الكاتب المسرحي وليد فاضل ـــ مجموعة باحثين

أدباء مُكّرمون ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق ـ 2006

Updated: Monday, July 02, 2007 03:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

شـهادة المسرحية القصيرة عند وليد فاضل ـ د.عبد الله أبو هيف

استطاع وليد فاضل أن يوسع تجربته المسرحية شكلاً ومضموناً منذ العام الأول لنشر مسرحياته، فقد نشر عام /1981/ ثلاث مسرحيات هي /جلجامش/الغارقة في الطول والمتعالقة مع الأسطرة و/حلم في محطة القطار/ و/العشاء المقدس/ الباعثة لعناصر التمثيل الثقافي طلباً لقيم إنسانية وأخلاقية سرعان ما تنغمر في اشتراطات الوجود القاسية، فهو ينادي رؤى التاريخ ضمن راهنية الإحساس المأساوي بالحياة على أن الإنسان لا يشفى من مكابدة إشكاليات الواقع وهي تفضي إلى معضلات ضاغطة على الذات، ومضى خلال ربع قرن من الكتابة المسرحية الغزيرة ضمن الاتجاهات التالية:‏

1 ـ معاينة التاريخ العربي والإسلامي في مسرحياته "جلجامش" 1981، و"أوروبة أميرة صور" 1986، و"اليسار" 1994، و"زنوبيا" 1995، و"الحسين" 1998، و"أدونيس" 2001.‏

2 ـ معاينة الرؤى الحضارية في أبعادها الإنسانية والنفسية والاجتماعية المعمقة في مسرحياته "حلم في محطة القطار" 1981، و"العشاء المقدس" 1981، و"لميس والقطط" 1986.‏

ومد فضاء المسرحية وشعرية الدراما في هذه المسرحيات إلى مدارات كونية كما هو الحال في مسرحية "إيفا" واستفاد من الترميز والأمثولة دلالياً في مسرحيتي "العشاء المقدس" و"السمفونية الهادئة".‏

3 ـ الميل إلى كتابة المسرحية القصيرة في مجموعتيه "سوناتا الخريف والدمية" 1990 وتضم مسرحيتين، و"رجل وامرأة في حوض السمك" 2004 وتضم عشر مسرحيات. وأردف كلمة المسرحية القصيرة بالمشهد على أن بعضها لا يتجاوز المشهد المسرحي، ولعل مثل الترادف يوحي باندغامها جميعاً في كتاب مسرحي واحد لدى النظر في محتواها الدلالي وأسلوبها الفني المشترك بالإضافة إلى ثلاثة نصوص مسرحية قصيرة نشرت في الأعداد الخاصة بالمسرح من مجلة "الموقف الأدبي" وهي "الحوت الأزرق" 1991، و"الممرضة والرجل العجوز" 1997، و"محطة الكوابيس السعيدة" 2002.‏

وأخصص هذه المداخلة عن مسرحياته القصيرة التي باشرها في مسرحيتيه "سوناتا الخريف" و"الدمية" فهما تنطلقان من الموضوع التقليدي السائد والشائع حتى اليوم وهو ثلاثية العلاقة بين رجل وامرأة ورجل، ورجل وامرأة وامرأة على سبيل الحب أو العشق ليغلب على رؤاها طوابع النسوية بلسان المرأة الحاقدة والناقمة على الرجل والذكورة، وتقلب المسرحيتان أسباب هذه النسوية وأشكال تمثلاتها من حال إلى أخرى باسم الوفاء لنزوات الروح دون نزوات الجسد في المسرحية الأولى وباسم التطلع إلى تنفس طعم هواء الحرية إزاء رعب المرأة من الرجل وسلطويته الغاشمة في المسرحية الثانية.‏

تتأمل المسرحية الأولى موضوعها من خلال حوار متكلف أحياناً ونابض بالحياة أحياناً أخرى بين ليلى /42 سنة/ وزوجها زياد /57 سنة/ في حي المحطة بحمص عام /1986/ ويستغرق الحوار في شيخوخة العلاقة ويفضي إلى لحظة مكاشفة موجعة أن قلبها طاهر وجسدها مدنس بزوجها، لأن روحهم مغطاة بأردية الدناسة وأنفاسه مدنسة /ص44/ لتخبره في سياق ذلك بتعلقها بعشيق مغربي مقعد في أثينا يعاني من شلل كامل فيلعن الزوج حياتها العاجزة أما هي فتلعن زهو زوجها بالاغتصاب على أن مثل هذا الذكر غير مقنع، لأنه مجرد إضافة لتنابذ الوداع واللقاء بينهما، وما جرى هو معزوفة خريف العمر عن النسوية التي تناهض سيطرة الذكورة متأخرة.‏

وتعالج المسرحية الثانية العلاقة بين سمير ابن الثانية والعشرين القادم إلى دراسة هندسة الإلكترون ومنى البالغة سن الأربعين وصاحبة بقالية ووحيدة لأن زوجها مسافر بعيداً، فقدم الشاب للشراء منها وتعلق بها وشدّته إليها ودعته للعشاء عندها بعد وصف طبيعة عملهما، وسرعان ما باشرت إيماءاتها الصاخبة عن اختلاط النهم للطعام وجسد المرأة، فمعظم الرجال يخطئون بين الطعام وجسد المرأة فعوضاً عن أن تمتد أيديهم إلى الطعام تراها تذهب بشكل عفوي إلى جسد المرأة /ص63/ ثم تصرّح علانية دون تسويغ فني في حوارها مع الشاب أنها لا تحب ذاك الصنف المراوغ من الرجال.‏

وتتابع المرأة ازدواج الشخصية مع امرأة سمتها أولغا ذات صلة بعلاقتها مع زوجها الخائن مع النساء، أن سعي الرجل الدائم للدخول إلى عالم المرأة الساحر، ثم يتعشى الشاب في منزلها ويتوالى الحوار عن الحب وحلم صياد ماهر و صيادة ماهرة من المرأة نادراً والرجل غالباً، فأحس الشاب أنها اثنتان تسكنان في جسد واحد إلماحاً إلى أولغا التي تسكن في جسدها، ويستمر الحوار في عبث الكلام عن الحب والدراسة ويوافق الشاب على العودة إليها إثر طردها لـه من قبل، غير أنها تعترف بكره زوجها حتى الموت، ومحبة الشاب حتى الموت /ص90/ وتقدم لـه دمية نعرف فيما بعد أنها زوجها، مما يخنقها حضوره في هذه الدمية، فتعدد الشاب وتطلق عليه رصاصة، ويهوي إلى الأرض، فالشر هو الرجل /ص93/ ويُنقل الشاب إلى المشفى وتخاطب المرأة الدمية وتهددها بالسقوط عن ابتذاله عند أوجاع علاقاته بالنساء، وتبدأ بطعن الدمية فكل الرجال خونة، وما عليها إلا أن تتنفس طعم هواء الحرية، فالمسرحية صوت نسوي تهكمي عن رعب المرأة من الرجل والذكورة /ص99/، على أن وليد فاضل هو الذي يتهكم من هذا الصوت.‏

وحَوَت المجموعة الثانية كما أشرنا عشر مسرحيات قصيرة، تأمل في الأولى "امرأتان في قبر واحد" الصوت النسوي عن معاناة الأنوثة من الذكورة أيضاً، ورأى في الثانية "ليلة الطيران" أن الحياة لا تحتمل تحت وطأة الفقر الإنساني، وجاشت الثالثة "الساكن المتحرك" بالوهم البديل عن صعوبة الحياة وبؤس العيش، وخفقت الرابعة "تداعيات محتضر" من عذاب الإحساس بالموت، وكأن الموت مثل الحياة في النهاية، ومزجت الخامسة "زهور سوداء في عيد الحب" بين جنون الحب وجنون الحياة، وقاربت السادسة "الخروج من المرآة" وهم المرأة في الانتصار على ضعف الذات عندما تكسر المرآة وتخرج من ازدواجية الأكاذيب والأوهام القاتلة، وخاضت السابعة "رجل وامرأة في حوض السمك" في مجاز الكون حوض سمك كبير، وأن التوهم مثل الحلم لنفي كابوس الحياة وجادت الثامنة "تأملات الدجاج قبل الذبح" بالتجسيد عبر الأنسنسة ومسرحة الحياة بوصفها قفصاً كبيراً يبث العزاء المنشود من العذاب والموت، ونظرت التاسعة "المانيكان" في تحول الإنسان إزاء اشتراطات الواقع القاسية إلى جماد صامت أو تمثال من بلاستيك بارد /ص 164/ وسخرت العاشرة والأخيرة "الديناميت" من شجن العلاقة بين الرجل والمرأة.‏

لقد بلغ وليد فاضل في مسرحياته القصيرة مستوى درامياً طيباً يعتمد على التكثيف والحوارية من الذات إلى الآخر إلى التمازج مع الرؤى الإنسانية والاجتماعية بتثمير الوجدانية الدرامية والمفارقة في تأمل المصير البشري في آن معاً، على الرغم من فيض الافتراضات الحوارية في نصوصه التي تستلزم فيما تستلزمه النظر في جوانب تحقق الخطاب المسرحي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244