الكاتب المسرحي وليد فاضل ـــ مجموعة باحثين

أدباء مُكّرمون ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 03:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

شـــهادةـ بقلم ضيف الله مراد ـ مخرج وناقد مسرحي

يجلس في العتمة خلف طاولة خشبية تلامس خشبة المسرح وعيناه تلتمعان كعيني قطٍّ في زقاق معتم، ومن حين إلى آخر تومض ذؤابة سيجارته وتنوس ناشرة غمامة من دخان أزرق حول وجهه العريض الذي يشبه في استدارته قرص شمس أحمر بدأ يهبط مشتعلاً في أمواج البحر ويختفي من غير عجل في اليمّ.‏

وبين مشهد وآخر تراه يكبس بصخب زر آلة التسجيل فتصدح موسيقا مرافقة للعرض المسرحي تأخذ بأسماعنا، فهو يعرف جيداً كيف يعزف على قيثارة الروح، وترتسم على وجهه ابتسامة الرضى والحبور وهو يتابع بلهفة شخوص مسرحياته وهي تخطر منسابة كجدول رقيق الأعطاف فوق خشبة المسرح بلا صخب أو ضجيج مفتعل، ومن مزايا مخرجنا أن يتابع عرضه المسرحي إلى درجة التماهي، بحيث لا يهتم بما يجري في الصالة، فهو غير معنيٍّ بتعليق أو استحسان، كعازف للبيانو جلس يتدرب على سوناتا القمر.‏

لم أشاهده مرّة يقوم بالتدريب على إحدى مسرحياته، فهو ممن يفضلون العمل بصمت بعيداً عن أنظار الآخرين، ويكون مع مجموعة صغيرة من الممثلين، لم أسمع من أحد أنه شاهده يعطي الملاحظات للمثلين الذين ينتمون عادةً إلى فئات اجتماعية وثقافية شديدة التفاوت، حيث تجد بينهم العامل والمزارع والطالب الجامعي والآذن والعاطل عن العمل، وجميع هؤلاء ينظرون إلى معلمهم باحترام يصل إلى حدِّ التقديس.‏

كانت عروضه المسرحية مثاراً للنقاشات الحامية أينما عرضت، فهو لم يكن يوماً على اتفاق مع النقاد، ومع أذواق أكثر المتفرجين، ولهذا لحق به ظلم من كل هؤلاء، لأنهم لم يحسنوا فهمه، ولم يعرفوا أنه لا يخرج أعماله المسرحية من أجل غبطتهم، بل من أجل متعته الخاصة والتي كثيراً ما أثارت حفيظتهم، ولهذا السبب لم يكن يعير اهتماماً لما يقال عن عروضه المسرحية، فالذي يكتب ويخرج عشرات النصوص المسرحية لابدَّ أن يمتلك أدواتِ تعبيره الخاصة.‏

كنت دائماً أحترم وأقدّر فيه تلك الخصال المشبعة بالريادة والتجاوز لكل ما هو عادي ومألوف. إن فنه المسرحي هادئ وسكوني، تأملي ورمزي، وهو أقرب ما يكون بمزاجه وألوانه إلى فن الأيقونة. وهو بالتأكيد، يعتمد على أسس ومبادئ درامية، وفنية، ولكنها في مفردات العرض المسرحي تتزاوج بطريقة فريدة وأصيلة تميّزه عن غيره من المخرجين. لم يأت إلى المسرح لكي يتصالح مع الأذواق السائدة، كما يفعل الكثيرون. كان يخرج محلقاً خارج السرب فسقط اسمه عمداً من بين أسماء المخرجين.‏

ولعل أسماء مسرحياته توحي بشبه إجابة عن طبيعة أعماله:‏

جلجامش، أليسار، أوروبة أميرة صور، الحسين، زنوبيا، أدونيس....‏

كأني بوليد فاضل يهتم بعوالم الأرواح وبعثها من جديد، ولا يهتم كثيراً بالتفاصيل الصغيرة، ولا بالتشويق والإثارة ببساطة يدفع شخصياته لكي تتنفس وتعيش في أمكنة تضيق عليها باستمرار، وتعيش لحظات اختناق واحتضار بين لا محدودية الروح ومحدودية المكان، وكأنها الدلافين الزرقاء خرجت من أعماق المحيطات ونزلت إلى حصى الشطآن لكي تستسلم لمصائرها وتموت تحت لظى الشمس بلا ضجيج أو افتعال.‏

تشتعل الأنوار في الصالة وينتهي العرض، فينهض من وراء طاولته الخشبية وعلى شفتيه ابتسامة مبهمة، فلا تدري ماذا تقول.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244