|
||||||
| Updated: Monday, July 02, 2007 03:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
شعرية اللغة في النص المسرحي عند وليد فاضل (مسرحية زنوبيا أنموذجاً) ـ د.رضوان القضماني الكتابة عن مسرح وليد فاضل مهمة شاقة بالنسبة إليّ لأنها أكبر من حدود معرفتي وعملي العلمي وتخصصي. لكنها تصبح ممكنة حين أتناول جانباً واحداً منها هو النص المسرحي، ثم اجتزئ من هذا الجانب مكوناً واحداً فيه هو شعرية لغته. ومع ذلك ستبقى المهمة شاقة لكنها ستصبح شائقة عندما تدرك أنك تتنطّع للكتابة عن مبدعٍ لـه خصوصيته وتفرده في حركة المسرح العربي السوري، فهو مبدع لـه تياره الفردي البحت، على الرغم من القواسم المشتركة التي يتوافر عليها نصّه والتي تجعل منه نصاً مسرحياً بامتياز، إلا أنه نص أنتجته ذات مبدعة لها شخصيَّتها ولغتها وملكة خيالها وتوجهها الخاص في معالجة نصها، فإذا أغفلت هذه الخصوصية وذاك التفرد باءت مهمتك بالفشل. وهي ـ مرة أخرى ـ شاقة لأنها تتناول ظاهرة مسرحية تحتاج إلى مراقبةٍ ومتابعة وتحليل لمسائل لغويةٍ وجمالية شعرية يتسم بها النص المسرحي ويقوم عليها، لكنها شائقة لأنها تتناول نصوصاً تدفع نحو البحث في إبداع النص لغةً وفِكراً وأداءً وحواراً، قبل أن تلج ـ أو يلج آخرون غيري ـ إلى علاقة النص بتقنية المسرح من إخراج وتمثيل وزمان ومكان... لنبدأ من مكونات عنوان هذه المداخلة وما يقوم عليه من مفهومات أولها: النص المسرحي. نقصد بالنص المسرحي كل خطابٍ مسرحي يتسم بالكُلِّيِّةِ والتواصلية، تمَّ تثبيته كتابةً، أي إنه المستوى اللغوي الثابت الدائم من الإبداع المسرحي، بمعنى أنه إنجاز لغوي (عمل في اللغة La Langue) قام به فرد محدد، ولذا فهو من وجهة نظر لسانية كلام Le Parole لأن الكلام هو التحقيق التواصلي للغة داخل خطابٍ معين، مسرحي أو غير مسرحي، وهو الذي يشكل النص حينما يصبح مكتوباً، فهو، على هذا الأساس، يؤلف مجموعاً شكلياً للظواهر اللسانية، إذ إنه نسيج من عناصر وعلاقاتٍ ترابطت في سياقٍ يفرض شكلاً وحيداً ثابتاً هو هذا النص بعينه. وهذا السياق الذي نعنيه هو ما تتّخذ من خلاله العناصر المكونة للنص، بصفته عملاً فنياً، شكلاً محدداً لا ينفصل عن دلالة النص، إذ لابد للتشكيل في السياق من أن يتوافق مع التعبير والمحتوى، أي أن دلالة النص تفرض على المؤلف ـ صاحب النص ـ اختيار أنسب طرائق التشكيل التي تضمن هذه الدلالة وتحتويها وتبلورها على نحوٍ يجعل من هذا التشكيل قيمة فنية تواصلية تلتحم بمكونات النص الكلي التي لا يجوز أن يطغى فيها مكوّن على الآخر، أي لا يجوز أن يطغى المكون الإيديولوجي أو المكون المرجعي على المكون الفني الجمالي، لأن أيّ مُكوِّن من هذه المكونات لا يشكل إلا عنصراً من العناصر التي تتكون منها بنية النص الجوهرية، وعلى هذا فإن النص المسرحي ـ وهو الأساس الذي ينطلق منه الإبداع المسرحي بتشكيله الفني ودلالاته يخضع لاعتبارتٍ لغوية تحددها خصائص هذا الجنس الأدبي ـ المسرحية، فكل دلالات النص في مستوياتها تقوم على نوعين من العلاقات: العلاقات الداخلية القائمة على اللغة، وهي علاقات دائمة جوهرية، والعلاقات الخارجية، وهي علاقات عَرَضية ترتبط بالممثل الذي سيحول النص باعتباره لغةً إلى كلام، فاللغة كما يقول بارت ـ ليست سوى وجه منظم وقياسي واصطلاحي للكلام الذي يعبر به الممثل ويُرمِّز به ويُكَنّي ويقول به الأشياء. وترتبط هذه العلاقات الخارجية أيضاَ بفضاء خشبة المسرح، أي أن النص المسرحي يرتبط بمساحة مكانية محددة، مهما كبرت تلك المساحة أو صغرت أو تغيّر شكلها التقليدي، وعلى النص أن يراعي هذا الفضاء الذي يستغله الإخراج، والإخراج جزء من العلاقات الخارجية في النص المسرحي، فهو يملأ الفضاء المسرحي بتشكلات فنيةٍ ترتبط بذلك النص وتنبع منه وتتناسب مع علاقات، وتخلق توازناً بين علاقاته الداخلية وارتباطها بعلاقاته الخارجية. تحدد العلاقات الداخلية شعرية اللغة. ولابد من الإشارة هنا إلى أننا نعني بالشعرية ما عناه رومان ياكبسون تحديداً وهو أن الشعرية وظيفة مهيمنة في النصوص الإبداعية تظهر من خلال عمل في اللغة عن اللغة، حين تسعى هذه اللغة على إبراز سماتها المؤثرة إبداعياً من خلال جعل الرسالة محوراً لغوياً يعكس علاقة هذه الرسالة بمرسلها، وعلاقتها بالرسل إليه، وعلاقتها بمرجعها، وعلاقتها بذاتها، وكل هذا من أجل أن تحقق الرسالة/ النص تواصليتها وجماليتها عبر منظومة لغوية تشكلت من وحداتٍ سيمائية ترتبط فيما بينها بعلاقلات داخلية على مستوى الدلالة ببعديها التعييني والتضميني، القصدي والإيحائي، النص المسرحي ـ مثله مثل أيَّ نص ما دام نصاً ـ يتسم بالكلية والتواصلية. الكلية التي تجعل منها نسيجاً فنياً متكاملاً، والتواصلية التي تحدد علاقته بمتلقيه (قراءة أو مشاهدة) من خلال بنية خطابٍ مسرحي يعكس الوظائف التواصلية لشعرية النص، ويتسم بالحوارية القائمة على بنْيَتِهِ النصية، والوظائف التواصلية عند رومان ياكبسون ستة سنذكر منها وظيفتين متممتين هما: وسط الاتصال، وتعدي اللغة، ونتناول نص وليد فاضل المسرحي من خلال تجلي الوظائف التواصلية الأربع الأخرى، الوظيفة المرتبطة بالرسالة/ النص والوظيفة المرتبطة بالمرسل/ السارد (الشخصية)، والوظيفة المرتبطة بالمرسل إليه/ المتلقي قراءة أو مشاهدة، والوظيفة المرتبطة بالمربع/ الموضوع بارتباطه بالكون والفكر.... وسنطبق هذا في هذا المداخلة القصيرة على مسرحية زنوبيا الصادرة عام 1995 عن اتحاد الكتاب العرب. يتسم النص المسرحي عند وليد فاضل بالتعددية الصوتية الـpolyphony، ولا نقصد بهذه التعددية الصوتية ما يعنيه اصطلاح الحوار لأن الحوار مسألة أساسية بديهية في بنية النص المسرحي إن التعددية الصوتية تظهر في نص وليد فاضل من خلال تعدد الوظائف التواصلية، فالوظيفة التي يهيمن عليها التأثير بالآخر. لا التعبير عن ذاتها تسمى وظيفة ندائية (أو طلبية) conative وهي وظيفة مهيمنة في نص وليد فاضل تخضع لها الوظائف الأخرى، ولعل الغرض منها دعوة إلى فتح الأعين واستنهاض الهمم ورفض الذل والامتهان والاحتلال والتبعية... دعوة إلى الصمود والبقاء والحفاظ على الكرامة... نداء للحرية والتحرر والسيادة... واللغة التي تحمل هذه الوظيفة تقوم على جمل إنشائية غالباً تندر فيها الجمل الخبرية، سيكثر فيها النداء والقسم والاستفهام والطلب والنهي... ويتجلى ذلك في صوت زنوبيا. تبدأ المسرحية بالنداء... والأمر تؤديه الجوقة.
ثم تظهر التعددية الصوتية الـpolyphony ـ التي لا نقصد منها الحوارية، ضمنها الفهم المسرحي ـ لتنتقل الوظيفة التواصلية في الخطاب المسرحي في الندائية إلى الانفعالية (أو التعبيرية) emotive أي الوظيفة التي يعبر فيها المرسل عن ذاته، يحدد موقعه، رأيهُ من دون أدنى التفات إلى ما يريده المتلقي... إنه تعبير عن الذات يتحول غالباً إلى إنشاء، إلى غنائية، تعكسها لغوياً جملٌ خبرية، اسمية كانت أو فعلية، ويغلب على دلالة هذه الجمل نزوع نحو الإيحاء والتضمين والمجاز، وهو ما تتطلبه الغنائية، أو نحو الوصف والتحديد من خلال ما يراه المرسل، لا من خلال ما هو قائم حقيقية ـ وهو ما تعبّر عنه وظيفة أخرى، تسمى الوظيفة المرجعية referentielle ـ لنلاحظ هذه التعبيرية في خطاب الجوقة التي تحول الوظيفة إلى الشعرية poetique حيث تشتغل الرسالة لغوياً على ذاتها جمالياً.
وكأن قائد الجوقة قائد أوركسترا يعطي الإشارة إلى الجوقة كي تنتقل إلى صوت آخر في تعددية الأصوات فتنتقل بعد تداخله إلى وظيفة مرجعية تقرر حقيقة واقعية:
وكثيراً ما تظهر هذه الوظيفة في خطاب الجوقة، التي تبدو كأنها تحكي الحكاية... والحكاية حقيقية، لها مرجعها المائل أمام الأعين:
إلا أن الوظيفة الندائية تبقى الوظيفة المهيمنة في خطاب ـ زنوبيا ولونجين وزبدا، أي في خطاب أهل الوطن:
وعلى الرغم من أن أونجين حكيم فيلسوف ومستشار فإن الوظيفة الندائية تسللت إلى خطابهِ.
إلا أن الوظيفة السائدة في خطابه وظيفة مرجعية، وبذلك يكون صوتاً مقابلاً لكل الأصوات الأخرى، ومرجعيته تعني موضوعيته في التفكير والحكم فهو فيلسوف ومستشار لكن هذه الوظيفة تهيمن لتغيب خلفها.
إن الصوت الذي تشكله الوظيفة الندائية والمرجعية يتقابل مع الصوت الذي تشكله الوظيفة الانفعالية خصوصاً عند تكون سائدة مهيمنة بما تنعكس به من أدوات لغوية مثل ضمائر المتكلم المنفصلة والمتصلة وأسلوب التمني والاستفهام الذي يعرب عن رغبة...
على أن الوظيفة التي تقوم بالتوازن بين هذه التعددية الصوتية هي الوظيفة الشعرية، التي يظهر فيها جمال اللغة وينداح الخيال مع المجاز، حين تأخذ الرسالة بالعمل ذاتها تجميلاً وتزييناً لتكون أكثر رونقاً... عندما تظهر في إنشاد الجوقة لتصبح غنائية خالصة:
وهكذا كان للتعددية الصوتية القائمة على وظائف التواصل الدور الأول في تشكل شعرية النص لغوياً، أما أسلوبياً فليس فقط في التقابل بين الخبر/ والإنشاء، بين التقرير/ والإنشاء، بل أيضاً بين البوليفوني/ والمونوفوني (monophony) أي بين تعددية الصوت وأحادية الصوت التي تظل فاقعة في المونولوجات التي تخترق الحوار، كما في مونولوج (وهب اللات) الذي يتحدث فيه عن أبيه أذينة:
ويمتد على أكثر من صفحة وينتهي بـ:
ومثل ذلك مونولوج زنوبيا عند الأمر بذبح ابنها والذي يمتد على مدى ثلاث صفحات. على أن الشعرية التي زاوجت التعددية الصوتية (polyphony) بالأحادية الصوتية (monophony) زاوجت أيضاً لغة الحوار بالسرد بما لـه من سمات في بنيته اللغوية ليكون أحد مكونات هذا الحوار، ونلمس ذلك في رسالة ملك الفرس إلى زنوبيا (ص63) وفي حديث رسول أورليان إلى زنوبيا (ص70)... ولعل لغة السرد التي طغت في مثل هاتين الحالتين هي التي جرت وليد فاضل إلى إدخال رواسم (كليشيهات) وتعبيرات من الحياة المعاصرة لم تكن مستخدمة قبل ثلاثة آلاف سنة مثل: "أصول الدبلوماسية" (ص71)، و(لا تحبين تداول الآراء) ص43، وكلماتٍ مثل مستعمرة ص83... ولعل هدفه من ذلك، إن فعلها عن وعي، كان لضرورة إسقاط الماضي الغابر على الحاضر القائم. |