " أنه لم يحدث أبدا ً أن اتخذ قرارا ًفي مثل هذه الظروف".. والواقع أ ن قرار المنع جاء بناء على دعوى تقدم بها ناشطون في جبهة التحرير ممن يصفون أنفسهم ب"التيار الاصلاحي"، وهم معارضون طبعا لابن فليس، عقدوا لقائهم في مدينة الجلفة(300 كلم جنوب العاصمة)، وانتخبوا وزير الخارجية الجزائري السابق عبد العزيز بلخادم، رئيسا ً"للهيئة التنفيذية التصحيحية" داخل حزب جبهة التحرير الوطني، وهو المنصب الموازي للأمين العام لنفس الحزب الذي يشغله رئيس الحكومة السابق علي بن فليس. وكان هؤلاء المعارضين ينتقدون بشدة قرارات المؤتمرالثامن للحزب، الذي عقد فيأذار/ مارس 2003، وهو المؤتمر الذي تكرست فيه القطيعة بين الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني علي بن فليس، الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة وبين رئيس الدولة عبد العزيز بوتفليقة.‏

ولم تنظر الجبهة كثيرا ً في الرّد على قر ار المنع، إذ قرر مكتبها السياسي سحب (وزراء الجبهة من الفريق الحكومي الحالي)، بسبب "التصرفات غير المسؤولة وغير المنطقية للرئيس المرشح" عبد العزيز بوتفليقة.وأكدت القيادة الملتفة حول بن فليس أن الوزراء الذين اختاروا الانضمام إلى بوتفليقة لم يعودوا ينتمون إلى الحزب، في حين ظل هؤلاء يؤكدون إنتماءهم إلى الجبهة.وأكد البيان الذي أصدره المكتب السياسي: أن سلوك بوتفليقة والمقربين منه هو "نتيجة مؤامرة معدة مسبقا ً ومنهجية بهدف تقويض المبادىء الديموقراطية وأسس دولة القانون".وكان لا يزال لجبهة التحرير الوطني خمسة وزراء في الائتلاف الحكومي برئاسة أحمد أويحيي، زعيم التجمع الوطني الديموقراطي.‏

ومن خلال سحب وزرائه السبعة من الحكومة، يكون علي بن فليس قد قام بانقلاب مفاجىء، حين وضع نفسه في وضع غير مسبوق، إذ يمتلك حزب جبهة التحرير الوطني الأكثرية في البرلمان وفي المجالس المحلية، لكنه يجد نفسه اليوم في المعارضة، واحتدم هذا التناحر بين الإخوة الأعداء داخل حزب جبهة التحرير الوطني، بشراسة قل نظيرها مع اقتراب استحقاقات الانتخابات الرئاسية في ربيع 2004.‏

في الواقع كان الصراع بين علي بن فليس الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، هذا الجزائري من أصل بربري القادم من منطقة الأوراس معقل الثورة الجزائرية، والذي كان يمثل اليد اليمنى للرئيس بوتفليقة، وبين رئيس الجمهورية الحالي، هو في حقيقة الأمر صراع بين جيلين مختلفين، وبين عقليتين متميزتين، ولكنه صراع داخل المدرسة الواحدة، مدرسة جبهة التحرير الوطني الجزائرية. وكان الأمين العام علي بن فليس يرفض تصوير الأزمة التي تعصف بحزب جبهة التحرير الوطني على أنها "تناحر بين شخصين، حول الزعامة". فهو يقول: أن هذا الصراع يتمحور " حول رؤيتين مختلفتين جذريا ً " لجهة بناء المجتمع. فمن جهة، يؤكد علي بن فليس أنه يجسد في رؤيته السياسية: الحداثة، وفصل السلطات، والعمل الجيد لمؤسسات الدولة. ومن جهة أخرى يتهم " الرئيس المرشح " عبد العزيز بوتفليقة، أنه يمتلك "مفهوما ً رثا ً" للسلطة، مع وجود برلمان وصحافة محدودين في سلطتيهما، وإدارة مفصولة " عن واجبها التزام الحياد"، وقضاء " خاضع لأوامر القصر"، وقيادات سياسية مستعدة لكل التلوثات، "في سبيل البقاء في السلطة".‏

و باختصار شديد، فإن جبهة التحرير الوطني كما يجسدها علي بن فليس تمثل الفضيلة، في حين تمثل صيغة الرئيس بوتفليقة عن جبهة التحرير الوطني نزعة الشر. إنه الصراع بين الحداثة والتخلف. ولكن بعيدا ً عن هذا الرأي ونقيضه، فكل المشكلة تكمن في التنافس الرئاسي، ذلك أن بن فليس هو النجم الصاعد تماما ً والمنافس الحقيقي لبوتفليقة الذي يحمّله مواطنيه الكثير من المآسي الاقتصادية والأمنية التي عاشوها.‏

والمناهضون لبوتفليقة، يعتبرون أن الرئيس الجزائري الذي أقال بن فليس، سعى أكثر من مرة لسحب بساط جبهة التحرير من تحت قدميه وفشل في ذلك، ثم غازل الإسلاميين عبر إطلاق سراح الشيخين عباسي مدني وعلي بلحاج، وبينهما أصدر قرارات غير ديمقراطية في مجال منع الصحف أو توقيفها... ويعتقد مناهضو بوتفليقة أن الرئيس الحالي بتهميشه خصومه وتفتيت الأحزاب الكبيرة سينجح في العودة إلى السلطة من خلال نتائج "شعبية" وليس "حزبية" بحيث يكون الفضل في وصوله إلى السلطة هو الشعب وليس أي حزب آخر.‏

أفرز التنافس على الفوز بمنصب الرئيس في إطار انتخابات الرئاسة الجزائرية، قطبين سياسيين متناقضين تتجاذبهما حسابات سياسية تاريخية وصراع مصالح، كان لها أثر في تشكيل الخريطة السياسية الجديدة على ضوء نتائج الانتخابات التي جرت في الثامن من نيسان/أبريل 2004.‏

واعتبر ميلاد هذين القطبين، باكورة "صراع الديكة" بين مرشحين رئيسين للانتخابات من بين المرشحين الأربعة الآخرين، وهما عبد العزيز بوتفليقة الذي يطمح لولاية رئاسية ثانية، وعلي بن فليس رئيس حكومته السابق وقائد حزب الغالبية البرلمانية جبهة التحرير الوطني، ويبدو نظرياً أن القطب الأقوى هو ذلك الذي يقوده عبد العزيز بوتفليقة، ويطلق عليه "التحالف الرئاسي" الذي يتألف من التجمع الوطني الديمقراطي وهو حزب رئيس الحكومة أحمد أويحيى، وحركة مجتمع السلم، أحد أحزاب التيار الإسلامي، و"الحركة التصحيحية" التي يقودها وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم ومعه وزراء كثيرون ينتمون ل"جبهة التحرير" لكنهم معادون لخط أمينها العام علي بن فليس، منذ أن أعرب الأخير عن رغبته في منافسة بوتفليقة على منصب الرئاسة.‏

وكانت قوة "التحالف الرئاسي" تكمن في الهيمنة على مقاليد تسيير شؤون الجهاز التنفيذي، فالأطراف الثلاثة المذكورة تضم وزراء اشتغلوا معا ً حتى قبل مجيء بوتفليقة إلى الحكم سنة 1999، وبالتالي اعتمد عليهم الرئيس في فتح الورشات الكبيرة المتعلقة بإصلاح هياكل الدولة والعدالة والنظام التعليمي، ويعتبر بوتفليقة هذه الورشات مفخرة لـه وورقة انتخابية مهمة، ويعد أحمد أويحيى القوة الضاربة لهذا التكتل في نظر المراقبين، فالرجل معروف بقدرته الفائقة على المناورة السياسية، كما يحظى بإعجاب كبير لدى بوتفليقة، حتى أنه قال عنه يوماً :" منزلته عندي مثل منزلتي عند الرئيس الراحل هواري بومدين يوم كنت وزيرا ً للخارجية"، واشتهر أويحيى بوساطته الناجحة في حل النزاع المسلح بشمال مالي بين "حركة أزواد"المسلحة وحكومة باماكو سنة، 1993 يومها كان أويحيى سفيراً للجزائر لدى مالي وشاع حينها أن المفاوضات بين الطرفين المتخاصمين تمت برعاية الاستخبارات الجزائرية، ومنذ ذلك الوقت اشتهر بلقب "رجل القوى النافذة في الجيش"، وفي مقدمتها جهاز الاستخبارات، ويعتقد قطاع واسع من المراقبين، أن عبد العزيز بوتفليقة تمكن فى ظرف خمس سنوات (فترة ولايته الأولى) من التغلغل في أجهزة الدولة ومن السيطرة على المناصب الحساسة فوضع فيها أفراد عائلته وأشخاصاً ينحدرون من منطقته الأصلية بغرب البلاد وشخصيات يثق فيها، وهكذا أعطى الانطباع بأنه الحاكم الأوحد في بلد يسيطر جنرالات الجيش فيه على مصادر صناعة القرار السياسي منذ الاستقلال سنة، 1962 وانطلاقاً من ذلك طفا على السطح منذ سنتين، جدل إعلامي حول معارك الزعامة الشرسة بين بوتفليقة والقادة العسكريين.‏

بيد أن الجيش الجزائري لم يسبق لـه أن كان في وضع أكثر راحة وأماناً. فقد واصل سعيه لتحقيق هدف أعلنه منذ فترة، وهو التحول إلى جيش محترف يضطلع بالمهام الأساسية المنوطة بالجيوش، ويترك الساحة السياسية للاعبيها.. هذا لا يعني أن الجيش "غير مهتم". ولكنه يعني أنه ضَمِنَ "اللعبة السياسية" في البلاد إلى درجة تقترب من المئة في المئة، فلا يخشى أية منزلقات خطيرة، أو مطبات غير متوقعة، كتلك التي فجّرت حمامات الدم في البلاد مطلع التسعينيات من القرن المنصرم.‏

لقد حصل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات الجزائرية التي جرت يوم 8نيسان/ أبريل 2004 على أكثر من ثمانين بالمئة من الأصوات. وتعتبر هذه النتيجة ظاهرة معروفة بالجزائر حيث بعد خمسة عشر عاماً من التعددية السطحية، ما تزال الأحزاب ضعيفة التأثير، وما يزال الناس يصوتون بطريقة جماعية ـ كالسابق ـ لمن يضمن الهدوء والاستقرار أكثر.على أن ارتفاع النسبة في التصويت والفوز يُعطي الرئيس بوتفليقة هامشاً غير متوقع، لا يمكن التقليل من أهميته بالذهاب كما ذهب خصومه إلى أنه نتيجة للتزوير. صحيح أنه ربما كانت هناك بعض الألاعيب قبل الانتخابات. لكن ليس هناك أي دلائل تزوير واسع. بل الذي يبدو أن هذه الانتخابات كانت الأكثر شفافية منذ أزمنة طويلة. لاسيما أنه بخلاف الانتخابات السابقة، فإن المرشحين الآخرين استمروا في التحدي حتى النهاية، بينما كانوا قد انسحبوا في المعركة السابقة قبل حصول الانتخابات، محتجين وقتها بتحيز العسكريين لبوتفليقة. هذه المرة يبدو أن الجيش ما كان عنده مرشح مفضّل وما استطاع الخصوم الاحتجاح بذلك الانسحاب، وإن لم يستطيعوا الاجماع على مرشح موحد يمكن أن يتحدى بوتفليقة فعلاً. أما بوتفليقة من جانبه فقد وضع نفسه في موضع زاد فيه من إبعاد الجيش عن السياسة، واستعاد للرئاسة الجزائرية بعض مكانتها وهيبتها في نظام الحكم.‏

إن التحدي الآن يتمثل في كيفية ملء الفراغ الناجم عن عدم انتظام الحرية والقوة والشفافية في التعددية الحزبية من جهة ـ والانسحاب الجزئي للجيش من الحياة السياسية، من جهة ثانية. وهناك خطر الآن أن يعتمد بوتفليقة على شعبيته الظاهرة، فيعود للتفكير في الحكم المنفرد رافضاً أي ممانعة أو نقد. لكن هناك احتمالٌ آخر أيضاً يمكن لـه السير فيه: بدلاً من عزل خصومه وحذفهم، يستطيع أن يُدخلهم في العملية السياسية. وبهذه الطريقة يعتبر أنه أسس لتعددية سياسية "حقيقية" بدأت الى حد ما في فترة رئاسته الأولى. وتتمثل في تحرير الحياة السياسية من سيطرة ضباط الجيش الكبار، تلك السيطرة التي بدأت في العام 1992(5).‏

ويعتبر الخبير اللبناني في الشؤون المغاربية جورج الراسي أن المغزى لعودة الرئيس بوتفليقة إلى موقعه الرئاسي هو أن البلاد في طريقها إلى التحوّل إلى ديمقراطية رئاسية، بمعنى أن مؤسسة الرئاسة تتمتع بصلاحيات واسعة تجاه بقية المؤسسات، ويستمد الرئيس سلطته مباشرة من الشعب. هذا لا يلغي بالطبع التعددية الحزبية والسياسية والاعلامية، ولكنه يُحوّل الرئاسة إلى ضامنة للارادة الشعبية وهنالك فرق شاسع بين الحكم "الفردي" والحكم "الرئاسي". الأول أوتستراد مفتوح أمام الديكتاتورية والتسلط والتحكم برقاب العباد وموارد البلاد بلا حسيب أو رقيب. أما الثاني فهو حكم قوي لكنه يحترم المؤسسات، ويخضع للرقابة، ولا يحد من الحريات. وهذا هو الوضع المعمول به في أعتى الديمقراطيات في العالم وأكثرها تأصلاً وتجذراً، كما هو الحال في الولايات المتحدة، أو في فرنسا مثلاً.. .إن عودة الرئيس بوتفليقة إلى سدة الرئاسة لا تعني أنه مجرد من الأهواء و"الشطحات"، كما لا تعني أن أبرز منافسيه لا يتمتعون بخصال حميدة، لكنها في نهاية المطاف، تؤسس لمنعطف جديد يقترب بالديمقراطية الجزائرية من مرحلة النضوج وشروط الاكتمال(6)..‏

4 ـ التوازنات الجديدة بين بوتفليقة، والمؤسسة العسكرية بعد استقالة العماري.‏

لقد كان الجيش حيادياً إلى حد كبير في الانتخابات الأخيرة. وتعتبر هذه الحيادية انسحاباً جزئياً وغير كاف من الحياة العامة. ويحتاج انتظام الحياة السياسية الى دعم قوى سياسية تدخل العملية الديمقراطية وتجعل من انسحاب الجيش منها أمراً لا رجعة عنه، ذلك أن فتح الحياة السياسية على آفاق جديدة مسألة لا يستطيع بوتفليقة بمفرده القيام بها رغم شعبيته الكبيرة الآن. ويستحق الشعب الجزائري حياة أخرى منفتحة ومتطورة، بعد خمسة عشر عاماً مليئة بأسباب القلق والاضطراب. وتخللها نزاع أهلي بالاسم فقط، ذلك أنه تفاقم بين القوات العسكرية للجيش الجزائري من جهة، والحركات الإسلامية المسلحة التي وجدت في الاسلام غطاء ملائماً، وصارت الاشياء تجري من جانب سائر الأطراف بسرية كبرى، بحيث ما عادت هناك أطراف علنية مشاركة في‏

أي شأن من شؤون البلاد.‏

وتتجدد الفرصة الآن، وإن تكن الأمور صعبة، لمواجهة التحديات التي تحضر بقوة في البلاد. فهناك مطالبة واسعة بالعدالة، لا بد أن تكون الاجابة الهادئة عنها باصلاح النظام القضائي، ودعم استقلاليته كما دعم حرفيته ومهنيته. وتحتاج العملية السياسية الحقيقية الى مراقبة ومحاسبة لا يستطيع تأمينها إلا الهيئة التشريعية الصادرة عن انتخابات نزيهة وشفافة. فينبغي دعم البرلمان بحيث يصبح هو الهيئة التي يجري فيها اتخاذ القرار السياسي. ولا بد من العمل على تطوير الحياة الحزبية، والاهتمام بالشأن الاجتماعي الضاغط بما في ذلك الاسكان وفرص العمل. ثم لا بد من ضرب المافيات والتحالفات الاقتصادية للاحتكار والفساد، والتي سادت لأكثر من عقدين، في تلك الحقبة السوداء في التاريخ الجزائري المعاصر. هل يريد بوتفليقة أو يستطيع القيام بهذه الاصلاحات؟ لا يزال ذلك غير مؤكد وغير واضح، لقد فاجأ الجزائريون كل المراقبين بسعة الفرصة التي اعطوها للرئيس بوتفليقة. ويتوقف على الرئيس نفسه الآن، ان يصنع مفاجأته هو، اذا اختار القيام بذلك.‏

وكانت أولى مفاجآت نتائج الاستحقاق الانتخابي في الجزائرتقديم الفريق محمد العماري رئيس أركان الجيش الجزائري يوم الإثنين 3آب 2004استقالته رسميا ً "لأسباب صحية"، إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي يتولى حقيبة الدفاع أيضا في الحكومة الجزائرية.و جاء في إعلان بيان الرئاسة الجزائرية أن الرئيس قَبِل الاستقالة، وعين قائد القوات البرية اللواء صلاح أحمد قائد خلفا له. ويعتبر قائد صلاح البالغ من العمر 70عاما من المجاهدين الذين شاركوا في ثورة التحرير الجزائرية، وحسب آراء المراقبين فإن صالح لن يستمر طويلا ً في منصبه، حيث ستجري تغييرات كبيرة في الجيش الجزائري خلال العام المقبل.‏

و لد محمد العماري في الجزائر العاصمة ـ حي القصبة (في7 تموز/يونيو عام 1939)، من عائلة منحدرة من بسكرة،والتحق بالجيش الفرنسي حيث أكمل صفوفه التعليمية فيه، ثم انخرط في مدرسة سلاح الفرسان في سومور، وأخيرا ً دخل كضابط في هيئة الأركان إلى المدرسة الحربية في باريس.و مع اقتراب انتصار الثورة الجزائرية على الكولونيالية الفرنسية، ترك محمد العماري الجيش الفرنسي في بداية عام 1960، والتحق بجيش جبهة التحرير الوطني الجزائرية حيث قاتل في صفوفه إلى أن استقلت الجزائر في عام 1962. ثم واصل تكوينه العسكري (كضابط مدفعية) في أكاديمية فرونزي العسكرية في الاتحاد السوفييتي. وتجدر الاشارة إلى أن الفريق محمد العماري كان من أركان "جماعة الشرق" ـ مُثلث باتنة، تبسة، سكيكدة (B.T.S.) الذين شكلوا على الدوام العمود الفقري لقيادة القوات المسلحة. ويعتبر الفريق محمد العماري أحد أقطاب المجموعة التي كان يطلق عليها في الجزائر وخارجها"حزب فرنسا" وهي المجموعة التي جاءت من الجيش الفرنسي وانضمت إلى الثورة في أيامها الأخيرة، ونجحت بعد انقلاب العقيد هواري بومدين على الرئيس السابق أحمد بن بله في الإمساك "بمفاتيح الجيش والسلطة حتى اليوم.‏

وعُيّن العام 1989 قائداً للمنطقة العسكرية الخامسة (قسنطينة) ـ بعد أحداث تشرين الأول 1988 ـ ثم تولى قيادة القوات البرية حتى ربيع العام 1992، حين أصبح مستشاراً لوزير الدفاع آنذاك الجنرال خالد نزار مع بداية "العشرية الحمراء"، وتفجّر أعمال العنف، في أعقاب تعليق المسار الانتخابي، وما تلاه من تقلبات على رأس الدولة. وتولى العماري منذ أيلول 1992 الاشراف على فرق النخبة في الجيش المكلفة بمكافحة الارهاب. وارتقى إلى منصب رئيس الأركان في تموز 1993، وحل تدريجياً محل نزار الذي انسحب من الواجهة بسبب المرض، وظل في موقعه يشكل أهم مراكز القوى في البلاد حتى استقالته، التي رفعها إلى الرئيس بوتفليقة في لقاء ضمهما يوم 25 تموز الماضي.‏

و كان الفريق محمد العماري ينتمي إلى مجموعة ( الجانفيريست ـ الينايريين)، أي مجموعة الضباط الكبار في الجيش الجزائري الذين أرغموا الرئيس السابق الشاذلي بن جديد على الاستقالة عقب الفوز الكاسح للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعة في نهاية عام 1991، وإلغاء تلك الانتخابات أصلا مع بداية عام 1992، تحت حجة "حماية النظام الجمهوري" من الانهيار، ومنع تسليم السلطة في الجزائر إلى الإسلاميين.‏

و منذ أن تسلم الفريق محمد العماري رئاسة هيئة الأركان في عام 1993، خلفا ً للجنرال اليمين زروال الذي أصبح وزيرا للدفاع آنذاك، أصبح أحد أقطاب الحلقة الضيقة من الجنرالات الذين كانوا يديرون شؤون الجزائر، وينتهجون سياسة الاستئصال ضد الجماعات الإسلامية المسلحة ومن دون تفريق بين الجماعة الإسلامية المسلحة(الجيا) والجبهة الإسلامية للإنقاذ وذراعها المسلح الجيش الإسلامي للإنقاذ. وكان الفريق محمد العماري الرجل القوي بلا منازع طوال 11 سنة، أو ما يلقب في الجزائر " بالعشرية السوداء" من زمن الحرب ضد الجماعات الإسلامية المسلحة التي خلفت أكثر من 150000 قتيلا، مع وجود فترات مرعبة من المجازر الوحشية، لاسيما في أعوام 1994،199، و1998.‏

هذا"الاستئصالي الجمهوري" والعلماني الراديكالي والمعادي للإسلاميين، أسهم مع كل ذلك في إيصال عبد العزيز بوتفليقة إلى سدة الرئاسة في نيسان/ أبريل عام 1999، على أرضية " المصالحة الوطنية" المحدودة مع الإسلاميين. ويجمع العارفون بالشؤون الجزائرية أن العلاقات بين الفريق محمد العماري والرئيس بوتفليقة خلال ولايته الرئاسية الأولى كانت دوماً معقدة، ويسودها التوتر، الأمر الذي أجبر رئيس هيئة الأركان السابق على الرد. وكما شرح ذلك خالد نزار وزير الدفاع السابق في مذكراته، بقوله: لقد تم انتخاب الرئيس بوتفليقة كأسلافه، لأنه كان مرشح الجيش. واتهم بوتفليقة في حينه بمحاولة تقزيم الجيش وإبعاده عن الساحة، وإعادة بعث "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" بعد تصريحات أطلقها رئيس الدولة الجديد بخصوص توقيف المسار الانتخابي من قبل الجيش الجزائري في شهركانون الثاني /يناير عام 1992، والتي اعتبرها " عنفا وخطأ".و كان الرئيس بوتفليقة تأخر كثيرا لتشكيل حكومته، مصرحا أن العسكريين يتدخلون في عمله، ومن ذلك قوله الشهير: أنه لن يقبل أن يكون "ثلاثة أرباع رئيس للجمهورية".‏

و إذا كان رئيس الدولة أثنى على دور الجيش في تأمين " المحافظة على الأمة والجمهورية"، فإن العلاقة مع رئيس هيئة الأركان ظلت فاترة. وكان الفريق العماري، القائد العسكري الوحيد الذي ينطق رسميا ً باسم الجيش، لم يعارض مباشرة سياسة الوئام الوطني التي انتهجها الرئيس بوتفليقة، لكنه رفض الاتهامات الموجهة ضد الجيش. وأكد في تموز عام 2002، أنه يريد :"حماية الجمهورية ومؤسسات الدولة"، مضيفا ً"الإرهاب لن يحقق حلمه الطوباوي في بناء تيوقراطية توتاليتارية. انتهى. لقد كسرنا مقاومته. ولكن الأصولية لاتزال موجودة. انظروا التلفزيون، واسمعوا الخطب والمواعظ، ووراقبوا ماذا يدرس في المدارس وسوف ترون أننا لانزال في النقطة عينها". وأكد العماري، أن الجيش هزم الإرهاب"، لكن الجزائر مستمرة في العيش تحت تهديد الأصولية، وأن الصراع ضد هذه الظاهرة، بوصفه "صراعا ً سياسيا ً بالدرجة الأولى، واقتصاديا" لم يحقق أهدافه.‏

و مع دنو الانتخابات الرئاسية التي جرت في8 نيسان/أبريل 2004، أعلن الفريق محمد العماري حيادية الجيش الجزائري , مؤكدا ً أن هذا الأخير يسهر على حماية " النظام الجمهوري" و"التعددية السياسية". لم تكن استقالة الفريق محمد العماري رئيس أركان الجيش الجزائري مفاجئة. ولا كان قبولها "لأسباب صحية" مفاجئاً هو الآخر. فالعارفون ببواطن الأمور في العاصمة الجزائرية يدركون أن "الوئام" لم يكن على أشده بين رئيس الجمهورية ورئيس الأركان، لاسيما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة في 8 نيسان الماضي. فلم يكن سراً أن الفريق العماري لم يكن ميالاً إلى إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة لعهدة ثانية، وربما كان أكثر رغبة بدعم منافسه الرئيس في تلك الانتخابات، ورئيس وزرائه الأسبق، علي بن فليس. وكان هذا أيضاً موقف القائد السابق للجيش الجنرال خالد نزار وزير الدفاع بين 1988 و1993، ويسعى إلى منع عودته إلى سدة الرئاسة. ويدرك المتابعون اليوم، أن عملية ترشيح بن فليس للرئاسة كانت مجرد "دعابة"، وأنه جرى "التغرير به" من قبل بعض الأطراف، بغية إعطاء صدقية كاملة للعملية الانتخابية، والسماح بعودة مظفرة للرئيس بوتفليقة. بمعنى آخر كان بن فليس مجرد "كبش العيد"، أو كما يقول الفرنسيون (Le dindon de la farce).المهم أن موقف العماري من الانتخابات الرئاسية أحدث شرخاً بين مؤسستي الجيش والرئاسة، كان لا بد من حسمه لمصلحة أحد الطرفين(7).‏

بيد أنه منذ إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 8نيسان/أبريل الماضي بنسبة 84,9%، وحصوله على "الشرعية الشعبية"، دقت ساعة أفول نجم الفريق محمد العماري. وتحرر الرئيس بوتفليقة ومعه الفريق الذي يعمل معه لاسيما يزيد زهروني وزير الداخلية الحالي والرجل الثاني في المخابرات الجزائرية لفترة طويلة، من وصاية الجيش على مؤسسة الرئاسة، وقرر أن يكون الرجل القوي في الولاية الرئاسية الثانية عبر إمساكه بيديه القرار في الجزائر، وإعادة صياغة الحياة السياسية في هذا البلد عبر تغيير المعادلات والموازين في القوى السياسية، بما يدعم مؤسسة الرئاسة على حساب المؤسسة العسكرية. فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة يمتلك رؤية سياسية مغايرة لرؤية "المقررين في الجيش" لاسيما حول موضوع السلم الأهلي والوئام الوطني. فهو يعتبر أن"سياسة الاستئصال" لم تعد ملائمة للمرحلة الجديدة التي دخلت فيها الجزائر، بعد أن حجمت الجماعة الإسلامية المسلحة، وعادت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى دائرة العمل السياسي السلمي، وأن سياسة "الوئام الوطني" التي لم تطبق في الماضي بشكل كامل، بات وضعها على سكة تطوير الاستقرار والتنمية في الجزائر أمرا ً ضروريا ً.‏

و كانت المواجهةالمحتومة والمنتظرة بين الرجلين، وا لتي مثلت القشة التي قصمت ظهر البعير، هو الاحتفال بذكرى استقلال الجزائر في 4 تموز/يوليو 2004، حين استقبل الفريق محمد العماري الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في مقر وزارة الدفاع. فانفرد بوتفليقة بترقية عشرة جنرالات وتقديمه الأوسمة لهم، الأمر الذي أثار العماري وأغضبه. وزاد الطين بلة، الكلام الرئاسي حول وجوب تعيين جنرالات من خريجي الكليات الحربية الكبرى، ويعرفون التحديات واحتياجات الحرب الحديثة. واكتملت سياسة الطلاق بين رئيس الدولة ورئيس هيئة الأركان في غياب العماري خلال الزيارة التي قامت بها وزيرة الدفاع الفرنسية ميشال اليو ماري من 16 الى 18 تموز/يوليو الماضي، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات والتكهنات. وقال وزير الداخلية يزيد زرهوني أن رئيس الأركان في عطلة. وتحدثت صحف جزائرية آنذاك عن استقالة رئيس الأركان من دون أن تذكر سببا ً لهذه الاستقالة التي اعتبرتها بعض الصحف إقصاء للذي كان يعتبر الرجل الأقوى في النظام.‏

أما الفريق قائد صالح الذي احتل مكانه، فقد كان مساعداً لقائد أركان الجيوش، وقائداً للقوات البرية، وقد تجاوز السبعين من العمر، ولم يعرف عنه أنه صاحب مواقف سياسية، أو أن لـه أية طموحات من هذا القبيل، وهو من الذين تلقوا تدريبهم في المشرق العربي (مع الرئيس السابق الجنرال اليمين زروال).الهرم الآخر الباقي في القيادة العسكرية من الجيل السابق، هو الجنرال محمد مدين المعروف باسم "توفيق"، وهو من مواليد 1939 ـ منطقة برج بوعريريج ـ تولى حتى 5 كانون الأول 1988 مهام شعبة الدفاع والأمن في رئاسة الجمهورية، ثم ُرقِّّي إلى رتبة عقيد ففريق، ففريق ركن، وتولى الادارة المركزية للأمن العسكري ثم منذ العام 1990 إدارة الأمن والمخابرات. وهو رجل "المؤسسات" وليست لـه ميول سياسية خاصة، ما عدا بالطبع الدفاع عن أركان الجمهورية، وعن تماسك الدولة.أما الهرم الثالث من الطاقم القديم المستمر في موقعه فهو اسماعيل علي العماري رئيس مكافحة التجسس.‏

ثم استمر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في ضرب القمة داخل وزارة الدفاع بصفته وزيراً للدفاع وقائداً أعلى للقوات المسلحة، عندما انهى خدمات: اللواء عبد المالك الساسي المدير المركزي للعلاقات الخارجية. وكان قد شغل منصب الملحق العسكري في باريس وهو من المواقع الحساسة جداً في المؤسسة العسكرية. العقيد حسين شباط المدير المكلف بالإعلام والتوجيه والاتصال أي ما يعرف عملياً في المؤسسة بالمحافظة السياسية. ومهمته كانت تحضير وتنفيذ خطة الاتصال بمختلف النواحي العسكرية (أي ضابط الاتصال بين الوزارة والقيادة وكل قادة النواحي) إلى جانب ذلك الاتصال بالصحف ويعني ذلك أيضاً الإشراف على مسار الإعلام الجزائري مع الوضع في البلاد. الجنرال إمبارك مدير المديرية المركزية للشؤون الاجتماعية في الوزارة وقد سبق لـه وأن حظر قانون المعاشات العسكرية.‏

وهذه التغييرات، هي "كرة الثلج" التي بدأت بالتدحرج، والتي ستأخذ في طريقها، جميع الضباط الكبار الذين بلغوا الستين من عمرهم، والذين سيتقاعدون، ليستفيدوا من قانون المعاشات الذي وضعه الجنرال إمبارك. ولا بد أن تأخذ "كرة الثلج" هذه "حصن" المخابرات الذي تحول الى "جزيرة" لا تخترق رغم كل التجاوزات التي وصلت إلى حد إطلاق الجزائريين عليه خلال السنوات الماضية جهاز S.S نسبة الى الغستابو، ولا بد ان تكون "الترويكا" التي فقدوها والمشكلة من اللواء محمد مدين "توفيق"، واللواء اسماعيل القماري مدير جهاز مكافحة التجسس واللواء عباس غزيل، هي "الوجبة" القادمة(8).‏

بعد أن أصبح الجيش في عهد الرئيس بوتفليقة، جاء دور الجنرال العربي بلخير الذي كان يشغل مدير ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، إذ عينه مؤخرا ً سفيرا ً مفوضا ً فوق العادة، بالمغرب. وكان عبد العزيز بلخادم وزير الدولة الممثل الشخصي للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، قال :إن اختيار الجنرال العربي بلخير في منصب سفير فوق العادة بالمغرب" ليس لـه دلالة أخرى غير رغبة بوتفليقة في تمتين العلاقة مع المغرب". وأضاف مشيداً بالثقة التي يضعها بوتفليقة في بلخير:" عندما اختار مدير ديوانه سفيرا ً لدى المغرب، فإنه يريد من وراء ذلك أن يكون على إتصال مباشر بينه وبين سفيره الجديد، سعيا ً لتمتين الروابط بين البلدين". ومن المعروف عن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تفضيله ترديد الجملة التالية كلما سئل عن علاقات الجزائر مع دول الجوار ومع البلدان التي تربطها علاقات متميزة:" العلاقات مع المغرب ومع فرنسا تدخل ضمن صلاحياتي فأنا من يصنعها ويحددها ولا أحد غيري".‏

يبلغ الجنرال العربي بلخير من العمر 67 سنة، إنه " كاردينال فرندة"(الاسم مشتق من منطقة قريبة من تيارت، وهي مدينة تقع في الغرب الجزائري، ويتحدر منها بلخير). ويلقب بلخيرمن قبل الفرنسيين ب"شامبيلان الكبير، حاجب الملك أو الرئيس "أو أيضا " العراب"، في حين يلقبه الجزائريون ب"صانع رؤساء الجزائر" باعتباره يمثل أحد ركائز النظام الجزائري.إذ كان أحد المستشارين للرئيس السابق الشاذلي بن جديد، ومدير ديوانه. فرجل الظل هذا، اللطيف دائما ً، استلم منصب وزير الداخلية إبان الصعود المدوي للجبهة الإسلامية للإنقاذ في حزيران/يونيو 1991، وأشرف على تنظيم الانتخابات التشريعية في ديسمبر من السنة عينها، وهو الذي أعلن في مساء انتهاء الدورة الأولى عن فوز الإسلاميين الكاسح فيها.‏

و ينتمي العربي بلخير إلى مجموعة الجنرالات "الينايريين "، الذين قرروا، في كانون الثاني/يناير 1992، بعد ما أجبروا الرئيس السابق الشاذلي بن جديد على الاستقالة، إلغاء المسار الانتخابي، حارمين بذلك الجبهة الإسلامية للإنقاذ من انتصارها التاريخي في الانتخابات، وبالتالي وصولها إلى السلطة.وبعد ذلك دخلت الجزائر في أتون حرب أهلية مدمرة دامت أكثر من عشر سنوات، وذهب ضحيتها ما يقارب 200000 قتيلا.وبعد اغتيال الرئيس محمد بوضياف في حزيران /يونيو 1992، وهو أحد القادة التاريخيين للثورة الجزائرية الذي استقدمه الجنرالات من المغرب لكي يتسلم السلطة الرئاسية داخل المجلس الأعلى للدولة، تخلى العربي بلخير عن وظائفه العامة.و بحكم تقاعده من الجيش دخل عالم المال والأعمال. إنه رسميا ً بعيد عن السلطة، لكنه ظل وزنه قويا ً، إذ لعب دورا ً بارزا ً في إقناع رفاقه السابقين في الجيش بالإتيان بعبد العزيز بوتفليقة مرشحا للرئاسة في ربيع سنة 1999.‏

وعاد الجنرال العربي بلخير إلى الرئاسة في السنة التالية،مديرا ً لديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ولما كانت تجربة التعايش بين الرئيس الجديد "والمقررين " داخل الجيش، يشوبها التوتر، بسبب تنازع الصلاحيات، لعب بلخير دور الوسيط. ويقول عنه مراقب غربي للحياة السياسية الجزائرية: "إنه رجل التوافق، قادر على تجرع الإهانات،من دون إحداث ردات فعل. لقد خدم دائما ً كعازل للصدمات، حتى في عهد الشاذلي بن جديد ".‏

وتعتبر الوظيفة الجديدة للعربي بلخير بمنزلة الإبعاد، حتى وإن كان صاحب العلاقة يرفض التسليم بها.و من الواضح أن مهمة هذا الرجل صاحب الشبكات والعلاقات قد انتهت.فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة في ولايته الثانية أحال العديد من الجنرالات على التقاعد، وخرج منتصرا ً شعبيا ً وحزبيا ًبعد الأزمة مع علي بن فليس داخل حزب جبهة التحرير الوطني، وقد وسع من دائرة سلطته، بعد أن قدم الجنرال محمد العماري استقالته السنة الماضية، إذ لم يبق من الجنرالات " الينايريين " سوى ثلاثةهم:عبد المالك غنايزية،الوزير المفوض للدفاع الوطني (رئيس الدولة هو الذي يتولى منصب وزير الدفاع ) وتوفيق مديان، وإسماعيل العمايري، اللذين يشغلان رئيسين في أجهزة الاستخبارت الجزائرية.‏

إن رحيل بلخير يعني أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بات يشعر أنه يمسك بكامل السلطة في الجزائر، ولم يعد في حاجة إلى وسيط مع الجيش، وأصبح يمتلك القدرة على إزاحة أي عسكري يقاوم أو يهدد بخلق مشاكلات له.‏

الآن، وبعد أن رحل محمد العماري في صيف عام 2004، كما حصل لرفيقه من "حزب فرنسا" الفريق خالد نزار من قبل¸، وكما رحل الجنرال العربي بلخيرمؤخرا، يطرح المحللون السياسيون في العالم العربي السؤالين التاليين:هل ربح بوتفليقة معركته مع المؤسسة العسكرية؟ وهل دخلت الجزائر مرحلة جديدة يسيطر فيها الساسة المدنيون على القرار السياسي فيها بعد 42عاما من احتكارالجيش له؟ باختصار، يمكن القول أن التغييرات الأخيرة التي شهدتها وتشهدها المؤسسة العسكرية تؤكد أمرين: الأول أنه أصبح لرئاسة الجمهورية اليد الطولى على كل مؤسسات الدولة، وأصبح الرئيس بوتفليقة طليق اليد لينفذ السياسة التي يرتئيها للبلاد، وربما عيّن مدنياً على رأس وزارة الدفاع، والثاني أنه سيتم تسريع الخطى لتحويل الجيش الجزائري إلى جيش محترف،لا سيما وأن العلاقات العسكرية مع كل من أوروبا والولايات المتحدة تشهد تطوّرات مهمة.‏

5 ـ الجزائر تطلق "خطة مارشال"لإنعاش اقتصادها‏

أما الجبهة المدنية وهي الوجه الآخر لجبهة "العسكر"، فإن عملية التغيير تجري فيها على قاعدة "مشروع النهضة الاقتصادية" الذي خصص لـه مبلغ سبعة مليارات دولار، وهدف هذا المشروع إعادة بناء البنى التحتية في الجزائر، لاسيما في الريف الذي يعيش فراغاً سكانياً نتيجة للسياسات السابقة وانعكاسات مآسي "العشرية" الدامية التي سقط فيها أكثر من مئة ألف قتيل.‏

فقد أطلق الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مع بداية تموز/يوليو 2005،مخططا ًاستثنائياً لإنعاش الاقتصاد الممول من قبل الريع النفطي والغازي. ويتحدث البعض عن "مخطط مارشال"، والبعض الآخر عن "أعمال هرقلية". بيد أن ما هو مؤكد، أن برنامج الإنعاش الاقتصادي الذي أعلنته الحكومة الجزائرية أواخر آذار الماضي (أيضاً وأيضاً)، قد خصص لـه 80 مليار دولار حتى العام 2009 (نهاية الولاية الثانية للرئيس بوتفليقة)، فيما بلغ معدل النمو الاقتصادي 5.8 في المئة هذا العام (و8 في المئة متوقعة لعام 2008)، وتجاوز احتياطي النقد الأجنبي حتى الآن عتبة الـ60 مليار دولار...‏

ومن أجل تمويل هذا البرنامج الضخم، عبأت الحكومة أموال النفط والغاز، من دون الحاجة البته إلى الاقتراض. فالجزائر منذ استقلالها لم تمتلك أبدا مثل هذا الكنز من المال: 60 مليار دولار من احتياطي العملة الصعبة.وتتمتع الحكومة بهامش من المناورة الكبيرة، لاسيماعندما نعلم أن موازنة 2005 قد تم وضعها على أساس سعر البرميل 19 دولاراً، في حين أنه يحلق اليوم في حدود 75 دولاراً. ومن دون أن نحسب أيضا ً أنه يوجد في خزائن البنوك العامة للدولة مايقارب 20 مليار دولار.‏

و إذا كانت السيولة المالية متوافرة بكثرة في الجزائر، إلا أن الازدهار الاقتصادي لا يجاريها.ذلك أن الجزائر تعاني من حزمة أزمات مستعصية: أولها، البطالة التي اصبحت الهم الأول للحكومة. وإذا كان معدل البطالة انخفض من ـ 30% في سنة 1999 إلى 17،7% في سنة 2005، حسب الإحصائيات الرسمية ـ إلا أنها لا تزال تضرب بقوة الشباب الذين هم في سن أقل من 25 سنة.فهناك شاب من أصل إثنين عاطل عن العمل. وفضلا ًعن ذلك، فإن معدل النمو(6،8% في سنة 2003، و5،2% في سنة 2004) منخفض جدا لكي يعالج مشكلة البطالة.‏

وثانيها: أزمة سكن، وشحة المياه،و بنية تحتية مهملة أو غير موجودة،وانعدام وسائط النقل...إن هذه المشكلات المزمنة التي تسمم حياة الجزائريين، وتجعلهم ينزلون إلى الشوارع للتعبير عن سخطهم، سيتم إيجاد حلول لها حتى سنة 2009.إنه الإلتزام الذي أخذه على عاتقه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عقب حملته الانتخابية للولاية الرئاسية الثانية، قبل ثماني عشرة شهرا ً.وقد صرح المقربون من بوتفليقة"أن لدى الرئيس النية للإلتزام بوعوده"، موضحين أن "هذا المخطط المكمل لدعم النمو"،"سيسمح بتحديث الجزائر مع إعادة التشغيل في الوقت عينه". هل هو رهان مستحيل؟ على أية حال إنه رهان محفوف بالمخاطر.‏

الورشة الأولى: الإسكان. فالهدف المعلن يكمن في بناء مليون شقة سكنية. السكن هو كابوس مرعب في الجزائر، إذ تتكدس العائلات المتكونة من عشرة أشخاص في شقة سكنية من غرفتين.و في هذا الميدان لم يطرأ أي تحسن خلال السنوات الأخيرة. ويشيرالمستشارون في الرئاسة بالقول:"في الحقيقة، نحن تأخرنا، ولكننا واجهنا كوارث غير متوقعة: الفيضانات في منطقة باب الواد‏

(2001) ثم الزلزال في بومرداس (2003)"، مؤكدين أن البرامج التي تم إطلاقها في الولاية الأولى(تأجير –شراء خاصة) ستأتي بثمارها قريبا ً.‏

ويشكل قطاع النقل والأشغال العمومية الورشة الكبيرة الأخرى للمستقبل. وسيكون الطريق السريع (أوتوستراد) شرق –غرب، الموعودبه، لكنه لم يتم إنجازه أبدا( باستثناء القسم القريب من الجزائر العاصمة) أفضل هذه الأعمال، وكذلك مترو الأنفاق للجزائر.أما بالنسبة للسكك الحديد، فإن الجهات المعنية ستعمل على إعادة تجديدها: هناك 1200 كيلومتر من خط سكك الحديد تتطلب تحديثا ً ضروريا ً أو مضاعفتها وخلق عدة مئات أخرى. ثم عن قائمة الأهداف المرجو تحقيقها هي ضخمة، إذ تمتد إلى كهربة المناطق الريفية، وإقامة تمديدات للغاز في المدن،والاستمرار في بذل الجهود لإعادة تنشيط الزراعة،و تحلية ماء البحر، وإعادة التوازن في تنمية المناطق.‏

إذا كانت"المنفعة" العامة لهذا المخطط معترفاً بها من الجميع، إلا أن الاقتصاديين متشائمون من وضعه موضع التنفيذ. فهل أن الإدارة الجزائرية الموصوفة ب"البيروقرطية "لجهة تكديسها الملفات، و"عدم الكفاءة"و"الخاضعة" ستكون لها القدرة لقيادة مثل هذه العملية الضخمة ؟الخبراء يشكون في ذلك.فحسب قول السيد محمد شريف بلميهوب أستاذ في المدرسة القومية للإدارة في الجزائر :"الإدارة الحالية هي عاجزة عن إدارة موازنة بقيمة 55 مليار دولار. فقد أثبتت عجزها مع المخطط السابق لتنشيط الاقتصاد (2001 ـ 2003)، الذي لم تنجز منه سوى 65%، في حين أن موازنته كانت أقل عشر مرات". بالنسبة لهذا الاقتصادي، يظل هذا المبلغ "الضخم جدا" مصدرا "للتبذير والفساد".ومرة أخرى ياسف، "لأنه يتم تمويل الستاتيكو(الأمر الواقع)، بدلا ً من تمويل الإصلاحات".‏

ويشير الأستاذ في مركز الدراسات للاقتصاد المطبق على التنمية، سليمان بدراني، إلى أخطارالاختلال في الإدارة أيضا ً. فهو يؤكد أنه في الميادين كلها ـ الزراعة، والأشغال العمومية خاصة ـ تضخ الحكومة أموالا خيالية، من دون البحث عن الحلول التفضيلية الأقل تكلفة.فكيف يمكن تحقيق الإقلاع الاقتصادي من دون القيام بعمليات التحديث الضرورية في مجال الإدارة لكي تكون كفؤة وفعالة؟ هل ستنجح الجزائر في مثل هذه الظروف، تحقيق انتقالها " من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد منتج"؟. كل الخبراء يشكون في ذلك. فهم يقولون بتهكم :"صحيح أن السلطة ليس لها من سبب لكي تغير وصفة ناجحة".و التلميح يستهدف الإضافات في الموازنات الممنوحة بصورة سخية من قبل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة للولايات (المحافظات) عقب حملته الانتخابية في سنة 2004. فهل يفكر رئيس الدولة في الظفر بولاية ثالثة؟يعتقد الكثيرون في ذلك. فإصراره على إنجاز هذه الأعمال الفرعونية في الوقت المحدد يمثل إشارة واضحة، حسب قولهم. أما بالنسبة للغالبية العظمى من السكان، فهي لا تحتفظ إلا بشيء واحد:"خزائن الدولة ملآنة. أسعار النفط في ارتفاع مطرد.الإرهاب في طريقه للزوال نهائيا.وحتما رئيسنا لـه البركة".‏

6 ـ تعديل دستوري يعزز سلطة بوتفليقة في مواجهة وصاية الأجهزة‏

لم يكن استبدال رئيس الحكومة في الجزائر مفاجأًلجميع المحللين المعنيين بشؤون المغرب العربي. فمنذ عدة أشهرتشهد أروقة السلطة الجزائرية صراعا مكشوفا بين رجلين يقود كل واحد منهما تشكيلة سياسية أساسية في الأغلبية الرئاسية: عبد العزيز بلخادم الأمين العام لحزب الأكثرية النيابية جبهة التحرير. وأحمد أويحيى الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديموقراطي الذي يحوز الكتلة النيابية الثانية.‏

ومن المعلوم تاريخيا أن حزب التجمع الوطني الديمقراطي هو انشقاق عن جبهة التحريرالوطني، عندما بدا أن المؤسسة العسكرية الجزائرية استعادت المبادرة في ظل رئاسة اليمين زروال في منتصف التسعينات، وعندما بدأت جبهة التحرير في ظل رئاسة عبد الحميد مهري تدعو إلى حوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة. وبدا حينذاك، أن جبهة التحريرالوطني التي لم تعد آلة الحكم المطلوبة، دعت المؤسسة العسكرية إلى شقها لينشأ عنها حزب الأكثرية الجديدة، وهو التجمع الذي أول من تولى قيادته الفعلية الجنرال بتشين القادم من رئاسة الاستخبارات.‏

لكن خروج أويحيى من رئاسة الحكومة لم يؤد إلى خروج حزبه منها، رغم التنافس بينه وبين رئيس الحكومة الجديد. وهذا يعني أن المسألة تتعدى الخلاف على برنامج حكومي، وإن كان أويحيى لا يحبذ التغيير الدستوري ويدعو إلى برنامج إصلاحي اقتصادي يكون رفع الأجور جزءا منه.‏

وتتجسد الخلافات المتعددة بين الرجلين على النحو التالي:‏

على الصعيد الاقتصادي ينتقد بلخادم ورفاقه حكومة أويحيى جراء عدم امتلاكها الإرادة الكافية لمكافحة البطالة والفقر. وقاوم أويحيى بثبات دعوات من جانب السياسيين ووسائل الإعلام والنقابات لرفع الأجور، وقال إن المناخ الاقتصادي لم يتعاف بما يكفي لذلك. لكن بلخادم قال إنه سيرفع الأجور حيث أدت أسعار النفط التي سجلت ارتفاعًا قياسيًا إلى ارتفاع احتياطات النقد الأجنبي إلى نحو 63 مليار دولار. وبرّر أويحيى موقفه الرافض للزيادة في الأجور، بقولـه أن نمو مداخيل المحروقات هو نمو مرتبط بتقلبات السوق الدولية، ويصعب الإطمئنان إليه واتخاذ قرارات دائمة اعتمادًا عليه.‏

على المستوى السياسي، إن قادة حزب جبهة التحرير الوطني ـ الذي يمتلك الأغلبية المطلقة في البرلمان ـ المتحالفين مع حركة مجتمع السلم (حماس)التي يتزعمها بوجرة سلطاني، والذي كان يشغل في الحكومة السابقة منصب وزير دولة من دون حقيبة، ينكرون على رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى كل شرعية تتعلق بإشرافه على الانتخابات التشريعية المقبلة التي ستجري في عام 2007. فهم يعتقدون أن أويحيى وأنصاره سيعملون على تزوير تلك الانتخابات لمصلحة حزب التجمع الوطني الديمقراطي. وكان أويحيى قد اتهم من طرف خصومه بتزوير انتخابات سنة 1997 التشريعية والبلدية من موقعه كرئيس للحكومة لمصلحة حزبه، التجمع الوطني الديمقراطي، الذي تأسس في شباط / فبراير من عام 1997، وفاز بالانتخابات النيابية التي جرت نهاية أيار/مايو من العام عينه ـ أي بعد ثلاثة أشهر فقط ـ قبل أن يحصد المجالس المحلية في الانتخابات التي تمت في تشرين الأول من السنة ذاتها، الأمر الذي أوحى للكثيرين أن عملية تزوير واسعة قد حصلت، وهذا بالضبط ما أشار إليه بلخادم قبل التغيير الأخير، معرباً عن خشيته من أن يتكرر الأمر في الانتخابات التشريعية المقررة عام 2007.‏

ولكن مروجي مثل هذه التهمة يتناسون هشاشة الحزبية في وضع كالوضع الجزائري، ويتناسون التأثير القوي للمواقع السلطوية العليا في توجيه المترشحين والناخبين على السواء. وعلاوة على ذلك يتناسون أيضا أن مثل هذه التهمة يمكن أن توجه إليهم لا سيما وأن حزب جبهة التحرير فاز بانتخابات 2002 عندما كان أمينه العام علي بنفليس على رأس الحكومة.‏

و على الرغم من إن حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يقوده أحمد أويحيى مني بخسارة كبيرة في الانتخابات التشريعية لسنة، 2002 وضعته في الصف الثالث بحوالي 48 نائباً، وذلك في الوقت الذي حصل فيه حزب جبهة التحريرالوطني ـ هو صاحب الأغلبية المطلقة في المجلس الوطني الشعبي ـ البرلمان (385مقعدا )ـ على 210 مقعدنيابي، كما أن لـه أكثرية المقاعد الوزارية (16 وزيراً لجبهة التحرير مقابل 5 لحركة مجتمع السلم)، فإن الرئيس عبد العزيز بوتفليقه عينه لرئاسة الحكومة خلفا لعلي بن فليس في 21 مايو/ أيار من سنة 2003، بعد أن شهد حزب جبهة التحرير الوطني القوة السياسية الرئيسة في البر لمان انشقاقًا حقيقيًا بين مؤيدين لرئيس الجمهورية، كانوا يمثلون أقلية داخل الحزب، ولا يحتلون مواقع مقررة في الجهاز الحزبي، وبين مؤيدين لرئيس الحكومة وخصم بوتفليقة ومنافسه المعلن في الانتخابات الرئاسية لسنة 2004.‏

أما الخلاف الثالث، والذي تداولته وسائل الإعلام بقوة، فيتمثل في مشروع التعديل الدستوري الذي يدافع عنه عبد العزيز بلخادم.ويقول الرئيس بوتفليقة عن هذا التعديل: إن الدستور الجزائري لا يناسب احتياجات مجتمع يخرج من أتون تمرد إسلامي مسلح استمر أكثر من عشر سنوات وأودى بحياة 200 ألف شخصاً.‏

ولد عبد العزيز بلخادم في 8 تشرين الثاني /نوفمبر 1945 في بلدة آفلو (ولاية الأغواط) منطقة تيارت (الجنوبية الغربية)، من نفس منطقة رجل آخر من أركان النظام: الجنرال العربي بلخير.وحصل على دبلوم دراسات عليا قبل أن يعمل طيلة ثلاث سنوات (1964 ـ 1967) مفتشاً للمالية، ثم انتقل إلي سلك التعليم مدة ثلاث سنوات أخرى 1968 ـ 1971.وقد لاحظ فصاحته ولغته العربية الراقية الرئيس الراحل بومدين خلال إحدى جولاته على المنطقة، فألحقه بديوان الرئاسة حيث شغل منصب المدير المساعد للشؤون الدولية بين عامي 1972 و1977. وشكلت سنة 1977 مفصلاً في حياته، إذ انتخب حينها نائباً عن مدينة تيارت وهو بالكاد تجاوز الثلاثين من العمر. وأعيد انتخابه نائباً مرات عديدة في "المجلس الوطني الشعبي" حيث كان مقرراً للجنة "التخطيط والمالية"، ثم رئيساً للجنة "التربية والتكوين والبحث العلمي"، إلى أن احتل بين عامي 1988 و1990 منصب نائب رئيس البرلمان، حيث دعم حكومة الإصلاحي مولود حميروش الذي كان يلقب ب"غورباتشوف الجزائر". .‏

وكان المفصل الآخر الرئيس في مساره السياسي في 3 تشرين الأول/ أكتوبر 1990 استقالة رابح بيطاط، وظل في هذا الموقع حتى تاريخ 4/1/1992، ولما حل البرلمان عقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، تمت إزاحة عبد العزيز بلخادم من دوائر السلطة. وفي الفترة الممتدة من عام 1993 حتى عام 1999 ظل يعمل في الظل لمحاولة رأب الصدع وإيجاد حل توفيقي، وكان قريباً من أرضية الوفاق التي أبرمت بين عدد من الأحزاب المعارضة للسلطة العسكرية في سان ـ اجيديو (إيطاليا) حيث انعقد مؤتمر للحوار بدعوة من تلك الجمعية الكاثوليكية في الفترة ما بين 21 و22 تشرين الثاني 1995.‏

ويعتبر عبد العزيز بلخادم رئيس الحكومة الجديد، البالغ من العمر 61 عاما، الذي عرف مساره السياسي قطيعة سياسية،مثل العديد من المسؤولين الجزائريين، بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي، رجل ثقة بوتفليقة. هذا الأستاذ أصيل الغرب الجزائري، ينتمي إلى التيار الإصلاحي في حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الوحيد الذي كان حاكمًا. وكان هذا الرجل المحسوب على " التيار الوطني الإسلامي"، كثيرا ما دافع عن حق الجبهة الإسلامية للإنقاذ في العمل السياسي، في معارضة "الإستئصاليين"، كما ترأس في فترة ما من تاريخه جمعية مناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني. ولن يوفر عبد العزيز بلخادم أي جهد لمحاربة أي طرف يرى في الاستعمار الفرنسي للجزائر "عاملاً إيجابياً".‏

غير أن مجيء عبد العزيز بوتفليقة إلى رئاسة الدولة في عام 1999، غيّر من وضع بلخادم، الذي عاد إلى الظهور على مسرح المشهد السياسي الجزائري في عام 2000، فحلّ محل يوسف اليوسفي كوزير دولة، وأصبح بذلك وزيراً للشؤون الخارجية في حكومة علي بن فليس المشكلة في تموز/يوليو 2000. وبقي في منصبه يقود الدبلوماسية الجزائرية التي يشرف عليها من خلف الستار رئيس الدولة، رغم التعديلات العديدة التي طرأت على الحكومة (في 31 أيار 2000، وفي 17 حزيران/يونيو 2002، وفي 9 أيار/مايو 2003، وفي 26 نيسان /أبريل 2004) إلى أن عينه الرئيس بوتفليقة كوزير دولة وممثلاً شخصياً لـه في أول أيار 2005. فمن خلال احتكاكه مع العالم الخارجي اكتسب خبرة جعلت منه الرجل الأول في نظام بوتفليقة، من دون أن ينجح في التحرر من الصورة التي لازمته كإسلامي محافظ.‏

لقد أظهر بلخادم وفاءه المطلق للرئيس بوتفليقة، عندما منع حزب جبهة التحرير الوطني (الذي كاد أن ينشق خلال عامي 2003 و2004)أن يصطف على أرضية الخط السياسي لعلي بن فليس الأمين العام للحزب، ورئيس الوزراء السابق، والخصم الرئيس لبوتفليقة في الانتخابات الرئاسية لعام 2004، وأعاد اللحمة إلى الحزب، فانتخب في 2 شباط 2005 أميناً عاماً جديداً في أعقاب المؤتمر الثامن التوحيدي.‏

اليوم، تتم مكافأة بلخادم من خلال تعيينه في منصب رئاسة الحكومة، مع الإحتفاظ في الوقت عينه بالأمانة العامة لحزب جبهة التحرير الوطني، وهو يطمح ليخلف يوما ما رئيس الدولة. والحال هذه، يدافع عبد العزيز بلخادم بقوة على مطلب تعديل الدستور، الذي سيشمل مراجعة مواد مهمة تخصّ اعتماد نمط النظام الرئاسي في الحكم، وتمديد عمر الولاية الرئاسية إلى 7 سنوات‏

بدل 5 سنوات المعمول بها حاليا، مع استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، بما يسمح للأخير أن يتولى مهام رئيس الجمهورية في الحالات المعروفة دستوريا، وهي شغور المنصب أو الوفاة أو استحالة قيام الرئيس بمهامه الدستورية بسبب المرض، وهي صيغة قانونية تجنب الذهاب نحو إجراء انتخابات رئاسية مسبقة لتعيين خليفة الرئيس.‏

وهكذا، فإن المهمة الأولى لرئيس الحكومة الجديد عبد العزيز بلخادم ستتركّز على تحضير الخطوات التمهيدية للاستفتاء الذي قد ينتظم بين 14 و21 سبتمبر/أيلول2006، حيث باتت العملية محسومة، بعد أن أعطى رئيس المجلس الدستوري بوعلام بسايح الضوء الأخضر، بعد مراجعة مستفيضة لمسودة الدستور التي يرتقب أن يتبناها بوتفليقة بعد أيام. وسيتيح تعديل الدستور للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية ثالثة. ويعتبر هذا الاستفتاء الذي إذا عقد في موعده المحدد أعلاه، أو إذا ما أرجىء إلى ما بعد شهر رمضان، الاستفتاء الثاني من نوعه في غضون عام بعد الذي تعلق بميثاق السلم والمصالحة الوطنية في سبتمبر/ أيلول2005.‏

في المضمون لم يكن رئيس الحكومة المستقيل أحمد أويحيى معارضًا لتمديد ولاية الرئيس بوتفليقة، بيد أنه على عكس بلخادم، كان ينصح بإجراء ذلك في كنف السرية بدلاً من قلب الأوضاع رأس على عقب. و لَمَّا أضحى هدفًا لحزب جبهة التحرير الوطني، أصبح أويحيى في وضع لا يحسد عليه، وإن كان الرئيس بوتفليقة حرص على إظهار المساندة لـه علنًا في المحطات الصعبة.وظل الرئيس بوتفليقة صامتًا، حتى إن معارضة حزب جبهة التحرير الوطني منعته من إلقاء بيانه حول السياسة العامة لحكومته أمام المجلس الوطني الجزائري (البرلمان ).‏

احتفاظ رئيس الوزراء الجزائري الجديد عبدالعزيز بلخادم بالطاقم الحكومي لسلفه أحمد أويحيى يعني أن التغيير كان يطاول الرأس من دون الأطراف. أي استباق طموحات رجل الثقة السابق في تسلق الدرج الأخير في سلم المسؤولية. عدا أن حدوثه قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة وفي غضون الجدل حول تعديل الدستور وفق ما يخول الرئيس ولاية ثالثة، يعني إبعاد الصوت المعارض لهذا التوجه من داخل الجهاز التنفيذي. كما لا يُفهم وعد زيادة الأجورمن قبل بلخادم إلا دعما ًلمواقع النقابات التي تسيطر عليها جبهة التحرير وجعلها قادرة على أن تكون الماكينة الانتخابية لمرشح الجبهة، في مواجهة أي ماكينة انتخابية أخرى. وتأتي العائدات النفطية الاستثنائية لتوفر لرئيس الحكومة القدرة على الإنفاق واكتساب النفوذ.‏

في الجزائر البلد الذي تبدو فيه الديمقراطية غير متأصلة، يعزو المحللون سقوط أويحيى لسبب آخر، غير المعلن رسميًا والمتمثل في مشروع تعديل الدستور، الذي كان في أصل الصراع بين بلخادم وأويحيى.‏

في الواقع، الاستبدال في رئاسة الحكومة، لا يخضع لاعتبارات ايديولوجية، وإنما يعزوه المحللون إلى تغيير جديد في موازين القوى على صعيد قمة هرم السلطة الجزائرية.و من الواضح أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة،الذي تمكن بفعل ظروف داخلية ودولية، أن يدخل تعديلات على قيادة الجيش، واستعاد لكونه وزير الدفاع زمام المبادرة فيها، مستندًا في ذلك على نتائج استفتاءين مهمين يتعلقان بالعفو عن الإسلاميين المسلحين والمصالحة الوطنية، عجز عن المس بأجهزة الاستخبارات العسكرية التي تعتبر وراء حزب التجمع. وبقي هذا الحزب يتمتع بقوة دفع نظراً إلى التأييد الذي يلقاه من الأجهزة الأمنية التي، وإن لم تدخل في مواجهة مكشوفة مع الرئيس، ظلت تعمل على إبقائه تحت مظلتها. وهي حاولت أن تزعزع موقعه في الانتخابات السابقة عبر دفع أقرب المقربين إليه والأمين العام للجبهة حينذاك علي بن فليس لمنافسته على الرئاسة. وجاءت إعادة انتخابه لتوجه ضربة قوية لهذه المساعي، لكن بوتفليقة لم يتمكن من تجاوزها في الحكومة الأولى للولاية الثانية، فاضطر إلى اختيار أويحيى، على حساب جبهة التحرير، رغم أن حزبه لا يحوز إلا على الكتلة البرلمانية الثانية.‏

ويشعر الرئيس بوتفليقة اليوم أنه في وضع قوي كفاية لكي يفرض رؤيته ورجاله، في محاولة واضحة تستهدف أخذ مسافة من الأجهزة الأمنية، والتحرر من وصايتها، بعد أن استغرقت مهمات تطويع المؤسسة العسكرية أو التطبيع معها جانباً من انشغالات الولاية الأولى للرئيس. ولم يكن الحديث عن تعديل الدستور الذي يقترحه بلخادم إلا لتثبيت هذا الانتصار عبر إخراج ترشيحات الرئاسة من سطوة الأجهزة..و هو يعكس صورة أخرى عن معافاة الدولة والرئيس معاً. فرئيس الحكومة السابق أحمد اويحي لم يكن سوى رجل الاستخبارات العسكرية الخالص التي يقودها الجنرال توفيق مديان، والتي كانت تهيئه لخلافة الرئيس بوتفليقة.‏

من هنا يأتي إبعاد أويحيى بوصفه ترتيبا ً سياسياً لصد الأبواب أمام طموحاته الرئاسة، باعتباره الزعيم الأقرب إلى المؤسسة العسكرية، وتوجيه في الوقت عينه رسائل اطمئنان للتيارات الإسلامية من خلال تعيين عبد العزيز بلخادم في رئاسة الحكومة، إذ لا يخفي هذا الأخير ميوله العروبية والإسلامية، مستنداً في ذلك إلى الإرث الايديولوجي لجبهة التحريرالوطني، لا سيما في العلاقة مع فرنسا والفريق الفرنكوفوني في الجزائر، وصولاً إلى قيادة حملة تعريب واسعة في البلاد. وذلك في مواجهة أويحيى الميال إلى ضباط الأجهزة وما يمثلونه من تيار متشدد ضد الإسلاميين، إلى حد الإستئصال، والانفتاح على الغرب خصوصا على فرنسا والتمسك بالفرنكوفونية في التعليم والادارة.‏

وفي هذا المعنى تُفهم الحملة التي شنها بوتفليقة على فرنسا وقانون "تمجيد الاستعمار"، وصولاً إلى تأجيل معاهدة الصداقة معها إلى أجل غير مسمى. فهو في هذه الحملة كان يؤكد انتصاره على خصومه الداخليين، ويعلن في الوقت نفسه بداية نهاية الازدواجية والثنائية في أعلى هرم السلطة، أو على اقل تعديل الانتصار في معركة أساسية.‏

وتشهد دائرة المعارضين لتعديل الدستور في الجزائر اتساعًا لافتاً منذ تسرّب معلومات عن تنظيم الحكومة استفتاء شعبيا في سبتمبر/أيلول المقبل حول مراجعة الدستور الحالي للبلاد، واستحداث دستور جديد يتيح للرئيس عبد العزيز بوتفليقة الترشح لولاية ثالثة، ويمنحه مزيدًا من الصلاحيات ضمن نظام سياسي رئاسي مغاير لما ظلّ سائدًا على مدار أكثر من عشر سنوات.‏

وقال رئيس حركة الإصلاح سعد عبد الله جاب الله عقب استبدال رئيس الحكومة إن مقترحات تعديل الدستور التي رفعتها جبهة التحرير الجزائرية (الحزب الحاكم) تكرس انفصال السلطة عن المجتمع، وتخل بطبيعة العلاقة بين السلطة ومفهوم الدولة. وعلى الرغم من اعتراف جاب الله بأن الدستور الحالي في حاجة إلى تعديل وإثراء، فإنّه رفض تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية، ورأى في المسألة تأسيساً لما سماه "الملكية تحت اسم الجمهورية"، و"شرخا إضافيا يخلّ ببناء مؤسسات الدولة".‏

ودعا جاب الله الذي حلّ في المرتبة الثالثة في الانتخابات الرئاسية في إبريل/نيسان 2004 إلى ترقية الحقوق والحريات والديمقراطية في الدستور الجديد بتوفير مزيد من الضمانات القانونية مع تعزيز عمل الرقابة، ليكون التعديل القادم مناسبة "لإصلاح سياسي حقيقي".‏

وأعلن زعيم حركة مجتمع السلم الإسلامية أبو جرة سلطاني في الوقت عينه، معارضته الصريحة للخطوة، وانتقد المسودة التي سترفع إلى الرئيس بوتفليقة، وقال إنّه لا يقبل دستور جبهة التحرير، بل يتشبع بتعاليم دستور الجزائر فحسب. وأضاف: "إذا كان لحزب عبد العزيز بلخادم دستوره، فلنا نحن أيضا دستورنا"، موضحًا أنّ الدستور الحالي ينطوي على ثغرات عدة تتطلب التعديل والإثراء، بشكل يفصل بدقة بين السلطات ويكفل إدخال توازنات حقيقية.‏

إلى ذلك، انتقد الرجل الثاني في جبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة علي بلحاج ما سماه "التلاعب بالدستور"، واقترح إنشاء هيئة منتخبة تأسيسية تمثل جميع التيارات السياسية، وتتولى وضع الدستور حتى يكون معبرًا عن الإرادة الشعبية الحقيقية. وصرح أنّه ليس من الطبيعي "الإبقاء على الدستور بين أيدي أقلية تعبر عن أهوائها وتعطشها للسلطة والبقاء فيها"، وعارض تعديل الدستور إذا كان الهدف منه تمديد حكم بوتفليقة إلى ولاية ثالثة، مبديا خشيته من أن يتحول الإقرار بالدستور الجديد، إلى إعلان عن ميلاد دكتاتورية متجددة قد تقحم البلد في متاهة أخرى، بحسب تعبيره.‏

(1) Lahouari Addi,"L armee algerienne confisque le pouvoir" Le Monde diplomatique,fevrier1998.‏

(2) Bruno Callies de Salies,"Les luttes de clans exacerbent la guerre civile",Le Monde diplomatique,Octobre1997.‏

(3) الهواري عدي ـ الجزائر عشية التغيير الرئاسي،الجيش الجزائري يلتهم نفسه ـ لوموند ديبلوماتيك، النسخة العربية الصادرة عن دار النهار أذار/ مارس 1999.‏

(4) أسعد حيدر ـ "جمهورية" بوتفليقة ـ صحيفة المستقبل اللبنانية ـ السبت 7 آب 2004 ـ العدد 1665 ـ شؤون عربية ودولية – (ص 15)‏

(5) روبرت ماليه وهيو روبرتز ـ الجزائر بعد الانتخابات ـ (، باحثان في مؤسسة الأزمات الدولية لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا، والمقالة منشورة في "الهيرالد تريبيون" في 19/4/2004).‏

(6) جورج الراسي ـ الجزائر الجيش في عهدة الرئيس ـ صحيفة المستقبل اللبنانية ـ رأي وفكر‏

ـ الاثنين 22 تشرين الثاني 2004 ـ العدد 1757 – (ص 15)‏

(7) المرجع السابق عينه.‏

(8) أسعد حيدر ـ بوتفليقة و"مفاتيح"المؤسسة العسكرية ـ صحيفة المستقبل اللبنانية ـ الجمعة 17 أيلول 2004 ـ العدد 1700 ـ شؤون عربية ودولية –( ص 14).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244