|
||||||
| Updated: Sunday, July 01, 2007 04:44 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ الفصل الحادي عشر تأصيل الفكرة الديمقراطية في الواقع التونسي على الرغم من أن النخبة الحاكمة في تونس اضطلعت بدور طليعي في قيادة حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي،و تبنت نهج الحداثة، ودافعت عن قضية تحرر المرأة، فإنها عانت طيلة العقود الثلاثة الماضية من موجة عدم الاستقرار الشعبي، وهي موجة واجهتها باستراتيجيا القمع مع توجه نحو ليبرالية سياسية مهيمن عليها جرت العادة على تسميتها بالتحول الديمقراطي أو التحرك نحو الديمقراطية أو ما أشبه. فالفكرة الديمقراطية التي تبنتها النخبة التونسية منذ بداية الثمانينيات، والتي سبقتها صراعات اجتماعية وسياسية وحتى عسكرية بين الحكومة التونسية وحزبها الحاكم من جهة، ومختلف أشكال المعارضات من جهة أخرى، ومخاضات عسيرة حول مفهوم الديمقراطية وآليات تطبيقها، ومدى ملاءمتها مع البيئة التونسية، ظلت عرضة للأخطار،و الانتكاسة، والتراجع، بسبب تقييد الحكومة الصارم للحريات الأساسية، وعدم اتجاهها نحو الحد من سلطة الدولة على الأفراد، وبقائها أسيرة المصالح الخاصة، للأوليغارشية الطائفية الأمنية والحزبية الحاكمة، ذات المنشأ الاستبدادي. هناك عوائق بنيوية ً تقف بين التحرر الوطني وانتصار الفكرة الديمقراطية والحريات في بلد لا يزال يحبو على طريق الحداثة، مثل تونس، الذي على الرغم من أنه عرف نموا ً كبيرا ً لحركات اجتماعية منذ فجر الاستقلال، فإن هذه الحركات المجتمعية القوية القائمة مثل الإتحاد العام التونسي للشغل، والحركة الطلابية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعيات المحامين والقضاة، لم تستطع أن تكون مجتمعاً مدنيا ً قادرا ً على الصمود أمام وطأة الدولة، وعلى التفاوض مع هذه الدولة، وبالتالي على تزويد المجتمع السياسي باستقلاليته الفعلية. قد تكون تونس من بين البلدان العربية القليلة التي تنعم بالتجانس الديني والإثني، إذ إن الدين السائد هو الإسلام، والمذهب السائد هو المذهب المالكي السني، ولا وجود لمذاهب أو طوائف أخرى. لكن في تونس، ومنذ الاستقلال، برزت فيها نخبة مناطقية مستجدة أخذت تنمي وتعبىء هوية حزبية ومناطقية ضيقة وتضعها في خدمة مصالحها الفئوية أو في خدمة الاستبداد المنظم لعملية التحديث. وهي نخبة ليست ديمقراطية لأنها غير منتخبة من الشعب، وتمثل رهطاً من الفاسدين واللاهثين وراء مصالحهم الخاصة، وهي مقتنعة بمواصلة المعركة ضد المعارضة السياسية على اختلاف أطيافها، لا سيما الإسلامية منها، وخوضها بمعونة شعارات وأساليب شمولية إقصائية. ويصح في تونس أكثر من أي بلد آخر القول المأثور: كما تكونوا يولى عليكم! فالمشكلة أن النخبة التونسية لا ثقافة ديمقراطية لها ولا تقاليد راسخة في ممارستها. والحقيقة، أن الديمقراطية تبدأ بإرساء نظم علاقات ديمقراطية وممارستها مؤسساتيا كما تتطلب التغيير في العقليات والتكوين النفسي، لا بالشكل فحسب ولكن أيضا بالمضمون. ومن الأفضل للسلطة السياسية التي ترفع لواء الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان أن تبدأ بممارسة هذه القيم داخل أطرها المؤسساتية، لأن فاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه. وهذا ما هو ليس حاصلاً وربما لن يحصل. وتعتمد الحكومة التونسية على خيار تشديد القبضة الأمنية على المجتمع، وتركيز كل جهود السلطة عليه، ما دام ضبطه أمنيا كفيل بامتصاص الأصوات الشاذة المطالبة باحترام الحريات العامة. ولأن ضبط المجتمع شرط توطيد الأمر القائم، لاسيما بعدما تعالت أصوات داخلية تطالب بإحداث نقلة نوعية عبر القيام بإصلاح ديمقراطي جدي وعميق للحكومة، ومعالجة الأزمات التي يجب أن تعالجها تونس بجهود أبنائها، في الموالاة والمعارضة، والذين لن يتمكنوا من مواجهة التحديات بغير تحول نظامهم السياسي نحو الديمقراطية، يعترف بحقهم في الحرية، وبحق أحزابهم في الشرعية والعلنية، ويقوم على نمط من الإدارة والتنظيم يستند على مشاركة المواطن في الشأن العام، دون قيود تبطل حريته أو تتعارض معها، ويسمح بمراجعة سياساته الداخلية والخارجية، وبتحويل الدولة من دولة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم إلى دولة حق وقانون، دولة الكل الاجتماعي تخص كل واحد من مواطنيها. غير أن الحكومة سعت إلى نشر كاريكاتير الديمقراطية هذا، والتبشير به كديانة جديدة للمجتمع التونسي. وهو ليس ديمقراطية الإغريق التي تفترض مشاركة جميع الرجال الأحرار في حكم المدينة، إذ كانت ديمقراطية مباشرة تتوزع فيها المهام والمسؤوليات في مزيج من القرعة والانتخاب كما كان للمواطنين الحق في التصويت وتقديم المقترحات في الجمعيات الشعبية.و حين نتفحص ديمقراطيتنا وفائدتها في تونس، نجدها تقتل الذات الفاعلة التي تعتبر الديمقراطية شرط وجودها السياسي.فالديمقراطية الحقة هي التي تكون في خدمة الكائنات البشرية، بما هي ذوات فاعلة، أي بما هي صانعة لنفسها، لحياتها الفردية،و لحياتها السياسية والثقافية. فالنظرية الديمقراطية ليست سوى نظرية الشروط السياسية اللازمة لوجود ذوات فاعلة. إن الديمقراطية الحقة هي تلك التي تقوم على اعتراف الحكومة التونسية بضرورة إعادة النظر في بنية الدولة الأمنية السائدة حاليا ً، لجهة بناء دولة المؤسسات، دولة كل المواطنين، لا دولة أجهزةأمنية، وحزب واحد، أو دولة أفراد مهما كبرت أدوارهم التاريخية. ويتطلب بناء الدولة الحديثة،أن تطلق الحكومة حواراً وطنياً واسعاً طال انتظاره حول قوانين الدولة الوطنية الحديثة، بدءاً من قانون الأحزاب والجمعيات إلى قانون المطبوعات إلى قانون الأسرة وغيره، فضلا عن بناء المؤسسات المجتمعية المقتنعة بالحريات الفردية والعامة، وضمان ممارستها في المجتمع، وعدم كبحها. والحريات الفردية والعامة لا يمكن أن يكون لها وجود عياني ملموس مالم يكن المحكومون قادرين على اختيار حكامهم بملء إرادتهم، ومالم يكن الشعب قادرا على المشاركة السياسية في إيجاد المؤسسات السياسية والقانونية والمجتمعية، وفي تغييرها. فهذا النوع من الديمقراطية مكبوح في تونس بألف معيارسياسي وأمني واقتصادي ومالي. فما فائدة من الديمقراطية السياسية التي لا ترتكز على ديمقراطية اجتماعية وثقافية. فهاهي الديمقراطية القائمة على مبدأ العدالة الاجتماعية تعاني الآن من الاحتقارفي زمن العولمة الرأسمالية المتوحشة، وتم قذفها إلى سلة المهملات الخاصة بالصيغ القديمة العهد لتترك المجال واسعا أمام السوق الاستهلاكية المنتصرة حتى الفجور. وحل محل فكرة الديمقراطية الثقافية فكرة لا تقل فجورا وهي الثقافة الرأسمالية الاستهلاكية الجماهيرية: نوع من السيطرة الثقافية الأمريكية الاستهلاكية على باقي الثقافات. يخيل إلينا أننا نتقدم فيما نحن في الواقع نتقهقر ويصبح التحدث عن الديمقراطية أكثر سخفاً إذا ما استمررنا في ربط هذه الديمقراطية بمؤسسات حزبية وبرلمانية وحكومية من دون أن نتحقق من استخدام هذه المؤسسات للتصويت الذي أوصلها إلى سدة الحكم. إن الديمقراطية التي لا تمارس النقد الذاتي محكومة بالشلل...لا أجد لها صفات أخرى لأن الديمقراطية الحقة التي كالشمس تغدق أنوارها على شعوب يجب أن تبدأ من أقرب مكان إلينا، من البلاد التي ولدنا فيها والمجتمع الذي نعيش فيه والحي الذي نقطن فيه. إذا لم يحترم هذا الشرط ـ وهو ليس محترما ًـ فكل النظريات السابقة أي الأساس النظري وآلية العمل الاختبارية للنظام تكون فاسدة. تطهير مياه النهر الذي يخترق المدينة لا يفيد إذا كان التلوث قائما ً في النبع(1). ما زال الحكم التونسي يتحرك بصورة تقليدية مارسها عبر النصف القرن الأخير بأشكال متعددة، حيث يهدف كل تصرف من قبل نخبة حاكمة لتأكيد بقائها في السلطة، أيا كان الشكل الخارجي. لهذا عرفنا فكرة الديمقراطية المقيدة، أو الديمقراطية الشكلية. وأصبحت مسألة التعددية مقصورة على وجود معارضة رمزية مع نخبة حاكمة، على أن يظل لكل طرف دوره المستمر؛ فالنخبة وظيفتها البقاء في الحكم، والأحزاب وظيفتها البقاء في المعارضة. ومعنى ذلك، تحرك النخبة الحاكمة في مختلف المواقف لتأمين بقائها في السلطة، دون قبول احتمال خروجها من السلطة مستقبلا. وهذا التوجه يدفع الحكم لتأمين القيود على أي ممارسة سياسية، كما حدث مع تعديل الدستور. وعبر السنوات الماضية، استطاع الحكم منع ظهور أي تيار سياسي جديد، ووصل بالحالة السياسية إلى مستوى ا لانفلاق الكامل، ولم يبق أمامه إلا منع أي نشاط سياسي للمدافعين عن حقوق الإنسان، فقد أصبحوا يشكلون التحدي السياسي الوحيد أمامه. ولأن الحكم التونسي يمثل سلطة مطلقة، فلا يمكنه الدخول في تنافس سياسي مع أي قوة سياسية أو حقوقية أو نقابية، لهذا يدخل معها في تحد مستخدما ً القوة. 1 ـ مغزى التعديل الدستوري عندما استلم الرئيس زين العابدين مقاليد الحكم في تونس في خريف عام 1987، بذريعة إنقاذ البلاد من.. خرف الرئيس الراحل بورقيبة، وباسم نقض نظرية "الرئيس مدى الحياة" التي أصبحت قانونا ً دستوريا ً تونسيا ً في عهده، اتخذ بعض الخطوات التي شكلت انفراجا ً سياسياً مهما ً، اعتبرتها قوى المعارضة على اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية على أنها مؤشر على توجهه نحو إجراء إصلاح ديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان.ومن بين تلك الخطوات، إلغاء رئاسة الدولة مدى الحياة والأخذ بعدم جواز تولي شخص واحد رئاسة الجمهورية لأكثر من ثلاث ولايات، مدة كل منها خمس سنوات. ولكي يثبت الرئيس بن علي دستورية رئاسته، فقد خاض وحيدا ً، دون منافس حقيقي أو صوري عام 1989 ثم فيما بعد، عام 1994، أما في عام 1999 فقد سمح لبعض المنافسين الصوريين بمنافسته. وقبل أن تنتهي فترة الولاية الثالثة والأخيرة التي يسمح بها الدستور، جرى تنظيم استفتاء عام 2002 على تعديل الدستور بحيث يجيز للرئيس الحق في ولايتين إضافيتين! وهكذا كان.. وأقر التعديل، وصار من حق الرئيس بن علي أن يترشح في انتخابات 2004 مع نص تأمين الحصانة لـه ضد أي ملاحقة!!. وكانت نسبة المؤيدين للتعديل المذكور 99% من أصوات الناخبين!! مما يدل على أن التونسيين لم يرضوا بأن يكونوا أقل تواضعا من غيرهم من القيادات العربية "الديمقراطية الدستورية!!" وهكذا، قامت الحكومة التونسية بتشريع تعديل الدستور بما يسمح جعل مدة الرئاسة أكثر من ثلاث ولايات، وتعزيز صلاحيات الرئيس القوية أساساً واستبعاد المرشحين الموثوقين والمعارضين الفعليين عن المنافسة. فالتعديل الدستوري، بإفراطه في تعزيز السلطة التنفيذية بوسائل منها إنشاء مجلس ثان لتسجيل القرارات المتخذة خارجه، هو مجلس المستشارين الذي يذكر بما في دول عربية أخرى من "مجالس استشارية" و"مجالس وجهاء"، قد همش مجلس النواب: فدخولـه حكرٌ على التجمع الدستوري الديموقراطي ولبعض الأحزاب التي تفتقر إلى القواعد الشعبية وتقبل بأن تشكل جزءاً من الديكور "التعددي"(2). ففي كتابه "دستور 1861 في تونس" يبين السيد هاشم جغام، رجل القانون والمدافع عن حقوق الإنسان، ثابتة في تاريخ البلاد السياسي يبدو أنها لا تزال سارية حتى الآن وهي: "وجود أوليغارشية، متعطشة إلى النفوذ والامتيازات، وساعية باستمرار إلى تحقيق المنافع وتحكم في ظل(3). ماذا يعني هذا التعديل الدستوري في تونس ؟ من وجهة نظر ديمقراطية محايدة، يتناقض هذا التعديل الدستوري مع إرساء دعائم الحكم الدستوري ودولة الحق والقانون. ففي دولة الحق والقانون، تعتبر الرقابة القضائية (controle (judiciare وسيلة أساسية لحماية "دولة القانون"، وضمان تحققها. كما أن تقوية استقلالية السلطة القضائية من شأنها صيانة "دولة القانون" وفرض احترامها. فالدستور، بما هو ضبط لقواعد ممارسة السلطة، يصبح ضامنا للحقوق والحريات، عبر إفراده أحكاما خاصة بها، وتنصيصه على الوسائل الكفيلة بصيانة ممارستها وجعلها في منأى عن تعسف السلطة وشطط ممارسيها، لاسيما لجهة تعديله. لذلك، لا تقاس ديمقراطية الدساتير بمدى إقرارها للحقوق والحريات فحسب، بل تتحدد أيضا بدرجة حرصها على تأكيد الشرعية الدستورية، أي جعل ما هو مدرج في باب الحقوق والحريات محترما على صعيد التطبيق والممارسة. إن ميزة الدستور الديمقراطي أنه يضمن الحقوق والحريات وينزلها منزلة الأحكام الخاصة بتنظيم السلطة والعلاقة بين المؤسسات.. وإذا كان إقرار الحقوق والحريات في الوثيقة الدستورية أمرا ً إيجابيا ً وخطوة ً مهمة ً على سبيل الاعتراف بها، فهل تكفي الدسترة لجعل منظومة الحقوق في منأى عن الشطط في استعمال السلطة؟. إن الدسترة في ذاتها لا تكفي لجعل الحقوق والحريات مضمونة ومصونة بل لا بد من مصاحبتها بضمانات تكفل لذويها القدرة على التمتع بها. ومن هذه الضمانات : 1 ـ تكوين المحكمة الدستورية التي تنظر في دستورية القوانين التي تعلنها الحكومة، وتراقبها، باعتبار ذلك شرطا ً ضروريا ً لدولة القانون.ففي ظل تجربة ديمقراطية هشة ومراقبة كما هو الحال في واقع تونس، تلعب المحكمة الدستورية دورا ً مهما ً في إثراء النظام السياسي لجهة انتقاله من طابعه الشخصاني التسلطي إلى طابعه الديمقراطي القائم على احترام المؤسسات، من خلال انتهاج سياسة قضائية حقيقية مستقلة ومتحررة من القيود العديدة التي تحد من فعاليتها على صعيد الواقع، تستهدف إستتباب "دولة القانون " وانتظام عمل مؤسساتها. 2 ـ استقلالية السلطة القضائية، التي تفسح في المجال للقضاء الدستوري ليكون متمتعا ً كما هو الحال في الدول الديمقراطية العريقة، بمكانة مركزية، ويسهم في ضمان "التوازات الدستورية"، وحماية الحقوق والحريات،و حماية الدستور نفسه من التوظيف السياسي لـه من جانب السلطة التنفيذية وتجييره لخدمة أهدافها السياسية والطبقيةالخ. ثم إن وجود قضاء مستقل ونزيه يحفظ للدستور علويته وسموه على النصوص الأخرى كلها، ويجعل أحكامه سارية على الأفراد والجماعات، وعلى رئيس السلطة التنفيذية. 3 ـ الإقرار بمبدأ التداول السلمي للسلطة، تلك العملية التي تسمح للشيء بحلول بديل محله،ويجعل الشخص يعقب نظيره في المسؤولية، والإدارة، والقيادة.فمنطق التداول على السلطة يرفض الجمود، والديمومة، وبالتالي الرئاسة مدى الحياة.و بالمقابل، فهو يحبذ، التجديد، في الأشخاص، والأحزاب، والأفكار، والممارسات السياسية. وهذا ما نلمسه بدقة في الدول الديمقراطية العريقة، التي تتمتع بثقافة تداول عريقة، أصبحت جزءا ً لا يتجزأ من النسيج المجتمعي والثقافي للمجتمع. لذلك تأسست ثقافة التداول في الدول التي تأصلت فيها الظاهرة، واستقرت، وانتظمت في التجربة على قاعدة الاعتراف بشرعية الاختلاف، الذي يكفله وجود أغلبية ومعارضة، ويضمنه الحوار المتبادل، وتصونه إرادة المواطن الحرة والمسؤولة في حسم اختياره والدفاع عن نتائجه، وتحمل تبعاته. فبمقدار ما للأغلبية من مشروعية التوجيه، والقيادة والإدارة، بالقدر نفسه للأقلّية حق المساهمة في الملاحظة، والنقد والتعبير عن الرأي الحر... الذي أعطى للتداول السلمي على السلطة شرعية الوجود، وحتمية التحقيق والإنجاز، كون الحوار بين الأغلبية والمعارضة موجودا ً، ومطلوبا ً، ومستندا ً على قواعد محددة لعب التاريخ والتسويات والتوافق دورا ً مركزيا ًفي إقرارها وتكريسها على صعيد الممارسة(4). 4 ـ إن أحد ركائز وجود دولة الحق والقانون هو وجود تعددية سياسية حقيقية مؤسسة على قيم الحوار، والتنافس الشريف، والاعتراف المتبادل.ففي البلدان التي يوجد فيها ديمقراطية تعددية، تجري فيها انتخابات حرة ونزيهة بشكل دوري ومنتظم بواسطة الاقتراع العام. ولهذا نرى في هذه البلدان تداولا ً سلميا ً على السلطة، جراء تحقق توافق بين الفاعلين السياسيين حول سير المؤسسات وطريقة عملها، بما في ذلك السياسة الداخلية والخارجية، وضمان ديمومة استمرار دولة القانون، أولا ً. وو جود حياة حزبية مستقرة، منتظمة، ومؤسسة على ثقافة المشاركة.فهناك تلازم بين الحياة الحزبية السليمة والعملية الديمقراطية، باعتبار ذلك تعبيراً عن التداول السلمي على السلطة،ثانيا ً.و فضلا ً عن ذلك، فإن فكرة الديمقراطية لاتترسخ في النظام السياسي المعاصر، لاسيما في البلدان المتخلفة مثل تونس، إلا من خلال تفعيل العمل الحزبي وتقويته وتطويره، في أوساط الشعب، الذي من المفترض أن تنتج السياسة في صلبه،وساط الطبقات والفئات الشعبية ذلك أن الأداء الحزبي، المنتظم، والمستقر، والمؤسس على روح المنافسة، يصقل الديمقراطية ويعمق الوعي بها، ثالثا ً. إذا كانت هذه الضمانات تشكل مرجعية حقيقية لبناء دولة القانون، فإننا نفتقرها في تونس، حيث أن الدولة السائدة بالمعنى الفعلي لا تستند إلى مرجعية الثقافة الديمقراطية والدستورية، التي تعطي حيزا ً واضحا ً للقانون لكي يسري على الجميع. بيد أن الأجهزة الأمنية لا تزال تستعمل القانون بحرية مطلقة، قصد تحقيق انصياع الأفراد والأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني له، دون أن تخضع هي في ذلك لأية ضوابط أو قواعد سامية، إذ تضع نفسها فوق القانون. فالدولة الأمنية تتحقق حين تكون السلطة الأمنية قادرة، بطريقة تقديرية وحرية مطلقة، على جعل المواطنين خاضعين للإجراءات التي تراها ضرورية لمواجهة الظروف وتحقيق الأهداف المتوخاة من قبل النظام السياسي. لذلك، تنهض الدولة الأمنية، وفق هذا المعنى، على "حسن فعل الأمير"، حيث لا وجود لأي تقييد قانوني لعمل السلطة، ولا حماية فعلية للمواطنين إزاء هذه الأخيرة. بيد أن دولة القانون، وهذا ما يميزها عن الدولة الأمنية، لا تعتبر القانون مجرد وسيلة عمل للدولة، بل أداة لتقييد سلطتها، فهي بتعبير "كاري دومالبرغ" "تهدف إلى حماية المواطنين والدفاع عنهم ضد تحكم واستبداد سلطات الدولة". لقد تفاقم تدهور وضع الحريات في تونس إلى حد كبير منذ مطلع التسعينيات. فحقوق الإنسان التي تدَعي السلطة حمايتها ليست سوى وهم. والتعذيب شائع، إذ يقبع مئات السجناء السياسيين في سجون مكتظة، ويتعرّض المعارضون السياسيون، حتى الأكثر تساهلاً بينهم،لشتى أنواع المضايقات. ولا وجود لحرية الرأي والصحافة والتجمّع والتظاهر. الإضرابات ممنوعة وهامش الحريات النقابية ضئيل جداً لا بل معدوم، لاسيما في القطاع الخاص. ويتعرّض عامة الناس، خصوصاً الشبان، لقمع مستمر على يد رجال الشرطة: تطويق الأحياء والمدن، المراقبة، التوقيفات العشوائية، مداهمة الشوارع والمقاهي، خشونة واستبداد في الإدارات العامة... كل الوسائل مسموحة بهدف إخضاع الناس، وإقناعهم أن الحكومة القائمة هي حكومة ثابتة لا تتغيّر، والمخرج الوحيد هو في التواطؤ، من خلال الإذعان، مع شرطة موجودة في كل مكان ومطلقة الصلاحية. العبودية هي القاعدة السائدة. حتى إن التصرف والتفكير بطريقة مستقلة أصبحا محفوفين بالمخاطر. اختفى حس المواطنية التي يبدو أنها مجرد سراب بعيد المنال. ومن المعلوم أنه في ظل الحكومة التونسية الحالية، التداول السلمي على السلطة ليس واردا ً في الفقه السياسي للنخبة، كما أن التنافسية السياسية التي تقتضي اختيارا ً فعليا ً حرا ً من قبل الشعب لكي يصوت حسب البرامج التي تقدمها الأحزاب السياسية له، والمرشحون للانتخابات الرئاسية، والتي تستمد مشروعيتها من الثقافة الديمقراطية المؤطرة لها، ليست موجودة في تونس.فجوهر التنافسية يقتضي وجود أحزاب سياسية ومرشحين للانتخابات الرئاسية متعارضين ومختلفين في التصورات والإستراتيجيات، بيد أنهم متراضون حول قواعد اللعبة السياسية وحدودها. غير أن المنافسة الانتخابية في تونس ليست سوى قناع تهدف من خلاله الحكومة التغطية على انقلاب شهدنا المرحلة الأولى منه في أيار/ مايو 2002 مع "الاستفتاء" حول "الإصلاح الدستوري" الذي أطلق رصاصة الرحمة على المبدأ الدستوري. وفي العديد من البيانات،شكّكت المعارضة التونسية في شرعية الاستفتاء والإصلاح الدستوري والمؤسسات التي انبثقت عنه. وعارضت في شكل خاص تعديل المادة 39 الذي يكرّس مبدأ الرئاسة لمدى الحياة المخالف للمبادئ الديمقراطية. لقد أصبحت دسترة الحقوق والحريات ظاهرة عالمية،حيث أخذت جميع الدساتير، بما فيها الدول التي تأخرت في تبني فكرة الدستور، بالتنصيص أما في بيانات ملحقة،أو في ديباجة الدستور وصلبه على الحقوق والحريات المنوطة بالانسان، لاعتبارات خاصة بقيمة الدستور ومكانته في البنيان القانوني والمؤسسي للدولة العصرية، ولأن ديمقراطية هذه الأخيرة ومشروعيتها أصبحتا تقاسان بمدى احترامها لمنظومة الحقوق والحريات على صعيد الممارسة، وليس على مستوى التنصيص في الوثيقة الدستورية. فهكذا، لا تنحصر قيمة مبدأ تدرج القوانين في تصدر الدستور رأس الهرم ووجوب أن تكون القواعد الأدنى درجة منه منسجمة مع روحه فحسب، بل إن التدرج، علاوة، على ذلك يحمي الحريات ويحافظ عليها. لذلك، لم يكتف العديد من الدساتير بإقرار قائمة الحقوق والحريات، بل ألزمت المشرع وباقي السلطات، عبر جملة من الأحكام، باحترام الحقوق الأساسية(5) إن السلطة الديمقراطية بما هي نقيض حكم الغلبة، لا تستقيم على وجود أغلبية حاكمة، استمدت مشروعيتها من انتخابات حرة ونزيهة،بل بوجود معارضة قوية قادرة على التعبيرعن رأيها والسعي إلى إقناع المواطنين برجاحة موقفها.و فضلا ً عن ذلك، فإن السلطة السياسية، بحصر المعنى، لا تستمد شرعيتها من أي مصدر أقوى وأهم من شرعية المعارضة. فليست السلطة والمعارضة تعبيرين متكاملين عن المجال السياسي المجتمعي فحسب، بل هما قطبان جدليان في وحدة تناقضية، يحمل كل منهما إمكانية أن يصير الآخر.فالمعارضة في النظام الديمقراطي هي معارضة بالفعل وسلطة بالقوة. لذا، فهي تلعب دورا لا يقل أهمية عن دور السلطة الحاكمة. والسلطة هي سلطة بالفعل ومعارضة بالقوة. فهي ليست سيفا ً مسلطا ً على المعارضة، بل أغلبية رجحتها صناديق الاقتراع في ظل العملية الانتخابية التنافسية لتحكم وفق قواعد القانون، بما أن الديمقراطية ليست هي حكم الأغلبية، بل هي حكم القانون. إن هذا الجدل بين السلطة الديمقراطية(الأغلبية) التي تحكم وفق قواعد اللعبة المتوافق والمتفق عليها، والمعارضة (الأقلية)، هو جدل الكينونة الاجتماعية ذاتها، جدل تعارضاتها الملازمة، وقد اتخذت شكلا ً سياسيا ً سلميا ً متمدنا ًأو متحضرا ً، يكاد لا يلحظ فيه العنصر الاجتماعي الطبقي المباشر، حيث تضمن السلطة حقوق المعارضة، وتصون وجودها، وتحافظ عليها مشاركة بالنقد والاعتراض والدفاع عن حق الاختلاف. ويعرف الشعب التونسي، لا سيما أعضاء ومناصري التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، وأحزاب المعارضة التي تدور في فلك السلطة، أنهم لم يشاركوا، منذ وقت طويل جداً، لا في القرار السياسي، ولا في القرار الاقتصادي، ولا في أي قرار من أي نوع، ولو كان نقل مستخدم من دائرة إلى أخرى، فهذا يحتاج إلى "موافقة أمنية". ومن شارك من أعضائها، أو طلب منه ذلك، إنما شارك بصفته الشخصية خبيراً أو مخبراً أو مستشاراً أو مندوباً عن جهة بعينها من الجهات الناصحة أو المانحة أو الداعمة أو الحليفة أو الصديقة أو التابعة أو مندوباً لديها ومكلفاً أحد ملفاتها. ويعرف الشعب التونسي أيضاً أن حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، هو الهيئة التشريعية الوحيدة في البلاد، (سقط اسم البرلمان سهواً). فالبرلمان لم يكن لـه من وظيفة سوى وظيفة البصم على القرارات ومشاريع القوانين وتبييضها، إذ لأي قرار، مهما عظم شأنه أو قل، بعدان: بعد ميتافيزيقي وبعد واقعي. أما البعد الميتافيزيقي فيتجلى في كون القرار هبة أو منحة أو مأثرة أو مكرمة أو عطاء أو إنجازاً أو عفواً أو صفحاً أو مغفرة لا تصدر ولا يجوز أن تصدر إلا عمن هو أهل لأن تصدر عنه،أي مركز القرار السياسي. والبعد الواقعي هو البعد الأمني الذي يستوجب استنفار جميع الأجهزة الأمنية، وهي السلطة التنفيذية والقضائية الوحيدة في البلاد، لتحديد آليات تنفيذه، والإشراف على ذلك إشرافاً مباشراً وإلزام من ترى إلزامه به وإعفاء من ترى إعفاءه منه؛ ولذلك اتسع نطاق عملها حتى شمل جميع مؤسسات الدولة وجميع مجالات الحياة. ويعرف الجميع في تونس أن التعويض عن هذه البطالة السياسية أو عن كف اليد عن المشاركة السياسية كان إطلاقها واليد الأخرى وأيدي الأنسباء والأقرباء والمحاسيب والأزلام في المال العام والخاص أيضاً، وفي القطاعين العام والخاص ومتوسطهما الحسابي، أي "القطاع المشترك"، وفي المؤسسات "العامة" والنقابات والمنظمات الشعبية، حتى في المؤسسات التعليمية ومؤسسات الثقافة والإعلام، وصيرورة القيادات الحزبية في طليعة رجال الأعمال، ومن أمهر هؤلاء في تبييض الأموال وفي "العلاقات العامة" والعلاقات الخاصة والمشتركة، وهي مرادفات السمسرة والوكالات التجارية وفرض "الخوات" وإقامة الشركات الوهمية وإجراء المناقصات الوهمية والمزايدات الوطنية. وليس خافيا ً على أحد أن الأجهزة الأمنية هي التي صارت الحزب الغالب في العالم العربي، التي تشرف على جميع الانتخابات الحزبية والنقابية والبلدية والتشريعية إشرافاً تاماً لا تخيب معه التوقعات. والحال هذه، فإن الانتخابات التي جرت في هذا البلد العربي أو ذاك، تستخدم الوسائل الديمقراطية لتثبت دعائم الحكومة القائمة، وسيادة الرأي الواحد وملاحقة الآراء المعارضة، وفي استمرار الحزب الحاكم، المالك للدولة في احتكار الحياة العامّة. فقد انقسم هذا الحزب الشمولي الحاكم منذ زمن بعيد انقساماً حاداً إلى قيادات متنفذة ومتسلطة ذات مزايا وامتيازات تسلمت ما يفترض أنها مراكز القرار الحزبية والإدارية والإنتاجية والخدمية والأمنية والنقابية والجماهيرية، واحتكرتها، فغدت جزءاً لا يتجزأ من "الجهاز" ومن منظومة المصالح وشبكة الفساد، وجماهير حزبية واسعة هي كتلة الحزب الأساسية، وهي كتلة سلبية مهمشة لا حول لها ولا طول، ينظر إليها من فوق بحذر وتوجس على أنها معارضة محتملة.. فالحزب التجمعي الدستوري الديمقراطي هو الحزب الشمولي الوحيد في العالم الذي لا يزال يحتفظ بأصالة الحكم الشمولي، إذ طبع الحياة السياسية في تونس بطابعه،و سجل الدولة في السجل العقاري باسمه منذ نصف قرن بالتمام. وقد تحول هذا الحزب إلى جهاز أيديولوجي تستمد منه السلطة مشروعيتها الضرورية، إذ لا بد من مشروعية ما، وهو من ثم لا يقوم على حراسة "الأيديولوجية الحداثوية " للسلطة التونسية والذود عنها فحسب، بل يترصد "أعداء الشعب" داخل الحزب وخارجه، فيصير نسقاً لإنتاج المخبرين الذين هم حواس الجهاز ونهاياته العصبية، ونسقاً لإنتاج القيم غير الديمقراطية، وتعميمها، نسقاً لتنميط المواطنين، من أعضائه ومن غير أعضائه، وتحويلهم إلى كائنات توتاليتارية. والأيديولوجية، كما هو معروف، أحد أركان النظام الشمولي الثلاثة، الركنان الآخران هما القمع والإعلام. الحكم الشمولي، كما علمتنا جميع التجارب المشابهة في بلدان المنظومة السوفيتية السابقة، وفي بلدان العالم الثالث، إما أن يكون بتمامه أو لا يكون، والجهاز الأيديولوجي ركن أساسي من أركانه، وجزء رئيس من أجزاء منظومته. ولهذه، فإن الخيارات الأيديولوجية والسياسية للنخبة التونسية، هي تعبير عن مصالح طبقية محددة. فهل سيتخلى من يستأثرون بالمصالح والإمتيازات ونعم وحلاوة السلطة في تونس عن كل هذا إكراما ً لعيون "الشعب" وحباً بالإصلاح ورغبة في التقدم؟ 2 ـ تبلور الوعي الديمقراطي في ثقافة الحركة الإسلامية التونسية تتميز حركة النهضة بانتمائها للإسلام الحديث، إذ إنها أصبحت نهجاً سياسياً متكيفاً مع الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية للمجتمع التونسي، وخصوصية ثقافته السياسية، المتأثرة كثيرا ً بالثقافة الفرنسية. فقد تبنت الفكرة الديمقراطية، واعترفت بقيم التعددية والتسامح والحرية، لا باعتبارها كجزء من الحضارة الغربية بل كجزء من الموروث العام. وطورت فكرها وممارستها في اتجاه اختيار طريق تونسي إلى الاسلام والحداثة، يقوم على بلورة عقل إسلامي نقدي يتعايش حتى مع أشد خصومه العقائديين كالشيوعيين، على أرضية مشتركة من احترام الحريات العامة، وحقوق الإنسان، واحترام هوية البلاد العربية الإسلامية. ومن أجل تبديد الشكوك المناوئة للإسلام السياسي، ما انفك الشيخ راشد الغنوشي يؤكد انحياز حركته للمبادئ الديمقراطية الحديثة، وأن الخيار الديمقراطي القائم على التخلي عن أي نوع من أنواع الاحتكار للإسلام والحقيقة، أو أي نوع من أنواع الوصاية على الشعب هو اختيار استراتيجي لحركته، وليس اختيارا ً تكتيكيا ً ظرفيا ً يتم التخلي عنه في أقرب فرصة مناسبة. وأن حركته ليست لها أي مشكلة أساسية مع العلمانية بالمعنى الغربي، التي تضمن حرية العقل، وحرية الصحافة، وحرية الشعب في أن يكون هو السيد الذي يصنع القانون، وتبني المجتمع المدني، وتحقق المساواة القانونية بين الناس، وإنما هي تتناقض مع العلمانية بالمعنى السياسي المضاد للدين، على اعتبار أن النظام التونسي لا يتمثل العلمانية وفقا ً للنموذج الغربي الليبرالي إلا في تمرده على الدين وإباحيته. وعلى الرغم من المبادرات والتنازلات التي قدمتها حركة النهضة طيلة عقد الثمانينيات، فإنها لم تحظ بالاعتراف القانوني كحزب سياسي، وظلت السلطات التونسية ولا تزال تعتبرها العدو الأخطر للنظام القائم، وللمجتمع المتمدن. وتشهد الحركة الإسلامية التونسية تحولات حقيقية غاية في الجذرية، هيأت لها أوضاع داخلية وخارجية، وتبلورت في الأطروحات الإسلامية الجديدة المستنيرة، التي صاغها المفكر والفيلسوف الإسلامي راشد الغنوشي، في الكتب التي ألفها نخص بالذكر منها "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، أو في الندوات الفكرية المتخصصة، ومؤتمرات الحوار القومي – الإسلامي، أو في الصحف والمجلات العربية، والتي تضمنت هوية الحركة الإسلامية التونسية، باعتبار حركة النهضة حاملة لمشروع إسلامي ديمقراطي مستنير مثّل في الزمن العربي الراهن ولا يزال نقلة نوعية في الحركة الإسلامية عامة. فحركة النهضة أصبحت تمثل تياراً عصريا ً ومتناميا ً داخل الساحة الإسلامية العربية، وأصبح إشعاعها يتجاوز حجم تونس البلد الصغير. وخلال ربع قرن من النضال تمكنت حركة النهضة من أسلمة الحداثة، أي إدخال الإسلام إلى قلب عالم الحداثة، وهذا أكبر إنجاز أنجزته الحركة الإسلامية التونسية، أنها نقلت الإسلام إلى عالم الحداثة، ونقلت الحداثة إلى عالم الإسلام، وجسدت العلاقة بين هذين العالمين اللذين ظُن أصلا ً أنهما لا يتصلان. وتبنت الحركة الإسلامية التونسية استراتيجية سياسية قوامها اعتماد المنهج السلمي والعلني في التغيير، وآليات العمل الديمقراطي ووسائله، ورفضها استعمال العنف وسيلة لحسم الصراعات السياسية والفكرية ومنهجا ً للوصول إلى السلطة أو التمسك بها باعتماد وسائل الضغط السلمية، والخطاب المعارض المعتدل والمسؤول، والعمل على حماية حقوق الإنسان. وهي تؤمن بأن الحوار الوطني هو الكفيل وحده بضبط العمل السياسي الديمقراطي والتوصل إلى معالجة وطنية شاملة. كما تؤكد حركة النهضة أنها لا تحتكر الصفة الإسلامية، وإنما تقدم مشروعا ً اجتهاديا ً بشريا ً في معالجة أزمة المجتمع، بعيدا ً عن الاختزال الحزبي أو السياسي للمشروع الحضاري والنهضوي الشامل الذي يستدعي مساهمة كل تيارات المجتمع لبلورته وإنضاجه. كما تطالب حركة النهضة بضرورة بناء مجتمع مدني حديث بالتلازم مع دولة الحق والقانون، وبرفع وصاية الأجهزة الأمنية على الحياة السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، واحترام حرية الصحافة وصيانة استقلالية القضاء، والمنظمات الشعبية الوطنية وحيادية الدولة، والتصدي لمظاهر التطبيع مع الكيان الصهيوني، والدفاع عن التضامن المغاربي والعربي الإسلامي والتوجه الوحدوي. وكانت حركة النهضة التونسية عقدت ندوة صحفية بلندن بمناسبة إحياء الذكرى الرابعة والعشرين لتأسيسها في 6 حزيران/يونيو 1981، إذ تلا فيها الشيخ راشد الغنوشي رئيس الحركة بيانا ً شاملا ً احتوى تحليلا ً لمجمل الأوضاع الدولية والإقليمية والوطنية ثم تعرض للمبادئ العامة لحركة النهضة ومواقفها من جملة القضايا الفكرية والسياسية المطروحة على التيار الإسلامي ومنها الموقف من دعوات الإصلاح الداخلية والخارجية والموقف من الديمقراطية والمرأة والغرب. وجدد الشيخ الغنوشي التزام حركته بالسعي إلى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، رغم ماتعرضت، وتتعرض لـه من سياسات الاستئصال والسجن والمحاصرة الشاملة منذ خمس عشرة سنة مما يعدّ أحد أبرز عناوين وأسباب الأزمة الشاملة التي تتخبط فيها تونس، سواء أكان ذلك في المجال السياسي أو في سائر المجالات والقطاعات الأخرى، معربا ً عن استعدادها لوضع مآسي الماضي وراءها ومد يدها لمصافحة كل من يمد يده لها من أهل القرار. وتعتبر حركة النهضة أن الأوضاع في تونس ظلّت تتأزم إلى الحد الذي فقد فيه العمل السياسي كل معانيه. واتسعت الهوة بين المجتمع والدولة، واغتربت نخبة الحكم عن شعبها.. فالحياة السياسية التونسية تتسم بحالة من الانسداد والاختناق البالغين، وذلك بسبب إمعان الحكم في استخدام الأساليب الأمنية في التعامل مع الملفات السياسية، بدل انتهاج سياسة الحوار والتواصل مع القوى السياسية والاجتماعية، فضلا ً عن تأميم الإعلام وتوظيفه لتشويه السمعة، واستعمال مؤسسة القضاء لتلفيق التهم، والعقوبات الزاجرة لكل من تحدثه نفسه بممارسة دوره المعارض الجاد.. وتراوح وضع الأحزاب السياسية بين أحزاب مستلحقة وتابعة لا يتجاوز دورها أداء وظيفة التزكية للحكم، وبين معارضة، رغم أنها نالت الاعتراف القانوني، إلا أنها ظلت هدفا ً للمضايقات، والملاحقات الأمنية لتهميش دورها المعارض الجاد، وأخرى حجبت عنها الشرعية القانونية جملة، وفرضت عليها سياسة عقابية واستئصاليه بالغة الضراوة، مازالت تدور رحاها دون توقف إلى يومنا هذا. وتعود جذور الأزمة إلى بداية التسعينيات يوم صمم نظام الحكم على تصفية المعارضة الإسلامية ممثلة في حركة النهضة تحت شعارات مقاومة "الخطر الأصولي" المزعوم، فكان أن انطلقت حملة قمعية واسعة النطاق ضد كل قياداتها ومنتسبيها، مشفوعة بإطلاق أيدي الأجهزة الأمنية لشن حملات الاعتقال والدهم العشوائي، فلم تمض شهور قليلة حتى غصت سجون تونس ومعتقلاتها بما يربو عن ثلاثين ألف معتقلا ً من خيرة أبناء تونس وبناتها، ومن صفوة كوادرها، وتحولت البلاد إلى ما يشبه المسالخ الجماعية لممارسة التعذيب وكل أنواع الانتهاك والإيذاء النفسي والبدني. رغم أن هذه الحرب الاستئصالية قد بدأت بالمعارضين الإسلاميين إلا أنها ما فتئت أن امتدت لتفتك بجميع القوى السياسية والاجتماعية، من ليبراليين ويساريين وقوميين، ونقابيين ونشطاء مجتمع مدني، لتشرع أبواب الملاحقات الأمنية، والمحاكمات الصورية لتشمل أغلب رموز المعارضة السياسية، كما أن تداعياتها قد أصابت عموم الحياة السياسية بالشلل. إن العنوان الأبرز للأزمة السياسية في تونس اليوم يتمثل في وجود ما يربو عن 500 سجينا ً سياسيا ً من قيادات ومنتسبي حركة النهضة يعانون ظروفا ً شديدة القسوة والتدمير للذات البشرية وذلك على امتداد عقد ونصف على الأقل، من قبيل السجن الانفرادي، والعقوبات البدنية، والتحطيم النفسي والمعنوي وصلت إلى حد الاغتصاب في بعض الحالات، فضلا ً عن المنع من المطالعة وحق التداوي، وفعلا ً سقط الكثير منهم صرعى... تمثل تونس اليوم استثناءً سياسيا ً سواء نظرنا إليها بالمقاييس المغاربية، أو العربية أوحتى الإفريقية، حالة استثنائية ليس لأنها تعد من أكثر دول المنطقة استبدادا ً وتسلطا ً فحسب، بل لأنها فضلا ً عن ذلك تمثل حالة استبدادية مغلفة بشعارات ديمقراطية وحداثوية. ففي الوقت الذي لا تكف السلطة عن الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني تشتد القبضة الأمنية على المجتمع أكثر فأكثر وعلى نشطاء حقوق الانسان، ويضيق المنتظم السياسي إلى الحد الذي تنعدم فيه الشروط الدنيا للعمل السياسي، بما يشهد على الهوة السحيقة التي باتت تفصل بين الخطاب السياسي الرسمي وبين واقع الممارسة على الأرض. كما أن مختلف مؤسسات المجتمع المدني من منظمات مهنية واجتماعية، ومن جمعيات حقوقية وإنسانية، تعاني من السياسة المتبعة إزاءها، والتي تراوحت بين الإلغاء والنفي جملة، وبين التدجين وتفجير الصراعات الداخلية بما حجبها عن ممارسة دورها التأطيري الجاد وهي تخضع لحصار سياسي وضغط أمني مستمرين لحملها على الخضوع، ومنعهما من ممارسة دورهما الحقوقي في إبراز الانتهاكات الواسعة المسجلة في مجالي الحريات وحقوق الإنسان. ورغم هذه التضييقات، فإن مختلف الجمعيات والهيئات المدنية التونسية كالجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين والمجلس الوطني للحريات والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ونقابة الصحفيين التونسيين وعمادة المحامين صمدت أمام آلة القمع، وهي تخوض هذه الأيام نضالات غير مسبوقة من أجل والدفاع عن القطاع وفرض استقلالية السلطة القضائية وكذلك ما يشهده قطاع الأساتذة الجامعيين من تحركات للمطالبة بالحقوق والحريات الأكاديمية التي هي أساس كل تطور وإبداع. ويشكو القطاع الإعلامي من شتى ضروب الرقابة ممزوجة بسياسة زجرية وعقابية ثقيلة الوطأة، من ذلك منع الصحفيين من ممارسة عملهم الإعلامي وفق شروط المهنة، فضلا ً عن تفاقم الرقابة على المؤسسات الإعلامية ومصادرة حرية الصحفيين. أما صحف المعارضة ومنابرها الإعلامية فهي تتوزع بين منع الصدور والرقابة الدائمة، وبين تسليط الضغوط الإدارية والمالية بما يدفعها إلى الاحتجاب الاضطراري، والحيلولة دون ممارسة دورها الإعلامي المستقل. أما الإعلام المرئي فتغلب عليه السطحية والتفاهة، إلى جانب خضوعه بالكامل لرقابة السلطة التنفيذية. فضلا ً عن كل ذلك فإن شبكة الانترنت تخضع خضوعا ً كاملا ً لأجهزة الرقابة المتخصصة، من ذلك حجب مواقع العديد من الأحزاب المعارضة والهيئات الإعلامية المستقلة. وفي هذا السياق لا تزال قضية الصحفي المناضل عبد الله الزواري المنفي في أقصى الجنوب التونسي بعيد عن عائلته تمثل وصمة في جبين البلاد. ويعاني المجتمع التونسي في المرحلة الراهنة أنواعاً شتّى من الفساد المالي والاقتصادي من بينها الرشوة والمحسوبية، واستغلال النفوذ على كل المستويات، وهي أمراض خطيرة تزرع الظلم الاجتماعي، وتولد الحقد والاستهانة بالجهد الفردي والجماعي، وتثقل كاهل الفقراء، وتمكن الوصوليين والانتهازيين من السيطرة اللامشروعة على مقدرات البلاد. وهو ما جعل المواطن التونسي يرزح تحت أعباء أزمة اجتماعية خانقة، فيعيش مهموما ً بتوفير الأمن لنفسه وأهله وممتلكاته وذلك بسبب تفشي مظاهر الجريمة والانحراف والعنف والنصب والتفسخ الاجتماعي، فضلا ً عن عجزه عن توفير متطلبات الحياة في ظل ارتفاع تكاليفها وضعف القدرة الشرائية، وانفجار الحاجيات والطموحات في ظل شيوع ثقافة الاستهلاك التظاهري لدى أقلية من المترفين والمتنفذين. وفعلا ً استفحلت الأزمة الاجتماعية، وتقلصت الطبقة الوسطى، ولم تنفع مقولة النمو الاقتصادي المقدم على الانفتاح السياسي، بسبب الفساد وعدم الشفافية، والانعكاسات السلبية للعولمة ولاتفاقات الشراكة غير المتوازنة في ازدهار البلاد ونموها الاقتصادي، بل تضاعف عجزها التجاري، وازدادت مديونية البلاد، وأصبح الهروب على متن قوارب الموت، حلم جل الشباب التونسي. وانعكست هذه الأزمة السياسية والاقتصادية على الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمع فأنتجت ظواهر اجتماعية وأخلاقية خطيرة، لم تعرفها البلاد من قبل. إن تونس في ظل هذه الأوضاع التي تنذر بخطر الانفجار وتفجر العنف مع ما يمكن أن يجره ذلك من ويلات على البلاد، أمام خيارين: إما الفوضى وبالتالي الكارثة، وإما الإصلاح السياسي الذي يقود إلى بناء الديمقراطية. ومن الواضح أن الحكم التونسي اختار الخيار الأول في ظل تواصل تغييب قوة أساسية من المعارضة التونسية، وعدم إبرام تسوية تاريخية معها، ألا وهي حركة النهضة. لقد مثلت حركة النهضة عامل استقرار سياسي، وعنصر كبح للتطرف والعنف في تونس، وذلك بحكم ما تتمتع به من أدوات التأطير السياسي الشعبي، وخطاب إسلامي وسطي ومعتدل، ولكن مخطط اقتلاعها وتغييب حضورها العلني بقوة الدولة الأمنية قد ساهم في تغذية أجواء العنف والتطرف. فلا يخفى على كل مراقب نزيه للشأن التونسي أن ما تمتعت به تونس من استقرار وهدوء نسبيين على امتداد السنوات الماضية، قياسا ً ببعض دول الجوار التي سقطت في أتون حروب أهلية مدمرة لا يعود في حقيقة الأمر إلى عبقرية خاصة من نظام الحكم، ولا إلى حزمه الأمني كما يدعي، بقدر ما يعود إلى التزام حركة النهضة بنهجها السلمي المسؤول، وامتناعها عن الاستدراج إلى حمأة العنف المضاد. فإذا كانت تونس قد نجت من الوقوع في كارثة العنف فليس ذلك بسبب ما تدعيه السلطة من اليقظة الأمنية وانما بسبب وعي المعارضة ولا سيما الإسلامية بخطر الاستدراج إلى العنف. ولكن اليوم، وفي ظل حالة الفراغ السياسي والثقافي المريع التي تتخبط فيها البلاد جراء سياسات أمنية قاصرة، وفي ظل مناخات اليأس التي تخيم على القطاع الأوسع من التونسيين جراء الاخفاق الاقتصادي، واتساع دائرة التهميش الاجتماعي فقد أضحت نذر العنف خطرا محدقا يتهدد البلاد ومستقبلها. فليس بخاف على كل مراقب للشأن التونسي الحضور البارز للشباب التونسي في كل الساحات الدولية التي يمارس فيها العنف، ولا يكاد سجن أوروبي يخلو من شبان تونسيين متهمين بعلاقة مع جماعات العنف السياسي التي تتغذى من مناخات الانغلاق السياسي والتهميش الاجتماعي داخليا ً ومن التوتر الخارجي الناتج عن سياسات التوسع والاحتلال. وترى حركة النهضة أن مصدر المشروعية السياسية هو الشعب الذي لـه الحق وحده في تولية الحاكمين ومحاسبتهم وعزلهم واستبدالهم من خلال الانتخاب الحر النزيه. ولا يمكن لأي سلطة وتحت أي عنوان أن تلغي أصوات الناخبين وتحل محلها شرعية أخرى. ذلك أن المنهج الإسلامي يتأسس على ضرب من الاجتهاد في التـأليف بين المقاصد الشرعية وتغير الأحوال البشرية ومن ثم يظل برنامج حركة النهضة اجتهادا ً بشريا ً نسبيا ً لا يرتقي أن يحتكر النطق باسم الحقيقة. وللناس مطلق الحرية في قبوله أو رفضه دون أن يمس ذلك بمعتقداتهم الدينية. تعتبر حركة النهضة البلاد في أمس الحاجة إلى المسارعة باتخاذ خطوات جادة على طريق التغييير والاصلاح بما من شأنه أن يمثل قطيعة حقيقية مع حالة الاحتقان والجمود وأوضاع انسداد الآفاق وانتشار اليأس ومن ثم فتح أبواب الأمل في المستقبل. وهي تجدد تأكيدها اليوم على المصالحة الوطنية الشاملة التي تتأسس على أرضية نقل البلاد نحو الحرية والديمقراطية والتنمية العادلة. 3 ـ انعقاد قمة المعلوماتية في ظل احتظارالحريات يسترعي انتباه المحللين المتابعين للشؤون السياسية في تونس بروز حدثين مهمين يتطلبان التوقف عندهما. الأول، ويتمثل في اتساع رقعة الحركة الاحتجاجية في تونس واتساع صداها بالخارج لا سيما بعد أن قررت نخبة (ثمانية شخصيات) من رموز المجتمع السياسي والمدني القيام بإضراب عن الطعام، بدؤوه منذ منذ 18 أكتوبر2005، وحمل اسم حركة 18 تشرين الأول /أكتوبر2005، واستمر الاضراب طيلة شهر، وانتهى مع نهاية القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي عقد ت في خريف العام الماضي ً بتونس. إضراب عن الطعام يلاحق إضراب عن الطعام، تلك هي الحالة السائدة في تونس منذ عدة سنوات.فقد قامت المحامية راضية نصراوي الناشطة الحقوقية في إطار الدفاع عن حقوق الإنسان بإضراب عن الطعام قبل عدة سنوات. وكان قد سبقها على هذا الطريق الصحفي توفيق بن بريك.وكانت ثماني شخصيات من قيادات الأحزاب والجمعيات الأهلية قامت بإضراب عن الطعام، نفذته منذ 18 تشرين الأول / أكتوبر الماضي ـ بعد أن صمدت ا لمدة شهر ـ طالبت فيه الحكومة التونسية بسن عفو اشتراعي عام، وتحرير قطاع الإعلام من القيود، والترخيص لأحزاب وجمعيات غير مجازة، وإطلاق سراح نحو 500 سجين سياسي، والسماح بالعمل السياسي والنقابي. وكان وزير العدل التونسي البشير التكاري قد شدد عقب ذلك الإضراب: أنه لا يوجد أي سجين سياسي في البلاد حتى السجناء المنتمين لتيارات سياسية مختلفة حوكموا بسبب جرائم حق عام وجرائم إرهابية. وقال إن جميع الحريات متاحة ولم يسجن أحد في تونس بسبب آرائه. إن ممارسة الإضراب عن الطعام كسلاح معركة في تونس وباقي البلدان المغاربية بدرجة أقل، يعكس لنا الطبيعة التسلطية للحكومات ـ سواء منها الجمهورية أو الملكية ـ إذ إنها جميعها غير مستعدة للمصالحة الوطنية الحقيقية مع السياسيين المعارضين، الذين يطالبون بإحلال دولة الحق والقانون.فهذه الحكومات يمكن لها أن تتسامح مع وجود معارضات هامشية، ويمكن أن توفر لها فضاءً نسبيا ً من الحرية، ولكنها تمنعها من إسماع صوتها للرأي العام المحلي أو الدولي. فالثقافة الديمقراطية، بما هي سيرورة، وعملية ذهنية، ومحرك أساسي للإنتاج، إنتاج الأفكار والمفاهيم الكبرى، التي من شأنها أن تجعل المجتمع في حركة دائمة، كإنتاج الديمقراطية والإيديولوجيا والدولة والاقتصاد والمفاهيم المتصلة بالسوق، ومفاهيم الحريــة والمساواة والعدل، والأطر المنظمة للحياة من قوانين وتشريعات، ودساتير، والمفاهيم المتعلقة بالتسويات السياسية بين السلطة والمعارضة، هذه الأمور جميعها غير منغرسة، وبالتالي فهي غير متطورة في الذهنية السياسية للحكومة التونسية، وبدرجة أقل عند باقي الحكومات المغاربية. وهذا ما يجعل على وجه الدقة، عندما تحدث صراعات اجتماعية أو سياسية تلجأ السلطة إلى استخدام العنف لقمعها.ويظل إعلان الإضراب عن الطعام أحد النتائج الدراماتيكية. و مقارنة تونس مع جارتها الجزائر، فنادرا ً ما تسمع عن حصول إضراب عن الطعام إلا لدى بعض المناضلين المدافعين عن قضية الأمازيغ. وهذا لا يعني أن النظام الجزائري هو من طبيعة ديمقراطية، وإنما بكل بساطة يوجد في الجزائر فضاء واسع من حرية التعبير، كما أن الصحافة لا تعاني من القيود التي تعانيها في تونس.ف"الخطوط الحمراء" لا توجد في الجزائرفعليا ً، حيث بإمكان المرء أن يقول كل شيء، ويكتب كل شيء. إن النظام السياسي الجزائري قد أقام حواجز كفاية، بما يجعله بمنأى من الاهتزاز. قمة المعلوماتية تكشف وجه الإعلام الرسمي التونسي لقد تميز الحدث الثاني بمفارقات كثيرة خالطت أجواء قمّة تونس لمجتمع المعلومات التي عقدت مابين 16و 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2005 في العاصمة التونسية. ولم يلعب الحدث الثاني دوراً كاشفاً ومعرياً لأزمة الإعلام والصحافة في تونس مثلما كان من أمر القمة العالمية لمجتمع المعلومات. وكانت الحكومة التونسية تتوقع منطقيا ً أن تستفيد من هذا التجمع العالمي، لكي تظهر أمام 12رئيس دولة، يضاف إليهم 23 ألفاً مشاركا ً من المشتغلين بالانترنت والاعلام عامة، وحشد هائل من الصحافة الدولية جاءت لتغطية هذا الحدث الدولي، كيف أن تونس هذا البلد الصغير الذي لا يمتلك ثروات طبيعية كبيرة مقارنة مع جيرانه في المغرب العربي (ليبيا والجزائر)، يمكن لـه من فرط عناده وتصميمه وصلابته، أن ينافس أمما ً محظوظة أكثر، ويبذل جهدا ً في نشر الحاسوب وشبكة الانترنت، وينتزع شهادة لما بلغه من مستويات تحديث تقني ومن قدرات عالية على تنظيم مؤتمر دولي. فالحكومة التونسية تقدم نفسها على أنها بلد حداثوي، وتتحكم في استخدام تكنولوجيات المعلومات.وقد تهاطلت عليها الشهادات التي تزكي ملفها التنموي الاقتصادي، وملفها الاجتماعي :تحرير المرأة.وكانت تسعى من خلال انعقاد هذه القمة العالمية للترويج، لصناعة السياحة التي تمثل أكبر مورد للعملة الصعبة، وأكثر القطاعات تشغيلا ً بعد القطاع الزراعي، وإخراس الحاسدين من معارضيها. في الواقع، هناك الوجه الآخرلتونس الذي يعمل الناشطون في مجال حقوق الإنسان، والمناضلون السياسيون المتشبثون ببناء دولة الحق والقانون، على إظهاره أمام الرأي العام الدولي، والذي يتمثل في استدامة عدم تسامح الحكومة التونسية مع وجود أي رأي نقدي، أوصحافة حرة، إذ لا تزال قوى المعارضة التونسية تتعرض لقمع منهجي، وانتهاك أساسيات مبادىء حقوق الإنسان، فضلا عن تكميم الصحافة الحرة، واستخدام الصحافة المأجورة محليا ً وعربيا ً للدعاية للنخبة، وطمس الحقيقة في تونس.. لقد تعرضت تونس لانتقادات أخرى بشأن اتجاهاتها نحو حرية الإعلام. وانتقدت دراسة أكاديمية الطريقة التي تراقب بها المواقع على شبكة الانترنت وتختار منها ما يسمح به، وقد صممت الدراسة لتتزامن مع موعد القمة. وخلال القمة رفعت منظمة صحفيون بلا حدود لافتة تدين خمس عشرة دولة وصفتهم بأنهم "أعداء الانترنت" بسبب التحكم في الوصول للمواقع وشدة الرقابة، وشملت قائمة المنظمة روسيا البيضاء والصين وكوبا وإيران وليبيا وجزر المالديف وميانمار ونيبال وكوريا الشمالية والسعودية وتركمانستان وتونس وأوزباكستان وفيتنام. وتنفي الحكومة التونسية أي انتهاك لحقوق الإنسان أو وضع قيود على الوصول لوسائل الإعلام التقليدية أو الالكترونية. إلا أن دراسة أجرتها مؤسسة تدعى "مبادرة الانترنت المفتوحة" أنشئت بالتعاون بين جامعات تورنتو وهارفارد وكمبريدج كشفت عن أن نحو 10% من ألفي موقع شملتهم الدراسة حظروا في تونس. وكانت هذه المواقع متخصصة في المعارضة السياسية وحقوق الإنسان، وبعضها في الصور الإباحية ووسائل التحايل على سيطرة الدولة. لقد قيل الكثير في وصف أعمال القمة العالمية لمجتمع المعلومات، وعلت أصوات كثيرة بالاعتراض على عقد مؤتمر كهذا في تونس، حيث وجّهت إلى الحكومة التونسية، وما زالت توجّه إليها اليوم، انتقادات، قاسية أحياناً، حول تعاطيها مع الصحافة الحرّة والحقّ في التعبير بحريّة عن الرأي، لاسيما أنّ "مجتمع المعلومات" يُعنى أولاً بعالم الأنترنت الذي يلغي المسافات (أو ما تبقّى منها) وينمّي النزوع الفرديّ الذي قد يكون الدعامة الأولى في المجتمعات الديموقراطية. من مفارقات القمّة التي "توصَف بالكثيرة"، أنّ الأمين العام لمنظمة "مراسلون بلا حدود" غير الحكومية، روبير مينار، والمدعو للمشاركة في أعمال القمّة، احتجز في الطائرة التي أقلّته إلى تونس تحت حراسة "مشدّدة" على ما روى مراسل صحيفة "ليبراسيون" الفرنسيّة (عدد 18 تشرين الثاني 2005)، ومُنِع من دخول الأراضي التونسيّة بدعوى أنّه "غير مسموح لـه الدخول إلى تونس ـ باسم ماذا؟ـ باسم القانون التونسي. ولستُ مديناً لكَ بأي تفسير. أنت غير مرحّب بك ـ ولكنني مدعوـ لا، أنت لست مدعواً". تبع هذا الحوار الذي نقله مراسلا صحيفة "ليبراسيون" كريستوف أليكس وكريستوف أياد، تنطّح روبير مينار لإبراز الفاكس الخاص بالدعوة والصادر عن اللجنة التنفيذية للجهة المنظّمة للمؤتمر، فما كان من الرجل الذي قدّم نفسه بأنه ضابط شرطة، إلاّ أن هزّ كتفيه وقال مولياً الضيف ظهره: "بأية حال، أنا من يقرّر هنا". ووقف ستّة من رجال الشرطة بثياب مدنية عند الطائرة، تحسّباً... لأي طارئ. أمّا في قاعة الوصول حيث لبث عدد قليل من الصحفيين فقد لوحظ وجود نحو خمسين نفراً من رجال الشرطة بثيابٍ مدنية. ويضيف مراسلا الصحيفة الفرنسيّة، في معرض سردهما لخلفيّات "الحادثة" أنّ روبير مينار كان طرد من تونس عام 2001 لقيامه بتوزيع صحيفة ممنوعة في الشارع. وفي صيف العام نفسه احتلّت منظّمته لستّ وثلاثين ساعة مقرّ "مكتب السياحة التونسي" في باريس احتجاجاً على سجن الصحفية والناشطة في مجال حقوق الإنسان، سهام بنسدرين. وقد مثل مينار أمام محكمة باريسيّة في أعقاب ذلك وغرّمته مبلغ ألف يورو. السلطات التونسيّة "نبشت" ملفّ هذه القضيّة لتبرير منعها مينار من دخول الأراضي التونسيّة والمشاركة في المؤتمر حيث كان في نيّة مينار التنديد بانعقاد مهرجان دولي ضخم كهذا حول الإعلام، وبرعاية الأمم المتحدة، في بلدٍ تتعرّض فيه حرية الرأي والتعبير للتنكيل، وتمارس الرقابة على مواقع الأنترنت، ويجري فيه حجب الرسائل الألكترونية والتضييق على المعارضين.... أمّا حقيقة ما جرى، فيقول مراسلا الصحيفة إنّ حوادث غير معزولة كانت سبقت العرّض لمينار بمنعه من دخول الأراضي التونسيّة. فقد كان موفد صحيفة "ليبراسيون" الخاص إلى تونس لتغطية أعمال المؤتمر، كريستوف بولتانسكي، تعرّض لاعتداء بالضرب والطعن بالسكاكين من قبل أربعة مجهولين (؟) ـ قيل أنهم عملاء من الشرطة المدنيّة ـ بالقرب من الفندق الذي كان ينزل فيه الجمعة11 تشرين الثاني/نوفمبر 2005، بعد أن نشر مقالا ً عن مواجهات بين الشرطة التونسية ومتظاهرين مؤيدين لسجناء تونسيين مضربين عن الطعام.و كان هذا الصحفي ضحية للأسلوب القمعي الذي هو عادة مخصصا ً للمدافعين المحليين عن حقوق الإنسان في تونس. كما جرى الاعتداء على فريق صحفي تابع للراديو والتلفزيون البلجيكي (RTBF) من قبل رجال الشرطة وصودر منه شريط تسجيل،إذ كان هذا الفريق يقوم بتحقيق حول حرية التعبير في تونس تحضيرا ً للقمة. في مواجهة هذه اللوحة السوداء، نجد الولايات المتحدة الأمريكية –التي غالبا ً ما يتم انتقادها بسبب استمرارها في التحالف مع الحكومات الاستبدادية العربية التي تخنق الحريات الديمقراطية، تحت يافطة شعار "الحرب على الإرهاب" ـ تعزز أكثر أجهزة الدول العربية الموالية لها قمعاً، وتتعامى عن الاعتقالات الاعتباطية في حق الإصلاحيين الإسلاميين الذين دافعوا في وجه المتطرفين الأصوليين عن تلاؤم الاسلام والديموقراطية، وممثلي المجتمع المدني الذين ناضلوا من أجل الحق في الانتظام والتعبير عن آرائهم، باعتبار أن هذه المجموعات وحدها هي الكفيلة بكسب معركة الديموقراطية لتكون المتراس الأمتن في وجه التطرفية الجهادية، وعلى عاتقها هي، وليس على نخبة قليلة في واشنطن، تقع مسؤولية خوض النضال من أجل الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي. و على الرغم من كل ذلك لم تتردد الولايات المتحدة الأمريكية من توجيه انتقاداتها لتونس بسبب "إخفاقها في استثمار المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات لإثبات التزامها تكريس حرية التعبير والاجتماع".فقد عبر رئيس الوفد الأمريكي إلى القمة مستشار الرئيس بوش للشؤون العلمية جون ماربورغر في بيان عن "خيبة الأمل " من عدم قدرة الحكومة التونسية على الاستفادة من المرحلة الثانية من القمة العالمية لمجتمع المعلومات التي أنهت أعمالها في تونس يوم 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2005، لإعطاء إشارات على "تحقيق إصلاحات سياسية واحترام حقوق الإنسان أسوة بمستوى الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية المهمة التي نفذتها".أما فرنسا، فإنها لم تتوافر لديها مثل هذه الشجاعة الأمريكية. فعلى الرغم من أنها الشريك الاقتصادي الأول لتونس، فإن وزير خارجيتها، فيليب دوست بلازي، اكتفى بمطالبة السلطات التونسية بضمان "حرية الاعلام وحرية ممارسة الصحفيين لمهنتهم" وذلك بعد اعتداءات تعرضت لها وسائل إعلام أجنبية في تونس. و فضلا ً عن ذلك، تعيش تونس في ظل الانغلاق السياسي، الذي يتمثل في ضرب الحريات الفردية والعامة والاعتداء على مكونات المجتمع المدني من جمعيات مستقلة وأحزاب سياسية ومنظمات حقوقية. فقد شهدت تونس قبل موعد انعقاد القمة العالمية الأخيرة، وقائع الاعتداء على جمعية القضاة التونسيين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونقابة الصحفيين والمحامين والأساتذة الجامعيين. كما منعت الحكومة التونسية العديد من الجمعيات المدنية والأحزاب السياسية من النشاط بصفة قانونية إلى جانب محاصرة الصحافة الحرة والتضييق على الإعلام والصحفيين المستقلين. ولا تزال السلطة تعتقل مئات المساجين السياسيين منذ قرابة خمسة عشر عاما ً وتشن حملة اعتقالات ومحاكمات ضد المئات من الشباب تحت طائلة قانون الإرهاب الجائر وإصدار أحكام قاسية بحقهم. فالإعلام المستقل والحر في تونس خاضع لمختلف أساليب القمع والإرهاب وشتى محاولات التشويه والتطويع والاحتواء. فقد غاب عن الوعي الرسمي التونسي معنى الصحافة الحرة وصورة السجال الإعلامي النقدي والدور الطبيعي المنوط بكل عمل إعلامي في كشف الحقائق ونقد الظواهر السلبية ونشر القيم النبيلة، وما يعنيه ذلك من دور حافز لإشراك الناس، كرأي عام، في المراقبة والمتابعة وأيضاً الإسهام في اتخاذ القرارات، لاسيما عندما تتعلق بحياتهم ومصائرهم. فقد ساد في تونس لعقود متتالية حالة من انعدام الحرية واحترام حق الاختلاف، وتحويل الإعلام والصحافة إلى منابر دعاية لدعم إيديولوجية سلطوية شمولية إقصائية لا ترضى بغير صوتها صوتاً وحقلاً سياسياً مسخراً لنصرة برنامج الحكومة ومواقفها. إن ما يميز الإعلام الرسمي التونسي هو انتقائيته المذهلة في التعاطي مع جديد الحقائق والوقائع الملموسة ومحاولة تقزيم ما يعارض سياسات الحكومة، وتضخيم الداعم لها، مثلما يجري التلاعب بالمفاهيم والمصطلحات، وترويج ما يخدم منها على قاعدة المجاهدة في تبرئة الذات وعدم الاعتراف بالخطأ واعتبار ما جرى ويجري ليس أكثر من فعل أطراف خارجية معادية لتونس. لقد صيغ الإعلام الرسمي التونسي خلال عقود وفق رؤية تميزت بها الحكومات الشمولية الإقصائية التي تعتبر أي نقد لسياسات الحكومة تشهيراً وعداءً إن لم يعتبر إسهاماً في المخطط "الأصولي الإرهابي"المعادي! الأمر الذي أدى في تطبيقاته العملية إلى خلق ما يسمّى "كارثة الإعلام الموجه" وأهم نتائجه، يتمثل باحتكار البث الإذاعي والتلفزيوني وحزمة من الصحف والمجلات الصفراء غرضها الترويج لرأي النخبة، ومواقفها الممجوجة، وتوجيهاتها وإنجازاتها،وكيل السباب للمعارضين التونسيين الذين يعيشون في الداخل أو في المنافي ـ لا فرق ـ وما يترتب على ذلك من نحر الدور الطبيعي المنوط بالإعلام في مجتمع صحي، وإجهاض فرصة نشر الموضوعية والعقلانية وأسس المنهج العلمي وتطبيقاته العملية في تفسير الواقع الحي بعيداً عن تأثير المصالح الذاتية والتحيّز. ولما كانت مهمة الإعلام الرسمي التونسي هي الدفاع عن سياسات الحكومة، فلا قيمة عند هذه الأخيرة لاحترام رأي المواطن وعقله وملكته النقدية بل درج التعامل مع الناس على أنهم جهلة لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون ما يجري أو يجب أن لا يعرفوا. وتعجب كيف يغفل هؤلاء أو يتغافلون عن الفرص الكبيرة التي تتيحها عشرات الفضائيات ومئات الصحف والمجلات ومواقع الانترنت لتمكين البشر من متابعة ما يحدث عربياً وعالمياً وربما بأدق التفاصيل!. وتميزت تونس عن باقي البلدان العربية الأخرى ببروز ظاهرة الصحافة المأجورة الهابطة التي تطلق التهم من دون وجه حق، وتكيل الشتائم ضد بعض وسائل الإعلام العربية، وضد المعارضين التونسيين الديمقراطيين: من سياسيين، وإعلاميين، الذين يمتلكون رأيا مخالفا لرأي الحكومة، وينشرون مقالاتهم في صحف عربية، بحيث لم تقتصر هذه الاتهامات على الادعاء بأنهم يبيعون عقولهم وضمائرهم للغير لقاء حفنة من المال، كذا!! وإنما تصل غالباً حد التخوين والإدانة بالعمالة؛ وطبعاً لا يمكن تفسير شدة هذه الهجمة وحدّتها إلا بحجم الهزيمة التي مُني بها الإعلام الرسمي التونسي وانكشاف عمق أزمته وعجزه عن أداء دوره وفق العقل والمنطق، وعبر مقارعة الحجة بالحجة، والواقعة بالواقعة، للدفاع عن السياسات الرسمية. وتعاني الحياة الإعلامية والصحفية في تونس من التصحّرِ الفكر ي والثقافي، ومن انعدام أي مساحة لحرية الرأي المخالف، وهذه قضية سياسية بامتياز، من الصعب الاطمئنان لنجاعة علاج أزمتها ومشكلاتها بعيداً عن معالجة منظومة الحقوق والحريات الأساسية الغائبة في المجتمع. لا شك في أن أغلب الكتاب التونسيين يتمنون أن تتوفر في بلادهم فضاءات حرة للعمل الصحفي، وقوانين تسمح لكل صاحب موقف أن يبدي موقفه من دون رقيب أو حسيب، من دون مضايقات أو عقاب أو حصار ومحاربة حتى بلقمة عيشه. ويحلم كثير من الكتاب المعارضين أن يفسح لهم في المجال لإصدار الصحف والمجلات الخاصة، أو بالحد الأدنى أن تعرف البلاد مساحة "مقبولة" لاحترام حرية الفكر والرأي والتعبير.ولكن فاقد الشيء لا يعطيه! 4 ـ لماذا تحظى الحكومة التونسية بالدعم الدولي ؟ تتمتع الحكومة التونسية بمساندة قوية من العواصم الأوروبية، التي تتخيلها على غير ماهي عليه، وترى فيها سورًا واقيًا ضد الأصولية الإسلامية نظرا ً لعدائها الشديد لها. فهي تتمتع بحصانة من العقاب.وتسعى الحكومة التونسية إلى إرضاء الولايات المتحدة الأمريكية بانخراطها في مشروع "الشرق الأوسط الكبير "وتعميق مسار التطبيع مع الكيان الصهيوني وصولا ً إلى دعوة مجرم الحرب شارون ومن يمثله إلى حضور قمة المعلوماتية هذه في تونس، وقمع جماهير الشعب ومنعها من مساندة المقاومة الوطنية في العراق وفلسطين. ولم يكن كل ذلك ممكنا ً إلابعد أن أصبح الطابع الأمني معمما ً ومهيمنا ً على الفضاء العام ( الجامعة،الأحياء الشعبية، مقرات اتحاد الشغل، مقرات الجمعيات، الفضاءات الثقافية والترفيهية. ...) وخصخصة الدولة، وإلغاء السياسة من عملية إنتاجها في المجتمع، وتعميم القمع، ومصادرة الحريات العامة والفردية، واعتماد الحل الأمني أداة رئيسة في التعاطي مع قضايا المجتمع، وضرب ومحاصرة الجمعيات المستقلة والقطاعات المناضلة :الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان،جمعية القضاة، المحامون،الجامعيون،جمعية النساء الديمقراطيات،رابطة الكتاب الأحرار....وقمع الشبيبة الطلابية ومصادرة حقها في العمل النقابي والسياسي والثقافي. .... وبعد أن منعت السلطات التونسية انعقاد قمة المواطنة التي حاولت تنظيمها بتونس على هامش قمة المعلومات مجموعة من المنظمات العالمية المهتمة بحقوق الإنسان بالتنسيق مع منظمات المجتمع المدني التونسية، استمرت أجهزة الأمن التونسية في اعتدءاتها على الصحفيين التونسيين والأجانب على حد سواء.و طالت هذه الاعتداءات السيد إريك غولدشتاين الناشط الحقوقي المعروف من منظمة مراقبة حقوق الإنسان الأمريكية والسيد أنطوان برنار من الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان. بالرغم من تزايد الضغط المحلي والدولي، المسلط على الحكومة التونسية، من أجل التنفيس السياسي وإفساح في المجال أكبر أمام القوى السياسية والاجتماعية للنشاط العلني والحر، فإن السلطات تؤكد يوما ً بعد يوم، عدم استعداد ها لتحقيق مطالب المعارضة الديمقراطية وتطلعات الهيئات غير الحكومية الأجنبية.ذلك أن قيامها بمنع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان من عقد مؤتمرها الخامس، ومنع نقابة الصحفيين التونسيين من تنظيم مؤتمرهم التأسيسي، وطرد المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين من مقرهم، يكشف، لمن بقي لـه بصيص أمل في الحكومة التونسية، إخفاقها في ملاءمة فكرة الديمقراطية الليبرالية ذات الأصل الأوروبي مع الظروف التونسية. فعلى عكس الخطاب الرسمي، الذي يعد دوما بإصلاحات ديمقراطية " ترفع البلاد إلى مصاف الدول المتقدمة"، وخلافا ً لانتظارات المراقبين والمهتمين بالشأن السياسي، والذين راهنوا على دور انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات في تونس، في شهرتشرين الثاني/ نوفمبر 2005 في التليين والتلطيف من حدة القمع الممارس يوميا ً في تونس، فإن السلطات المحلية، هدمت تلك الأحلام وأسقطت تلك الحسابات في الماء، ووضعت الناشطين والفاعلين في الحقل السياسي أمام واقع متأزم، وفي موقف معقد، وأحرجت العديد من الدول الغربية التي لاتزال تنتظر إقدام الحكومة التونسية القيام بالإصلاح الديمقراطي والتحسين من وضع الحريات.ذلك أن آخر المعطيات والأحداث حول وضع حقوق الإنسان في تونس، تؤكد التمشي نحو التعميق من حدة هذه الوضعية. و تبين أن الحكومة التونسية والديمقراطيبة تتناصبان العداء، بدلا ً من أن تمهد إحداهما الطريق أمام الأخرى.و صار الشعب التونسي بعد أن أعيته كل دعايات الحكومة حول الديمقراطية والمجتمع المدني والحداثة، قانعا ً بما تيسر من أمن اقتصادي محدودٍ جدا ً، فاختصر الحرية السياسية وحرية التعبير، وحرية إنشاء الأحزاب السياسية المعبرة عن تطلعاته وطموحاته، حتى باتت الحرية مجرد إتقاء لشر التسلط والتعسف اللذين تمارسهما الحكومة، التي ناصبت العداء لكل دعوة إلى احترام حقوق الإنسان في تونس، ونصبت نفسها ممثلة للحقيقة المطلقة بصفة احتكارية تعلو على السيادة الشعبية. الديمقراطية مسألة مستجدة على المجتمع التونسي، بل هي وافدة برّانية. فقد اعتقد الشعب التونسي ومعه النخب الفكرية والسياسية، أن الديمقراطية قد انتصرت بعد عملية الاستبدال التي حصلت في رأس هرم الدولة :إزاحة الرئيس بورقيبة ومجيء الرئيس بن علي إلى السلطة، وأنها ستفرض نفسها باعتبارها الشكل الطبيعي للدولة، فضلا ً عن كونها المظهر السياسي الذي تتجلى من خلاله حداثة قائمة على اقتصاد السوق من حيث شكلها الاقتصادي، وعلى العلمانية من حيث تعبيرها الثقافي. فلا السوق السياسية المنفتحة والقادرة على المنافسة هي الديمقراطية، ولا اقتصاد السوق يشكل بحد ذاته مجتمعا ً صناعيا ً.بل إن بوسعنا القول، في كلا الحالتين، أن النظام المنفتح سياسيا ً واقتصاديا ً، شرط ضروري من شروط الديمقراطية أو التنمية الاقتصادية، لكنه غير كافٍ. صحيح أن لا وجود لديمقراطية من دون حرية اختيار الحاكمين من قبل المحكومين، ومن دون تعددية سياسية، ومن دون حرية تعبير، لكننا لا نستطيع الكلام عن ديمقراطية ما إذا كان الناخبون لا يملكون إلا الاختيار بين جناحين من أجنحة الأوليغارشية أو الجيش أو جهاز الدولة.لأن العولمة الرأسمالية المتوحشة التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية تتساهل تجاه انضمام دول مختلفةلاقتصاد السوق،منها دول تسلطية، ومنها دول ذات أنظمة تسلطية،آخذة بالتفكك، ومنها دول ذات أنظمة يمكن تسميتها ديمقراطية، أي أن المحكومين فيها يختارون بملء إرادتهم وحريتهم من يمثلهم من الحاكمين. وتشهد تونس اليوم عودة فكرة حقوق الإنسان بزخم أشد من السابق، لأن الذين يحملون هذه الفكرة هم من مكونات المجتمع المدني الحديث ومن ذوي العقول النقدية الذين يناضلون في أحلك أوقات هذا الزمن العربي ومراحله العصيبة ضدالتعسف. الديمقراطية تقتضي تلبية مقتضيين إثنين يبدوان في ظاهرهما متعارضين: من جهة، مقتضى احترام الحريات الشخصية إلى أكبر حد ممكن، ومن جهة أخرى، مقتضى تنظيم المجتمع بحيث يكون في نظر الأكثرية مجتمعاً عادلاً. إن الحرية بشقيها الإيجابي والسلبي هي الرغبة الديمقراطية بتزويد المقهورين والمضطهدين والتابعين بالقدرة على التصرف بحرية، وعلى النقاش مع السلطةالسياسية، والفعاليات الاقتصادية القابضة على زمام الموارد الاقتصادية، من باب التساوي معهم في الحقوق والضمانات.و لذلك كان التفاوض الاجتماعي، والديمقراطية الصناعية على نطاق واسع، فتحين كبيرين من فتوحات الديمقراطية: فقد أتاح عمل النقابات للعمال المأجورين أن يتفاوضوا مع أرباب عملهم في أقل الأوضاع سوءاً. وكذلك الأمر لحرية الصحافة، فهي ليست حماية لحرية فردية وحسب، بل إنها تزود الضعفاء بإمكانية إسماع أصواتهم، في الوقت الذي يستطيع الأقوياء أن يدافعوا عن مصالحهم سرا وبالكتمان إذ يعبؤون شبكات بحالها من صلات القربى والصداقة والمصالح الجماعية(6). لاشك أن الإصلاح الديمقراطي في تونس، يتطلب ذكاء سياسياً، وخيالاً معنوياً، وحاكماً عادلا ً، وسن الحكومة عفوا ً تشريعيا ً عاما ً، وإفساح في المجال لعودة كل المنفيين السياسيين والمحاكمين في قضايا سياسية مختلفة داخل البلاد وخارجها، بضمانات تكفل لهم كامل حقوقهم المدنية والسياسية. بيد أن الحكومة التونسية تريد من القوى الديمقراطية، والحركة الإسلامية الإصلاحية (النهضة)، إعلان توبتها، والتقدم برسائل استرحام شخصية إلى الرئيس بن علي يؤكد فيها أصحابها إلغاء تاريخهم السياسي الماضي، والانخراط في تجربة "الديمقراطية المتحكمة والمراقبة " التي قادتها سلطة السابع من نوفمبر، والتي كانت حينذاك عملية تجريب قامت بها الدولة على المجتمع بهدف السيطرة عليه، حيث أعقبت هذه التجربة، قيام دولة أمنية شديدة المركزية، افترست المجتمع المدني بحظر قيام مؤسسات خارجة عن الدولة، وعدم الاعتراف بالأحزاب السياسية التي تتمتع بقاعدة عريضة مثل حركة النهضة، وبالتالي ألغت صنع الأحزاب السياسية في صلب المجتمع، بحيث أصبحت السياسة منذئذ فصاعدا هي الدولة، ولا شيء غير الدولة. المعارضة التونسية غير المعترف بها رسميا على اختلاف مشاربها الفكرية والإيديولوجية، سواء في الداخل أو في الخارج، أعلنت عن ترحابها بأي مبادرة إيجابية تصب في تحقيق مصالحة وطنية حقيقية وفعلية بين السلطة والمعارضة، لاسيما الإسلامية منها. غير أنها تعتبر أن الحل يجب أن يكون شاملا ً لا إفراد يا ً. وتؤكد المعارضة هذه أن ممارسة الحريات لا يمكن أن تكون مشروطة إلا بما يحميها من أعداء الحرية، لذلك فهي ترفض الشروط الأيديولوجية والسياسية التي تستهدف إلزام الحركات السياسية بالدفاع عن الحكومة. ولا مجال للمعارضة أن تلعب دور الحجة على وجود الديمقراطية ظاهريا ً، أو أن تكون ديكورا ً لهذه العملية التي يراد تمريرها باسم الانفتاح. و تطالب المعارضة التونسية أولا ً، بإصدار عفو تشريعي عام في البلاد، وتجاوز الإجراءات المفروضة على المناضلين السياسيين والنقابيين. وثانيا ً، بإلغاء المحاكم السياسية والقوانين اللادستورية القائمة، لاسيما قانون الجمعيات وقانون الصحافة اللذين يحرمان على القوى والتيارات السياسية ممارسة حقوقها. وثالثا، مراجعة القانون الانتخابي، وتوفير الإمكانات المادية والإعلامية لجميع التيارات السياسية للمشاركة في العملية الانتخابية. و تؤكد المعارضة سعيها للحصول على حقها بممارسة عملها السياسي علنا في إطار الديمقراطية، وحرصها على مواصلة النضال لأجل تحقيق المطالب الديمقراطية للشعب التونسي التي تحاول الحكومة طمسها، والتي هي حاليا العفو التشريعي العام، وإقرار حرية التنظيم وحرية التعبير وحرية الاجتماع، والتظاهر بصورة فعلية، لا إقرارها النظري على صعيد الدستور، ومصادرتها على صعيد الواقع السياسي السائد حاليا ً. و لما كان موضوع الحريات الديمقراطية يحتل مكانا ً جوهريا ً في عملية بناء دولة القانون والمؤسسات، فإن المعارضة التونسية ترى أنه لا يجوز للحكومة وهي تتحدث عن مراعاة تقاليد دولة القانون والمؤسسات أن تتبنى في الوقت عينه رؤية حصرية وشمولية، وأيديولوجيا حصرية وشمولية تطرد الآخر من عالمها، ولا تنظر إلى الاختلاف إلا على أنه مروق وكفر وإضعاف لوحدة الجماعة في أحسن الظروف، وتعطي لنفسها من الحقوق والامتيازات، لا سيما امتياز تمثيل الطبقة أو الشعب، ما تنكره على غيرها. هذه الرؤية الحصرية تقلص المجال السياسي والحقوقي للمجتمع إلى الهوية الحصرية لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم، وتقلص الوطن إلى حدود سلطته، فلا يبقى من مكان للآخر المختلف عنه أو المعارض سوى القبر أو السجن أو النفي داخل الوطن أو خارجه. و حتى ترقى الحكومة التونسية إلى مستوى بناء دولة القانون والمؤسسات، عليها أن تنظر إلى حزبها أنه الجزء من الكل، وأن لا تجعل من حركته السياسية الجزء بدلا من الكل، لأن الكل هو الحركة السياسية، الجامعة للمسألة الوطنية التي تعبر عن نزوعها إلى التحرر والاستقلال والتقدم. هذه الحركة تشمل موضوعيا ً جميع الشخصيات السياسية الوطنية والديمقراطية، وجميع التيارات الفكرية والأحزاب السياسية بصرف النظر عن أيديولوجيتها، وبرامجها، وأهدافها وتركيبها الاجتماعي، وأساليب عملها، ولهذه الشخصيات، والتيارات والأحزاب المصنفة على أساس أيديولوجي وسياسي: التيار الإسلامي، والتيار القومي، والتيار الماركسي، والتيار الليبرالي ( باستثناء التيار الذي تتناقض إيديولوجيته مع المسألة الوطنية صراحة )، لها حقوق متساوية في العمل والتعبير السياسيين، وفي الترشيح للانتخابات الرئاسية والتشريعية لقيادة السياسة العامة للدولة التونسية، كما يضمنه لها ذلك الدستور بالنصوص، وذلك لأنها تمثيليات سياسية لقوى وفئات اجتماعية لها في مجتمعها حقوق متساوية، وأن كلا ً منها جزء من الحركة السياسية، ويعبر عن قوة اجتماعية هي جزء من الشعب. و تعتبر المعارضة التونسية أن للمواطنين التونسيين حقوقا ً متساوية ً بصرف النظر عن الواجبات، فحق السلطة متساوٍ مع حق المعارضة، لا سيما المساواة الحقوقية وليست الأخلاقية. وهذه المساواة هي مساواة المواطنين أمام القانون باعتباره أساس الموقف العقلاني من الآخر، لا سيما في مجال الأحزاب، والانتماءات السياسية إلى المعارضة أولا ً، وهذه المساواة التامة هي ضمانة الديمقراطية في العلاقة بين الحكم التونسي والقوى السياسية ثانيا ً، وفي علاقة الحركة السياسية بجميع تباراتها مع الشعب ثالثا ً، وأساس السياسة باعتبارها فاعلية اجتماعية رابعا ً. ذلك هو الطريق الضروري للقضاء على الاستبداد والتسلط في الحياة السياسية. (1) جوزيه ساراماغو ـ ماذا تبقّى من الديمقراطية؟ (2) حركة الديموقراطيين الاشتراكيين(MDS)، حزب الوحدة الشعبية(PUP)، الاتحاد الديموقراطي الوحدوي(UDU)، حركة التجديد والحزب الاجتماعي الليبرالي(PSL)، هذه الأحزاب تحتل 34 مقعداً من أصل 182 في مجلس النواب. وقد قدم كل من حزب الوحدة الشعبية والتجديد والحزب الاجتماعي الليبرالي مرشحين الى رئاسة الجمهورية فيما يستمر حزب حركة الديموقراطيين الاشتراكيين في دعم ترشيح السيد بن علي. (3) واجهة دستورية" المرجع: Hachemi Jegham, La Constitutin Tunisienne de 1861,Editions Chems,Tunis 1989. (4) د.أ محمد مالكي ـ الدستور الديمقراطي ودستور الدول العربية ـ بحث قدم "لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية" في اللقاء السنوي الخامس عشر الذي عقد في دولة الإمارت العربية المتحدة 2005، بمشاركة عدد من الأكاديميين والباحثين العرب.و قد نشرت صحيفة الخليج هذا البحث بتاريخ 17 سبتمبر 2005. (5) المرجع السابق عينه. (6) ألان تورين – ماهي الديمقراطية؟ حكم الأكثريةأم ضمانات الأقلية ـ دار الساقي، الطبعة الثانية 2001، (ص 18). |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |