اتحاد المغرب العربي بين الإحياء والتأجيل ـــ توفيق المديني

دراسة تاريخية سياسية ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2006

Updated: Sunday, July 01, 2007 04:44 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ الفصل الثالث عشر الانقلاب ومحدودية التغيير في موريتانيا

تبين التجربة والتاريخ أن الأنظمة الديكتاتورية لم تتعلم أي شيء من التاريخ، حين تجد نفسها مرغمة ومكرهة على تغيير نفسها، لا سيما إذا شاخت سلطتها، وتفسخت، وأصبحت عاجزة عن السيطرة بالقوة على الحركة الشعبية. ورغم تنوع الظروف السياسية والتاريخية لهذه الأنظمة، إلا أنها تجد نفسها في المحطة النهائية محاصرة بالمعادلة الصعبة ذات الحدين، وكلالهما ليس في مصلحتها: إما وصول انقلاب عسكري إلى السلطة من داخل النظام عينه، بهدف تثبيته والمحافظة عليه، وتقديم بعض التنازلات الجزئية وغير المهمة للمعارضة وللحركة الشعبية، لكي يقال أن الانقلاب العسكري يشكل نقطة البداية في الصفحة الجديدة للحياة السياسية في المجتمع، وعندئذ لا يلبي الإنقلاب التغييرات الجذرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية المفترضة والمرتقبة، أو الانفجار الشعبي الذي يشكل القطيعة النهائية مع النظام القديم، ويفتح الطريق أمام تدخل المعارضة والفئات الشعبية الحاسم بالتحالف مع بعض من قوات الجيش الوطنية، المعادية للرجعية الداخلية والصهيونية والإمبريالية، لبناء الكتلة التاريخية والحلف الطبقي الشعبي، لتحقيق التغييرات الجذرية المنشودة، وإقامة سلطة الشعب الديمقراطية.‏

لقدأعاد انقلاب موريتانيا الاعتبار للمؤسسة العسكرية العربية التي جرى تهميشها وإلغاء دورها الذي تأسست من أجله وهو الدفاع عن الأمة وقضاياها المصيرية. وبدأت عملية التهميش هذه منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد قبل ربع قرن تقريبا ً.ومن الواضح أنه في ظل الواقع العربي المتسم بصمود الأنظمة الشمولية القائمة على سلطة الحزب الواحد، أمام رياح التغييرالقادمة من الخارج، والمفتقدة لمحدد المشروعية السياسية، والمساندة الشعبية، والمرتكزة بشكل مفرط علي شخصية الحاكم، والرافعة لشعارات الديمقراطية والإصلاح تارة، ويافطة الحرب علي الإرهاب تارة أخرى، في محاولات بائسة لاسترداد دعم الولايات المتحدة الأمريكية، وباقي الأنظمة الغربية، عن طريق إيهامها بواقع التوحد في التحديات، والتناغم مع جميع المبادرات الرامية إلي دمقرطة المنطقة قسريا ً، ضمن فرضية جديدة مفادها، أن اقتصاد السوق والعولمة يؤديان بالضرورة، إلى الديمقراطية، في ظل هذا الواقع المرير يتعذر على الحركة الشعبية العربية وفاعليات المجتمع المدني الضعيفة التأثير والفاعلية في المجال السياسي الذي يهيمن عليه "حزب السلطة" في مجتمعات تستأثر فيها الأجهزة الأمنية للدولة بدور الكابح للمسار الديمقراطي والحامي للأنظمة القائمة، أن تقوم بعملية التغيير الديمقراطي بالوسائل السلمية نظراً لحجم الهوة بينها وبين القاعدة الشعبية، وإخفاقها في التنسيق معها، بهدف إحداث تغيير مدني من داخل المؤسسات.‏

وحين تصبح عملية الانتقال إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع مستحيلة، جراء ضعف التغيير من خلال المؤسسات، كالأحزاب السياسية، حيث أن موريتانيا مثلا ً تعرف بلغة الأرقام تعددية سياسية، ومزيجا ً كبيرا ً من المشارب الفكرية، والايديولوجية، 26 حزبا مسجلا ً، إضافة إلى باقي الأحزاب ذات التأثير الكبير وغير المسجلة رسميا ً، أو التي اتخذت من الخارج أماكن للنشاط السياسي، والمعارضة ـ وهي مؤشرات أيضا ً على ضعف هذه النخب السياسية ـ، فإن انقلاب موريتانيا الأخير، يعبر في إحدى وجوهه عن طموحات الشعب الموريتاني في التحرر من نظام فاسد ٍ، وإن كان الانقلابيون عادة ما يلجؤون إلى تفصيل ديمقراطيات على مقاسهم ومقاس أبنائهم من بعدهم.‏

وربما هذا ما يجعل النخب الفكرية والثقافية والديمقراطية العربية تتحفظ علي مسألة الانقلابات العسكرية كأداة للتغيير، لاسيما الانقلاب السوداني الذي وقع قبل سبعة عشر عاما تقريبا وكان خيبة أمل بكل المقاييس، فلم يحرر الجنوب، ولم يطور السودان، ولم يقدم ديمقراطية حقيقية، ولم يثبت على مبادئه الإسلامية الثورية التي بشر بها.‏

إن تحفظ الديمقراطيين العرب ينطوي علي الكثير من الصدقية، لاسيما أن معظم مآسينا كعرب جاءت من انقلابات عسكرية قدمت لنا في بدايات حكمها مشاريع سياسية براقة ما لبثت أن تحولت إلى أوهام وخراب، حين تمسك الانقلابيون بالحكم بصورة إطلاقية،وأخفقوا في مجال التنمية المستقلة، وفي عملية تحرير الأرض السليبة، وبناءالديموقراطية.‏

وفي سؤال جامع يطرحه المثقفون العرب :أيهما كان أفضل أن يتم التغيير في أي بلد عربي بواسطة تدخل القوى الأجنبية كما حصل في العراق، حيث دفع الشعب العراقي ثمنا باهظا ً جدا ً، تجاوز مئة ألف شهيد وأربعمئة ألف جريح علي الأقل، وخلق حالا ً من الفوضي وعدم الاستقرار، أومن قبل المؤسسة العسكرية والأمنية ـ كشكل وحيد للتغيير من الداخل دون دعم من الخارج؟ وهل تستطيع المؤسسة العسكرية في موريتانيا مثلا، التنازل، لتلبس لبوس المؤسسة المدنية، وتعيد الاعتبار للمؤسسات السياسية، كالسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، وتحترم آراء النخب السياسية الحزبية، والمدنية، وتعتبر آراء ومشاريع الكتل المثقفة؟‏

1 ـ استمرار الانقلابات في ظل رخاوة الدولة الموريتانية‏

من يتأمل الأحوال في موريتانيا يجد أنها لم تعرف طعم الاستقرار طوال تاريخها باستثناء فترة حكم الرئيس مختار ولد داده التي سادها الهدوء والطمأنينة، إذ ظهر بعد ذلك فكر الانقلاب ـ إن صح التعبير ـ وتوالت الحركات الانقلابية والتي كان أحدث ضحاياها الرئيس معاوية ولد الطايع. وعلى الرغم من أن كل قائد انقلاب لديه من الأسباب والمبررات التي دفعته الى قيادة الانقلاب والتي تتحدث في أغلبها عن مصلحة الوطن فإن موريتانيا لم تستقر على حال لفترة طويلة من الزمن فهي تموج بالصراعات الداخلية، بل إن الرئيس الموريتاني كأي رئيس لا يستطيع مغادرة البلاد في معظم الأحوال لأنه لا يضمن أن يعود إلى بلاده! الواقع في موريتانيا شديد الحساسية، والأمر يقتضي وجود رئيس منتخب انتخاباً حراً يلتف الشعب حوله بعيدا ً عما يثار عن علاقته بالقوى الكبرى كالولايات المتحدة، أو علاقته بالكيان الصهيوني‏

وتعتبر موريتانيا حائزة الرقم القياسي من بين الدول العربية من حيث كثرة الانقلابات العسكرية فيها، الأمر الذي دفع الأوساط الإعلامية للقول إن الجيش الموريتاني مصاب بهستيريا التكالب على السلطة.فمنذ العقد الثاني للاستقلال ظل مرض الانقلاب يخامر عقل الانسان الموريتاني كلما ارتدى البزة المرقطة ووضع الخوذة على فوديه. أيديولوجيا الانقلابات العسكرية دخلت إلى ثقافة الحقل العسكري، وتولدت من معاناة الجيش في ظروف حرب الصحراء الغربية التي أنجبت أول انقلاب عسكري في البلاد على أول نظام مدني بعد الاستقلال عندما نظم الجيش "انتفاضة" ضد نظام المختار ولد داده يوم 10 تموز/يوليو 1978، وقد اختار الجيش الموريتاني هذا اليوم عيدا ً وطنيا ً لـه. ومنذ ذلك التاريخ بدأت موريتانيا رحلتها الطويلة مع الأنظمة العسكرية، وصراعات الضباط على الحكم. فمنذ سنة 1978 شهدت موريتانيا 14 انقلابا ً عسكريا ً اصطدم بعضها بصخرة الفشل، ونجح البعض الآخر بمقاييس متفاوتة.ولم تكن الانقلابات في موريتانيا من طبيعة، واحدة فهي وإن كانت في شكلها تمثل ظاهرة واحدة، فإنها مختلفة في دوافعها وخلفياتها(1).‏

الانقلاب الأول ـ انتفاضة عسكرية ضد نظام الحزب الواحدمعاناة الجيش الموريتاني في حرب الصحراء الغربية خلقت عند قادته فكرة تغيير القرار السياسي للبلد بإزاحة النظام الذي تبنى الوقوف إلى جانب المغرب ودخل الحرب ضد جبهة البوليزاريو.ففي يوم 10 تموز/يوليو 1978 أطاح الجيش بقيادة المقدم المصطفى ولد محمد السالك بحكم" الرئيس المختار ولد داده وأعلن الانقلابيون الاستيلاء على السلطة فأنهوا بذلك حالتين هما: الحكم المدني، وحرب الصحراء.كان انقلاب 1978 ثمرة تحالف بين البعثيين وكبار الضباط في الجيش والدرك، وتمكن قراءة لخلفية البعثية من خلال المبادئ التي أعلن عنها الانقلابيون. وقد حكم البلد من خلال "اللجنة العسكرية للانقاذ الوطني".‏

الانقلاب الثاني ـ اليمين الشيوعي ينتقم لنظام ولد داده:النظام العسكري الأول في البلاد لم تنعم لجنته العسكرية طويلا ً بنشوة الانتصار حتى تعرض لهزات عنيفة، فاستلم زمام القيادة من الحلفاء الرئيسيين فيه، بعد أن قاد ضباط اليمين الشيوعي (حلفاء نظام ولد داده المخلوع من قبل) انقلابا ً تم في نيسان/ أبريل سنة 1979 وتم تنفيذه من داخل اللجنة العسكرية، بوساطة بعض أعضائها مثل العقيد أحمد سالم ولد سيدي، والعقيد محمد محمود ولد أحمد لولي، والعقيد الشيخ ولد بيده، وكان برئاسة العقيد أحمد ولد بوسيف الذي استبعد، هو وبعض زملائه، من الانقلاب الأول على أساس انتمائهم السياسي، ودخلت، لأول مرة، عناصر شيوعية يمينية أخرى إلى جانب "بوسيف"، مثل المقدم أباه ولد عبد القادر، المعروف ب "كادير" والعقيد انيينغ. استهدف الانقلابيون الجدد تصفية البعثيين العسكريين من دوائر السلطة ومطاردة المدنيين منهم انتقاما، وثأروا لنظام ولد داده الذي أطاحوا به قبل شهور من ذلك التاريخ.لم يعمر طويلا ً حكم اليمين الشيوعي، إذ شاءت الأقدار أن راح زعيمه المرحوم "بوسيف" يوم 27 ـ 5 ـ 1979 ضحية لتحطم طائرته فوق المحيط الأطلسي إلى الغرب من دكار في ظروف غامضة دعت الكثيرين إلى الاشتباه والشك في صلة بعض أعضاء اللجنة العسكرية بملابسات الحادث مع ورود احتمال زرع "مشكلة فنية" في أجهزة الطائرة تحول دون هبوطها بسلام، وهو ما قيل أن بعض الضباط السابقين أقر به قبل الحكم عليه بالإعدام من طرف منافسيه، إلا أن السر الحقيقي لم يعرف بعد.وإن صح هذا الاحتمال فإنه لا يقل عن انقلاب عسكري، بل دموي أودى بحياة "فوج" رسمي كبير وطاقم فني على السواء.ومن المؤسف أنه احتمال وارد فعلا ً ويصدقه عدم الرضى المفرط لدى بعض القادة العسكريين آنذاك عن السياسيات التصفوية ل "بوسيف" كما يصدقه أيضا ً تعرض أنصاره مباشرة بعيد غيابه "أو تغييبه" للإقالة الجماعية من اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني فيما اعتبر ردة فعل ضد حكم عسكريي اليمين الشيوعي، فكان أن لاذ بالفرار ثلاثة ضباط مقربين من "بوسيف" إلى المغرب ليدبروا انقلابا ً من هناك مدعوما ً بالعناية المغربية في إطار مسلسل ردات الفعل المضادة المتلاحقة التي كانت حربها سجالا ً بين العسكريين الموريتانيين في تلك المرحلة.‏

الانقلاب الثالث ـ ولد لولي الرئيس الثالث ـ ولد هيداله الرئيس الرابع:بعد أن رحل العقيد أحمد ولد بوسيف، رئيس وزراء موريتانيا القوي، يوم 27 ـ 5 ـ 1979 انتدبت اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني المقدم محمد خونه ولد هيداله خلفا ًمؤقتا ً له، ريثما يتم انتخاب رئيس لها وللدولة من بين أعضائها في غضون شهرين، كما تنص على ذلك وثيقة اللجنة. ولكن المقدم هيداله لم ينتظر انقضاء فترة انتدابه المؤقتة بل بادر لتفويت الفرصة على أعضاء اللجنة العسكرية من أنصار العقيد بوسيف، فعاجلهم بقرارات مفاجئة اعتبرت انقلابا ً داخليا ً، أعلن من خلالها إقالة أنصار بوسيف من اللجنة العسكرية وتعيين العقيد محمد محمود ولد لولي رئيسا ًللدولة يوم 3 ـ 6 ـ 1979، قبل أن يقصيه يوم 4 ـ 1 ـ 1980 ويعين نفسه رئيسا ً لها وللدولة، ومن بين من شملتهم قرارات التصفية العقيد أحمد سالم ولد سيدي والعقيد انييغ، والمقدم أباه ولد عبد القادر، والعقيد محمد محمود ولد أحمد لولي (الرئيس الشرفي)، والمقدم الشيخ ولد بيده. وبهذه الإقالات تخلص المقدم هيداله من منافسيه ليصل الى السلطة بعد أن أخلى لنفسه الجو، وقد سمى البعض وصول هيداله إلى السلطة ب "انقلاب الانقلابات".‏

 الانقلاب الرابع ـ أول انقلاب دموي في موريتانيا: انفراد هيداله بالسلطة بعد إقصاء ضباط اليمين الشيوعي وملاحقة جناحه المدني، وإعادة تحالف السلطة مع البعثيين من جديد، واليسار الشيوعي (mnd) والتعاطف مع البوليساريو... كلها أمور حدت بالمغرب إلى دعم اليمين الشيوعي (AMD) للقيام بانقلاب عسكري في موريتانيا لتخليص المغرب من خصمه الإقليمي نظام ولد هيداله وتخليص (AMD) من خصميه المحليين البعثيين واليسار. جرت محاولة الانقلاب المشهورة يوم 16آذار /مارس 1981 بوساطة فرقة كوماندوس قادمة من المغرب مؤلفة من 9 أشخاص موريتانيين من بينهم ثلاثة ضباط من أنصار الرئيس السابق بوسيف وهم: ولد عبد القادر (اليمين الشيوعي) والعقيد أحمد سالم ولد سيدي، والعقيد انييغ، وقد أعدم الثلاثة بعد إخفاق المحاولة بحكم قضائي. وهم أول من يحكم عليه الإعدام وينفذ فيه من الانقلابيين في موريتانيا.وكان انقلاب 16 آذار/مارس دمويا ً حيث استمر القتال في قيادة الأركان ورئاسة الجمهورية عدة ساعات، وراح ضحيته عدة أشخاص قتلى وجرحى، ومن بين الجرحى ولد الطايع، قائد الأركان وقتها.وكان من نتائج فشل هذا الانقلاب سياسيا ً قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وتعود أسباب فشل هذا الانقلاب إلى غياب الرئيس ولد هيداله عن نواكشوط، حيث كان من المقررأن يترأس اجتماعا ًللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني، إلا أن معلومات استخباراتية وردت قبل الانقلاب وتم إلغاء الاجتماع وتوجه ولد هيداله إلى الشمال الموريتاني وعاد بعد إفشال المحاولة، وقيل يومها أن سببا ً مهماً حال بين الانقلابيين والنجاح وهو عدم تمكنهم من اذاعة البيان رقم واحد الذي كان بمنزلة الإشارة لدعم القوات الجوية المغربية للانقلابيين.‏

الانقلاب الخامس ـ استئصال جذور التنظيمات السياسية السرية ذات الارتباط بالخارج: كان انقلاب 16 آذار/مارس 1981 المدبر من المغرب عاملا ً زرع في ذهن الرئيس ولد هيداله عقدة الخوف من الخارج، وهاجس الترقب الدائم لأخطار التدخل المحتمل لجهات خارجية عن طريق عملائها في الداخل، بقدر ما كان نجاح الرجل في إفشال الانقلاب عليه عامل اعتزاز ذاتي كرس في عقليته نزعة الاستبداد.هذان العاملان جعلاه يتراجع عن الإصلاح السياسي المتعلق بمشروع الحكومة المدنية التي كان قد تم تعيين رئيسها من طرفه بعد نشر دستور النظام النيابي القاضي بالإصلاح، ليختزل في شخصه مؤسسات الدولة ويجمع في يده كل السلطات.كما شرع بموازاة ذلك يستأصل جذور التنظيمات السياسية السرية ذات الارتباط بالخارج مثل حزب البعث (العراق) والحركة الناصرية (مرتبطة بليبيا)، وتنكر لحلفائه السابقين في هذه الحركات، واستمرت سياسات الرئيس هيداله على هذا النهج على مدى السنوات التالية من عمر نظامه.ولأن شبح الانزعاج من التدخل الخارجي ظل يكبر في ذهن هيداله باطراد مع تصعيد حملاته القمعية ضد رسل الأيديولوجيا الوافدة من المشرق العربي مهد الأفكار الانقلابية. فقد كان من شأن أضعف الأسباب أن يثير اشتباه هذا الرجل الذي لم يبق لـه صديقاً. وفي هذا الإطار أعلنت أجهزة الأمن اكتشاف مخطط لقلب نظام الحكم في أواخر آذار /مارس 1983، غير أن النظام لم يقدم أدلة كافية على زعمه أمام الرأي العام الوطني ولا أمام الإعلام الدولي، ولم يقدم المشتبه في ضلوعهم في المحاولة الانقلابية إلى العدالة، بل اكتفى باعتقالهم حيث ظلوا رهائن حتى أطيح بالنظام سنة 1984.ومن بين من اتهمهم هيداله بهذه المحاولة الانقلابية وزير خارجيته السابق النقيب البحري دحان ولد أحمد محمود، ورئيس حكومته المدنية (آنفة الذكر) سيد أحمد ولد ابنيجاره، والرئيس السابق المقدم المصطفى ولد محمد السالك؛ قائد أول انقلاب في موريتانيا سنة 1978 وآخرون.واتهمت الخارجية الموريتانية جهة خارجية بالوقوف وراء المخطط مشيرة ضمنيا ً الى العراق.‏

الانقلاب السادس ـ ولد الطايع الرئيس الخامس:أدت سياسات نظام ولد هيداله، وتقربه للزنوج، والإخوان المسلمين، وتصفيته القاسية للناصريين والبعثيين واليسار الشيوعي، واتهاماته المتكررة للدول الخارجية إلى النفور في العلاقات مع المغرب وليبيا والعراق وبعض دول الجوار الإفريقي. ووصلت الأزمة في الداخل أوجها بعدما ملئت السجون بالقوميين (الناصريين والبعثيين) وما يسمى بالكادحين الداداهيين (نسبة للنظام ولد داداه)، إلا أن العامل الخارجي كان هذه المرة الأكبر دورا في حسم الموقف، والاطاحة بالرئيس هيداله يوم 12 ـ 12 ـ 1984 في انقلاب أبيض قادة رئيس الأركان وقتها العقيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع، بتدبير فرنسي، وبعناية المغرب العدو الأكبر لنظام ولد هيداله المخلوع.ويصف خبراء السياسة الإقليمية في المنطقة انقلاب 12 ـ 12 ـ 1984 بأنه جزء من صفقة سرية بين فرنسا التي خططته، وبين المملكة المغربية التي التزمت مقابل ذلك القيام بوساطة لدى العقيد القذافي بشأن المشكلة التشادية ـ الليبية التي كانت فرنسا متورطة فيها.واثر انقلاب 12 كانون الأول/ ديسمبر أصبح ولد الطايع رئيسا للدولة، وبدأت موريتانيا مرحلة مملوءة بالانقلابات العسكرية الفاشلة.‏

الانقلاب السابع ـ أول انقلاب للناصريين:لم تمض على نظام ولد الطايع سنتان حتى انقض على بعض أعضاء لجنته العسكرية مشتبها ً في محاولتهم الانقلاب ضده. وأدى هذا الاشتباه إلى اعتقال مجموعة ضباط ذوي توجه ناصري، من بينهم المقدم مولاي ولد بو اخريص الذي أصبح بعد ذلك قائدا لأركان الجيش حتى تقاعد سنة 2002 برتبة جنرال، وهو ثاني جنرال في تاريخ الجيش الموريتاني.وقد استمر التحقيق مع هؤلاء أكثر من ثلاثة أشهر، كما حصل على خلفية الحدث توتر في العلاقات مع الجماهيرية الليبية.أسفر انعكاس الأمور داخل المؤسسة العسكرية عن إجراء تحويلات ومناقلات استهدفت إبعاد كل من يشتبه في انتمائه الناصري من العسكريين، عن العاصمة نواكشوط للخدمة في المناطق النائية بالداخل.جاءت هذه الأحداث بالتزامن مع ظهور تقرير للمخابرات الأمريكية حول الجيش الموريتاني، وتضمن التقرير الإشارة إلى وجود 1000 عسكري ناصري في الجيش الموريتاني كتنظيم، وهو الأمر الذي لا يبعث الاطمئنان في نفس ولد الطايع وفي نفس الحركات السياسية الأخرى التي كشفت لولد الطايع عن مخطط الانقلاب المزعوم، وذلك في محاولة منها لخلو المؤسسة العسكرية لتنظيمها العسكري السري داخل الجيش.‏

الانقلاب الثامن ـ أول محاولة انقلابية للزنوج:كان التقرير الذي نشرته الاستخبارات الأمريكية عن التنظيمات السياسية السرية داخل الجيش الموريتاني على قدر كبير من الصدقية في ما يتعلق بالجناح العسكري داخل الجيش لحركة "أفلام" الزنجية والتي وصفها التقرير بدقة التنظيم وقوة التماسك، وقد تبين ذلك عندما أقدم هذا التنظيم على إعداد مخطط عسكري للاطاحة بنظام ولد الطايع تم اكتشافه قبل الشروع فيه بثمانٍ وأربعين ساعة من تنفيذه (ساعة الصفر) حيث كان موعد انطلاقة العمليات ليلة 13/8/1987.وكان الانقلابيون يهدفون إلى أبعد من الاستيلاء على السلطة وقيادة البلد، بل إلى إقصاء عنصر العرب والقضاء عليه من خلال تنظيم مذابح جماعية ضدهم، وإقامة دولة زنجية عنصرية، كما يبدو من المخطط (إغلاق الحدود، مدة أربعين يوما لتمرير الإبادة الجماعية للعرب بعيدا ً عن أنظار العالم، وتغيير اسم الدولة من الجمهورية الإسلامية الموريتانية إلى "جمهورية الوال والو الافريقية".تم في أعقاب احباط هذا الانقلاب اعتقال مئات الضباط والجنود الزنوج، وإدانتهم من طرف القضاء بما في ذلك إعدام ثلاثة قياديين منهم وسجن بقية الضالعين من 5 سنوات الى المؤبد مع الأشغال الشاقة.ومن الغريب أن هذا الانقلاب انكشف من طرف ضابط فرنسي بعد أن اطلع على تفاصيله في مقر الاستخبارات الفرنسية التي لم تشأ التدخل في الموضوع، فقام الضابط المذكور واتصل بموريتانيا وكشف الانقلاب قائلا: "إن ضميره لا يمكنه أن يتحمل المذابح الجماعية ضد ذلك الشعب العربي الطيب الذي زاره ذات يوم".‏

الانقلاب التاسع: تمكنت بقايا تنظيم الحركة الزنجية "أفلام"داخل الجيش الموريتاني من إعادة ترتيب شؤونها بعد الضربة التي لاقتها على يد نظام ولد الطايع عقب فشل انقلابها سنة 1987.خطط منسقو خلايا التنظيم العسكري لتنفيذ "نسخة منقحة"من انقلاب 1987 وذلك بالانقضاض على ولد الطايع مساء 27 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة1990 خلال الحفل الذي سيقام بمناسبة احتفال عيد الاستقلال الوطني في القصر الرئاسي، وذلك باستخدام المديرية الجوية (سلاح الطيران) وشن هجوم جوي على القصر وتدميره وإبادة كل من يضمهم الحفل المقام ساعتئذ بمن فيهم الرئيس الطايع وكبار معاونيه من قادة الأركان والوحدات الأساسية في العاصمة.. ومن ثم الاستيلاء على المواقع الحساسة بواسطة فرق مكلفة بذلك لتكتمل السيطرة على العاصمة نواكشوط، ويكون الجناح العسكري للحركة "فلام" قد تدارك ما فاته سنة 87 وليبدأ الشروع في التصفية العرقية الممهدة لدولة "الوال والو"بساعتين قبل بدء توافد المدعوين للحفل في القصر الرئاسي وبدء الحفل، وموعد تنفيذ الهجوم، لاحظ ولد الطايع بنفسه، بعد أن أطل من غرفة في القصر الرئاسي حركة استبدال غير معهودة في الحراسات المرابطة عند بوابات القصر الرئاسي، فاشبه في الأمر وأصدر أوامره بإلغاء الحفل، وبدأت الإجراءات الاستباقية، ولم يمر ما يقارب الساعة حتى تمت السيطرة على كل الضباط الزنوج الموجودين بالعاصمة والوحدات القريبة منها، وآل مصير الانقلاب إلى الفشل.‏

الانقلاب العاشر ـ المحاولة الأولى لولد حننه:عشر سنوات ما بين 27 تشرين الثاني/ نوفمبر1990 تاريخ آخر محاولة انقلابية زنجية و27 تشرين الثاني/نوفمبر 2000 تاريخ أولى محاولات ولد حننه.لم تشهد موريتانيا خلال هذه العشرية أي محاولة انقلابية سوى تغيير النظام لهويته من "حكم عسكري" إلى "حكم مدني" ينتهج ديمقراطية تعددية لم يصدق بها الكثيرون من الساسة المدنيين، أما العسكريون فقد ظلوا يتابعون الوضع السياسي في البلاد، وينظرون الى أي مدى تستطيع التجربة الديمقراطية الوليدة تحقيق غاياتها في التغيير السلمي فعلاً، وإلا فإنها لا تشكل في نظرهم "حصانة" في وجه التغيير.ضرورة التغيير في أوضاع البلد، لاسيما مؤسسة الجيش كانت دافعا ً لمجموعة من الضباط على رأسهم الرائد صالح ولد حننه للتفكير في الموضوع، فأجروا اتصالات بهذا الصدد تعرضوا للاعتقال أثناءها يوم 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2000 بتهمة التحضير لانقلاب عسكري، واغتيال الرئيس أثناء حفل الاستعراض الذي تقيمه القوات المسلحة بمناسبة عيد الاستقلال، وبعد سجنهم لمدة شهرين تم تسريحهم من الخدمة، ليكونوا على موعد مع الجيش مرة أخرى في محاولتهم الثانية يوم 8 حزيران/ يونيو 2003 التي كانت دموية بسبب مقاومة القوات الموالية لولد الطايع، وانتهت بالفشل.‏

الانقلاب الحادي عشر ـ المحاولة الثانية لصالح ولد حننه:لم يكن تسريح الرائد صالح ولد حننه وزملائه سنة 2000 كما يتصور نظام ولد الطايع ردعا ًكافيا ً لعدم معاودة الفكرة من طرف أصحابها، بقدر ما لم يجعل النظام في مأمن من خطر الجيش، فمغادرة ولد حننه لموقعه في الخدمة لم يغير شيئا ً في خبرته وتجربته العسكرية وعلاقاته داخل الجيش، والتي كانت رصيده في إدارة المشروع من جديد.فعلى مدى سنتين ونصف السنة بالضبط أكمل ولد حننه إعداد مشروع خطة إنقلابية بالتنسيق والتعاون مع طلائع شبابية من الضباط من بينهم الرائد محمد ولد شيخنا المحكوم عليه بالسجن المؤبد (يوجد حاليا ً في المنفى)، والنقيب عبد الرحمن ولد ميني، والطيار محمد ولد سعد لوه، والنقيب محمد ولد السالك.وفي يوم 8 حزيران / يونيو 2003 باشر الانقلابيون تنفيذ خطتهم التي لاقت صعوبات ميدانية انتهت بها الى الفشل، رغم سيطرتهم على قيادة الأركان، ورئاسة الجمهورية والمطار والهندسة العسكرية، وأغلب مواقع الجيش في نواكشوط. شارك في المحاولة أكثر من 40 ضابطا معظمهم ذو توجه ناصري إضافة إلى عناصر متأثرة بالحركة الإسلامية. محاولة الإنقلاب هذه رغم إخفاقها إلا أنها أعادت إلى الذهنية العسكرية صدارتها بالحضور السياسي في غياب ديمقراطية حقيقية.آلت محاولة 8 يونيو/حزيران 2003 الانقلابية إلى سقوط 15 قتيلا ً بينهم قائد الأركان العقيد محمد الأمين ولد انجيان والى جرحى كثر، وقد أحيل الضالعون فيها الى العدالة فأدينوا بعقوبات وصلت الى السجن المؤبد مع الأعمال الشاقة.كانت نتيجة هذه المحاولة الانقلابية وما تبعها من محاولات في صفوف أنصار مرتكبيها أن هزت قناعات الموريتانيين بما يسميه ولد الطايع "ديمقراطية" وأصبحت ذهنية القوات المسلحة في وضع أفضل على صعيد استشعار الخطر المحتمل إذا لم يحصل تغيير ما في إدارة البلد، وهو ما ألقى بظلاله على مجريات الأحداث من بعد.‏

الانقلاب الثاني عشر:بينما أخذت موريتانيا تتهيأ للانتخابات الرئاسية المقررة في تشرين الثاني / نوفمبر 2003 بعيد فشل انقلاب 8 حزيران / يونيو 2003 من نفس السنة، كانت لا تزال تداعيات هذا الانقلاب تتفاعل مع تطورات ما بعدها.وبحكم خصوصية الظرف الموصوف بـ "أزمة"كان الناس ينتظرون من النظام أسلوبا ً مختلفا ً عن السابق في إدارة العملية الانتخابية على الأقل إن لم يعلن ولد الطايع عدم ترشحه آخذا ً بالعبرة مما سبق، وتحقيقا ً لعملية التناوب، غير أنّ كانت الأمور تسير في اتجاه معاكس لهذه الفرضيات المثالية، فكانت مؤشرات الحملة الانتخابية والتدابير الإدارية المتخذة توحي بالتحضير من طرف النظام لعملية تزوير كبرى لمصلحة ولد الطايع، ما دعا المترشح ولد هيداله (رئيس سابق) إلى طرح فكرة تنظيم عصيان مدني أو انتفاضة شعبية بالتعاون مع مجموعة من الأطر والساسة في إدارة حملته، وذلك من أجل الإطاحية بالنظام، على أن تنطلق العملية فور ما يتم الإعلان عن نتائج مزورة. تم تطويق هذه المحاولة في اليوم السابق للانتخابات، واعتقل المشاركون فيها بتهمة زعزعة الأمن وقلب نظام الحكم بالقوة، وتمت محاكمتهم وإدانتهم والحكم عليهم بعقوبات خمس سنوات سجن مع وقف التنفيذ.ورغم أن الخطة الأساسية للانقلاب كانت بانتفاضة شعبية تحاصر الرئاسة وتستولي على الحكم، إلا أن بنود الخطة كما نشرها الأمن الموريتاني تتضمن استخدام السلاح.‏

الانقلاب الثالث عشر ـ المحاولة الثالثة لصالح ولد حننه:كادت تتكرر محاولة 8 حزيران / يونيو 2003 عندما عاد إلى البلاد قائدها الرائد صالح ولد حننه في شهر أغسطس/آب 2004 بعد مغادرته إلى الخارج إثر فشل محاولته الانقلابية الثانية، وقد أدخل الانقلابيون كميات من الأسلحة وأجهزة الاتصالات إلى قلب العاصمة نواكشوط في الفترة نفسها، وبالتزامن مع ذلك نشطت حركة الاتصالات داخل الجيش بين أنصار " فرسان التغيير"، وهو الاسم الذي أطلقه مدبرو انقلاب 8 يونيو/حزيران 2003 على التنظيم العسكري المعارض الذي أسسوه بعد ذلك. وقد اكتشفت الاستخبارات الموريتانية أن الانقلابيين تسللوا الى داخل البلاد، وذلك بوشاية من أحد أقارب النقيب عبد الرحمن ولد ميني، الرجل الثالث في "الفرسان"، فألقي القبض عليهم وصودرت الأسلحة المستجلبة من الخارج، وشملت الاعتقالات الكثيرين في صفوف الضباط الذين يشتبه في صلاتهم بتنظيم "الفرسان"، فأحيل بعضهم الى القضاء ليلحق بملف المتهمين بالانقلاب السابق، وتم تسريح البقية.وكانت هذه هي المحاولة الثالثة للرائد صالح ولد حننه وفي ظرف ثلاث سنوات فقط، وقد تم احباطها، ولكن المسيرة لم تتوقف، ولما تزل المؤسسة العسكرية الموريتانية حبلى بالكثير والكثير من المخاضات الصعبة.‏

الانقلاب الرابع عشر ـ إنقلاب المقربين:هذه المرة، لم تغلب الفارس قبضة القط.. فبعد فشل سبعة انقلابات ضد نظام ولد الطايع، شارك الناصريون في أربعة منها، أصبح كبار ضباط الجيش والأمن ممن كانوا يلعبون الدور الأهم في حماية النظام السابق من عواصف المحاولات السابقة على قناعة تامة بضرورة التغيير، ولم يجدوا بَدا ً من الائتلاف مع الضباط الناصريين الذين يشكلون غالبية أعضاء الانقلاب الجديد الذي حصل في موريتانيا يوم 3 آب/أغسطس 2005 بقيادة العقيد أعلي ولد محمد فال، مدير الأمن في عهد ولد الطايع، ونرجو أن تكون ختاما ً مسكا ً لمسلسل الانقلابات العسكرية التي رافقت كل مراحل تطور المجتمع الموريتاني في صيرورته نحو مستقبله في العالم الجديد.لاشك أن الانقلاب العسكري الذي حصل في موريتانيا يوم 3 أغسطس 2005، وأطاح بالرئيس الموريتاني "معاوية ولد سيد أحمد الطايع"، وأنهى حكم 21 عاما ً من الاستبداد، يشكل منعطفا ً جديدا ً في الحياة السياسية الموريتانية، لا سيما أن القوى الداخلية العشائرية والإسلامية التي حاربت نظام ولد الطايع، وعانت من قمعه، أبدت ترحيبا ً كبيرا ً بالانقلاب، حتى وإن كانت لم تضطلع بدور مركزي فيه.‏

2 ـ ولد الطايع جاء بانقلاب، وراح بانقلاب‏

لقد اتسمت الحياة السياسية الموريتانية بسلسلة كاملة من الإنقلابات العسكرية خلال العقود الثلاثة الماضية، كان أولها انقلاب 10 تموز/ يوليو 1978/ حيث شارك عدد من الضباط البعثيين في الهيئة العسكرية الحاكمة التي حملت اسم "اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني". وقد حددت اللجنة العسكرية أهدافها بإيقاف الحرب في الصحراء وتقويم الاقتصاد الوطني وإنجاز المؤسسات الديمقراطية.ثم قام العقيد المصطفى ولد محمد سالك رئيس اللجنة العسكرية بتصفية الجناح القومي العربي، وشن حملة قمع صارمة ضد الضباط السياسيين والبعثيين عام 1982. وأدت دورة الانقلابات الداخلية في اللجنة العسكرية والمحاولات الانقلابية العديدة المضادة إلى تغيير كبير في اللجنة العسكرية أوصل العقيد معاوية ولد الطايع في 12 كانون أول /ديسمبر سنة 1984 إلى رئاسة اللجنة والدولة.‏

وكان ولد الطايع أحد أعضاء اللجنة العسكرية التي أطاحت بنظام المختار ولد داداه في 10 تموز 1978، وتقلد مناصب سياسية وعسكرية في الحكومة العسكرية فكان وزيرا ً أول ثم قائد أركان الجيش الوطني. وتزعم ولد الطايع في 12 كانون الأول 1984 انقلابا ً عسكريا ً أطاح بمحمد خونا ولد هيدالة، متهما ً نظامه بتسببه في تدهور اقتصاد البلاد وملء السجون بالمعتقلين. وتذكر بعض المصادر أن الضابط الاستخباراتي الفرنسي لاكاز كان عنصر التنسيق بين باريس وولد الطايع في الإطاحة بولد هيدالة، حيث أن الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران قد أقنع ولد هيدالة بحضور مؤتمر القمة الأفريقية الفرنسية في بوجمبورا، عاصمة بوروندي، وما إن وصلها ولد هيدالة حتى انقلب عليه ولد الطايع. وحاول ولد الطايع إعطاء الشرعية لحكمه، من خلال دستور، صدر في تموز 1992، الذي يسمح بالنظام التعددي، وأجريت بموجبه أول انتخابات رئاسية في كانون الأول 1992، فاز فيها ولد الطايع بنسبة 62,65 في المئة، وأعيد انتخابه في كانون الأول 1997 في انتخابات رئاسية تعددية بنسبة زادت على 90,25 في المئة، والتي اتهمه المعارضون بتزويرها.‏

ومنذ الإعلان عن إنشاء الأحزاب السياسية في موريتانيا في العام 1991، وولد الطايع يترأس الحزب الجمهوري الديموقراطي الاجتماعي الحاكم، الذي يهيمن على مقاعد الجمعية الوطنية (64 نائبا ً من أصل 81)، فضلا ً عن سيطرته على جميع مقاعد مجلس الشيوخ وغالبية البلديات. وأثار ولد الطايع غضب الكثير من العرب في موريتانيا، التي تضم خليطا ً من السكان العرب والأفارقة تدين الغالبية منهم بالإسلام، عندما بدل ولاءاته من الرئيس العراقي السابق صدام حسين في العام 1991 إلى "إسرائيل" والولايات المتحدة. ومنذ ذلك التاريخ ظل معاوية في الحكم حتى تمت الإطاحة به من قبل"المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية".‏

وقمع ولد الطايع معارضيه بقسوة كبيرة، وزج بعدد كبير من أعضاء الجماعات الإسلامية وضباط الجيش والمواطنين في السجون، بتهمة محاولة الانقلاب عليه، كما اتهمت حكومته خصومها بالتدرب مع تنظيم القاعدة في الجزائر. وقامت واشنطن بإرسال خبراء عسكريين لتدريب الجنود الموريتانيين على محاربة "الإرهاب" في المنطقة. ويقول محللون إن ولد الطايع يتعمد المبالغة في التهديد الذي يمثله الإسلاميون طمعا ً في كسب الحظوة لدى واشنطن، التي تخشى من إمكان تحول موريتانيا إلى معقل للمتشددين، بينما يستغل كذلك الأمر ذاته كمبرر لخنق أي معارضة ديموقراطية.‏

غير أن انقلاب 2005 يختلف عن انقلابات 2003 و2004 كثيرا ً، لأنه ليس من المتوقع أن يقوم الموساد (المخابرات الصهيونية ) بذاك الدور الذي قام به عام 2003 لنجدة "ولد الطايع".‏

بالنسبة للمحللين المتابعين لشؤون المغرب العربي، ليس هذا الانقلاب العسكري مفاجأة في شيء، إذ كان متوقعا ً حدوثه. ولقد جاء هذا الانقلاب العسكري الأخير على الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع يوم 3 آب (أغسطس)باعتباره مخرجا ً تنفيسا ً لأزمة سياسية عميقة طالت المجتمع والدولة في موريتانيا.. وهي أزمة كانت جذورها تعود إلى الاختلالات القانونية والتنظيمية التي عانى منها المسار الديمقراطي منذ انطلاقه عام 1991، إلا أن خلفياتها السياسية القريبة تعود إلى الأسباب التالية:‏

1 ـ إن العلاقة التي أقامها نظام ولد طايع مع الكيان الصهيوني منذ عام 1999، خلقت توترا ً حادا ً بين الشعب الموريتاني ونظامه. ومن النادرجدا ً أن يكون الموريتانيون مجمعين على موقف ما في شؤون حياتهم السياسية الداخلية، كما هم عليه الآن في حالة العلاقات الدبلوماسية المقامة مع الكيان الصهيوني. وكانت الحالة السياسية الموريتانية تقف بين نقيضين: بين نظام جاء بإنقلاب دعمه شخصيا ً رئيس الأركان الفرنسي عام 1984، فحصل على دعم فرنسا أولا ً ثم الولايات المتحدة ثانيا ً عبر خط التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبين مجتمع ذي طبيعة محافظة قبائلية عشائرية وله توجهات قومية وإسلامية كان دائما ً ضد النظام وسياساته وتعرض بسبب ذلك لعمليات قمع واعتقالات متوالية.‏

2 ـ إن النظام السابق انتهج سياسة القمع ضد قوى المعارضة السياسية، لا سيما تجاه المعارضة الإسلامية. فبعد هجمات 11 أيلول / سبتمبر 2001، انخرط معاوية ولد سيد أحمد الطايع بالكامل، في استراتيجية الحرب على الإرهاب، بانتهاج سياسة عدائية ضد الإسلاميين، حيث شن عمليات اعتقال واسعة في صفوف الإسلاميين، وأغلق أحزابهم، وجمعياتهم، وقمع مظاهرتهم، وأربك جميع أنشطتهم. ولكنها إجراءات لم تفرز ما هدفت إليه، ذلك أنها لم تؤد إلى حماية النظام القائم. وهي نتيجة يمكن سحبها على جميع الأنظمة العربية، التي تتبني نفس الفرضيات، ويطرحها أمام واقع البحث عن فرضيات جديدة، فهل تبدل الأنظمة العربية ضعيفة المشروعية، من فرضياتها ؟ كما أن الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد الطايع احتقر شعبه، وداس علي مشاعره الوطنية، واختار تل أبيب قبلة، معتقدا ً أنه حصل على بوليصة تأمين صهيونية ـ أمريكية لنظامه لمدى الحياة.‏

بدأ ولد الطايع في انتهاج سياسية عدائية ضد المعارضة الإسلامية وشن حملات اعتقال في صفوف مؤيديها، كما أغلق العديد من الجمعيات الإسلامية والخيرية، وفي أعقاب الاحتجاجات التي اندلعت في شوارع البلاد ضد زيارة وزير الخارجية الصهيوني سيلفان شالوم لنواكشوط في 3 ـ 5 ـ 2005، والتي فرقتها السلطات بالقوة، توسعت حملة الاعتقالات وامتدت لعدة أسابيع في صفوف الإسلاميين لتشمل أئمة المساجد وناشطات في التيار الإسلامي. ولم تكتف حكومة الطايع بذلك بل سنت قانونا ً يحظر التدريس وإلقاء الخطب في كل مساجد البلاد عدا خطبة الجمعة.‏

وعمل ولد طايع على إخضاع الشعب الموريتاني بوساطة القبضة الحديدية، وتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات، وتجريد المواطنين من حقوقهم التي تكفل بها الدستور، كحق التجمع، وحق التظاهر، وحق التعبير.وهكذا أقام نظام ولد الطايع التطبيع مع الكيان الصهيوني، لكنه انتهج في الوقت عينه سياسة الحرب على المجتمع، ورفض إجراء مصالحة وطنيةمع المعارضة.‏

3 ـ إن موريتانيا أصبحت بسهولة نقطة انطلاق الأخطبوط الأمريكي – الصهيوني في شمال إفريقيا، من خلال أرضها الشاسعة، واندفاع وانغماس نظامهاوضعفه، ووجود لوبي حاكم تابع للإمبريالية الأمريكية وللصهيونية. فقد استغلت الإدارة الأمريكية برئاسة بوش موريتانيا كقاعدة عسكرية إستراتيجية لخوض الحرب على الإرهاب في منطقة المغرب العربي وإفريقيا عامة، عبر الحلف المقدس الذي دخلت فيه عدة بلدان مغاربية وإفريقية، مثل الجزائر وتونس ومالي الخ. فلموريتانيا حدود مع الجزائر بطول 463 ك.م، ومع مالي بطول 2237 ك.م ومع السنغال بطول 813 ك.م ومع الصحراء الغربية بطول 1561 ك.م، وتطل على المحيط بساحل طوله 754 ك.م،. من ناحية أخرى يحتمل أن تكون العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة سبباً في تدهور شعبية الرئيس داخل قواته المسلحة، لا سيما بعد أن صدرت لها الأوامر بأن تذهب إلى الحدود مع مالي للتدريب على حروب الإرهاب في مناورة مشتركة مع جيش الجزائر ومالي والولايات المتحدة. وأتصور أن ولد الطايع مثل كثيرين من حكام العالم النامي لا يدركون أن الجيوش النظامية ليست مقتنعة بوظيفتها الجديدة أي مطاردة أفراد وهي المؤهلة والمدربة لحماية حدود الدولة وأمنها الخارجي.‏

4 ـ إن النظام الموريتاني، نظام يعاني من أزمة اقتصادية، وأزمة حقوق الإنسان، وأزمة استشراء الفساد الإداري والرشوة. ورَغْمَ أن موريتانيا تعتبر بلدا ً غنيا ً بموارده الطبيعية: [المعادن في الشمال / السمك في الغرب حيث المحيط / أعداد مهولة من رؤوس الماشية في الشرق (ملايين الأغنام والجمال)/ تربة زراعية خصبة في الجنوب حيث نهر السنغال، فإن الفقر المدقع لا يزال يطحن معظم سكانه. وفضلا ً عن ذلك، لا تزيد صادرات هذا البلد بحسب آخر الإحصائيات على 314 مليون دولار في السنة، في حين تربو الواردات على 380 مليون دولار.ومع مستوى تضخم سنوي يربو بحسب المصادر الرسمية على 4%، انخفضت القدرة الشرائية للمواطن بمعدل فاق خلال السنوات الأخيرة 400% بعدما وصل معدل دخل الفرد من الناتج الوطني الإجمالي إلى 410 دولارات سنوياً، وهو من أخفض معدلات الدخل في العالم. وكرس من تفاقم هذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي المرير في السنوات الأخيرة مستويات النهب غير المسبوقة لمقدرات الدولة تحكمت فيها عوامل الولاء والمحسوبية والاعتبارات الجهوية والعشائرية. ومن بين ما يناهز أربعة مليارات دولار تم الاعتراف بأنها تدفقت على البلاد من الخارج في الفترات الأخيرة، لم يوجد لهذه الأموال من أثر ملموس على صعيد التنمية إلاّ ما كان في حدود 800 مليون دولار.‏

ولم يجد النظام من مخرج لهذه الأزمات سوى الارتماء في أحضان الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، وهو ما عَمق عزلته الداخلية القاتلة بسبب الطلاق الحاصل بين خياره الاستسلامي هذا وبين خيار الشعب الذي يدافع عن هويته العربية الإسلامية ويرفض التطبيع، ويؤيد المقاومة الفلسطينية والعراقية. وبدلا ً أن ينساق الرئيس المخلوع ولد الطايع في طريق الإصلاحات الديمقراطية بوصفها مطلبا ً داخليا ً ودوليا ً، اختار السير في طريق الانغلاق السياسي المقيت، فعجز عن تطوير نظامه من الداخل في ضوء المستجدات والتطورات الداخلية والإقليمية والدولية بحيث بدا نشازا في منطقة جواره المباشر التي عرفت تحولات نوعية في السنوات الأخيرة: تجربة التناوب الناجحة في السنغال ومالي والنيجر، والإصلاحات السياسية الهامة في المغرب والجزائر.‏

3 ـ تفاصيل انقلاب موريتانيا‏

من الواضح أن الانقلاب نجح، لا سيما بعد أن ترأس العقيد أعلي ولد محمد فال، مدير الأمن الوطني، المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الذي يضم 17 ضابطا ً آخرين من بينهم 16 عقيدا ً ونقيبا ً بحريا ً. وعرف عن العقيد أعلي ولد محمد فال بأنه كان أحد المقرَبين من الرئيس ولد طايع وقاتل إلى جانبه لدى تسلمه السلطة عام 1984 وهو من بين شخصيات قليلة جداً كان الرئيس السابق يستشيرها في أمور مهمة تتعلق بمستقبل البلاد، كما أنه لعب دورا ً رئيساً في إحباط محاولة عنيفة لقلب نظام ولد الطايع قام بها ضباط من الجيل الثاني في المؤسسة العسكرية في شهر جزيران/ يونيو. 2003وينتمي ولد محمد فال إلى قبيلة أولاد بسبع العربية التي كانت تقتسم مع قبيلة الرئيس ولد الطايع أهم المصالح التجارية في البلاد. ويقول صحفيون موريتانيون إن مصالح رجال أعمال كبار من القبيلتين أصبحت متناقضة خلال الفترة الأخيرة، إلى درجة أن التنافس بينهما قد تطور ليصبح صراعا ً بين القبيلتين. وتلعب القبائل دورا ً كبيراً في الحياة السياسية في موريتانيا وتدعم القبيلة دائما ً والقبائل المتحالفة معها ابنها الذي يصل بعد مغامرة للحكم في البلاد، وتوظف جميع طاقاتها المادية والبشرية لمساندته.‏

و يعتبر العقيد أعلي ولد محمد فال من "رجال فرنسا" وأحد المتحمسين لنشر اللغة والثقافة الفرنسيتين على حساب اللغة العربية التي يجهلها تقريبا ً. كما أنه ينتمي إلى مدرسة تدعو إلى ارتباط موريتانيا بالثقافة الفرنسية وبالفضاء الفرانكفوني بدلا ً من المحيط العربي، ومعروف عنه توجهه العلماني الليبرالي.أما تكوينه الأكاديمي فهو محدود، إذإنه دخل الجيش في الستينيات بعد إكمال تعليمه الثانوي، وتلقى تكوينه العسكري في المغرب، ولم يحصل على أي شهادات أكاديمية. وقد عرف عنه الانضباط العسكري والولاء وعدم الطموح للسلطة وهي صفات قربته من ولد الطايع الذي منحه ثقته، وكان يعد من ركائز نظامه وأحد أصدقائه الأوفياء.‏

من المؤكد أن العقيد أعلي ولد محمد فال هو وحده صاحب فكرة الانقلاب، ومدبر خطة التنفيذ بالتعاون مع ابن عمه العقيد محمد عبد العزيز الذي يعتبر بمنزلة ابنه، حيث تربى عزيز على يد "أعلي" في البيت وفي المدرسة والمؤسسة العسكرية معا ً، وكان ولد الطايع يستمد ثقته في عزيز (قائد حرسه) من صلة هذا الأخير الأسرية والشخصية بالعقيد أعلي.‏

وكان التفكير والتخطيط من صنع الاثنين، وشاءت الأقدار أن تكون أداة التنفيذ "ناصرية"، إذ استمال العقيد عزيز لمشروع الانقلاب مجموعة من رفاقه الضباط الناصريين الذين أصبحوا يشكلون الغالبية في المجلس العسكري الذي استولى على السلطة، وهم اليوم أكثر أعضاء المجلس تحمسا ً لشرح " فلسفة الانقلاب".‏

تم وضع خطة الإنقلاب على أساس أنها ستنفذ خلال الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها في الخامس عشر من الشهر الجاري ولد الطايع لمدينة النعمة (عاصمة ولاية الحوض الغربي) التي تبعد 1103 كلم عن نواكشوط، إلا أن السفر المفاجئ لولد الطايع إلى المملكة العربية السعودية لتأدية واجب العزاء في وفاة الملك فهد، سَرّع تنفيذ الانقلاب.‏

وتعكس تشكيلة المجلس المؤلف من 17 عسكريا ً غياب أي تمثيل للتيار الإسلامي أو أي حضور فعال للشخصيات ذات التوجه القومي أو العروبي. وفي المقابل يضم المجلس أعضاء ذوي توجه قبلي. ويرى مراقبون أن هؤلاء الأعضاء تم إقناعهم من قادة المجلس الفعليين الانضمام إليه لأجل استمالة القبائل الكبرى في البلاد إلى المجلس ولطمأنة الأقليات الزنجية دون أن يكون لهؤلاء الأعضاء دورا ً أساسيا ً في الانقلاب.‏

وتعهد الانقلابيون في بيانهم بـ"خلق الظروف المؤاتية لجو ديمقراطي منفتح وشفاف يتمكن من خلاله المجتمع المدني والأطراف السياسية من التعبير عن آرائهم بحَرية". وأضاف البيان أن " القوات المسلحة والأمنية لا تعتزم تولي السلطة لمدة تتجاوز السنتين وهي المدة التي تعتبرها ضرورية للتحضير لإقامة مؤسسات ديمقراطية فعلية"، وخلص إلى القول إن "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية يتعهد أخيرا ً باحترام كل المعاهدات والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها موريتانيا ".‏

وقال عضو المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الحاكم في موريتانيا، وقائد الحرس الرئاسي، والمنفذ الفعلي للانقلاب العقيد محمد ولد عبدالعزيز: إن انقلاب الثالث من أغسطس في بلاده كان تعبيرا ً عن رغبة الشعب الموريتاني، مستدلا ً على ذلك بالمسيرات المؤيدة له، والتي جاءت مختلفة عن التي اعتاد النظام السابق تسييرها، ووصفها بالقوية وأن المجلس لم يسيرها أو يطالب بها ".‏

وأضاف ولد عبد العزيز في أول حديث إعلامي لأحد أعضاء المجلس العسكري، وأدلى به لإذاعة صوت أمريكا الناطقة بالفرنسية "أن المجلس العسكري سيفي بالتعهدات التي قطعها على نفسه في بيانه الأول، والتي تتلخص في تأسيس ديمقراطية حقيقية تخدم الشعب، ولا تخدم فردا ً ولا مجموعة "، مشددا ً على " أن درجة التزامنا ستكون قوية وستمثل مفاجأة سارة للجميع".‏

وجدد ولد عبد العزيز التزامات المجلس بعدم ترشح أعضائه للانتخابات المرتقبة، وأن المجلس سيبني ديمقراطية حقيقية، على خلاف "ديمقراطية الواجهة" التي أقامها ولد الطايع إرضاء للغرب"، وكانت "مجرد ماكياج لخدمة فرد واحد، ومجموعة من المنتفعين من وجوده"، واعدا ً أن تكون ديمقراطية المجلس الجديد " نابعة من الشعب، ولخدمة الشعب".‏

لقد تمكن العقيد أعلي ولد محمد فال السباعي من السيطرة على دواليب الحكم بالقوة إثر انقلابه على رفيق الدرب معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في انقلاب أبيض لعب فيه محمد ولد عبد العزيز السباعي قائد الحرس الرئاسي وابن عم الرئيس الجديد دورا ً هاما ً للإطاحة بالنظام البائد، إلا أن الكثير لن يتغير قطعا ً بموريتانيا لأن العقيد الجديد كان مديرا ً عاما ً للأمن الوطني الموريتاني منذ أكثر من 20 سنة. وكان اليد اليمني للرئيس المخلوع التي يبطش بها، فالانقلاب الجديد لا يعدو كونه تغييرا ً في هرم السلطة فقط أو صراعا ً بين القبائل لا سيما قبيلة ولد الطايع السماسيد وقبيلة خلفه أولاد بسبع أو خلافا ً شخصيا ً بين العقيدين أعلي ومعاوية دفع الأخير ثمنه باهظا ً، إن ولد محمد فال لن يتمكن من السيطرة على الاستقرار في موريتانيا. فالرجل عرف بانتمائه الشيوعي وبتورطه في كثير من القضايا الحساسة في موريتانيا. فكان من أكبر جلاّدي العصر البائد بل كان مهندس عمليات التقتيل والتعذيب التي استهدفت القوميين العرب والزنوج ومن بعدهم الإسلاميين وأصحاب الضمائر الحية، فالرئيس الجديد لا يري الأمور إلا من خلال منظار بوليسي ومقاربات أمنية ونتيجة لثرائه الفاحش فلن يتمكن من الضرب على أيدي المفسدين لأن شرطته هي صاحبة الرشوة بجدارة، كما أن علاقات موريتانيا الخارجية لن تبرح مكانها لا سيما مع الدولة الصهيونية لأن العقيد ولد محمد فال هو منظر تلك العلاقة وكذا فرنسا لفرنكفونية الرجل أما داخليا ً فلن يكون ثمة أكثر من لعبة الشطرنج تبديل بعض الأوجه واستبدالها بشخصيات كثيرا ما تكون من بني عمومته لا سيما أنه معروف بتشبثه بالقبيلة والذود عن حماها. لاشك أن إزاحة ولد الطايع مكسب عظيم للشعب الموريتاني الذي عاني من قهره كثيرا ً كما أن إعطاء مدة سنتين من طرف اللجنة العسكرية للعدالة والديمقراطية لتحقيق شعارها أمر هام رغم ما يحوم حول طول هذه الفترة من شكوك وأسئلة حيث أن فترة ستة أشهر كافية لترتيب الانتخابات وهذا ما وقع في مالي تماني توري ATT وحتى في العراق الذي يشتعل تحت أقدام المحتلين، ولد محمد فال مطالب اليوم بالسير بالبلاد نحو ديمقراطية حقة وسد باب الفساد الإداري وعصرنة الدولة وتقريب إدارتها من المواطن وتعزيز حقوق الإنسان والمواطن والاعتذار عن أخطاء الماضي الجمة أمام الشعب وفتح الفرص متساوية أمام أبناء البلد وعدم إقصاء أي كان ولا تهميشه في ظل تنمية حقيقية ومحلية صائبة ورد موريتانيا إلى محيطها العربي وذلك بطرد السفير الإسرائيلي والإصغاء إلى همس المواطن على موريتانيا بذلك تخطو خطوة إلى الأمام لا خطوات إلى الوراء فالتوبة تجب ما قبلها وقطعا لن ينسى الشعب الموريتاني لولد محمد فال هذا الأخير الجميل إن لم تكن لـه نية حقيقية في الاستئثار بالحكم والذي لن يتمكن من الاستمرار فيه بتاتا ً لماضيه المرتبط بولد الطايع فإن لم يكن انقلابا يسقطه فثورة شعبية عارمة ستطيحه(2).‏

المواقف الدولية من الانقلاب‏

رغم بيانات الإدانة الدولية في بداية الانقلاب إلا أنه من الصعب على فرنسا أو الولايات المتحدة (أكثر الأطراف الدولية الفاعلة بالمنطقة) أن تتخذ موقفا ً عنيفا ً تجاه هذا الانقلاب الأخير، بل ستسعى فقط إلى الضغط الأولي المكثف على النظام الجديد لحين معرفة الوقائع الجارية وتوجهات النظام الجديد، الذي لا تزال هويته غير محددة بدقة. وجاء إحجام فرنسا عن التنديد الصريح بالانقلاب، ليعزز تحليلات بعض المراقبين، والتي لم تستبعد أن تكون فرنسا على عِـلم مُـسبق بالانقلاب، أو على الأقل كان قادته مُـدركين لحقيقة البرودة التي تشوب علاقات فرنسا مع ولد الطايع الذي قلب لها ظهر المِجَـن، واختار المعسكر الأمريكي الإسرائيلي، فانقضوا على السلطة.‏

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية نددت بالإنقلاب العسكري في موريتانيا، وطالبت بعودة الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع إلى السلطة باعتباره من أقرب حلفائها، لكن بعدما تبين أن الموريتانيين يؤيدون الانقلاب اكتفت واشنطن بالدعوة إلى عودة النظام الدستوري إلى البلاد وذلك بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي. وكان النظام المخلوع يتعاون بشكل وثيق مع الولايات المتحدة في مختلف المجالات لا سيما في إطار السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب.ولقد علقت واشنطن مساعداتها للحكومة الموريتانية باستثناء المساعدة الإنسانية، وأوضح مسؤول في وزارة الخارجية طلب عدم الكشف عن اسمه أن المساعدة المعلقة هي برنامج مساعدة وتدريب عسكري قيمته 150 ألف دولار عن العام الحالي، 2005 وتصل المساعدة الإنسانية إلى 3،49 مليون دولار هذه السنة.‏

وكان رئيس المجلس العسكري الموريتاني استقبل سفراء أميركا وفرنسا وروسيا والكيان الصهيوني. وهو مسعى يتناقض كليا ً مع التوجهات السياسية للشعب الموريتاني وقواه السياسية المناضلة، إذ كان موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني ووجود سفارة صهيونية في نواكشوط أحد فصول معارضته لنظام ولد الطايع، بل كان سبباً في خروج المظاهرات الشعبية المرحّبة بـ"التغيير".‏

وأصدر رئيس المجلس العقيد أعلي محمد ولد محمد فال مرسوما ً عين بموجبه سفير موريتانيا في فرنسا سيدي محمد ولد بوبكر رئيسا ً للحكومة، خلفا ً لأسغير ولد مبارك الذي قدم استقالته.ويعتبر رئيس الحكومة الجديد فرانكوفونيا وتكنوقراطيا ومقربا ً من ولد الطايع، إذ شغل منصب رئيس حكومة سابق وأمين عام للحزب الجمهوري الذي كان مسيطرا ً على الحكم في ظل النظام السايق.‏

وبعد أسبوع على الانقلاب الأبيض الذي أطاح بالرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد الطايع في 3 آب / أغسطس 2005، عاد عدد من رموز حكمه وأعضاء حزبه إلى السلطة بعد تعيينهم وزراء في الحكومة الانتقالية التي شكلها رئيس الوزراء الجديد سيدي محمد ولد بابكر ونشرت في مرسوم وقعه رئيس "المجلس العسكري للعدالة والديموقراطية" العقيد أعلي ولد محمد فال، وخصوصا ً إعطاء حقيبة الخارجية والتعاون إلى أحمد ولد سيد أحمد الذي شغل هذا المنصب في عهد ولد الطايع ووقع في واشنطن في العام 1999 اتفاق إقامة علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، والذي كان حتى فترة الانقلاب يشغل منصب سفير موريتانيا في دمشق. وقد يستهدف تعيينه "طمأنة" الأسرة الدولية وخصوصا ً الولايات المتحدة المتمسكة بشدة بالعلاقات بين نواكشوط وتل أبيب. وكانت الولايات المتحدة قد تخلت عن مطالبتها بإعادة ولد الطايع إلى منصبه، مشيرة إلى أنها تتعامل الآن مع قادة الانقلاب لإقناعهم بإيجاد سبيل لتحقيق انتقال دستوري للسلطة. ومن الواضح أن النخبة العسكرية الحاكمة مستعدة لـ"انتزاع" شرعية بقائها في سُدة الحكم بتقديم تطمينات تفصيلية للسفراء الأجانب على أنها ملتزمة بالسير في السياسة الخارجية وفق الخط الذي رسمه النظام السابق.‏

أما من جانب الإتحاد الإفريقي، فقد قال رئيس بعثة الاتحاد وزير الخارجية النيجيري اولويمي ادينيجي بعد لقائه فال في نواكشوط "نشعر بالاطمئنان لأن هناك توافقا ً على ضرورة التغيير. نعتقد أن ذلك سيسهل إلى حد كبير عودة البلاد إلى الديموقراطية". أضاف "لقد اطمأننا إلى أن ثمة اجماعا ً على أسباب وحتى ضرورة التغيير". وتابع أن "لانطباع الذي خرجنا به منذ وصولنا هو أن ثمة سلاما ً في كل مكان". والتقى ادينيجي ايضا ً رئيس الوزراء سيدي محمد ولد بوبكر ثم مسؤولين من الأحزاب السياسية وممثلين عن المجتمع المدني. وقال ادينيجي أن "جميع من قابلناهم أشاروا إلى أنهم يؤيدون التغيير" الذي حصل، مضيفا ً "نعتقد أن ذلك سيسهل إلى حد كبير عودة البلاد إلى الديموقراطية". وتابع أن "موقف الإتحاد الإفريقي الذي نقلناه إلى الرئيس ولد محمد فال يتمثل في مواصلة البرنامج الانتقالي المعلن على نحو صارم وشفاف" موضحا أن فال أعرب عن رغبته في متابعة تنفيذ هذا البرنامج "في أقصر مدة ممكنة". وحول تعليق عضوية موريتانيا في الإتحاد الإفريقي، أوضح ادينيجي "لن تعود عضوية موريتانيا إلى أن تجري انتخابات حرة ديموقراطية وإلى أن تتولى حكومة منبثقة من تلك الانتخابات".‏

4 ـ النظام الجديد في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية‏

اعتمد المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الحاكم في موريتانيا ميثاقا ً دستوريا ً يحدد صلاحياته وسلطاته في الفترة الانتقالية التي كان قد تعهد في يوم نجاح الانقلاب الذي قام به على نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع الأربعاء الماضي بألا تتجاوز عامين، وأعطى المجلس لنفسه صلاحية ممارسة السلطات التشريعية بإصدار مراسم، بعد أن كان قد حل البرلمان قبل أيام.‏

في سبيل كسب الشرعية الداخلية أطلقت السلطات الجديدة في البلاد سراح ستة وعشرين معتقلا ً إسلاميا ً كانوا محتجزين منذ ثلاثة أشهر ومنهم الزعيم الروحي للتيار الإسلامي محمد الحسن ولد الددو، والسفير المختار ولد محمد موسى وعدد كبير من الأئمة وقيادات التيار. وكان نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع قد وجه للإسلاميين تهمة قيادة تنظيمات إرهابية، وتعريض سمعة موريتانيا للانتقام الخارجي، ورفض الاعتراف بالأحزاب التي أسسها الإسلاميون الموريتانيون، وظل ينعتهم بأنهم قادة للتطرف ونشر الفكر الجهادي في صفوف المجتمع، بينما يؤكد الإسلاميون أنهم وسطيون معتدلون ينبذون كل أشكال العنف. ولم تفد المصادر الرسمية أي معلومات حول نحو أربعين إسلاميا ما زالوا معتقلين، ومنهم سبعة شبان متهمين بأنهم تلقوا تدريبا ً عسكريا ً في معاقل الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية للقتال في العراق وأفغانستان ومجموعة من "السلفيين" لم يحدد عددهم.‏

وعلى الرغم من أن هذا الانفراج الداخلي يستهدف استمالة أهم فصيل في المعارضة الموريتانية ألاوهو التيار الإسلامي، إلا أن المعارضة الموريتانية لحكم ولد الطايع أعربت، عن خيبة أملها من التشكيلة الحكومية الجديدة، خاصة اختيار أحمد ولد سيد أحمد وزيراً للخارجية. فالمعارضة الموريتانية تعتبر قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني يشكل دليلا ً لا يدحض عن القطع مع النظام السابق، لاسيما أن أبرز الدروس المستخلصة من انقلاب موريتانيا، تتلخص في كون الاعتماد على أمريكا والكيان الصهيوني ليس ضمانة للاستمرار في الحكم.‏

لقدأعلن ولد فال لأعضاء حكومته أن المرحلة الراهنة مرحلة تاريخية وحاسمة في تاريخ موريتانيا وأن البلاد بحاجة لديمقراطية حقيقية وأنها ستحصل عليها من دون منة من أحد ولا تسويق لأي جهة خارجية.وفي تصريحات لقناة "الجزيرة" الفضائية القطرية بعد يوم من توليه مهامه، أكد محمد ولد بو بكر رئيس الحكومة التزام أعضاء المجلس العسكري الانتقالي الحاكم وأعضاء الحكومة بتحقيق الديمقراطية في أقرب وقت ممكن، كما أكد أيضا التزام أعضاء المجلس العسكري بعدم الترشيح مستقبلا ً بأي منصب سياسي، وقال أن المجلس أعلن منذ البداية أن نيته وإرادته أن تتم المرحلة الانتقالية في أحسن الأوضاع وفي أقصر وقت ممكن.‏

لقد استهل الرئيس الموريتاني الجديد كلمته بتنبيه زعماء الأحزاب إلى أنه قرر الالتقاء بهم مجتمعين في وقت واحد ومكان واحد لتجنب أي انطباع خاطئ حول الحيادية التامة التي يلتزم بها المجلس العسكري تُجاه كل الفعاليات والتيارات. وبعد استعراض خلفية تاريخية لأهم ما عرفته البلاد من دساتير ومؤسسات للحكم، يصل الرئيس الجديد إلى بداية التسعينيات التي شهدت هبوب رياح الديمقراطية على العالم، وحينها تم في موريتانيا إقرار دستور العشرين من يوليو 1991 من خلال استفتاء ليقول: "لقد كان على كل حال دستوراً بما لـه وما عليه، وجرى تنظيم انتخابات رئاسية. وبالطبع، يمكننا تخمين ما نشاء، لكنها كانت انتخابات على أي حال. وبالجملة، مثل ذلك تطوراً ملحوظاً على درب إشاعة الحريات الخاصة بالأفراد وبإنشاء الأحزاب وعلى صعيد حرية الصحافة ومجالات أخرى. ومنذ الاستقلال، لم تشهد بلادنا تجربة من هذا القبيل (...) بيد أنه للأسف، وأشدد على كلمة [للأسف]، كان هذا المسار الديمقراطي يحمل في طياته بذور انهياره، وذلك بفعل انعدام الضمانات بعدم العودة إلى أشكال التسيير السابقة للدولة (...) ما الذي حدث؟ ببساطة، كان هناك عدد من الأحزاب والتيارات على المسرح السياسي، ولكن الخطأ القاتل تمثل في تولي الرئيس السابق لرئاسة أحد هذه الأحزاب، مما أدى إلى عرقلة اللعبة السياسية، وذلك بعدما غدا هذا الحزب هو حزب الدولة، إنه حزب الرئيس!".‏

وأشار العقيد اعلي إلى أن الانحرافات كان منشؤها بالأساس حالة الارتكاس السياسي والسلبية العامة وقصور الوعي في أوساط الأفراد، لكنه أعرب وفي صراحة لبقة عن أنه لا يخجل من القول إنه كان جزءاً من هذا المسار، وإنه أسدى خدمات للنظام. لكنه ذكر أننا نعيش في العالم الثالث، حيث يعتمد الفرد على الدولة في توفير ضروريات الحياة، وهنا لا يمكن لأي حزب معارض أن ينافس.‏

وأضاف أنه لا بد من تعديل ثلاث مواد من الدستور:‏

1 تحديد نيابتين للرئاسة.‏

"في العالم الثالث، علمتنا التجارب أنه من الممكن أن يصل شخص إلى سدة الرئاسة ليقوم بتغيير الدستور لصالحه. وهذا يعني أنه لا بد لتفادي هذا السيناريو من وضع تدابير دستورية تحول دون وقوع ذلك".‏

2 تدوم نيابة الرئيس لفترة تتراوح بين أربع أو خمس أو ست سنوات.‏

3 هناك مسألة لا بد من حلها، ألا وهي المادة الرابعة بعد المئة من الدستور.‏

وفي معرض إجابته عن تساؤله عن الضمانات، قال العقيد: "ليس لدي من شيء غير ما أقوله لكم والإجراءات التي ستترى تباعاً. خلال عام من الآن، ستتم مراجعة الدستور بعد استكمال المناقشات. (...) وعلى كل حال، لن يتجاوز أمد الإجراءات بما في ذلك الانتخابات الرئاسية والتشريعية عامين كحد أقصى".‏

وعدّد العقيد اعلي ولد محمد فال الضمانات في نقاط محددة:‏

1 ـ لن يكون من حق رئيس المجلس العسكري أو أعضاء هذا المجلس أو الوزير الأول أو أعضاء الحكومة، الترشح في الانتخابات الرئاسية أو التشريعية.‏

2 ـ سيتم إنشاء لجنة وطنية للانتخابات (ذات طبيعة استشارية أو إشرافية أو مستقلة)، هذه اللجنة سيتم التداول مع الفاعلين السياسيين بشأن طبيعة اختصاصها.‏

3 ـ سيكون من حق البلدان والمنظمات الدولية إرسال ممثلين لتقويم شفافية الانتخابات.‏

4 ـ لن يتبنى المجلس العسكري أو يدعم أياً من الأحزاب السياسية حتى انتهاء العملية برمتها.‏

وبمجرد انتهاء العملية، سيتم حل المجلس العسكري. وفي الأثناء، سنسعى قدر المستطاع إلى النهوض بمستوى الأداء، لا سيما في ما يخص تكريس العدالة وحسن الإدارة.‏

وينم هذا الخطاب عن مدى الإحساس بالخطر الذي كان محدقاً بالدولة الموريتانية وعن مكمن الخلل المتمثل في أن خلع العسكر لبزتهم لا يعني بالضرورة تحولهم إلى مدنيين.‏

التحديان الرئيسان‏

انطلاقاً من الشعار الذي تسمى به مجلس قيادة النظام الجديد والمرتكز على مبدأين: العدالة والديمقراطية، ألزم القادة الجدد أنفسهم بتجسيد قيم العدالة وإيجاد الأجواء الكفيلة بإرساء ديمقراطية حقيقية وشفافة.‏

التحدي الأول: تجسيد مفهوم العدالة‏

تعهد المجلس العسكري بأنه لن يستمر في الحكم أكثر من المدة اللازمة لتوفير مناخ الديمقراطية تتسم بالجدية والنزاهة والشفافية، وحدد فترة أربعة وعشرين شهراً كحد أقصى لذلك. لكن تجسيد مفهوم العدالة كواقع ملموس في حياة المواطن الموريتاني البسيط بكل ما يعنيه ذلك من إشكاليات وإكراهات مسألة لا تحتمل التأجيل إلى ما بعد المرحلة الانتقالية.‏

إذا كان "المجلس العسكري"يريد حقا ً طي صفحة النظام السابق، وقطع الطريق على عودة معاوية الى الحكم، وحيازة الحد الادنى من الشرعية الداخلية، فإن سبيله الى ذلك هو الانفتاح على الشعب الموريتاني، وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتعددية وشفافة، تعبد الطريق لعودة المدنيين إلى استلام السلطة الفعلية في البلاد، وعودة الجيش في الوقت عينه الى الثكنات كحارس للدولة والحدود والسيادة، لا كفريق في الحياة السياسية.‏

ويبقى أن أهم ما يتركه هذا الانقلاب من تداعيات إقليمية هو درس تستفيد منه الدول المجاورة لمراجعة أثر التدخلات الخارجية في المنطقة في العلاقات فيما بين دولها من جانب، وإعطاء الأولوية لبحث قضايا الداخل وإسهامها في السياسات الدولية بالمنطقة من جانب آخر.‏

(1) المختار السالم ـ تاريخ الإنقلابات في موريتانيا – ملف نشرته صحيفة الخليج الإماراتية تاريخ 19 أيلول /سبتمبر 2005..‏

(2) المختار امباب ولد زيدان ـ موريتانيا: من الانقلاب إلى الثورة ؟ (المصدر: صحيفة القدس العربي بتاريخ 10 أوت 2005)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244