اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل ـــ توفيق المديني

دراسة تاريخية سياسية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 04:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل الثاني عشر الجماهيرية الليبية تدخل رسميا [العصر الأمريكي]

وأخيراً، قرّرت الولايات المتحدة الأمريكية يوم 15 أيار / مايو 2006، إعادة فتح سفارتها في طرابلس الغرب، وشطب اسم ليبيا عن لائحة الإرهاب. وهكذا كافأت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش العقيد الليبي معمر القذافي على "القرارات التاريخية" التي اتخذها على مدى السنوات الثلاث الماضية، وقررت، باستئنافها العلاقات الدبلوماسية شبه المقطوعة بين البلدين منذ 25 عاما، وتحويل ليبيا إلى "نموذج" على أمل أن تقتدي به كل من إيران وكوريا الشمالية.‏

وتأتي الخطوة الأميركية تتويجًا لمسيرة أطلقها القذافي في العام ,2003 بعد أشهر من احتلال العراق، بقراره التخلي عن برنامج ليبيا لتطوير أسلحة دمار شامل ونبذ الإرهاب، وعمله الدؤوب على حل الكثير من العقد، التي كانت تقف حجر عثرة في طريق إعادة الدفء إلى العلاقات بين البلدين، وعلى رأسها قضية لوكربي.‏

فماهي الخلفية السياسية والإيديولوجية لهذا التحول الذي شهده نظام معمر القذافي من العروبة الوحدوية إلى القطرية الشوفينية تحت رايات "النظرية العالمية الثالثة"، فإلى محاكمة العروبة كدعوة عنصرية، فإلى الأفريقية بديلاً، فإلى إعادة تقسيم العالم إلى أمداء حيوية تتجاوز القوميات والوطنيات، ومن أوهام التحرر والتحرير، والاشتراكية المحققة للعدالة الاجتماعية، إلى اعتناق العولمة الرأسمالية، ومن اعتبار القدس كلمة السر في انقلاب أيلول/ سبتمبر 1969، إلى إسقاط القداسة عن فلسطين القضية، وإسقاط صفة العدو عن إسرائيل، لاختلاق مشروع دولة تندمج فيها القضيتان بغض النظر عن الحق والعدالة والهوية والتاريخ لتعطيا الثمرة المهجنة: إسراطين... ومن الدعوة لمجابهة أمريكا واستقبال الهنود الحمر بوصفهم أصحاب الحق الشرعي في تلك الأرض التي استعمرها الرجل الأبيض طويلاً ولا بد من أن تُعاد إليهم،ومساعدة حركات التحرر الوطني في العالم الثالث إلى التسليم المطلق بحق الإدارة الأميركية في أن تعيد تنظيم العالم وفق معاييرها؟‏

1 ـ دوافع الخيار الجديد‏

تتميز ليبيا تاريخيا ً بضعف جهاز الدولة وهشاشته وقصر عمره السياسي، فليبيا من أقطار المغرب العربي التي لم تعرف تقاليد الدولة الوطنية وفق المفهوم الحديث للمصطلح، فقط ظلت ليبيا مقسمة إلى أقاليم ثلاثة رئيسة هي برقة وفزان وطرابلس قرونا ً عدة(1). وجاءت السنوسية(2) كمحاولة لتوحيد هذه الأقاليم التي كانت تتمتع بصفات إدارية مختلفة.إلا أن هذه المحاولة اصطدمت بالاستعمار الإيطالي الذي حارب بلا هوادة المقاومة الوطنية من 1911 ـ 1932، ولعل ما يفسر رفض الليبيين للحكم الإيطالي ومقاومتهم لـه سواء في إطار السنوسية أو في إطارالجهاد المسلح بقيادة عمر المختار يقع في إطار رفض نموذج الدولة التي فرضها المستعمر الإيطالي.‏

من هنا نرى أن مفهوم الدولة بالمعنى الحديث لم يشكل قيمة مركزية في أذهان الضباط الأحرار بقيادة العقيد معمر القذافي، الذين فجروا ثورة الفاتح من سبتمبرعام 1969، بوصفها أحد المظاهر المعبرة عن رفض هزيمة الخامس من حزيران،و الداعمة لمسيرة المواجهة مع العدو الصهيوني.بل إن هؤلاء الثوار أرادوا أن يقيموا علاقة مباشرة مع الشعب تتجاوز العراقيل القومية والبيروقراطية.و هذه إحدى خاصيات الثورة الليبية.‏

فقد اندرجت "الثورة" في الخط الناصري المباشر، حيث اعتبر "الضباط الأحرار" في ليبيا أن تجربة مصر حافز لهم. وأن الرئيس جمال عبد الناصر هو القائد الملهم،الأمر الذي جذب الشارع الناصري على امتداد الوطن العربي الكبير إلى هذه التجربة الصاعدة. ولعل الالتزام "بالهوية" الناصرية جعلتها تحتل موقعها المميز في الضمير الشعبي، لاسيما أن الرئيس عبد الناصر كان من أوائل المؤيدين للحركة الانقلابية في ليبيا.وقد أعلن في أكثر من مناسبة مراهنته على التجربة الجديدة ورموزها الشابة،باعتبارهم أملا ً للأمة من جهة، ويذكرونه بشبابه من جهة أخرى(3).‏

لقد كان العقيد القذافي أثيرا ً لدى الثوريين العرب بشعاراته الطنانه والمتطرفة، وتفجيره "لثورة الشعبية "، وانتقاله المباشر إلى تشييد " الديمقراطية المباشرة" بعدما تبين أن بيروقراطية الاتحاد الإشتراكي عاجزة عن الانتقال بالجماهير إلى السلطة الشعبية. ففي 15 نيسان /أبريل 1973، ألقى العقيد معمر القذافي خطابه الشهيربمدينة زواره ـ غرب ليبيا ـ معلناً الحرب على الدولة الكلاسيكية ذات النمط الرجعي، ومؤذنا ً بعصر الانعتاق والتحرر من كل القيود القانونية بل وتعطيل القوانين، وتطهير البلاد من المرضى سياسيا ًأعداء الثورة، وإعلان عصر الثورة الشعبية والثقافية والإدارية. وباختصار عصر انهيار كل ما كان قائما ً ـ من أركان الدولة ـ قبل هذا التاريخ(4).‏

و في هذا المسعى المنهجي من تدمير الدولةالكلاسيكية القديمة، صاغ العقيد القذافي الكتاب الأخضر والنظرية العالمية الثالثة مع بداية عام 1977، حيث شهدت في تلك المرحلة تحولات غاية في الجذرية باتجاه إلغاء المؤسسات الحكومية بأطرها القانونية والبيروقراطية التقليدية لتحل محلها سلطة الشعب المباشرة.ولد نص إعلان سلطة الشعب على أن " السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية، فالسلطة للشعب ولا سلطة لسواه، ويمارس الشعب سلطته من طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات والاتحادات والروابط المهنية، ومؤتمر الشعب العام ويحدد القانون نظام عملها"(5).‏

و في أذار /مارس عام 1979، تم إنشاء اللجان الثورية التي شكلت مفصلا ًجديدا ً في تطور النظام السياسي الليبي نظرا ً لتأثيرها الكبير على المجتمع الليبي. وتكمن وظيفة هذه اللجان الثورية من الناحية الرسمية، في حث الجماهير على المشاركة في اجتماعات المؤتمرات الشعبية، وبقية الأنشطة الثورية، وتوجيه انتباه المؤتمرات الشعبية الأساسية إلى كيفية تحسين نوعية قراراتها واكتشاف الأفراد والجماعات المضادة للثورة.‏

اللجان الثورية من الناحية السياسية العملية هي بمنزلة حزب شمولي يؤطر الجماهيرلخدمة أغراض النظام السياسي الليبي، فضلا ً عن أنها تقوم بوظيفة أمنية مثل باقي الأحزاب الشمولية الحاكمة.ففي شباط، فبراير 1980، أعلن أن اللجان الثورية ستتولى مسؤوليات جديدة استعدادا ً للاقتحام النهائي لمجتمع الاستغلال والديكتاتورية، ومن هذه المسؤوليات التصفية الجسدية لأعداء الثورة في الخارج، وتصفية كل العناصر التي تعرقل عملية التحوّل الثوري، وإقحام الجماهير في تحويل المجتمع البرجوازي الاستهلاكي إلى مجتمع اشتراكي وإنتاجي، وإنشاء محكمة ثورية مكونة من أعضاء في اللجان الثورية، ويكون قانونها قانون الثورة فقط لا غير.و انطلاقا من ذلك أصبحت اللجان الثورية،و بسبب حماسها الشديد والتزامها الكامل تصورات الكتاب الأخضر وتوجهاته، أهم الأدوات الأساسية لدى العقيد القذافي لتعبئة الجماهير الليبية وتوحيدها(6).‏

غير أن العقيد القذافي الذي التزم بالخط الناصري، واعتنق العروبة والوحدة العربية مذهبًالليبيا، ثم تبنى لاحقا ً الاشتراكية، انتقل مع بداية عقد التسعينيات من خدمة أهداف القومية العربية إلى اعتناق الفضاء الإفريقي، وأخيرا ً إلى الدوران حول الفلك الأمريكي. وتكشف لنا هذه المراحل كلها التي قطعها العقيد معمر القذافي، عن الدوافع والأهداف السياسية للنظام الليبي، خاصة منها الاستسلام للضغوط الأميركية، ومحاولة استرضاء ومصالحة واشنطن وكسب ودّها عبر البوابة الصهيونية.‏

ولا شك أن انهيار نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسيين قد عجّل في جعل الزعيم القذافي يتخذ القرار بالاستدارة غربا ً لإنها ء طريقة الدفاع الوحيدة عن نظامه وليس اقتناعاً بالتوجه الغربي. وهذه الخطوة التي تعتبر فاتحة لتقليد جديد يفتح أبواب الاتصال والتطبيع بين ليبيا والولايات المتحدة الأمريكية ومن ورائها الكيان الصهيوني، لاسيما بعد عقد صفقة لوكربي مع الغرب قبل عام، وبعد انضوائه أيضا ً في الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة ما يسمى الإرهاب. هكذا قال الرئيس الأمريكي جورج بوش ليلة أعلن بدء "انخراط ليبيا في الأسرة الدولية" بعد الإعلان الذي أصدرته بالتخلي عن كل برامج أسلحة الدمار الشامل.‏

إن الانحناء للعاصفة الأمريكية تذكرنا بالتغيرات الدراماتيكية للعقيد القذافي القديمة ـ الجديدة، وتسقط عن وجه القذافي نفسه آخر الأقنعة، بعد إعلانه الدراماتيكي الذي يعبر عن تغيير راديكالي في السياسة التي اتبعها منذ سيطرته على الحكم في ليبيا في العام 1969. وإذا كانت هذه الحركات ليست جوهرية في الصراع العربي مع الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني بحكم الوزن المحدود لليبيا، إلا أنها أفعال على حجم صانعيها، إذ يهجر القذافي حلفه القديم مع الدول العربية والإسلامية الراديكالية ليختار قيادة مصالح دول الغرب.‏

في أعقاب وصول معمر القذافي إلى سدة الحكم، في الفاتح من سبتمبر، 1969 اشترطت الحكومة الأمريكية قبل اعترافها بالوضع الجديد، الاحتفاظ بالقواعد الأمريكية (قاعدة هوليس) والالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات القائمة بين البلدين، واستمرار التعاون والمحافظة على المصالح الأمريكية في ليبيا، الأمر الذي قبله نظام الحكم الجديد. غير أن قضية الجلاء كانت بداية التوتر، وبعد سلسلة مفاوضات، في 23 ديسمبر 1969، تم الاتفاق على جلاء القوات الأمريكية في موعد أقصاه شهر يونيو/ حزيران 1970.‏

وتم بالفعل في 11 من الشهر نفسه، وتحولت "هوليس" إلى قاعدة "عقبة بن نافع" وقاعدة الملاحة إلى قاعدة "جمال عبدالناصر"، ثم جاء مشروع ليبيا في فرض إشرافها على الاحتكارات الأمريكية والبريطانية في قطاع النفط، وسياستها في الأوبك، والتأميم للقطاع النفطي، والمشاركة في تسييس سلاح النفط خلال حرب، 1973 بمنزلة عوامل توتر حقيقية في العلاقات مع الولايات المتحدة، وبروز "المشروع الثوري الليبي" الرامي إلى تحطيم سيطرة الإمبريالية أو الاستعمار الجديد في العالم الثالث، وبالتالي مناصرة كل الحركات الثورية، عربية وغير عربية، المعادية للولايات المتحدة والرامية إلى كسر شوكة الهيمنة الأمريكية. ونتيجة لما حققه تزايد معدلات إنتاج النفط وارتفاع أسعاره، توافرت قدرات مالية كبيرة ساعدت على تحقيق أهداف ومهام متسعة للسياسة الخارجية الليبية، والتقارب مع المعسكر الاشتراكي(7).‏

وكانت ليبيا رفعت أهدافا ثورية خارجية منها محاولة تحقيق الوحدة العربية ومقاومة الإمبريالية الغربية عامة، والأمريكية خاصة، وملاحقة التغلغل الصهيوني، ودعم ومساندة الحركات الثورية في العالم الثالث. وقد سعت إلى تحقيق هذه الأهداف وهي مستندة لعوائد نفطية ضخمة تجاوزت في بعض السنوات العشرين مليار دولار، حيث يصل الإنتاج الليبي اليومي إلى 1،3 ملايين برميل والاحتياط المؤكد نحو 30 مليار دولار.‏

كما ساعدت الحرب الباردة التي شهدت صراعا ً حادا ً بين القوتين العظميين إضافة لصمود النظام الرسمي العربي في مواجهة الاختراقات الخارجية خلال السبعينيات والثمانينيات منة القرن الماضي، حيث لم يكن يعاني من الضعف والاختراق التي عانى منها في فترة لاحقة بعد الغزو العراقي للكويت في 2آب/أغسطس 1990. وأتاحت هذه الظروف هامش حركة للسياسة الخارجية الليبية. ومن المعروف تاريخيا ً أن ليبيا تعتبر نفسها ثورية، ورفعت أهدافا ثورية خارجية: منها محاولة تحقيق الوحدة العربية، ومقاومة الإمبريالية الغربية، وملاحقة التغلغل الصهيوني، ودعم النظم والحركات الثورية في العالم الثالث. وكانت ليبيا نقطة توتر حقيقية زمن الحرب الباردة التي شهدت صراعا ً حادا ً بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة الأمريكية من جهة، والاتحاد السوفييتي من جهة أخرى.‏

ففي عام 1973 أمم الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي قطاع النفط وحظر خليج سرت على الاسطول الامريكي السادس،واتهمته واشنطن بالإرهاب، وعلى أثر ذلك غادر السفير الأمريكي طرابلس. وفي عام 1978فرضت أول عقوبات أمريكية (حظر عسكري) على ليبيا. وفي عام1979 دعمت طرابلس الثورة الايرانية، وتم إحراق السفارة الامريكية في طرابلس.و في 15 نيسان من عام 1986 حصل العدوان الأمريكي على طرابلس وبنغازي أسفر عن سقوط 41 قتيلاً ليبياً. وفي 23 كانون الأول من عام 1987 عبرت واشنطن عن "قلقها"إزاء بناء مصنع في الربطة (جنوب غرب طرابلس) الذي قديستخدم لصنع أسلحة كيميائية بينما أكدت طرابلس أنه مصنع للأدوية. وفي 21كانون الأول من عام 1988 حصل: اعتداء لوكربي (270 قتيلا). وفي31آذار/مارس من عام 1992 أصدر مجلس الأمن القرار 748القاضي بفرض حظر جوي عسكري على ليبيا. وفي 15 كانون الأول من العام ذاته مددت واشنطن حظرها الجوي على ليبيا ثم جددت الأمم المتحدةوالولايات المتحدة عقوباتها كل سنة.‏

لكن السياسة الخارجية الليبية لم تحصد سوى الإخفاقات، فلم يكتب النجاح لأي من المحاولات الوحدوية التي اجترحتها ليبيا مع الدول العربية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، جراء الرغبة الليبية في تغليب وجهة نظرها، وعمل وحدة اندماجية فورية قبل تأسيس قاعدة للتعاون المشترك.كما خلف الدور الليبي المساند والداعم لأحزاب وقوى حركة التحرر الوطني في العالم الثالث عامة، والعالم العربي خاصة، التي تناضل ضد الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، خلف هذا الدعم صورة ذهنية لدى القوى الغربية أن ليبيا تساند"الإرهاب"، وتقوم بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول وهو ماخلفه التورط الليبي في تشاد والذي انتهى بهزيمة قاسية للجيش الليبي في الثمانينيات(8).‏

كما أن الدعم الليبي لقوى وحركات التحرر الوطني والنظم التقدمية التي تقاوم الامبريالية الأمريكية، جعل ليبيا توصم في مخيلة وذهنية الغرب عامة، وأمريكا على وجه الخصوص بأنها دولة تساند "الإرهاب". هذا فضلا عن التوترات التي عرفتها ليبيا مع العديد من الدول العربية والإفريقية.‏

و مع انهيار الإتحاد السوفييتي، وهيمنة القطب الأمريكي الأوحد على مجريات السياسة الدولية بعد الهزيمة العربية المدوية في حرب الخليج الثانية عام 1991، تعمقت أزمة السياسة الخارجية الليبية بسبب عدائها للولايات المتحدة الأمريكية، واتهام طرابلس بالضلوع في تفجير طائرة" بان أميركان" فوق بلدة لوكربي باسكتلندا عام 1988، وطائرة "يوتا" الفرنسية فوق صحراء النيجر عام 1989، الأمر الذي جعل ليبيا تتعرض لعقوبات فرضتها الأمم المتحدة في قرارين صادرين عن مجلس الأمن عامي 1992و 1993. وكانت هذه العقوبات تم تعليقها في عام 1999، عندما سمح العقيد القذافي للمحققين الفرنسيين بزيارة طرابلس لإجراء تحقيق حول حادثة طائرة يوتا،ثم بعد تسليمه الليبيين المتهمين بتورطهما في حادثة لوكوربي. بيد أن الحظر على الأسلحة الذي يعود إلى عام 1986، ظل مستمرا ً.‏

وكانت العقوبات الدولية التي فرضت على ليبيا في عام 1992 نقطة تحول في سياسة الدولة الليبية الخارجية.إذ قطعت ليبيا علاقتها بجميع القوى والحركات الثورية في العالم, وسعت إلى لعب دور إقليمي ودولي ذي طبيعة سلمية يزيل الصورة المأخوذة عنها كدولة "إرهابية".‏

و أعلنت ليبيا تصديها للكيان الصهيوني، ودعمها لأي دولة تقطع علاقاتها مع "إسرائيل"، وهو ما أثار حفيظة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي اعتبرتها ليبيا رمزا ً "للإمبريالية المستغلة" يجب مقاومته. وبالمقابل ناصبت الولايات المتحدة الأمريكية العقيد القذافي العداء،و اعتبرت ليبيا "دولة مارقة "، واتهمتها بالمسؤولية عن انفجاري روما وفيينا في ديسمبر 1985، بل عن واشنطن حاولت اغتيال القذافي نفسه حينما قامت طائراتها بقصف مقره في ثكنة العزيزية في طرابلس في 16 أبريل عام 1986، لكنه نجا وتوفيت ابنته بالتبني.‏

لقد تكرست عودة الاتصالات الرسمية بين ليبيا والولايات المتحدة مع استقبال طرابلس توم لانتوس أول برلماني أمريكي يزور العاصمة الليبية منذ ثلاثين عاما ً ووفداً أمريكياً من سبعة برلمانيين برئاسة النائب الجمهوري كورت ولدنفي خريف عام 2003.‏

2 ـ التحولات في السياسة الخارجية الليبة‏

بيد أن التحول في علاقات ليبيا مع الغرب حصل عندما قبلت طرابلس في أكتوبر 2002 دفع تعويضات تقدر بنحو 2،7مليار دولار لأقارب ضحايا طائرة البانام الأمريكية، بواقع 10 ملايين دولار عن كل ضحية،و قررت التخلي عن برنامجها بشأن أسلحة الدمار الشامل في ديسمبر 2003، والالتزام بالانضمام إلى معاهدة تدميرالأسلحة الكيمياوية في كانون الثاني/يناير 2004، والتوقيع على بروتوكول إضافي لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، يسمح بالتفتيش المفاجىء في آذار/مارس 2004. ومن جانب آخر، استطاعت ليبيا أن تعيد علاقتها مع فرنسا حيث قامت بدفع 35 مليون دولار كتعويضات لضحايا طائرة يوتا. كما قبلت ليبيا إصرار فرنسا على تعديل اتفاق التعويضات وهو مارضخت لـه طرابلس في 9 يناير 2004 , حيث وقعت على تعويض إضافي لأسر الضحايا قدر بنحو 170 مليون دولار. ومنذ حينئذ ما انفكت مسيرة عودة ليبيا إلى المجتمع الدولي تسير بخطى متسارعة.‏

هكذا فإن الإدارة الأمريكية وربيبتها "إسرائيل" تستغلان فرصة استثمار حالة التمزق العربي، وتوافر عند أغلبية الحكام العرب قناعة بضرورة التفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، لكي تقوم بهجومها السياسي والعسكري على جبهة الانتفاضة الباسلة في فلسطين المحتلة التي تقف كقوة مناضلة ومقاومة لمسلسل الانحدار التاريخي العربي، الذي قبل فيه العرب الشروط الأميركية – الصهيونية للتسوية، طبقا ً لمخطط الحلف الاستراتيجي الأميركي ـ الصهيوني، الذي يريد تعميم سياسة كامب ديفيد على عموم المنطقة العربية، على الرغم من القمع والبطش والمجازر، والاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق، وعلى الجبهة العربية بإشغال الرأي العام العربي بإمكانية التطبيع، وخلق وقائع تعايش سياسي ونفسي واجتماعي واقتصادي بين الصهاينة والعرب.‏

وهذه الخطوة اليائسة للعقيد القذافي تجد مصدرها في العدوان الأميركي على ليبيا في نيسان/أبريل العام 1986، التي تعيش منذ ذلك الوقت تهديدات جدية إقليمية ودولية، وفي الحصار الأميركي المتواصل على ليبيا، وفي أحد التأثيرات السلبية للحرب الأمريكية على العراق، ولإزالة صدام حسين، حيث أدرك العقيد القذافي أنه إذا شد الحبل أكثر من اللازم ستكون العملية العسكرية ضده مسألة حتمية، سواء على يد الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا أو الكيان الصهيوني،الذي رأى في مشروع ليبيا النووي خطرا ً عليه. وبرر القذافي انعطافته المفاجئة بأنها جاءت نتيجة اقتناعه الشخصي نافيا ً أن يكون قراره نتيجة سقوط النظام العراقي واعتقال صدام حسين المهين. ثم دعا البلدان التي تملك أسلحة دمار شامل إلى أن تحذو حذو ليبيا لمنع تعرض شعوبها للمآسي، زاعما ً أن قراره سيشدد الخناق على" الإسرائيليين" حتى يكشفوا عن أسلحتهم للدمار الشامل، لاسيما بعد احتلال العراق على يد الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم وجود أي دليل على أن العراق يملك أسلحة دمار شامل، وموافقة إيران على التفتيش المعمق والشامل لمنشآتها النووية،و الاتفاق مع ليبيا.‏

وقد دفعت هذه الخطوة العقيد القذافي إلى تقديم معلومات تفصيلية إلى الاستخبارات الأميركية حول المئات في "القاعدة" كرشوة سياسية لإدارة جورج بوش لعل ذلك يقنعها بالابتعاد عن مشروع إنشاء قواعد عسكرية في جنوب الجزائر ومالي والنيجر. ورحبت إدارة بوش كثيراً بخطوة ليبيا الأخيرة، واعتبرت أن التغيير البطيء الذي يحدث في إيران، سيجعل دول المنطقة في وضع المتحالف معها ولو من غير معاهدات موقعة. وهذا ما يجعل الضغط السياسي والاقتصادي على سورية مضاعفاً لعل "الجوزة الصلبة" تنكسر أيضاً كما انكسر العراق وليبيا.‏

وهنا يمكن لنا أن نحدد مضمون السياسة الخارجية الليبية الجديدة في النقاط التالية:‏

ـ تخلي ليبيا عن دعم مايسمى "الإرهاب"وضح هذا بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 731 للعام 1992 حيث أعلنت الجماهرية في بيان الأمانة الخارجية أنها:‏

1 ـ قطعت علاقاتها مع جميع المجموعات والمنظمات التي تتورط في الإرهاب الدولي بجميع صوره وأشكاله.‏

2 ـ ليس لديها معسكرات لتدريب الإرهابيين وإيوائهم، ودعت لجنة من مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة أو أي هيئة تابعة للأمم المتحدة للتحقق من ذلك.‏

3 ـ لن تسمح باستخدام أراضيها ومواطنيها أو مؤسساتها للقيام بأعمال إرهابية بصورة مباشرة أو غير مباشرة وتوقيع العقوبات على من يثبت تورطه في مثل هذه الأعمال.‏

4 ـ تلتزم باحترام الخيارات الوطنية وتبني علاقاتها على أسس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة.‏

ولم تكتف ليبيا بإصدار هذا البيان بل إنها وضعته موضع التنفيذ وبدا ذلك في مؤشرات عدة أبرزها إنهاء ليبيا الأزمة حول قطاع أوزو مع تشاد بتحويل القضية للتحكيم الدولي الذي حكم لصالح تشاد عام 1994، كما أوقفت دعم حركات التمرد والنظم "الثورية" في إفريقيا. وبعد "الانخراط" في الأسرة الدولية، ها هوالعقيد القذافي يقوم باستدارة كاملة ويختار الغرب وينصح الآخرين باعتماد الخيار ذاته لأنه، في رأيه، أبقى لهم. ولكل مرحلة من المراحل الثلاث ظـروفها وملابساتها والتباساتها التي حملت القذافي على السير في ركابها(9).‏

من الضروري الانتباه إلى أن تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل (التي لم تكن امتلكتها بعد!) لا يكفي سبباً لهذا الاندفاع الأمريكي البريطاني نحو التطبيع معها، فالسياسة الأمريكية النفعية القائمة على استنفاد موارد وقدرات الأطراف الأضعف حتى أبعد مدى يصعب تصديق قبولها التطبيع مع ليبيا وإدخال تحول جذري في الموقف الأمريكي تجاهها لمجرد إعلان طرابلس وقف مساعيها لبناء قدرات نووية أو تسليم ما لديها من كميات غازات سامة. كذلك ظن بعض المراقبين أن التحول الحاصل في السياسة الليبية جاء نتاج "الصدمة والترويع" اللذين أصيب بهما العالم العربي جرّاء سقوط العراق ثم سقوط رئيسه صدام حسين، وهو ظن في غير محله.. وربما عملت الدوائر الغربية على ترويج هذه المقولة ردعاً للعرب ولدفعهم دفعاً إلى اتباع النهج الليبي. غير أن بلسان المسؤولين الليبيين أنفسهم ترجع اتصالاتهم مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى عام كامل قبل القبض على الرئيس العراقي صدام حسين، أي قبل شن الغزو الأمريكي ـ البريطاني على العراق أيضاً.‏

وواقع الأمر أن التحولات الليبية التي بدأت قبل سنوات لم تتوقف عند مستوى الخطاب، كما لم تقتصر على وقف الدور الليبي في مساندة بعض التنظيمات أو الحركات السياسية والعسكرية، فهناك مظاهر أخرى لهذا التحول الليبي يصعب فصلها عما نشهده حالياً من تحول مقابل في السياسات الأمريكية والبريطانية تجاهها، وربما يأتي موقف ليبيا من الوضع العربي على رأس هذه المظاهر. فمعروف أن لواشنطن على وجه الخصوص موقفا ً معاديا ً بوضوح وأحياناً بصراحة للنظام العربي ولكل ما هو عربي كبر أم صغر.. بالتالي فإن الابتعاد الليبي عن الإطار العربي يصب مباشرة في خانة موالية لواشنطن وسياساتها، سواء كان هذا الأمر مقصوداً أو متفقا ً عليه أم لا فربما كان التوجه الأفريقي لليبيا نتاجاً تلقائياً لطبيعة شخصية العقيد القذافي بما تحمله من سمات المفاجأة والقرارات غير المتوقعة، أو مجرد جرأة على كسر التابو العربي والثورة على حالة الجمود والخنوع العربي العام السائدة منذ سنوات. أي ليس بالضرورة أن تكون الأهداف والنوايا غير طيبة، لكن في النهاية النتيجة واحدة هي أن دولة ما تباشر سياسة تتوافق مباشرة مع مصالح دولة أخرى وأهدافها(10).‏

وبسقوط " ليبيا المتشجعة بـ"سقوط" إيران التي حملتها الضغوط على فتح منشآتها النووية أمام عمليات التفتيش المفاجئة بعد الكثير من التردد في هذا المجال، يزهو بوش بالانتصارات التي يحققها في سياسته الخارجيةلجهة تطبيقه مشروع الشرق الأوسط الكبير. ومن طريق الانضمام الليبي إلى الغرب، تحقق الولايات المتحدة نصرا ً استراتيجيا ً يوفر لها الوصول إلى حقول النفط الليبية الغنية بالنفط الخفيف ذي النوعية العالية، بعد حقول النفط العراقية. وهذا يجعلها تشعر بأنها أكثر حرية في اتخاذ قرارات قد تصل إلى الاستغناء عن النفط السعودي الذي يشكل حلقة صراعها مع بن لادن. وبعد أكثر من 34 عاما ًعلى احتفاء القذافي بطرد الغرب من القواعد العسكرية في بلاده، ها هو يعود ويفتحها لـه مجددا ً!‏

كما أن الولايات المتحدة الأميركية تريد إقناع العرب جميعا ً أن تحسين العلاقات معها باعتبارها الدولة الأعظم، يتم عبر إزالة العرب ما يمتلكونه من أسلحة الدمار الشامل، من خلال تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. ولم يواجه هذا التغلغل الأميركي مواجهة جدية منذ العام 1970، لأن الحكام العرب الذين صعدوا في ظل هزيمة الأمة، وتراجع المد القومي، وانحسار حالة النهضة الثانية، يبحثون عن مداخل للإذعان للشروط الأميركية، ومن هذه المداخل، مدخل اقتصادي يسمى انفتاح هنا وهناك، ومدخل سياسي هو الانخراط في عملية التسوية طبقا للشروط الأميركية – الصهيونية، وانحياز معظم الحكام العرب إلى جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في حربهما على الأمة العربية.‏

ولعل السياسة الأميركية في استقطاب الحكام العرب ضد كل من العراق، إنما تهدف إلى كسر ما تبقى من شوكة العرب القومية، لأن العراق من بقايا معسكر الرفض العربي، ولأنه دولة نفطية، تتوافرعلى إمكانات غير قليلة، إذا وظفت من قبل قوى قومية راديكالية في إطار مشروع قومي ديمقراطي، يسهم في بناء حركة نهضوية للأمة العربية.‏

في بداية النهوض القومي ربط الفكر السياسي العربي بين الإمبريالية، والصهيونية. وكان الموقف من أحدها يحكم الموقف الآخر، حتى كانت هزيمة حزيران، وساء فهم التكتيك الناصري المتمثل في قراءات القمة العربية، ثم مع صعود الأنظمة الموالية للغرب والقطرية، بدأت عملية فك الترابط بين أجزاء هذه الحملة الإمبريالية الأميركية، والصهيونية. فكان شعار السادات 99 في المئة من أوراق الحل بأيدي أميركا، وهذا يعني فصل الإمبريالية الأميركية عن الصهيونية والكيان الصهيوني، وقبلها قد سحبت الشعارات المعادية للدول الصديقة للغرب من التداول.‏

وإذا كان الوعي السياسي العربي القومي والتقدمي قد أقام الارتباط بين هذه القوى المعادية من وحي التجربة المباشرة، سواء في معارك الاستقلال، أو في معارك التنمية، أو في معارك الوحدة القومية، فإن على الوعي السياسي العربي اليوم أن يعود إلى تلك النقطة المشرقة، ويعيد بناء الوعي السياسي العربي على أساسها، أي على أساس، صراع الأمة العربية مع معسكر العدو الرئيس، الإمبريالية الأميركية التي تزداد توغلا ً وتوسعا ً في الوطن العربي، والكيان الصهيوني الذي يزداد قوة وغطرسة، وسياسة التطبيع الرسمية العربية التي تزداد شراسة باعتبار أن لا تجزئه لمعسكر أعداء الأمة العربية، فضلا ً عن معاداته لأي مشروع تحديثي للمجتمع العربي.‏

هل بلغت جهود التطبيع منذ كامب ديفيد، وتقديم التنازلات المجانية درجة من النجاح ترضي الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة الأميركية ؟ مادام الشعب العربي ليس حاكما ً، لا سيما لمصيره، فإن حكمه تحمله مقبلات الأيام. إن الإمبريالية الأميركية، والكيان الصهيوني، قد يفلحا في تمييع الصراع العربي الصهيوني باعتباره مظهرا ً من مظاهر صراع الأمة العربية ضد الإمبريالية، وضد التأخر التاريخي والاستبداد في آن معا ً، أو قد تستطيع إنهائه عن طريق ضرب الحركة السياسية القومية الديمقراطية، وتفتيت قواها، وتمزيق أشلاء الجسم السياسي العربي، وتعزيز الكيانات القطرية، حتى لا يرى المواطن العربي في الدولة القطرية سوى صورة الحاكم، والسياسة التي تخدم مصالح الطبقة البرجوازية الكمبرادورية والفئات القائدة لها، التي مسخت نتائج ثورة التحرر الوطني الناقصة، وتعمل الآن على إلغاء الثورة القومية الديمقراطية كاحتمال تاريخي، وتريد أن تجعل من القطرية قومية الطبقة الحاكمة، في محاولة عبثية لإرجاع الوضع داخل كل قطر إلى الوضع العربي الذي كان سائدا ً في الخمسينيات والستينيات، حيث الأنظمة العربية تستند فيه إلى حكم الفئات ما قبل المجتمع المدني، وما قبل القومية، وما قبل الديمقراطية، وهنا تحدد مسؤولية الحركة السياسية العربية، وقواها الفاعلة أحزابا ً وأفرادا ً، مناضلين ومثقفين. فمن خلال نشاط هذه الحركة السياسية العربية يمكن أن تحد من مفاعيل الإعلام العربي الرسمي، وثقافة التطبيع، المخترقين صهيونياً وأميركيا ً. علما ً أن الحركة السياسية العربية الراهنة تطلق أحكام قيمة، وهي شاهدة زور على ما يجري.‏

هل يمكن للتحرر من الهيمنة الإمبريالية ومن شروط التبعية، وهل يمكن تحرير الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها فلسطين والعراق، من دون أن تحرز الأمة العربية تقدماًً ملموسا ً، وتقدم الأمة العربية مشروط بوحدتها ؟ وبالمقابل هل يمكن إحراز التقدم من دون أن تحرز الأمة استقلالها وسيطرتها على مقدراتها ؟ إن هذا يطرح علينا علاقة التحرر بالتقدم. فالتحرر من الإمبريالية الأمريكية مدخله النضال القومي الديمقراطي الوحدوي، وبالتالي فإن تحرير فلسطين والعراق مهمة قومية، ويجب أن يوضع التحرير في موقعه من مهمات العمل القومي الديمقراطي، باعتباره هدفا ً رئيسا ً، لا يعلو عليه أي من الهدفين الآخرين، تحقيق الوحدة القومية، وبناء الديمقراطية والمجتمع المدني بالتلازم مع دولة الحق والقانون، من حيث الأهمية، حيث أن هذه الأهداف الثلاثة مترابطة عضويا ً، بصرف النظر عن الأولوية التراتبية التي يحتلها أي منها في ظل تضاريس الجغرافيا الطبيعية والبشرية، والتاريخية، والاستراتيجية، للمنطقة العربية. ثم إن تحرير فلسطين ليس مشروعا ً فلسطينيا ً، وإن كان هذا ما يلزم أبناء فلسطين واجب العمل من أجل تحريرها باعتبارهم جزءا ً من قوى الثورة القومية الديمقراطية العربية، لا باعتبارهم قوة مستقلة تعمل خارج سياق العمل القومي الكبير، أو بموازاته، لكي يأخذ تحرير فلسطين بعده القومي الحقيقي، وقوته الحقيقية.‏

إن تحرير فلسطين ليس مشروعا ً بونابرتيا ً لأي حاكم عربي، ولا هو مشروع لأي حزب، أو لطبقة اجتماعية، إنه في جوهره من برنامج الثورة القومية الديمقراطية العربية، بل هو من مهمة الطبقات الشعبية من العمال والفلاحين الفقراء، والشرائح الثورية والديمقراطية من الطبقة الوسطى، وجزء من تقدم الأمة العربية ووحدتها. والنضال من أجل تحرير فلسطين هو الاندماج في المشروع القومي الديمقراطي المعادي جديا وفعليا وراديكاليا للإمبريالية الأميركية، والصهيونية والكيان الصهيوني، والمستند إلى قوى الشعب، وإلى جماع الأمة، وليس إلى فئة، أو طبقة، أو حزب، مهما ادعت تلك الفئة أنها ممثلة الأمة، ونائبة عن أكثريتها، وإن كان ذلك لا ينفي حقيقة أن القطر المتقدم، أو الأقل تأخرا ً بالأحرى، ستكون مسؤوليته أكبر، وتأثيره أعمق، ولكن لن يكون أبدا ً بديلا ً عن الكل، أو نائبا ً عن الأمة العربية، والشعب العربي.‏

فالقومي في المنظور الحديث والعقلاني والديمقراطي يجب أن يغلب، لأنه الحل الراديكالي والوطني الوحيد، وهو لا يحذف القطري أو يصفيه، على الرغم من أن التجربة العربية تثبت لنا أن الحل القطري هو التصفية، وهو ليس حلا ً وطنيا ً في مختلف المجالات: التحرير، والتنمية، والديمقراطية، بل بالأحرى أن القومي يحتوي القطري، وينزع منه كل عنصر انعزالي أو إقليمي ضيق، أو محلوي الذي يحول القطرية إلى هوية قومية، أي يدرجه في السياسي القومي الديمقراطي، ويعيد صوغه وفق مقتضيات هذا السياق، والنسق القومي الديمقراطي.‏

إن المدخل المنطقي والتاريخي، وربما المدخل الوحيد الممكن لاستنهاض الأمة العربية واستعادة الشعب العربي إلى دائرة الفعل السياسي الراديكالي هو إعادة بناء الحركة السياسية العربية القومية الديمقراطية بالمعنى الحديث، والعقلاني، والتاريخي للكلمة، ويلعب المثقفون العرب، وكتلة الانتلجنسيا التقدمية دورا ً أساسا ً بل مفتاحا ً في ذلك، وفيما عدا ذلك يصبح أي خطاب سياسي عن التحرير، والوحدة، والتنمية، هو أقرب إلى الإنشاء والبراعة الخطابية ليس إلا.‏

و هكذا نصل إلى نتيجة مفادها أن الولايات المتحدة الأميركية تريد إقناع العرب جميعاً أن تحسين العلاقات معها باعتبارها الدولة الأعظم، يتم عبر إزالة العرب ما يمتلكونه من أسلحة الدار الشامل، ومن خلال تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني. ولم يواجه هذا التغلغل الأميركي مواجهة جدية منذ‏

العام 1970، لأن الحكام العرب الذين صعدوا في ظل هزيمة الأمة، وتراجع المد القومي، وانحسار حالة النهضة الثانية، يبحثون عن مداخل للإذعان للشروط الأميركية، ومن هذه المداخل، مدخل اقتصادي يسمى انفتاح هنا وهناك، ومدخل سياسي هو الانخراط في عملية التسوية طبقا ً للشروط الأميركية – الصهيونية، وانحياز معظم الحكام العرب إلى جانب الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في حربهما على الأمة العربية.‏

3 ـ تطور العلاقات الأوروبية –الليبية‏

شهدت السنوات الأخيرة العديد من المتغيرات الجديدة النابعة من البيئة الليبية والأوروبية، والظروف الإقليمية والدولية التي من شأنها أن تؤثر على مسار العلاقة بين ليبيا وبلدان الإتحاد الأوروبي وتوجهاتها وقضاياها في المستقبل.فمن جانب ليبيا، شهدت السياسة الخارجية تغيرات جذرية في السنوات القليلة الماضية، لجهة "التكيف التدريجي" مع النظام الدولي الجديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية بأقل ما يمكن من التصادم.‏

إزاء هذه السياسة السلمية الجديدة، لم تكتف أوروبا بالوقوف متفرجة، فهي تتفهم ليبيا أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بسبب تاريخها الاستعماري للمنطقة العربية. فليبيا كانت ولا تزال منطقة مهمة لأوروبا بسبب القرب الجغرافي، والموقع الاستراتيجي كبوابة كبيرة لإفريقيا، وثرواتها النفطية الكبيرة، إضافة إلى أنها سوق استهلاكية كبيرة قادرة على استيعاب المنتجات الصناعية الأوروبية. وفضلا ً عن ذلك، فإن أوروبا، لاسيما بلدانها الجنوبية وتحديدا ً إيطاليا، تعاني منذ سنوات من تدفق هائل من المهاجرين غير الشرعيين القادمين من السواحل الليبية.‏

ويجسد قرار رفع العقوبات التجارية المفروضة على ليبيا من جانب الاتحاد الأوروبي، لاسيما قرار رفع الحظر على بيع الأسلحة، الذي اتخذه وزراء الخارجية الأوروبيين في إجتماعهم الأخير الذي التئم باللوكسومبورغ في 11 أكتوبر2004،نتيجة منطقية لسياسة المصالحةالتي انتهجها الاتحاد الأوروبي تجاه طرابلس منذ خمس سنوات.‏

و كانت هذه العقوبات فرضتها الأمم المتحدة في قرارين صادرين عن مجلس الأمن عامي 1992و 1993، ثم من قبل الاتحاد الأوروبي تطبيقا ً لهذين القرارين، عقب سقوط طائرة البانام الأمريكية فوق مدينة لوكوبي عام 1988، وحادثة طائرة يوتا الفرنسية في صحراء النيجر عام 1989. وكانت هذه العقوبات تم تعليقها في عام 1999، عندما سمح العقيد القذافي للمحققين الفرنسيين بزيارة طرابلس لإجراء تحقيق حول حادثة طائرة يوتا، ثم بعد تسليمه الليبيين المتهمين بتورطهما في حادثة لوكوربي. بيد أن الحظر على الأسلحة الذي يعود إلى عام 1986، ظل مستمرا ً.‏

و جاء قرار الدول الخمس والعشرون الأوروبية برفع العقوبات المفروضة نهائيا ً، كما فعلتها الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2003، ليضع حدا ً للحظر بشأن صادرات الأسلحة إلى ليبيا. وأوضح اجتماع وزراء الدول الخمس والعشرين، أن هذه الصادرات ستخضع في آن معا، لسياسة أقرهاالاتحاد الأوروبي منذ عام 1998، ولنظام إنتقالي أكثر صرامة، سمي علبة أداة، قيد النقاش.‏

بيد أن التحول في علاقات ليبيا مع الغرب حصل عندما قررت طرابلس التخلي عن برنامجها بشأن أسلحة الدمار الشامل في ديسمبر 2003. وفي يناير 2004، التزمت ليبيا بالانضمام إلى معاهدة تدميرالأسلحة الكيمياوية. وفي مارس 2004، وقعت على بروتوكول إضافي لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، يسمح بالتفتيش المفاجىء.و أخيرا ً قبلت طرابلس دفع تعويضات مالية لضحايا طائرتي البانام الأمريكية، ويوتا الفرنسية، والمرقص الليلي في برلين. ومنذ حينئذ ما انفكت مسيرة عودة ليبيا إلى المجتمع الدولي تسير بخطى متسارعة.‏

ففي آذار/مارس 2004، استقبل العقيد القذافي في طرابلس الغرب وتحت خيمته، رئيس وزراء بريطانيا طوني بلير، وهو أول رئيس حكومة بريطاني يزور ليبيا منذ زيارة ونستون تشرشل عام 1943. واستقبل العقيد القذافي بحفاوة بالغة في بروكسيل من قبل رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي، بعد شهر من تلك الزيارة.و من جهتها رفعت الولايات المتحدة الأمريكية قسما ً من عقوباتها المفروضة على ليبيا.‏

و يأتي قرار رفع الحظر على الأسلحة بناء على طلب تقدمت به إيطاليا إلى الدول ال25في الاتحاد الأوروبي. فروما التي تواجه تدفقا ًهائلا ً من المهاجرين غير الشرعيين، الذين يحاولون الوصول إلى الشواطىء الإيطالية منذ فترة، أبرمت اتفاقا ً مع طرابلس على مكافحة الهجرة غير الشرعية، عقب زيارة برلسكوني الأخيرة إلى ليبيا.و ينص هذا الاتفاق على تزويد ليبيا بالمعدات الضرورية:طائرات هيليكوبتر، وزوارق سريعة خاصة – تلك التي تسمح لها بمراقبة تدفق المهاجرين.و يعتبر الاتحاد الأوروبي أن التعاون مع ليبيا بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية هو"جوهري وملح" ويدعو طرابلس إلى القيام ب"عمل فعلي" ضد الهجرة غير الشرعية. وسوف ترسل لجنة تقنية مكلفة بدراسة وسائل تنظيم هذه العملية.‏

و يدعو وزراء خارجية الدول ال25 أيضا ً إلى إشراك ليبيا في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تربط أوروبا مع إثني عشرة بلد جنوب المتوسط، في أسرع وقت ممكن. وتنظم هذه " الشراكة الأوروبية –المتوسطية" التي أقرها مؤتمر برشلونة التعاون بين المشتركين. وسوف يترجم إدخال ليبيا في المدى المنظور إلى توقيع إتفاق شراكة معها.‏

ويقترح الاتحاد الأوروبي شراكة استراتيجية جديدة مع ليبيا إسوة بدول المغرب العربي الأخرى، على نحو يأخذ في الاعتبار المصالح المتبادلة، وبصورة لا تخل باختلاف حقائق الاجتماع والسياسة والاقتصاد بين طرابلس والعواصم الأوروبية. ويدعو وزراء خارجية الدول ال25 أيضا ً إلى إشراك ليبيا في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي تربط أوروبا مع إثني عشرة بلد جنوب المتوسط، في أسرع وقت ممكن. وتنظم هذه " الشراكة الأوروبية –المتوسطية" التي أقرها مؤتمر برشلونة التعاون بين المشتركين. وسوف يترجم إدخال ليبيا في المدى المنظور إلى توقيع اتفاق شراكة معها.‏

و على الرغم من إرادة ليبيا بتغيير سياستها، والتصرف بطريقة " مسؤولة"، فإن وزراء خارجية بلدان الاتحاد الأوروبي يعبرون عن بعض القلق تجاه موقف طرابلس. فهم يذكرون أن تحسين مجال حقوق الإنسان في ليبيا يعتبر " عنصرا ً جوهريا ً" لتطوير علاقتها مع الاتحاد الأوروبي.وهم يعلنون عن انشغالهم في مواجهة " العقبات الخطيرة" المتعلقة بحرية التعبير والتنظيم، وتجاوزات القضاء: تعذيب المشتبه بهم، الأخطاء القضائية،ظروف الاعتقال غير الإنسانية. ويشيرون أيضا ً إلى معارضتهم لحكم الإعدام. أما قلقهم المباشر فينصب على الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذين حكمت عليهم محكمة بنغازي بالإعدام، بسبب نشرهم مرض نقص المناعة الإيدز في مشفى للأطفال، حيث ذهب ضحيته 46 طفلا ً، إضافة إلى إصابة 380 آخرين. تقوم نظرة أوروبا على مفهوم الأمن الشامل،فهي تأخذ الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية للأمن في الاعتبار، ومن ثم تركز على أهمية التحول الديموقراطي وفق الرؤية الأوروبية، وهو يشمل التعددية الحزبية،و توازن السلطات، وحرية الصحافة والتنظيم، والشفافية، ومكافحة الفساد، وقضاء حرا ًو فعالا ً، وضمان النظام العام من خلال مقاومة الإرهاب والجريمة المنظمة، وإنهاء احتكارات الدولة الاقتصادية والثقافية، وإيجاد نظم تربوية وتعليمية حديثة، واحترام حقوق الإنسان في ليبيا، إذ إن هذه المسألة الأخيرة تعتبر "عنصرا جوهريا" لتطويرعلاقات طرابلس مع الإتحاد الأوروبي.‏

غير أن تطوير العلاقات الليبية – الأوروبية نحو الشراكة الكاملة، لا يزال يصطدم بتحديين يرتكزان في الداخل:الأول، اقتصادي حيث أن ليبيا قامت بخطوات إصلاحية في اقتصادها المركزي ليقترب من الاقتصاد الحر، لكنها لم تكتمل بعد. فلكي تتأهب أوروبا للإنغماس في السوق الليبية،و بالتالي تجلب إستثماراتها، لا بد من طرابلس خصخصة القطاع العام بما في ذلك النفط والمصارف. الثاني، ويتعلق بالإصلاح السياسي الداخلي والذي يطرح حاليا في ليبيا, لاسيما أنه لا يمكن لليبيا أن تطور علاقتها مع أوروبا وتنهج سياسة خارجية منفتحة على النظام الرأسمالي العالمي , بينما يظل نظامها السياسي ينتمي إلىمخلفات مرحلة الحرب الباردة.‏

4 ـ استمرار الانغلاق السياسي على الداخل‏

لقد دفع الحكم الليبي من ثروة الشعب الوطنية تعويضات مالية كبيرة جدا ً إلى الحكومات الغربية في سبيل شراء بقائه في السلطة. ولم تقدم الحكومة الليبية أي اعتذار للشعب الليبي، بل إن حجم التعويضات الذي دفعته، ألقي على كاهل الجيل الحالي والأجيال المقبلة من الليبيين. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الذنب الدي اقترفه الليبيون حتى يسددوا الفاتورة من لقمة عيشهم فهل تمت استشارتهم قبل تقرير السياسات التي نفدت باسمهم في العقدين الماضيين كي يتحملوا اليوم نتائجها من مخصصاتهم ومن قوت الأجيال المقبلة؟‏

وحين قال من قال – من خارج ليبيا ـ أن في تقديم التعويضات اعترافا ً بالمسؤولية الجنائية واستنزافا ً لثروة شعب ليبيا وإرهاقا ً لموازنة "الدولة" رَدَّ عليه ـ من داخل ليبيا ـ أن دفع التعويضات ليس اعترافاً بأية مسؤولية جنائية، وأن ليس ثمة حكم قضائي يجرم الدولة الليبية أو يفرض عليها تقديم التعويضات نفسها، ثم إن الجهة التي تفاوضت مع أسر الضحايا الغربيين جهة "أهلية غير حكومية" هي "مؤسسة القذافي الخيرية"...و قال المشككون:"لنصدق" أن هذه المؤسسة"غير رسمية"، ولكن: من أين لها أن تملك هذه الأموال الطائلة المعدودة بملايين الدولارات، إذ إن ليس في إمكان مؤسسات غير حكومية(خيرية) في العالم أن تملكها؟ثم لماذا تقبل الدولة الليبية أن تقوم "جمعية خيرية" فيها بإبرام اتفاقات خارجية لها علاقة بقضية سياسية، وهي من مشمولات عمل الدولة وديبلوماسيتها، وأن ترضى قبول مرتبات في اتفاقيات "جمعية أهلية" عليها كدولة؟و إذا كانت ليبيا بريئة من جريمة لوكربي، ولم تعقد صفقة سياسية مع الإدارة الأمريكية تقضي بدفع ثمن مادي بدل دفع ثمن سياسي، فلماذا تتبرع بالتعويضات المرهقة (وغير المرهقة) لمجرد فعل الخير؟‏

هل بلغت التنمية في ليبيا منتهاها وبات المال فائضا ً إلى حد إتيان "فعل الخير" مع أسر ضحايا لوكربي؟ وهل ثمة "فعل خير" يتفاوض على رقمه فتنهارالمفاوضة عند لحظة من فشل المساومة كي تعود إلى مجراها فتصل إلى "اتفاق"؟ وهل سمع أحد باتفاق –"لفعل الخير" ـ بين جمعية غير رسمية والطرف الثاني في العقد يشهد عليه "وزير خارجية" ويتحدث باسم دولته؟ وأخيرا ً، ما كان حريا ً "بفعل الخير" ذلك أن ينصرف إلى من يستحقه: شعب فلسطين، شعب موريتانيا، الصومال، السودان،أو المليون لاجىء ويزيد من أبناء دارفور..؟(11).‏

في الديمقرطيات الكلاسيكية الغربية، وحتى في بعض بلدان العالم الثالث التي لا تزال الديمقراطية فيها نبتة ناشئة، حين تنتهج الحكومات المنتخبة ديمقراطياً سياسات خاطئة وتكون نتائجها أقل بكثير من موضوع التعويضات الليبية، تعتذر تلك الحكومات لشعوبها وتستقيل معترفة بالتقصير والإخفاق، تاركة المكان لمن هو أجدر منها بتسيير دفة هذا البلد أو ذاك. وفي المجتمعات الديمقراطية لايمكن إعطاء الإذن بصرف أموال التعويضات من الثروة الوطنية قبل أن يناقش البرلمان الملف برمته ويسأل الحكومة عن مستندات الاتفاق ووجاهة مبرراته ويوافق عليها أو يعترض.فهل استشار العقيد القذافي الشعب الليبي في ماقام به؟‏

إن التحدي الذي يواجه الحكم الليبي هو مسألة الإصلاح السياسي الداخلي، والتي تطرح حاليا ً بقوة في ليبيا، لاسيما وأنه لا يمكن أن يظل هناك انفصام بين سياسة خارجية منفتحة على النظام الرأسمالي العالمي، ونظام سياسي من طبيعة شمولية ينتمي إلى مرحلة الحرب الباردة. ويتخوف الحكم الليبي من أن تكون تكلفة التغيير الداخلي "غير إيجابية" على عكس الحصاد الإيجابي الذي اعترى السياسة الخارجية الليبية.‏

و الحال هذه صرفت الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا النظر عن موضوع الإصلاح السياسي في ليبيا، وسكتت عنه سكوتاً مريباً ربما لأنهما لا تملكان حلفاء تستخدمانهم في اختراق المجتمع من الداخل وتخشيان من ظهور قوى جديدة لا تعطي ما يعطيه الفريق الحالي المنهك من العقوبات الدولية والمحاصر بالملفات الجنائية. ولهذا السبب فإن الموقف الأميركي والأوروبي من الديموقراطية في ليبيا هو المحك على مدى صدقية رفع شعار الاصلاحات(12).‏

وينطوي توقيت التطبيع الكامل في العلاقات الأمريكية الليبية علي درجة كبيرة من الأهمية، لا سيما تزامنه مع الأزمة المتفاقمة حالياً بين الولايات المتحدة وإيران بسبب إصرار الأخيرة علي المضي قدماً في برنامجها لتخصيب اليورانيوم وإنتاج الوقود النووي.إذ إن الادارة الأمريكية تستخدم سياسة العصا والجزرة مع إيران، وتقول للقيادة الإيرانية من خلال الرسالة الليبية هذه، أنها يمكن أن تفوز بعلاقات طيبة، وتحسين صورتها كدولة "مارقة" اذا ما فعلت مثل نظيرتها الليبية.‏

ولعل الرسالة الأهم هي تلك الموجهة إلي المعارضات العربية، لا سيما الليبية منها، التي راهنت علي الدعم الامريكي لها للإطاحة بالسلطة والوصول إلي سدة الحكم، فها هي الولايات المتحدة تتخلي عن هؤلاء، وتعيد العلاقات مع دولة كانت تصنفها إرهابية ونظام غير ديمقراطي، دون أي شروط.‏

الولايات المتحدة، مثلها مثل كل الدول الغربية الأخرى، تستخدم قضايا الحريات وحقوق الإنسان كورقة ضغط ضد الأنظمة المخالفة لسياساتها ومصالحها، وعندما تأخذ ما تريد، وتعطي هذه الضغوط أكلها، سرعان ما تتخلي عن كل طروحاتها في هذا الخصوص.وتعتبر الإدارة الأمريكية الكاسب الأكبر بكل تأكيد، ومكاسبها دعائية بالدرجة الأولي، ثم يأتي بعد ذلك المكسب النفطي وهو لا يقل أهمية في هذا الزمن الذي تحاول فيه الولايات المتحدة تحسين صورتها في العالمين العربي والإسلامي بعد حربيها الدمويتين في العراق وأفغانستان.‏

ثم إن طبيعة النظام في ليبيا لم يتغير أي شيء جوهري فيها على صعيد الداخل. فعلى الرغم من أن جميع الشعارات التي ارتكز عليها النظام طوال ثلاثين عاماً انقلبت إلى الضد، فإنه لم يطلق سجناء ولا أعاد منفيين إلى وطنهم.ولم تخفف القيود على حرية الصحافة ولا أرسيت تعددية. ولم يعترف بأخطاء متصلة بأعمال الاغتيال والخطف والتعذيب.‏

خلال العقود الثلاثة الماضية الصاخبة غيرت ليبيا اسمها من مملكة إلى جمهورية في البداية، ثم إلى جماهيرية. وفي عام 1986،بعد العدوان الأمريكي الغاشم على خيمة الأخ العقيد قائد الثورة ومخيمه في طرابلس الغرب، تم منح الجماهيرية صفة العظمى، نكاية ببريطانيا العظمى التي كان اسمها في القاموس الجماهيري: حاملة الطائرات الأمريكية".‏

و في مرحلة السبعينيات أصبح لليبيا كتابها الأخضر أسوة بكتاب ماو تسي تونغ الأحمر،كما أصبح لليبيا ساحتها الخضراء الكبيرة جدا ً على غرار ساحة الاتحاد السوفييتي الحمراء في موسكو، التي يقع فيها جسد لينين المحنط الذي لا يزال يحملق في قبة، كانت ذات يوم محجا ً للشعوب السوفييتية، رغم أن الإمبراطورية السوفييتية اندثرت واندثرت معها الاشتراكية التي أكلتها فئران الفساد والبيروقراطية.‏

فقد قامت السلطات الليبية طيلة العقود الثلاثة الماضية على نبذ الديمقراطية واحتقارها، باعتبارها فكرة "مستوردة " من الغرب.علما ً أن " الكتاب الأخضر" حل مشكلة الديمقراطية "إلى الأبد"، فاعتبر العقيد القذافي "الحزبية " "خيانة". فقد أعلن مجلس قيادة الثورة معارضته للأحزاب السياسية والنظم الحزبية، واعتبر أن الانضمام إلى أحزاب سياسية خيانة وطنية،كما أصدر المجلس قانونا ً‏

عام 1972 بتحريم وحظر تكوين الأحزاب السياسية، وفرض عقوبات مشددةعلى ممارسة العمل الحزبي تصل إلى حد الإعدام"(13). أما نظام صناديق الاقتراع في نظر العقيد القذافي فهي في نظره "عبثية" و"المسؤولة عما وصل إليه العالم اليوم من مهازل ودمار"، على أن تجسيد جمهورية أفلاطون تتعين عندما تكون السلطة والثروة والثورة محصورة في أيدي عائلة أو طائفة أو أوليغارشية عسكرية أو قبيلة واحدة كما هو حاصل في العالم العربي. ويضيف القذافي أن التجارب أثبتت إخفاقها في حل أزمة السلطة في العالم، وبات الغرب "بأعتى الديكتاتوريات التي عرفها العالم الحديث من هتلر إلى موسيليني إلى فرانكو وستالين.."". كما لوأن العالم العربي يعيش في واحة من الديمقراطية، وبعيد كل البعد عن الديكتاتورية..‏

لقد تخلى الحكم الليبي مؤخرا ً عن إحدى مقولات "الكتاب الأخضر" الملهمة "شركاء لا أجراء"، التي كان يٌحرِّم على الليبيين تشغيل أي شخص بنظام الأجرة، ما عدا في قطاع الدولة. وكانت بنية السلطة الحاكمة في ليبيا ولا تزال بنية تسلطية تسحق الرأي المخالف، وهي سلطوية التصور المطلق، وتعتبر الفرد مجرد آلة تنفيذ، عليه أن يطيع القائد، ويُعظِّمه إلى درجة التقديس، بل وحتى يلتمس لديه التظلم والدعاء،بصرف النظر عن الشعارات التي رفعتها بشأن "اللجان الثورية "، و"سلطة الجماهير"الخ. فالسلطة الليبية التي بدأت (ثورية لم تقدم الحد الأدنى من التنمية، ولا ممارسات "اللجان الثورية " التي سميت ديمقراطية في المجتمع، قدمت الحد الأدنى من الممارسة الديمقراطية.‏

فلا يوجد مجتمع مدني مستقل في ليبيا، حيث أن المجتمع الليبي لا يتمتع بتراث مهم للتنظيم والمشاركة السياسيتين. فالأحزاب ممنوعة ومحظورة بحكم القانون، ومؤسسات المجتمع المدني لا وجود لها إلا في إطار البنية الرسمية للدولة، ومن خلال ما يطلق عليه" المؤتمرات الشعبية المهنية والنقابية"، والتي تتبع من الناحية التنظيمية المؤتمرات الشعبية الأساسية كبدائل للمجتمع المدني ومؤسساته وفقا ً لأطروحات الكتاب الأخضر والنظرية العالميةالثالثة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ما يتسم به النظام السياسي الليبي كغيره من الأنظمة السياسية في البلاد العربية من سمة شخصانية السلطة وعدم استعدادها للتحاور أو التعاون مع أي منظمة أو مؤسسة غير حكومية أو غير مؤيدة للنظام‏

أو مخالفة لمقولات الكتاب الأخضر والنظرية العالمية الثالثة، وهو الأمر الذي ادى في النهاية إلى ظهور الكثير من الحركات والجماعات غير الشرعية كالتنظيمات السرية، وحركات المعارضة والجماعات الأصولية المتطرفة كبدائل لمؤسسات المجتمع المدني أمام المواطن الليبي(14).‏

ففي الوقت الذي تستجيب فيه السلطات الليبية لمقتضيات العولمة الأمريكية المتوحشة، جرى اختطاف الصحفي الليبي "ضيف الغزال"، في مدينة بنغازي في شهر آيار /مايو 2005، إذاكتشفت جثته فيما بعد مرمية على قارعة الطريق. وكانت أصابع الاتهام لم توجه هذه المرة الى السلطات الرسمية بل الى السلطات غير الرسمية، إذ قيل إن ضيف الغزال الاصلاحي ذهب ضحية الجناح المتشدد داخل اللجان الثورية.‏

ومن المعروف تاريخيا ً وسياسيا ً أن اللجان الثورية تلاحق المعارضين السياسيين. كما أن دورها يكمن في تشديد الرقابة على المواطنين وإصدار الأحكام القاسية ضد الرافضين للأنشطة السياسية السائدة، إضافة إلى قيامها بالاغتيالات السياسية، والاعتقالات، والاختفاء القسري لبعض القيادات المعارضة في الخارج. ولعل أشهر حالات الاختفاء التي تمت في السنوات الماضية هي اختفاء منصور الكيخيا المعارض الليبي، وعضو مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان في 11 كانون أول/ديسمبر 1993، بعد حضوره اجتماع الجمعية العمومية للمنظمة بالقاهرة.‏

لقد أصبحت اللجان الثورية تشكل تهديداً خطيراً لمحاولات الانفتاح التي يقودها سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي، وأصبح صاحب سطوة داخل المؤسسات الإعلامية منها بصفة خاصة، إذ تمكن في أواسط شهر حزيران 2005 من إبعاد أقوى المرشحين لرئاسة جمعية الصحفيين الليبيين. هذا لا يعني أن التوجه الرسمي سيقود بسرعة إلى تحرير الحياة العامة والمجتمع المدني من رقابة الأجهزة، إذ إن الحريات ماتزال محدودة. وتقول جمعيات حقوق الإنسان إن في السجون نحو ألفين من سجناء الرأي. وتم طرح هذا الموضوع خلال لقاء جرى بين العقيد القذافي ودافيد وولش مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى خلال زيارته لطرابلس يومي 14 و15 حزيران الفائت.‏

وكانت السلطات قد تعرضت إلى ضغوط مماثلة العام الماضي أدت إلى إطلاق سراح فتحي الجهمي في آذار 2004 وهو أحد حكام الأقاليم السابقين الذي تحوّل إلى رجل أعمال، بعد سجنه منذ العام 2002 بسبب مطالبته بإصلاحات ديموقراطية. وقد تدخل الرئيس الأميركي جورج بوش شخصياً لمصلحته عبر موفده إلى العاصمة الليبية السناتور جوزف بيدن (ولو أنه أعيد توقيفه بسبب مقابلات أجراها مع صحف غربية!). ولم يكن الكاتب عبد الرزاق المنصوري أسعد حظاً إذ إن انتقاده للسلطات أدخله السجن منذ 12 كانون الثاني الماضي. غير أن الزعيم الليبي أرسل عدة إشارات توحي بفتح صفحة جديدة على صعيد الحريات العامة، حين وعد بإلغاء "محكمة الشعب" ذات الطابع "الثوري"، وأطلق سراح العشرات من "الإسلاميين المعتدلين".‏

لكن الطريق ما تزال طويلة أمام الإصلاحيين داخل "اللجان الثورية" أمثال الأمين العام السابق لجمعية الصحفيين محمد بوسيفي الذي أدان في موقع على الانترنت نشاط الجناح المتشدد، واعداً بإصدار أول صحيفة "مستقلة" في البلاد منذ العام 1969. ويأمل الإصلاحيون أن تكون سياسة تصفية المعارضين تصفية جسدية قد أفلت إلى غير عودة، وهي السياسة التي تم اعتمادها ضد من وصفوا بأنهم "كلاب ضالة"، وذهب ضحيتها بين عامي 1980 و1987 نحو عشرين معارضاً تمت تصفيتهم في الخارج، إضافة الى نحو مئة تم إعدامهم داخل البلاد(15).‏

وكانت منظمة سرية معارضة تطلق على نفسها اسم "البركان" قد أقدمت عام 1984 على اغتيال عدد من الرسميين الليبيين المعتمدين في الدول الغربية ـ بينهم السفير في روما ـ كرد على أعمال القمع في الداخل.وإذا كان الصراع محتدماً اليوم بين مختلف التيارات في داخل البلاد، وفي داخل اللجان الثورية ذاتها، فهو محتدم كذلك خارجها من خلال المحاولات العديدة لتنظيم المعارضة وتأطيرها وهي موزعة ومشتتة على العديد من التجمعات. فقد جرت محاولة أولى بقيادة العميد عبد المنعم الهوني، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة عام 1969، لتنسيق العمل بين ثمانية تنظيمات معارضة دون نتيجة تذكر، وانتهى به الأمر إلى طلب اللجوء إلى مصر. وجرت محاولة ثانية مشابهة عام 1994، لم تصل هي الأخرى إلى تثبيت جذورها في أوساط نحو مئة ألف ليبي تصفهم السلطات الرسمية بأنهم "خونة"، وهم يعيشون في المنافي موزعين بين دول أوروبا وافريقيا وأميركا الشمالية.‏

أما المحاولة الثالثة فهي التي جرت يومي 25 و26 حزيران الماضي في العاصمة الانكليزية لندن حين اجتمع نحو مئتي شخصية يمثلون سبع حركات معارضة، وبعض المستقلين، في فندق "الهوليدي" وأصدروا بياناً أطلقوا عليه اسم "إعلان التوافق الوطني". وقد طالب البيان "بتنحي" العقيد معمر القذافي عن كل سلطاته وصلاحياته الثورية والسياسية والعسكرية والأمنية ورفض أسلوب التوريث". كما دعا إلى "تشكيل حكومة انتقالية في داخل البلاد من عناصر مشهود لها بالوطنية والنزاهة لإدارة البلاد لمدة لا تزيد عن سنة واحدة، تكون مهمتها الأساس العودة بالبلاد إلى الحياة الدستورية عن طريق الدعوة إلى انتخاب جمعية وطنية تأسيسية تقوم بمراجعة الدستور تحت إشراف الأمم المتحدة، وإحداث التعديلات المناسبة حياله، وعرضه على الشعب الليبي في استفتاء عام".‏

وأكد بيان "المؤتمر الوطني للمعارضة" على ضرورة العودة إلى "الشرعية الدستورية الوحيدة المتمثلة في دستور عام 1951 بتعديلاته اللاحقة الذي أقرته وصادقت عليه الجمعية الوطنية التأسيسية تحت إشراف مجلس الأمم المتحدة الخاص بليبيا". أما أبرز التنظيمات المشاركة في المؤتمر فكانت التحالف الوطني، والجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، والتجمع الجمهوري من أجل الديموقراطية والعدالة، والحركة الوطنية الليبية والحركة الليبية للتغيير والاصلاح، والتجمع الاسلامي، إضافة إلى عدد من المستقلين وبعض الشخصيات التي تمثل التيار الإسلامي المعتدل. وكان ابراهيم صهد أمين عام "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا" هو محرك المؤتمر. والجبهة أسسها كما هو معروف محمد يوسف المقريف عام 1981 بعد القطيعة مع العقيد القذافي، وبعد أن احتل منصب رئيس ديوان المحاسبة ثم سفير بلاده في الهند. وكانت حركته متمركزة في السودان حتى سقوط جعفر النميري. وهو الذي تبنى محاولة انقلاب ثكنة باب العزيزية في طرابلس في أيار 1984. وقد تم إيقاف المئات من أنصاره، وأعدم ثمانية من بينهم على الأقل شنقاً(16).‏

وكانت الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا – أهم فصيل للمعارضة الليبية ـ شهدت انشقاقاً في شباط/فبراير 1994، إذ أعلنت مجموعة قيادية مهمة في الجبهة برئاسة العقيد الركن خليفة أبو القاسم حفتر الا نشقاق عن الجبهة، وتكوين جبهةأخرى تسعى لتحقيق النضال بآليات أخرى تحت مسمى" حركة التغيير والإصلاح".‏

وقد دعا إبراهيم صهد أمين عام "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا "باستمرار العمل من أجل إنهاء الحكم القائم (في ليبيا) بما يمثّل من استبداد وظلم" و"تفعيل الاتصالات بين أطراف المعارضة في الخارج وجماهير الشعب الليبي، وتفعيل نشاط المعارضة إعلامياً في الخارج". وشدد صهد على "إننا نعتمد الطرق السلمية في عملنا، وواثقون من أن غالبية الشعب تتطلع الى انتهاء الحكم القائم اليوم قبل الغد".‏

أما "الحركة الوطنية الليبية" فهي التي كانت تحمل سابقاً اسم "عمر المختار" البطل الوطني. ومن أقطابها وزير الخارجية السابق منصور الكيخيا الذي خطفته عناصر المخابرات من القاهرة في أواخر العام 1993 وأعدمته.ومن الشخصيات البارزة الأخرى عاشور بن خيال من التحالف الوطني، ومحمد السنوسي المطالب بالعرش، والصحفي محمود شمام.وترفع المعارضة هذه شعار العودة إلى دستور 1951، ولاتزال عاجزة عن بلورة رؤية واضحة محددة اتجاه الصراع مع النظام.و هي ترى أن التعاون مع الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة يحقق أهدافها في القضاء على النظام الليبي.‏

و تعاني المعارضة الليبية كمثيلاتها العربية الموجودة في الخارج، من الضعف والعجز بسبب افتقادها للتنظيم، واستشراس الانشقاقات بين أطرافها، ما أدى إلى عزلتها الخارجية والداخلية. فقد قاطعت جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا مؤتمر فصائل المعارضة الليبية الذي عقد بلندن يوم السبت 25 حزيران /يونيو 2005 بسبب اعتراضها على وضع شروط مسبقة لجدول أعماله.‏

وقال القيادي في الجماعة ناصر المانع للجزيرة نت إن الإخوان المسلمين كانوا يأملون منذ مشاركتهم في اللقاءات التحضيرية للمؤتمر قبل أكثر من سنة، أن تترك الحرية للجميع في المشاركة وطرح الحلول المناسبة للوضع الليبي، لكن إصرار بعض فصائل المعارضة على تحديد سقف وإطار للمؤتمر ووضع شروط لتنحي العقيد معمر القذافي عن السلطة وتشكيل حكومة انتقالية، كان سببا ً لدفع الحركة للانسحاب وعدم المشاركة في المؤتمر.ورفض المانع ربط قرار عدم المشاركة في المؤتمر بما تردد من أنباء عن نية السلطات الليبية الإفراج عن معتقلي الإخوان في السجون الليبية، وقال إن الانسحاب من المؤتمر تقرر قبل نحو عشرة أشهر في حين لم يمض على أنباء قرب الإفراج عن معتقلي الحركة أكثر من شهر.‏

وأكد أن جماعة الإخوان ترى أنه لا مخرج من الاحتقان السياسي في البلاد إلا بتبني خيار الإصلاح الشامل وإطلاق الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان وتهيئة الأجواء لقيام حوار وطني شامل بعيدا ً عن التهميش والإقصاء. وشدّد المانع على أن الكرة الآن في ملعب السلطات الليبية للمبادرة باتخاذ إصلاحات حقيقية وخلق مناخ مناسب لإجراء حوار وطني للوصول إلى دولة يسودها القانون والدستور الذي يحمي الحريات وحقوق الإنسان.‏

(1) انظر: المنصف وناس ـ الدولة والمسألة الثقافية في المغرب العربي ـ سلسلة آفاق مغاربية، تونس، سراش للنشر، 1995، (ص78 ـ 83).‏

(2) الحركة السنوسية هي حركة صوفية إسلامية اعتمدت على نظام الزوايا التي كانت بمنزلة مؤسسات اقتصادية واجتماعية. وسميت السنوسية نسبة إلى مؤسسها محمد بن على السنوسي، وأدت السنوسية دورا ً مهما ً ومؤثرا ً في البنى الاجتماعية والسياسية الليبية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وبعد قيام ثورة الفاتح أمر القذافي بمصادرة ممتلكات الحركة السنوسية ومراكزها (الزوايا) واعتقال قادتها، إلا أنه عاد وأمر بفتح هذه الزوايا مرة أخرى بهدف نشر التعاليم الصحيحة للقرآن.‏

(3) شوكت أشتي ـ الفاتح أو الإطباق على الناصرية ـ صحيفة السفير تاريخ 3 أيلول/سبتمبر 2004.‏

(4) السنوسي بلاله" مسألة الدستور الغائب دائما ًفي ليبيا الجماهيرية"، صحيفة الحياة 7 سبتمبر 1995.‏

(5) محمد زاهي المغيربي ـ المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في ليبيا ـ القاهرة، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية/بالإشتراك مع دار الأمين للنشر والتوزيع،1995 (ص59).‏

(6) علي عبد الصادق ـ المجتمع المدني الليبي: توجهات السلطة والمجتمع –مجلة شؤون الأوسط، عدد مزدوج :كانون الأول /ديسمبر 1999، كانون الثاني/يناير 2000، مركزالدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، (ص48 ـ 49).‏

(7) د. السيد عوض عثمان –العلاقات الليبية – الأمريكية من الصدام إلى الإنفراج ـ دراسة نشرت بجريدة الخليج الإماراتية، تاريخ 24 نيسان /أبريل 2005.‏

(8) خالد حنفي على ـ السياسة الخارجية الليبية والتحولات الجذرية ـ مجلة السياسة الدولية ـ رقم 156، نيسان/ أبريل 2004، التي تصدرها مؤسسة الأهرام، (ص118).‏

(9) سليم نصار ـ القذافي المذهول ـ مقال نشرته صحيفة النهار اللبنانية تاريخ 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2004.‏

(10) سامح راشد ـ ليبيا نحو دور عربي وإفريقي جديد ـ مقال نشرته صحيفة الخليج الإماراتية، تاريخ 7 تموز، يوليو 2005.‏

(11) عبد الإله بلقزيز ـ في ملف المفارقات الليبية ـ صحيفة النهار اللبنانية، تاريخ 22 أيلول/سبتمبر 2004.‏

(12) رشيد خشانة ـ متى الاعتذار للشعب الليبي? صحيفة الحياة الصادرة يوم 6 أيلول/سبتمبر 2004.‏

(13) محمد زاهي المغيربي ـ المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في ليبيا ـ مرجع سابق.‏

(14) علي عبد الصادق ـ المجتمع المدني الليبي: توجهات السلطة والمجتمع ـ مرجع سابق.‏

(15) جورج الراسي ـ المعارضة الليبية: شرخ في الداخل.. وشرخ في الخارج ـ جريدة المستقبل اللبنانية ـ الاربعاء 27 تموز/يوليو 2005.‏

(16) المرجع السابق عينه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244