|
||||||
| Updated: Monday, July 02, 2007 03:56 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
المشهد الافتتاحي في مسرحية وليد فاضل ـ محمد بري العواني وليد فاضل كاتب مسرحي غزير الإنتاج بالنسبة إلى غيره من مجايليه. فقد بدأ النشر منذ عام (1981). ومنذ ذاك التاريخ وحتى هذا العام (2004) نشر (17) سبعة عشر نصاً مسرحياً، منها نص واحد هو "الحسين" الذي ظهر كإصدار خاص، والباقي صدر عن وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب في سورية، منها ثلاثة نصوص نشرت في مجلة الموقف الأدبي السورية. كما قدمت بعض مسرحياته في سورية ومصر والإمارات العربية. من خلال قراءة إبداع "وليد فاضل" المسرحي لا يعاني الباحث أو الناقد عنتا في تصنيف الجهد الإبداعي، سواء من حيث طبيعة الموضوعات أم من حيث الأشكال الدرامية. وذلك لأن "وليدا" يلجأ إلى نهل موضوعاته من مصدرين: الأول: التاريخ بشقيه 1 ـ الأسطوري 2 ـ الواقعي الثاني: الواقع المعاصر، الذي يمكن إرجاعه ـ أيضاً ـ إلى مصدرين: 1 ـ مصدر ذو مرجعية ذهنية تجريدية، رغم مقاربته اللغوية للواقع اليومي المعاصر. 2 ـ مصدر ذو مرجعية واقعية افتراضية. ولسوف يلاحظ الباحث أن هذا التصنيف يتميز ـ رغم كل شيء ـ بمرونة باهرة، لأن بعض النصوص المسرحية يتداخل مع بعضه من حيث البناء الفني واللغة في كلا المستويين الرئيسين. وهذا يعني أننا نستطيع عدَّ مسرحية (العشاء المقدس) مثلاً نصاً ذا مرجعية ذهنية تجريدية استناداً إلى لا واقعية ما يجري من أحداث من جهة، وإلى تسلط المصادفة والمفاجأة على طبيعة الموضوع من جهة أخرى، كما في النص (السيمفونية الهادئة). وعلى هذا فإن الأعم الأغلب من تلك النصوص يندرج في هذا المستوى. ولعل لغة "وليد فاضل" المسرحية تشكل الركيزة الرئيسية في وعي التصنيف المقترح، رغم أن هذه اللغة تتشابه في الأعم الأغلب، وهذا أحد أهم مميزات مسرح "وليد فاضل" الفنية، مما يكسبه لغته الخاصة التي لا يشبه بها أحداً، ولا أحد يشبهه في ذلك، بغض النظر عن جودة أو رداءة هذه اللغة التي يمتزج فيها الواقعي بالخيالي بالغرائبي بالأسطوري ويختلط الشعر بالنثر، كما هي شخصياته بعامة. وعلى هذا الأساس سوف أصنف مسرح "وليد فاضل" بحسب ما تقدم على النحو التالي: 1 ـ المسرحيات التاريخية ـ الأسطورية: (جلجامش ـ أوربة أميرة صور ـ أليسار بجزأيها ـ أدونيس) 2 ـ المسرحيات التاريخية الواقعية: (زنوبيا ـ الحسين) 3 ـ المسرحيات الواقعية المعاصرة؛ وهي في قسمين: آ ـ ذوات المرجعية الذهنية التجريدية: (حلم في محطة قطار ـ السيمفونية الهادئة ـ لميس والقطط ـ العشاء المقدس ـ الخفاش) ب ـ ذوات المرجعية الواقعية المعاصرة: (السيمفونية الهادئة ـ أيفا ـ العشاء المقدس) على أنه لا بد من التذكير بأن نصوص الواقعية المعاصرة بشقيها تتداخل فيما بينها من حيث بنيتُها الدرامية ولغتُها وشخصياتُها. توصيف الشخصية الذهنية ـ التجريدية: يستند هذا التصنيف والتوصيف إلى أن شخصيات هذه المسرحيات ليست من لحم ودم لأنها لا تمتلك عوالمها الخاصة بها التي تميزها عن غيرها رغم كل ما يحيط بها من حوادث أو أقوال. ولما لم يكن لها حكاية تظهر من خلالها سيرورتها وصيرورتها فإنها تبقى مجرد فكرة، أو أفكار موجودة في ذهن المؤلف "وليد فاضل" وقد ألبسها جسد إنسان، وأنطقها بلسان إنسان. ولهذا يمكن وصفها بأنها "شخوص" وليست شخصيات. إن الشخصية التي تعبر عن فرديتها هي التي تشكل ذاتاً مستقلة عن الذوات الأخرى بخصائصها النفسية والفكرية والجسدية؛ بعالمها الخارجي والداخلي، وبعلاقاتها مع الآخرين وهي تعاني انفعالاتها وأهواءها، وتعاني عواطفها ومشكلاتها، وتدخل في صراعات مع أطراف خارجية مؤثرة، أو مع عوالمها الداخلية. مع ذلك كله فإن "وليد فاضل لا يوفر فرصة لمزج الواقعي بالخيالي، كما لا يوفر فرصة لمزج ذلك بالأسطوري ما دام يلبي حاجته الدرامية من وجهة نظره الفنية على الأقل وعلى ذلك يمكن الإدعاء بأنه كاتب مسرحي طليعي من هذه الزاوية، لا يبالي كثيراً بمنطق الدراما في بعض نصوصه ذوات المرجعية الذهنية التجريدية، أو ذوات الواقعية الافتراضية، كما في (العشاء المقدس) و(الخُفاش) و(السيمفونية الهادئة) وفي نصوصه القصيرة في مجموعة (رجل وامرأة في حوض سمك التي بلغ مجموعها عشرة نصوص. ولهذا يمكن القول بثقة: إن نصوص "وليد فاضل" تنهج في عمومها نهجاً تعبيرياً. إن المتأمل لمسرح "وليد فاضل" سيجد أن رد فعله على الحياة الإنسانية المعاصرة بارز من خلال معالجته الدائمة لفكرة واحدة متسلطة هي: (كل ما جرى، وما يجري، في العالم غير معقول)!!!!. غير أن هذه المعالجة كثيراً ما يتم نسجها على قاعدة الاندهاش السلبي. لكن "وليد فاضل" يحوِّل خواتيم مسرحياته إلى مواقف إيجابية هي ما يطمح إليه ـ هو ـ كإنسان. بل لنقل: هي مواقف تقدمية. وبالتالي ينتقل "وليد فاضل" من الافتراض الذهني واللاواقعي ـ أو اللاعقلاني ـ إلى الواقعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والديني وباختصار الثقافي في جميع نصوصه بلا استثناء. أي إنه ينتقل مما (كان) أو ما هو (كائن ـ قائم الآن) إلى (ما يجب أن يكون)، لأن "وليد فاضل" يرى منطق الحياة الإنسانية الأصيلَ قائماً على الحب والخير والحق والعدل والجمال في جوهره، وما هو (كائن ـ قائم الآن) عرضي زائل. ولهذا نرى أن موضوعاته ذاتُ طبيعة كونية شمولية.. (الخلود ـ الموت ـ الحرية ـ الوهم ـ العدالة ـ الحقيقة ـ الشرعيةـ الخ...) ما يعني أن "وليد فاضل" لا يقارب دوافع إنسانية فردية ـ شخصية خاصة ـ حتى وإن تكلم عن الحب كما في: (جلجامش ـ أوروبة أميرة صور ـ أليسار في قرطاج ـ إيفا) لأن هذه الشخصيات نماذج عليا تمت صياغتها وفق نظرية المحاكاة الأرسطية. و"وليد فاضل" ـ بعد ذلك كله ـ يرى أن الحياة الإنسانية مأساوية بسبب ما يعانيه الإنسان من عذابات، برغم كل التوريات ذات الطبيعة الكوميدية الساخرة، وبرغم كل الألفاظ والمواقف الكوميدية التي تقدم بأسلوب مناقض لروح النص وجوهره المأساوي، الأمر الذي يستدعي أن البحث في هذه النصوص يفترض مقايستها على الموروث الإبداعي للمأساة التقليدية ـ القديمة بكل تقنياتها ـ ذات الحبكة وذات المنطق القائم على وحدة الفعل ذي (البداية والوسط والنهاية) والحديثة بزخم تعبيريتها، خاصة ما كان جوانياً باطنياً. والحق فإن "وليد فاضل" لا يغادر هذا الأمر في نصوصه، لكنها تكون جلية واضحة في نصوص، خافتة ضاوية في نصوص أخرى. ولعل النصوص التاريخية والأسطورية، وذوات المرجعية الواقعية تشكل النماذج الباهرة لتقنية الكتابة الدرامية وفق منطق الوحدات الثلاث في الأعم الأغلب: وحدة الموضوع ـ المكان ـ الزمان. وهي الدليل الساطع على التزام المؤلف بوحدة الفعل الدرامي كما في جميع نصوصه الأسطورية والتاريخية ويعالجه ـ بالتالي ـ في حبكة واحدة مركزاً على المكان كحاضن بيئي مثل (المعبد) في أليسار و(القصر) في زنوبيا و(المحطة) في حلم في محطة قطار و(المنزل) في الخفاش ولميس والقطط. وما دام "وليد فاضل" يفعل ذلك على الدوام فإن تأمل نصوصه سيحاول مقاربة دراميتها استناداً إلى تحليل فاعلية المشهد الافتتاحي ـ أو العرض التمهيدي ـ وعلاقة المفاصل الأخرى به. عالم المسرحية الدرامي: تفصح النصوص المدروسة عن عمق إيمان "وليد فاضل" بأن العلاقة بين عالم المسرحية والحقيقة ـ أو الواقع ـ هي علاقة مجازية، وذلك لأن العرف الدرامي ينبع من فهمنا وإدراكنا؛ (أن الفعل هو اللغة، و أن اللغة تخلق "عالم" المسرحية الدرامي.. لذلك يجب أن تكون طبيعةُ المسرح والمَشاهِدُ وأسلوبُ التمثيل مما يساعد اللغة في خلق هذا العالم المجازي)(1) بل إن لغة المسرحية تُقدِم (للجمهور معايير الإمكان والاحتمال. أما الحركة والإشارة وأدوات التمثيل، والمشاهد، فهي معيناتٌ يجب أن تكون مثالياً مما "ينمو من" اللغة الخلاقة)(2). ولهذا يركز "وليد فاضل" على لغته إلى درجة تصير فيها اصل كل شيء، بل يجعل اللغة تُنتج نفسَها بالتوالد والتكرار، ما يسبغ عليها صفة تراكمية درامياً. وسوف نعود إلى هذه المسألة في ما بعد. لكنّ ما يجب التأكيد عليه أن وظيفة اللغة الدرامية هي (خلقُ العالم الذي يجري فيه الفعل)(3) ويبرهن على مصداقية ذلك لغة الجوقات التي يبدعها "وليد فاضل" في نصوصه التاريخية مجالُها. يُلاحظ على الدوام اهتمام المؤلفين المسرحيين، والمخرجين، والممثلين، والجمهورِ بالمشاهد الافتتاحية، لأن أول سؤال يطرحه هؤلاء جميعاً هو: (مصير من يهمنا متابعته بشكل خاص) من الشخصيات؟.. لأنها تخضع... (في أية مسرحية إلى نظام ينطوي على التابعية، ولا شيء يضايق الجمهورَ أكثرَ من إمكانية الخطأ في تعيين مركز الاهتمام.)(4) ولقد حدّد نقاد المسرح أننا ـ كمتفرجين ـ يمكن أن نقادَ إلى الوضع الأول في المسرحية بطرق كثيرة الاختلاف؛ من ذلك ـ مثلاً البداية المفاجئة أو العنيفة أو الصاخبة(5). لذلك كله يتوجب على المؤلف المسرحي لضمان فاعلية نصه في الجمهور أن يعمل على: 1ـ بعثِ اهتمام الجمهور ـ إثارة وتشويقاً ـ عند أول سانحة. 2 ـ تقديم شخصياته وتوضيح ما بينها من علاقات. 3 ـ توضيح فكرة مسرحيته ومشكلتها قبل أن يقطع فيها شوطاً بعيداً.(6) كما يرى نقاد المسرح ـ أيضاً ـ أن بعث الإثارة والتشويق في المشهد الافتتاحي ـ التمهيدي يتم: 1 ـ بجزء من فعل مدهش 2 ـ أو بظهور شخصية حيوية أو ساحرة. 3 ـ أو بتصوير ماهر لجوٍ، أو مكانٍ مشوق(7) ولسوف نرى أن هذه التقنيات ـ كلها أو بعضها ـ يوفّرها "وليد فاضل" لنصوصه الأسطوري وذوات المرجعية الواقعية المعاصرة، كما في: (جلجامش ـ أوروبة أميرة صور ـ أليسار بجزأيها ـ إيفا). ولهذا فإن من مهام المشهد الافتتاحي أن (تثير أيضاً مشاعرنا نحو بعض الشخصيات الرئيسية في المسرحية، سواء أكانت هذه المشاعر حباً أم بغضاً).(8) سمات المشهد الافتتاحي: لما كانت التراجيديا تنتهي في عمومها إلى كارثة، فإنها تنقسم بحسب طبيعتها ووظيفتها إلى ثلاثة أقسام تقريباً: الأول: يحدد أو يوضح الموقف، أو وضع الأمور التي ينشأ عنها الصراع، وهو قسم الاستعراض أو التمهيد. الثاني: بداية الصراع الصريحة؛ أي نمو الصراع وتقلباته. وهذا القسم يمثل الجزء الأكبر من المسرحية. الثالث: يكشف ويبين ختام الصراع وينتهي بكارثة. حيث تتحول الشخصية فيها من السعادة إلى الشقاء، وربما الموت. غير أن هذه الأقسام كثيراً ما تتداخل مع بعضها بعضاً، لأن كل واحد منها يؤدي إلى الآخر بشكل عضوي(9) ويلاحظ على الدوام أن القسم الأول الذي يشكل بداية المسرحية ـ المشهد الافتتاحي ـ هو الذي يعرفنا بالدنيا الصغيرة التي يسكنها الأشخاص، وهو الذي يطلعنا على مراكزهم الاجتماعية في الحياة، وعلى ظروفهم وعلاقاتهم مع بعضهم بعضاً، ويجعلنا شديدي الاهتمام بالتساؤل عما سيترتب على هذا الوضع. وبذلك نصبح في حالة ترقب جيدة. غير أنه لابد من التذكير بأن هذا الوضع ليس وضع صراع، بل هو وضع ينذر بنشوب الصراع.(10). يرتبط المشهد الافتتاحي ـ أو العرض التمهيدي ـ ارتباطاً وثيقاً بالتشويق. غير أننا مدعوون إلى اعتبار أن كل ما يليه من مشاهد تترتب عليه بالضرورة، استناداً إلى أن الفعل الدرامي لدى أرسطو هو ما كان قائماً بذاته، غير مرتبط بغيره في البداية. لكنه في تطوره ينتج أحوالاً وأقداراً في النهاية إلى نقطة الانغلاق التام، وبالتالي فإن الفعل الدرامي لدى أرسطو فعل مغلق، كونه لـه بداية ووسط ونهاية. وكما بدأ الفعل دون ارتباط بغيره فإنه ينتهي بعد اكتماله دون أن ينتج عنه فعل آخر، لأن المصير قد تحد نهائياً؛ أي إن المشكلة المطروحة قد تم حلها. ولهذا فقد أعلن أرسطو أن الفعل الدرامي ذو طول معلوم. وما دام المشهد الافتتاحي مرتبطاً بالتشويق فإن التشويق نفسه يتكون من العناصر التالية: 1 ـ الإصغاء الدقيق. 2 ـ حب الاستطلاع. 3 ـ الترقب. 4 ـ الإحساس بالعطف أو بالنفور.(11) بل إن حب الاستطلاع يظهر عموماً منذ البداية، لأنه من أقوى المشاعر التي تتجه إلى الأمام، والتي يمكن أن يعتمد عليها الكاتب المسرحي.(12) وحب الاستطلاع ـ الذي يشبه الانتباه ـ يمكن بعثه بوساطة ظهور مشكلة منذ البداية، تنشأ عن علاقة بين شخصين أو أكثر، مع التأكيد على أهمية الصراع باعتباره جوهر المسرحية. بل لنقل: باعتباره جوهر الدراما بعامة. وبذلك تتنوع مظاهر الصراع. فقد يكون تنافساً على امرأة، أو على عرش. وقد يكون ذاتياً نابعاً من الشخصية المعقدة، المركبة. وقد يكون نابعاً من تقاطع العاطفة والواجب. وهذا يعني أن الصراع لا يكون إلا بين قوتين ـ إرادتين واعيتين ومتكافئتين ـ على هدف واحد، فيما إذا كان الصراع يدور في الخارج، أو بين قوتين داخليتين ومتكافئتين ـ على هدف واحد، فيما إذا كان الصراع يدور في الخارج، أو بين قوتين داخليتين في الشخصية، كما هي لدى وليد فاضل" (في جلجامش) الباحث عن سر الخلود والمعرفة، لينقلَ هذا الصراع، فيما بعد، إلى صراع خارجي مع الآلهة، دون أن يتخلى عن صراع عالمه الداخلي. وكما هو الحال أيضاً في (أليسار) بعد مقتل زوجها أولاً، وابنها الصغير ثانياً، وهي الساعية إلى ـ المعبد ـ كي تطلب العدالة بعد إظهار الحقيقة. ولسوف نجد أن (أليسار) تعكس ما قام به (جلجامش)، حيث يتحول صراعها الخارجيُ إلى صراع داخلي حين ترفض قرار الآلهة بقتل أخيها (بجماليون) إحقاقاً للعدالة. بناء على ما تقدم يمن القول: إن وظيفة المشهد الافتتاحي تكمن في: (تبيان المشكلة التي تعالجها المسرحية بشكل واضح، سواء أكانت هذه المشكلة هي تحقيق غاية بعد صراع قوتين متعارضتين داخليتين، أم خارجتين، أم نتيجة لعمل ما)(13) وعلى هذا يمكن الإدعاء بثقة أن "وليد فاضل" لا يتوانى في مسرحياته التاريخية والأسطورية عن عرض المشكلة منذ البداية داعماً إياها ـ كما قدمنا ـ بالجوقة ومظهر الطبيعة الصراع؛ أي ما إذا كان خارجياً أو داخلياً، رغم ولع وليد فاضل" بما هو داخلي، معبَّر عنه بلغة تحيل على الدوام إلى ما هو خارجي يتجلى مرة في صورة فرد، ومرة في صورة مجتمع، ومرة في صورة ثقافة سائدة متسلط!! من المؤكد أن ارتباط المشهد الافتتاحي بالإثارة والتشويق يقوم على توفير تقنية التوتر الدرامي منذ البداية لشد انتباه المتفرج ـ والقارئ ـ إضافة إلى فاعلية الشخصيات الأخرى، وتركيزه على بؤرة الاهتمام الرئيسة باعتبارها المصير الإنساني الذي يجب أن نتابعه في جميع تحولاته وطوراته، وباعتبار أن المشهد الافتتاحي هو الذي يحدد الوضع الذي ينمو منه الفعل بأكمله، ويعيَّن الاهتمامات الرئيسية في المسرحية التي يجب أن نركز عليها انتباهنا (14)، كما في المشهد الافتتاحي المتوتر، ومن ثم الصاخب لمسرحية (جلجامش) حيث البطل المنكفئ على نفسه فوق قبر (أنكيدو) صديقه وأخيه، وهو يندب. وكما هي حال (أليسار) الشاكية إلى العرافة والمستنجدة بها لتفسير معنى ظهور روح زوجها المتكرر في الحلم، وهو يعلن بشكل استعاري ومجازي عن مقتله ومن ثم مقتل طفلهما. وكما هي حال (زيوس) رب الأرباب المضطرب القلق وهو يعاني لوعة عشقه لفتاة من بني البشر هي (أوربة)، التي يختطفها، ومن ثم، يتزوجها. وعلى هذا فإن (التوتر) سمة من سمات الفعل الدرامي، الأمر الذي يضعنا كقراء وكمتفرجين داخل الفعل رغماً عنا، لا كمتأملين لـه من الخارج، بل كمعانين للتجربة من داخلها. (لذلك يكون شعورنا بالذي يحدث "فعلاً" غير متميز في الواقع عن شعورنا بالذي "سوف" أو "قد" يحدث). (14) وهذا يعني أننا نندمج في الذي نراه، بل الذي نعيشه ونعانيه الآن. ولعل هذه السمةَ ـ الاندماج ـ هي ما جعلت "أرسطو" يؤكد على التطهير، جاعلاً منه نظرية، باعتباره حاصل ـ نتيجة ـ الأثر الفكري والنفسي الذي تخلفه المسرحية فينا بعد أن عانينا حوادثها. وباعتبار ما تقدم فإن "وليد فاضل يحقق ذلك بامتياز في خواتيم مسرحياته ذوات الحبكة التاريخية، وذوات الحبكة الأسطورية. لأن هذه الخواتيم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمعطيات مشاهده الافتتاحية الفعالة. افتتاحيات وليد فاضل المسرحية: لا يجد الناقد، أو الباحث، المسرحي عنتاً في تصنيف مسرح "وليد فاضل" وفق مستويين فنيين: الأول: مستوى النص الدرامي القائم على حكاية لها حبكة ذات "بداية ووسط ونهاية". وهذا يعني أن موضوع المسرحية واضح محدد، وأن الشخصيات تسعى نحو تحقيق هدف يتم التنازع عليه بين شخصيتين، أو أكثر. ولسوف نجد أن مسرحيات (أوربة في صور ـ أليسار بجزأيها ـ زنوبيا ـ جلجامش ـ إيفا ـ أدونيس) تحفل بذلك جيداً. وهذا يعني أن النص المسرحي هنا مبني على النمو الدرامي للفعل منذ المشهد الافتتاحي الأول، وحتى النهاية المتمثلة في الحل بعد مرور بالأزمة، والعقدة. الثاني: مستوى النص القائم على غياب الحبكة المسرحية وبالتالي غياب المضمون الواحد أو الحكاية الواحدة رغم إيهامنا أننا أمام حكاية أو موضوع، كما في نصوص العشاء المقدس ـ حلم في محطة قطار ـ السيمفونية الهادئة ـ لميس والقطط ـ الخُفاش). وسبب تصنيف هذه النصوص هكذا قائم على اعتبار أن الشخصيات هنا لا تتصارع على هدف مشترك، يحاول كل قطب منها أن يسلبه من الآخر إلا بالافتراض الذهني التجريدي. وما دام ليس هناك صراع حقيقي تعانيه الشخصياتُ، ونعانيه نحن كمتلقين، فلا وجود لحكاية كما هو حال (واطسون) في مسرحية (السيمفونية الهادئة)، صاحب المصرف الذي يريد إقراض "زيمبابوي" قرضاً مالياً عادلاً(!!) لصالح مشاريع تنموية وطنية ما يجعل (العقل الأكبر) الذي هو رمزٌ مجرد لقوة وسطوة رأس المال الاحتكاري ناقماً على (واطسون)، على الرغم من عدم وجود علاقة مباشرة بين الاثنين تقوم على من سيستقطب مندوب "زيمبابوي" بهدف الربح. لكن "وليد فاضل" يحلينا على علاقة رأس المال مع بعضه بعضاً، وعلى تسلط الاحتكار العالمي المالي على المؤسسات الصغيرة. لكن حقيقة الأمر درامياً أن (واطسون) و (العقلَ الأكبر) لا يدخلان في صراع على صفقة واحدة. والأمر كذلك بالنسبة لمسرحية (حلم في محطة قطار)، حيث لا شيء يجري درامياً منذ البداية. بل إن ما نحسبه يجري إنما هو قائم على المصادفة التي تلعب في مسرح "وليد فاضل" دوراً هاماً، تبدو لديه كتقنية فنية محببة. وهي مصادفة ـ رغم ذلك كله ـ مفتعلة كونها تخطيطية؛ أي فكرةً مجردةً مسبَّقةً(!!). ولهذا تم تصنيف هذه النصوص منذ البداية تحت سمة الواقعية الذهنية التجريدية الافتراضية ومبرر ذلك كما قدمنا هو غياب الصراع بين إرادتين حرتين واعيتين على هدف واحد، استناداً إلى غياب الموضوع أو الحكاية، وبالتالي الحبكة. من هنا ـ أيضاً ـ تستدعي التخطيطية المسبقة لدى "وليد فاضل" تراكما لغوياً تنمو على أساسه المسرحية كنص لغوي بامتياز منذ البداية يوهم بوجود موضوع وجريان حدث (!!!)، كما في مسرحية (لميس والقطط) حيث لا شيء يجري على الإطلاق. وهذا كما يبدو أثرٌ من آثار موقف "وليد فاضل" من (لا معقولية) الحياة والواقع المعاصر، ونزوع "وليد" نفسه نحو التعبيرية كاتجاه مسرحي. يحتاج المرء حقيقة إلى أن أدلة من النصوص نفسها ليؤكد وجود فعل درامي ينمو حتى النهاية. غير أن "وليد فاضل" يقدم لنا في هذه النصوص الموصوفة من المستوى الثاني قطبين متناقضين يدخلان مع بعضهما بعضاً من بعيد ـ وهو بُعدٌ افتراضي ـ في علاقة متضادة تقوم على الجدل المتولد من بعضه بعضاً، أو من الجدل المتعاكس، بحيث لا يكون الرد الكلاميُ ـ الحوار ـ متناسباً مع الكلام ـ الحوار ـ الأول، مما يخلق وهماً بوجود صراع. وهذه لعبة طالما أتقنها "وليد فاضل" في نصوصه كما في (حلم في محطة قطار ـ لميس والقطط ـ الخُفاش.. الخ). وإذا كان النص الدرامي لا ينمو باللغة وحدها ـ رغم ما قدمنا سالفاً من أن اللغة هي خالقة الفعل، فإن النص الدرامي ينمو بالأفعال ونقائضها بحيث تصير اللغة صورتها، بل وتصير اللغة أفعالاً حقيقة حين تكون لغةً فاعلة موجبة كما مآسي "وليد فاضل" التاريخية والأسطورية جميعاً، وكما في مسرحية (إيفا) ومنذ المشاهد الافتتاحية. ولهذا فإن نصوص المستوى الثاني التجريدية التخطيطية تنمو نمواً طولانياً تعاقبياً، أي بالتراكم الكمي الأفقي اللغوي لمجموعات المعلومات المعطاة لنا من "الشخوص (!!!) الذين ليسوا شخصياتٍ، لأنهم هنا ـ ومنذ البداية ـ يبدون مجردين من الأسماء والصفات الفردية الخاصة الفعالة، ومجردين من مشكلة مركزية ـ أو مشكلات ـ تخصهم وحدهم كما في (حلم في محطة قطار ـ السيمفونية الهادئة ـ الخُفاش ـ لميس والقطط) بحيث يمكن تعميم هذه المشكلات الخاصة فيما بعد دون إكراه. ولسوف يرى القارئ أو المتفرج إلى أي مدى تتحلى هذه النصوص بالسكونية والرتابة بسبب سلبيتها، كونها لا تعبر عن ـ ولا تشير إلى ـ قضية متصارع عليها، مما يعني أنه لا ضرورة لمشهد ـ أو ـ عرض افتتاحي تمهيدي!! بناء على ما تقدم فإن بدايات تلك المسرحيات الذهنية التجريدية المشار إليها لا تنتج لاحقاً ما هو مترابط معها، أو هو نابع منها. الأمر الذي يسمح للمخرجين ببتر الكثير من المشاهد والحوارات والحوادث دون أن يضر ذلك بالنص المسرحي. ولهذا تتميز تلك المسرحيات ببدايات باهتة رتيبة رغم أن فضاءاتها الغرائبية تجتهد لإيهامنا بوضع متوتر. ولهذا كله أيضاً لن يعثر القرّاء، أو المتفرجون، على "مَن" سيركزون اهتمامهم عليه من الشخصيات، حيث يتساوى الجميع هنا، رغم أن "وليد فاضل" يقزم شخوصه لصالح شخص واحد كي يدفعنا عنوة إلى تركيز اهتمامنا عليه كونه يمثل فكرة مجردة كالسيد (هاء) في الخفاش، المتحول دائماً، رغم أن منطق الدراما لا يقبل ذلك. ولهذا ذهبنا سالفاً إلى أن ما يسود في هذه المسرحيات هو سرد لغوي وصفي، مكتوب بمهارة إيهامية مخادعة، لا تحيل إلا على ما هو خارجي عرضي، ومفترض ذهنياً، أعني تجريدياً. والمسرحيات الموصوفة سالفاً أمثلة ساطعة على ما نذهب إيه (!!). غير أن مسرح "وليد فاضل" في عمومه ينتمي إلى التعبيرية كاتجاه مسرحي حيث تميل الشخصيات للتعبير عن عالمها الباطني، وحيث الانتقال المفاجئ من النثر إلى الشعر، خاصة وأن "وليداً لا يقيم فواصل بين مستويي اللغة. بل تتحول اللغة النثرية إلى لغة شعرية بامتياز، أو تتغير بنية النثر إلى بنية شعرية طازجة، وما أكثر ذلك في أعماله الأسطورية. بل ولا يتوانى "وليد فاضل" عن الميل من الكتابة الواقعية إلى ذروة المونولوغ الذاتي التعبيري، كما في (جلجامش)، الذي يتأسس عليه، ومنذ المشهد الأول، تصميمُ البطل على التحدي، والإصرارُ على المضيِّ في البحث عن سر الخلود والمعرفة. وكذا الأمر في (أليسار) و(زنوبيا). إضافة إلى ذلك سنجد انقلاباً من الحوار الواقعي التقليدي المطوَّل، إلى كلام مسرف في الإيجاز. على أن أهمّ ما يمكن التأكيد عليه هو اتجاه المسرحية التعبيرية إلى تبسيط الحبكة وتقليل الفعل الموضوعي، بل وانعدام الأحداث، أو الحوادث، ولا واقعيةِ الشخصيات. وقد حفل مسرح "وليد فاضل" بذلك كله، خاصة مسرحيات المستوى الذهني التجريدية الافتراضية؛ (حلم في محطة قطار ـ الخفاش ـ العشاء المقدس ـ السيمفونية الهادئة). إن إجراءاتٍ من هذا النوع تدفع بالنصوص المسرحية إلى هاوية لا قرار لها، بحيث يمكن الاستغناء عنها ما لم تكن مشفوعة بما ينقذها من هذا السقوط. ولقد تمكن "وليد فاضل بلغته الإبداعية أولاً من خلق عالم مسرحي يوهم بالدراما دون أن تكون موجودةً حقاً منذ المشهد الافتتاحي، حيث يتم تثمير السرد ذي الحبكة البوليسية، والقائم على تعميةٍ وغموضٍ تأمين، أو شبه تأمين للموضوع، مع عدم وجود موضوع في الحقيقة، وإفساح قدر كبير للغة كي تنمو بالأسئلة الملغزة، والأجوبة الواقعية الساذجة جداً كما نجد في المشهد الأول لمسرحية (حلم في محطة قطار)، واستخدام الخطأ والصواب كما في (لميس والقطط)، والشك واليقين في (السيمفونية الهادئة). يضاف إلى ذلك كله أن "وليد فاضل" المؤمن بلا معقولية الواقع يظهر على العكس من ذلك في خواتيم مسرحياته، كما بينا سابقاً. بل إنه مؤمن، حتى النخاع، بمعقولية مفقودة هي "ما يجب أن يكون عليه الواقع الإنساني من قيم نبيلة: (الحرية ـ العدالة ـ الديمقراطية ـ الحق ـ الجمال ـ الخير). إلى آخر هذه الأفكار التقدمية النبيلة. وما معالجة "وليد فاضل" لتلك القضايا الكونية إلا تأكيد على درامية الواقع المأساوية نفسها. وبذلك تتم إحالتنا ـ قراءً وجمهوراً ـ منذ المشهد الافتتاحي الهادئ الساكن، أو لنقل اللا مشهد التمهيدي، إلى النقيض. مما يعني أن المرجعية الاجتماعية الواقعية خارج النص هي الدراما وما يجري ـ في الحقيقة ـ غير معقول درامياً. وبذلك يمكن الادعاء ـ وبقليل من المبالغة ـ أن دراما هذه النصوص من المستوى الثاني ـ التجريدية ـ كامنة في مرجعياتها، وأن توتراتها كائنة خارج المسرح وليس في الدراما نفسها، أي خارج النص. وهذه نقطة لصالح "وليد فاضل" رغم أنها ليست لصالح النص الدرامي، خاصة وأن جميع نصوص "وليد" تنهج نهجاً تقليدياً، على الأقل في بناء الزمن ـ ومنذ المشهد الأول ـ بناء تعاقبياً. ومع أن توصيفاتنا السابقة تشير صراحة إلى ابتعاد النصوص الذهنية عن الانغمار الكلي أو الجزئي في حركة الدراما التطورية القائمة على الصراع، فإننا نرى أنها تشدنا إليها لمتابعة قراءاتها، أو الفرجة عليها فيما لو توفر لها مخرج ممتاز يعي خصوصياتها، وهذا يعني أن هذه المسرحيات تتملك تشويقها الخاص بها. وإذا كانت الحبكة كصناعة فنية راقية هي التي تشوق الجمهور ـ قراء ومتفرجين ـ فإن ذلك يتم استناداً إلى ما قدمنا سالفاً من اتصال الأحداث مع بعضها بعضاً، وأن تاليها نابع من سابقها. ولكن حين تشدنا مسرحية وليس فيها حكاية ولا حبكة ولا تطور فإن الأجدى أن نرى أنها مسرحيات تقوم على منطق: حدث هذا، ثم حدث هذا، ثم حدث ذاك، دون رابط بين ما يحدث. ولكن الكتابة الإبداعية الجيدة لكل حادثة تخلق لدى المتلقي إعجاباً بالحادثة نفسها، مستقلة عن الحادثة السابقة أو اللاحقة. وبتراكم التشويق الجزئي يتم التشويق الكلي ليظهر إعجابنا بالعمل كله، مما يعني أننا ننتقل من تعددية الإعجاب والتشويق بما هو جزئي إلى إعجاب وتشويق كلي. وهذا حقيقة ما قدر عليه "وليد فاضل" بإجادة. لكننا، مع ذلك كله، لا نستطيع هنا أن نتحدث عن مشهد مسرحي افتتاحي، وعن فاعليته لأن كل مشهد يعد حادثة مستقلة عن غيرها ولا ينتج عنها حادثة أخرى، أو مشهد آخر. أي إننا نفتقد إلى الترابط العضوي. وما دام النص المسرحي هنا ينمو بتراكم المشاهد أفقياً وعبر اللغة فإن ما يجب التوقف عنده هو البناء المشهدي مستقلا ً عما يليه من مشاهد، محاذرين أن نسقط على هذه المسرحيات صفات سالبة مبالغاً فيها، خاصة محاكمتها على أساس البنى المسرحية التقليدية الأرسطية رغم ما يتوافر في هذه المسرحيات من وحدة المكان والزمان، كما في (حلم في محطة قطار) أو وحدة المكان كما في (لميس والقطط) وكما في (الخفاش) مثلاً. المشهد الافتتاحي في تراجيديا وليد فاضل: يلاحظ القارئ أو المتفرج إصرار "وليد فاضل" على استخدام الجوقات بكثرة وعلى مدى النص المسرحي وفي حركة دائبة. بل إنه كثيراً ما يجعلها متعددة بتقسيم الجوقة الكبيرة إلى جوقات صغيرة يعطيها أرقاماً (جوقة 1 ـ جوقة 2) ثم يفرد منها رئيساً، ثم يعود ليدمجها من جديد، الأمر الذي يسمح بإقامة علاقات تعاطف تتنوع فيها لهجات وأساليب الخطاب، وتتعدد مستويات الحوار، مما يمنحها حيوية وفاعلية، وهذا إجراء فني تقني مسعف لتطور الشخصية التراجيدية كما في (جلجامش ـ أليسار ـ زنوبيا..) خاصة وأن هذه الجوقات كثيراً ما تعمل على خلق المحفزات الدرامية لتطوير موقف الشخصية من قضيتها، وتطوير فاعليتها ودفعها نحو خوض صراع تجهل مآله ونهايته بهدف الإلحاح على طلب المعرفة والحقيقة كما في (جلجامش ـ أليسار في صور..)، أو بهدف الإصرار على موقف وطني مصيري كما في (أليسار في قرطاج ـ زنوبيا..). وإذا كانت مسرحية (أوروبة أميرة صور) لا تشكل تراجيديا شخصية كغيرها، بل تراجيديا شعب فإنها تمتثل لصراع متطورة على قسمين: الأول: ما كان متعلقاً باختطاف أوروبة وبحث إخوتها (قدموس ـ كيليكس ـ فينيق) عنها في أرجاء الأرض. ولسوف يتضمن هذا الجزء تشتت عائلة ملك صور أشنار الأمر الذي ينتهي بكارثة موت الملك الأب كمداً على أولاده جميعاً. الثاني: ما كان متعلقاً بإلحاف فينيق في البحث عن أخته أوروبة وما جرى لـه من تنويم ومسح ذاكرة من قبل زيوس، ومن ثم ما جرى لـه في العالم السفلي مع (برسيفونة) زوجة زيوس التي أعجبت بفينيق وتريده عشيقاً لها. في القسم الثاني تتحول التراجيديا إلى انفساح نحو أمل آخر، أو حلم آخر ـ بعد موت أشنار الملك ـ انطلاقاً من وعي فينيق ألا سبيل إلى مقاومة القدر إلا بالالتفاف عليه معرفياً وحضارياً. ولهذا يدعو شعبه حين عودته إلى صور ليركبوا البحر ويسيطروا عليه ويحاصروا زيوس في دياره، ولبناء مدن على طول السواحل التي يحلون بها (لأن كنعان لا تسعى للانتقام، بل للحياة... ص 171). وستصبغ كنعان (شعوب المتوسط بالصبغة الكنعانية، صبغة المعرفة الكنعانية والروح الكنعانية.. عندئذ سيذوب زيوس كقبضة ملح في بحيرة عذبة، بحيرة كنعان..ص 171). إن قراراً كهذا يغدو بالغ الأهمية لأن حكاية أوروبة ما كانت إلا تكأة للحديث عن تحول شعب كنعان إلى بحارة وبناة حضارة، عن طريق وعي فينيق لطبيعة الحرب مع زيوس خاصة، ومع الآلهة بشكل عام. مما يعني اكتشاف الذات الفاعلة في التاريخ. ولولا أن المشاهد المسرحية الافتتاحية الأولى لم تكن متعلقة باختطاف أوروبة لما تطور وتحول موقف فينيق، ولما انداح الكنعانيون في الأرض بناة حضارة عظيمة!!. ونهاية كهذه لا تستند إلى منطق التراجيديا التقليدية الكلاسيكية لأنها قائمة على تفاؤل مليء بالسعادة والنصر. لكن هذه السعادة قامت درامياً ـ وحقيقة ـ على كارثة تمثلت في: 1 ـ فقدان أوروبة أولاً، جراء اختطافها. 2 ـ فقدان الإخوة الذكور الذين ذهبوا للبحث عن أختهم ولم يعد أحد منهم سوى فينيق بعد وفاة الملك الأب. 3 ـ تشتت الأسرة بعامة. 4 ـ موت الملك الأب أشنار. وإذا ما كانت الكارثة قد تحققت هنا بشكل جماعي وليس بشخص واجد فإن الأمر الهام يقوم على المصير الخاص بالشعب الفينيق ـ الكنعاني. ولسوف نلاحظ هنا، وفي كل التراجيديا أن ما شد انتباه "وليد فاضل" ليس هو الأسطورة كنص منجز تاريخياً بكل جزئياتها، بل الذي شده هو شخصيات أبطالها: (جلجامش ـ أليسار ـ زنوبيا ـ أدونيس). 5 ـ ولقد ساعد هذا على إفساح قدر كبير من الحرية لتجاوز مفاصل كثيرة من الأسطورة والكثير من ملامح الشخصية الأسطورية. ليبني "وليد فاضل "أسطورته وشخصياته الخاصة به. وبذلك ينقلنا من نص الأسطورة إلى مسرحية الأسطورة الخاصة وقد حملها ما يريد سواء بمعالجة درامية أم بإسقاطات فكرية لها طبيعة معاصرة. وما دام "وليد فاضل" مبهوراً بالشخصية ومأساتها فإنه لا يتوانى عن "شعرنتها" كي تغدو أكثر بريقاً ولمعاناً ومأساوية وسحراً، ليزيد المشهد الافتتاحي بلاغة درامية، ولكي يمنحها حضوراً سامياً منوعاً دالاً على علاقتها بالخارج من جهة، وبداخل نفسها من جهة أخرى، حيث تنكفئ وتمتثل للاثنين معاً بأسلوب درامي يقوم على الشك والريبة واليقين، وليمنحها فسحة أكبر للنمو والتطور نحو الكارثة!!. نماذج من المشاهد الافتتاحية: 1 ـ المشهد المتوتر ـ المرهص بكارثة: تكتشف بداية مسرحية (أليسار في صور) عن توتر يتنامى بهدوء أولاً، ثم يغدو أكثر حدة وحيوية بفضل حوار الجوقة ذات المستويات التشكيلية المتنوعة مع أليسار من جهة، ومع العرافة من جهة أخرى، في مكان واضح محدد لـه دلالاته التعبيرية المتنوعة هو المعبد. يبدأ المشهد وقد حضرت أليسار إلى المعبد لاستطلاع رأي العرافة في حلم يتكرر كل ليلة، حيث ترى روح زوجها الميت. وهذا كما يبدو بحث عن معرفة حقيقة ما. غير أن هذه المعرفة ستكشف عن مستويين الأول: ظاهري.. غايته معرفة معنى ظهور شبح الزوج المتكرر في الأحلام الليلية!!. الثاني: مضمر.. يقوم على الشك في أن زوجها قد مات ميتة طبيعية!!. ولهذا يلجأ "وليد فاضل" لتعزيز فاعلية الدراما إلى المعبد، مسرح الحدث كله، باعتباره مكاناً مقدساً يحتضن الحقيقة الكلية. ثم عزز ذلك بضمير عام هو الجوقة التي تبدو مرة جوقة كهنة، ومرة جوقة شعب، ومرة ضميراً إنسانياً عاماً. ولكي يفسح "وليد فاضل" دوراً أكثر فاعلية للجوقة فإنه يقسمها إلى قسمين: جوقة أولى، وجوقة ثانية، ويتوج عليها رئيساً. ثم يمنح للعرافة في الآن نفسه، دوراً هاماً، الأمر الذي يجعلنا أمام أربعة مستويات درامية، تتنوع فيها أدوات الجوقات والمتكلمون. إن المشكلة الصغيرة البريئة التي تؤرق بال أليسار وعقلها هو معرفة معنى زيارة روح زوجها لها مرات عديدة في الحلم. وهذا سؤال عن حقيقة ما.. "مجهولة" من قبل أليسار.. لكن الجوقة لا تريد التصريح بما تعرف بل إنها تحذر أليسار من هذه المعرفة بهدوء: الجوقة: ....... اكتمي الحلم بين أضلاعك فخير لك أن تحيي في أمان الجهل من أن تطرقي أبواب المعرفة .. (ص 12) لكن أليسار تصر على المعرفة....... الجوقة: خير لك أن تنامي في حضن الأوهام من أن تستقري في لهب الحقيقة الأوهام تسحبك لبرودة اليقين والحقيقة تجرك لعذاب الرؤية...(13) لقد أفصحت الجوقة هنا عن مسألتين خطرتين: (لهب الحقيقة.. و.. عذاب الرؤية)، حيث تكشف عن رؤية قلبية وأخرى بصرية. وبإصرار أليسار على معرفة الحقيقة يعلن رئيس الجوقة: رئيس الجوقة:..... لابد للقدر من دور ................ أيا فتيات صور خلين أليسار لقراءة النار فالأشرعة مهيأة للسفر وقد حان نطق كلمة القدر......(ص 13) لم يكن قرار كهذا يصدر عن رئيس الجوقة لولا أن أليسار قد زادت من إصرارها على معرفة الحقيقة. ولكن هذا الإصرار ما كان لـه أن يوجد وينمو بسرعة لولا موقف الجوقة من إظهار خطورة المضي في طريق معرفة الحقيقة التي هي لهب حارق. وبذلك تبدو الجوقة حقاً أحداً أهم محفزات أليسار على الإصرار في طلب المعرفة والحقيقة. مع ذلك كله فإن "وليد فاضل" لا يقنع بفاعلية أثر الجوقة في أعماق أليسار النفسية وقناعتها العقلية جراء تحذيرها، رغم قرار رئيس الجوقة، ولهذا يمنح "وليد" الجوقة فرصة أخرى لزيادة توتير الموقف الدرامي، وتشويقنا، حين تعلن الجوقة (أن الأحلام هواجس الظلمة).... الجوقة:......... والمرأة حين تفقد زوجها تجتاحها أطياف القلق.... (ص14) ......... آلهة الليل والعتمة هي من تمنع عنك النوم والرقاد وترسل لك أشباح الشك والعذاب...(ص15) ولسوف نرى لاحقاً أن أخا أليسار "بيغماليون" سيفسر الأمر على أن أخته في حاجة إلى زوج، أو عشيق، بسبب وحدتها بعد فقدان زوجها ليداري جريمته. أما الجوقة، هنا، فإنها قالت ما قالته سابقاً بناء على أحلام أليسار وقد رأت جسد زوجها على النحو التالي: أليسار: جسده ملطخ بالدم، عيناه تنطقان بالشر، وروحه مدماة بالأشواك. ويطالبني بالثأر؛ أن أثأر لـه من نفسي!!....(ص15) إن ما هو جدير بالذكر والملاحظة هنا هو هذا التعجب والدهشة الذي يعتري أليسار، أن تثأر لزوجها من نفسها....كيف؟! الجوقة: أطياف الحلم خداعة مكارة.. (ص17) ....... وممن ستثأرون؟!...(ص 18) أليسار: سأثأر لـه من نفسي..(ص18) تكشف تلك البداية المتوترة داخلياً عن قدرتها على تطوير وضع أليسار الدرامي، لتصل إلى لقاء روح زوجها الذي سوف يخبرها بمقتله في صيغة شعرية ملغزة ومبهمة. وهي لغة برقية كي تخلق رعباً بإيقاعها الداخلي والخارجي المتنامي واللاهث من خلال سؤال واضح وجواب ملغز!!. أليسار: ومن غدر بك؟. ص. الزوج: نفسك!!. أليسار: نفسي؟!. ص الزوج: صوت خرج من جسدك، وهو متسلط عليك. خفية تسلل إلى معبدي. أليسار: من هو؟! ص الزوج: جسدك. أليسار: جسدي؟!. ........ وماذا أفعل؟!....... (ص19). إلى أي مدى يمكننا الآن استشعار القلق والاضطراب اللذين باتت تعاني منهم أليسار، وإلى أي مدى يمكننا تقدير الإصرار على معرفة الحقيقة الفاجعة؛ حقيقة من سيكون جسدها الذي غدر بزوجها فقتله؟!. إنها أسرار وألغاز تترى وراء بعضها بعضاً، يطلقها روح الزوج كرشقات سهام: الصوت: أخرجي المؤامرة من وكرها، الأفعى تخرج وتتجه إليك، تتهيأ للسعك، فاحذري أنياب الأفعى يا أليسار!!. حذري أنياب الأفعى يا أليسار...(ص19). وبتحليل مضمون التحذير الذي تشهده العرافة تظهر الحقيقة: بيغماليون الأخ الشقيق هو الأفعى الخارجة من القصر، وهو الصوت الذي خرج من جسد أليسار. هو إذن قاتل زوج أخته. (ص 20 ـ 21). ولأن الكارثة لا تصدق، فإن أليسار ترفض أن تصدق ما تسمع. لكن العرافة تعلن أن ما تراه ليس أطيافاً كاذبة: العرافة: الأطياف الخداعة محظورة تسربها إلى هذا المكان. هذا المكان مرصود بقوة الآلهة. ص(21). هنا تكتمل الذروة الأولى وتظهر الحقيقة. لكن هذه الحقيقة تحتاج إلى اعتراف القاتل بجريمته. على بيغماليون أن يعترف، وبذلك يتطور الصراع الداخلي نحو الصراع الخارجي مع الأخ الذي ينكر كل شيء حتى لحظة امتثاله لمحاكمته أمام روح وسيف هرقل، ليعترف بجريمته حقاً. كل شيء يتواشج منذ البداية وحتى النهاية. كل فعل متصل بما قبله ومنتج لما بعده مما يفصح عن تعالق درامي ممتاز لا يسمح لنا بالاستغناء عن جزء ضئيل من المقدمات حتى لو كان تكراراً لبعض أقوال الجوقة. وإذا تقرر الآلهة أن تنتقم أليسار من أخيها فإن الأخت الطاهرة ترفض ذلك. مما يوقعها تحت غضب الآلهة الذين يحكمون عليها بالنبذ والطرد، وأنها ستطأ أرضاً عسرة ولن تعرف للهناء طعماً، فإذ بأليسار تشد الرحال مع مريديها إلى شواطئ أفريقية وتبنى قرطاج. بناء على ما تقدم يمكن تلخيص البنية الدرامية لأليسار في ما يلي: تحدس أليسار بإحساسها البريء الطاهر أن زوجها لم يمت ميتة طبيعية. نحن إذن ـ ومنذ البداية ـ أمام توتر الشخصية درامياً. لأن هذه البداية تتضمن في ثناياها لغزاً يشكل إرهاصاً لبداية أزمة من جهة، كما تتضمن جهلاً بحقيقتين من جهة أخرى هما الجهل بالجريمة ومن هو القاتل؟ ولماذا قتله؟!. إن حبكة مسرحية (أليسار في صور) محكمة باقتدار منذ مشهده الافتتاحي. وهي حبكة قوامها التوتر دون صخب أو ضجيج. إننا لم نسمع صراخا ولا زعيقاً، لأن ما هو هام ورئيس هو تلك المشاعر المضطربة والأفكار المبلبلة والحقيقة المخبوءة. ولكن الدراما متأججة حتى الامتلاء، خاصة حين تشارك الملكة الأم في الصراع مساندة ابنها بيغماليون ضد أخته رغم ما اقترفته من جريمة زوج الأخت أولاً وابنه ثانياً!!. ترى.. هل نحن أمام دراما نفسية؟!. لا يوفر "وليد فاضل" ـ لتأجيج الصراع ـ استثمار عقدتي (أو ديب) و(ألكترا). حيث كان الملك الوالد على وفاق تام مع ابنته العاقلة، ولهذا أقرها ملكة على صور بعده. وكانت الأم الملكة على وفاق تام مع ابنها وتكره أن يذهب العرش إلى من تظنه عدواً لـه، والعدو في ظنها هو ابنتها. وبذلك يتصارع الأوديب والألكترا) على العرش، ما أضفى على الدراما بعداً وعمقاً مأساويين، بغض النظر عن تفسير بعض حقائق التاريخ السياسي والاقتصادي والأخلاقي.. الخ.. تفسيراً جنسياً!!، رغم تعليل موقف الملك الأب أن ابنه لا يستحق العرش لأنه متهتك متهور شهواني جاهل. ولقد قوى "وليد فاضل" تلك المأساوية منذ البداية حين زج الجوقة منحازة إلى صف أليسار باعتبارها صاحبة الحق الشرعي في العرش. لكن الجوقة لم تكن تنتصر مباشرة للشرعية، قدر ما كانت تحذر أليسار من معرفة الحقيقة بهدف حضها على الإصرار في طلب المعرفة الموصلة إلى الحقيقة. وهذا يعني أن الجوقة كانت حافزاً على تحقق العدالة الشعرية والقانونية. وبناء على ذلك فإننا ـ كمتفرجين أو قراء ـ سنجد أنفسنا أمام قطبين بارزين رئيسيين في المشهد الافتتاحي قائمين على مبدأ الجذب والنبذ الدراميين: الأول: أليسار تشاهد حلماً وتريد معرفة حقيقة ما، وهذا يشكل وضع (الإصغاء). الثاني: الجوقة تحاول ثني أليسار عن الولوج في طريق المعرفة، وهذا يشكل (الترقب) و(التوقع) و(حب الاستطلاع) للمتلقين، كما للشخصيات الجاهلة بحقيقة ما يجري، ثم التركيز على أليسار كونها صاحبة المشكلة، دون أن ننسى بيغماليون أو أمه الملكة. ما هو هام في هذا البناء الدرامي للمشهد الافتتاحي أن ثني أليسار عن معرفة الحقيقة يشكل وضعاً عكسياً درامياً. وهو قصد نفسي ـ فكري، حيث تصر أليسار على طلب المعرفة باعتبارها الطريق إلى الحقيقة. وهذا يفصح عن تطور درامي للشخصية يسير من (الجهل) إلى (التعرف) إلى (الانقلاب) الذي يتضمن المصير. وقد قادها هذا الخط الدرامي المتماسك من السعادة إلى الشقاء الذي سنجد أقصى وضعه الدرامي في موت أليسار في الجزء الثاني (أليسار في قرطاج). وبذلك يمكن الادعاء أن شخصية أأليسار تراجيدية بامتياز!!. إن جميع المفاصل الموصوفة في مسرحية (أليسار في صور) ما كان لها أن تكون كذلك لولا أن المشهد الافتتاحي كان على غير تلك الصورة. خاصة إذا لم تتوفر حكاية متكاملة. وإذا كانت اللغة ـ هنا ـ عاملاً من عوامل الخلق الدرامي فإنها ـ هنا ـ تغدو فعلاً درامياً، لأن اللغة تتضمن العمل. وكلاهما؛ الفعل والعمل يتضمنان الحقيقة بالحضور المشخص وليس بالسرد اللغوي، كما في نصوص المستوى الثاني التجريدية مع تأكيدنا على أن لغة "وليد فاضل" في المسرحيات الأسطورية والتاريخية تندمج ـ وعلى الدوام ـ بالفعل الدرامي وتقوم مقامه في أحيان أخرى، كما في لغة الجوقة. وكما في مونولوغات أليسار. ولقد بينا سابقاً فاعلية لغة الجوقة أمام أليسار وحيال مشكلتها، وثنيها عن طلبها من جهة، وحضها من جهة أخرى على طلب المعرفة كتقنية تحفيز وتحريض وتعزيز لموقف. الأمر الذي يفصح عن بناء درامي ممتاز، و عقدة بوليسية ممتازة!!. جلجامش ـ صخب وتوتر: تتركز إشكالية جلجامش الدرامية على فناء الإنسان الذي مثله موت (أنكيدو) المقتول من قبل الآلهة كي تظل هي خالدة، مما يعني أنها إشكالية وجودية ومعرفية تتمثل في أنه لا خيار... ولا حرية.. والموت قدر الإنسان!!!. هذا هو تحدي جلجامش الأول.. أما التحدي الآخر فيتمثل في إصرار جلجامش على معرفة سر الخلود بهدف تخليد الإنسان نفسه، إذ لا فرق ـ لديه ـ بين الآلهة والناس. خاصة وأن الإنسان عامل منتج عظيم لخيرات وفيرة!!. أما الآلهة فكسولة، غير منتجة. لكنها تستفيد من إنتاج الإنسان بالمحاصصة عن طريق القرابين والصدقات وغير ذلك. وهذا في رأي جلجامش ليس عدلاً. وبذلك تكتمل دائرة الظلم لديه. لا عدل في عدم مساواة حياة الإنسان بحياة الآلهة. ولا عدل في استمتاع الآلهة بما ينتجه الإنسان من خيرات، ومع ذلك هو فان وهم خالدون!!!. يبدأ "وليد فاضل" مسرحيته بتحديد مكان درامي يبعث على التوتر منذ البداية. إنه إحدى حجرات القصر الملكي. لكن جثمان (أنكيدو) يحتل المركز درامياً. ويشكل انكفاء جلجامش على الجثمان بؤرة صاخبة لفظياً وحركياً. إن الوضع الإنساني ـ الدرامي ـ هنا يفصح عن توتر قائم بين إشكاليتين: الأولى: الموت ـ الحياة... كقدرين طاغيين لا سلطان للإنسان عليهما. الثانية: فقدان المثيل ـ الشبيه ـ بسبب قوة الاستحواذ والتماهي بين شخصيتين تكملان بعضهما بعضاً هما جلجامش وأنكيدو. هنا يفقد الإنسان نصفه الآخر باعتباره جوهراً وليس عرضاً من الأغراض. إن صوت جلجامش ينضح باحتجاج عالي النبرة منذ البداية. وهو احتجاج مشوب بتحد وتجديف وفجائعية. ويتطور الإيقاع الدرامي من حقيقة موت (أنكيدو) إلى حقيقة أن الإنسان ميت لا محالة، وأن الآلهة خالدة أبد الدهر، عبر سؤال وجودي مقلق (لماذا؟؟)، الذي يكشف ـ برعب ـ لا معقولية الوجودية المبنية على مفارقة: (فانون ـ خالدون) (أناس ـ آلهة)؟! ولذلك لا يتوانى "وليد فاضل" عن تعزيز وضع درامي مبني على إنشائية ذات طبيعة شعرية مشحونة بالمجازات والاستعارات والرموز وهي تتوسل إلى فرادتها بأساليب متنوعة، منها: (الاستفهام الإنكاري والتعجبي والطلبي ـ الأمر ـ الحض والتحفيز ـ النداء ـ النفي ـ الطلب والرجاء والتوسل المتفجع.... الخ...) ولذلك نقرأ ونسمع منذ البداية نداء متفجعاً يطلقه جلجامش... (أنكيدو ويا أخا التراب.. ص13 ـ حدثني بصوت يصم آذان آلهة الشهوة عشتارت... أنكيدو و.. هل حقيقة أنك الصمت؟!. ـ ألن تتكلم بعد الآن؟... ص13). هكذا تختلط الأساليب مع بعضها بعضاً في أقل من خمسة أسطر افتتاحية. وسنرى أن حكاية مقتل (أنكيدو) على يدي (أنليل) في..(ص100) يعود أدراجه إلى مشهد الافتتاح، ليظهر أسباب موت (أنكيدو) وكيفية مقتله!!. يرتكز المشهد الافتتاحي على عدم تصديق جلجامش موت أخيه (أنكيدو)، حيث الذهول والعجب والدهش: جلجامش: أنكيدو.. هل حقيقة أنك الصمت؟. ـ ألن تتكلم بعد الآن؟. ـ هل تمت كلمة الآلهة؟.... (ص..13) ـ (لكن لم أنت صامت يا أنكيدو؟ ـ ألا عودة إلى الوراء؟ ـ جدار الموت ألا من تحطيم له؟....(ص..15). وعلى ضوء عدم تصديق فاجعة الموت يعلن جلجامش عن تحديه للآلهة والقدر والموت: (لن يهدأ هذا الجسد المجنون حتى يمزق سترك يا موت.. يا قدرا أرعن القياد والعبور. (ص..17) ويوغل جلجامش في تحديه ليصل إلى تجديفه عبر سؤال وجودي جعله نهباً لليأس: جلجامش: هذا الطريق الذي لا رجعة منه؛ لم اختارت الأربابُ الخلود وقذفت لنا بفضلات طعامها؟، وهبتنا هذا الجسد الميت؟..(ص22). يؤكد صخب المشهد الموصوف سالفاً أن جلجامش قد خارت قواه فأخلد إلى السكينة والصمت لحظة دخول أمه عليه حتى تكلمه فيطلب منها الصمت: جلجامش: الصمت يا ربة الحكمة يا أماه.. قد يستيقظ الموت فيحصد بعض الأبرياء.. أماه.... دعيني في بحر الصمت.(19). ولكنه يعود ليصرخ ويتحدى ويجدف معلنا: (سأشيد عالماً من الخلود والضياء.... سأقهرك يا طائر الموت هذا. ص..21). ومن ثم يخلد إلى النوم والأحلام لتبدأ الحكاية من أولها. حكاية تعرف جلجامش على أنكيدو. وحيث يبدأ غسيل الدماغ وتتوالى الأحداث الدرامية والسردية في أسلوب متعاقب. يمكن القول: إن مشهد نوم جلجامش السابق يشبه استعارة تقنية (الفلاش باك)، لضرورة السرد الملحمي والحكائي من جهة، وإظهار قساوة الفاجعة بأخ بطل وصديق صادق. ورغم أن جلجامش قد نسي ـ مؤقتاً ـ حادثة موت أنكيدو وتفجعه عليه فإن "وليد فاضل" يترك لنا أثراً من آثار تلك الفاجعة ليجعلنا على اتصال دائم بالمشهد الافتتاحي كتفجع وخسارة، ودليلاً على مصير كارثي في النهاية. ننسون: جلجامش هل أنت...؟! جلجامش: في أتم صحة.. لكنني حلمت أحلاماً مزعجة.. موت صديق عزيز.. مع أنني وحيد في هذا الكوكب.(ص29). ثم يتساءل: (مالي ممزق الثياب)؟؟!!. (ص29). وهذا دليل على صخب المشهد الافتتاحي وتوتره العالي جداً، وإلا لما مزق ثيابه، ولهذا أيضاً لابد ـ حين الإخراج ـ من الانتباه إلى مسائل هامة من هذا النوع لضمان استمرار الجو النفسي العام للتداعيات اللغوية والحركية، بما يخدم تنامي الشخصية المأساوي وتنامي الحدث حتى وإن كان السرد الدرامي والملحمي يطلعنا على كيفية تعرف جلجامش بأنكيدو، لأن هذا السرد ينطلق في المسرحية من وضع جلجامش الخاسر والمهزوم أمام حقيقة الموت، ما يعني في المآل الأخير موته هو!!!. ولهذا لابد من التأكيد دائماً على حقيقة مظهر جلجامش الخارجي وتناميه الداخلي مع تطور الأحداث والسرد الدرامي، حتى وإن بدا ذلك في ملابس ملكية حرصاً على انسجام الشخصية التي تتذكر. بل لنقل: تعيش حلماً ماضياً متألقاً حتى لحظة الانكشاف النهائية التي ستندغم في المشهد الأول المبني على حقيقة موت أنكيدو!!. يلاحظ في مشهد يجمع بين جلجامش وأمه في (ص 28 ـ 29) تناص مع مشهد (هاملت) الخاص بحالة الجنون والهذيان. إذ كلاهما (جلجامش وهاملت) يبحثان عن الحقيقة رغم اختلاف حقيقتيهما ووسائلهما وأهدافهما!!. يتعارف جلجامش وأنكيدو. ويغدوان شخصاً واحداً. لكن أنكيدو يموت قتلاً، فيشكل ذلك عوداً على بدء للندب والاحتجاج: جلجامش: كيف تحول العرس لمأتم؟!. كيف زف العريس لملاك الموت؟..(ص 102). فتشك الأم بعقل ولدها. لكن طبيب القصر يعلن أن سبب تشوش عقل جلجامش نابع من أن أنكيدو هو سبب خلاف جلجامش مع الآلهة، ولابد من قرابين. لكن جلجامش يرى عكس رأي الطبيب الكاهن. لابد من تصفية الحساب مع الآلهة.. أما سبب الخلاف فهو الجزء الإنساني من جلجامش. إنه الجزء الفاني. إنه بشريته، إنسانيته!!. وبذلك يخلد جلجامش معركته مع الآلهة واعياً حقيقة فنائه، ليقوم بينه وبينها صراع تدعمه إرادة حرة لجلجامش الذي يمد بصره نحو السلطة!!. جلجامش: أنت تغار من قوتي يا (آنو). ص. آنو: لا أغار. لكنني غاضب. سلطانك السياسي يشمل الفرات ولبنان. تلك مأساة. (ص100). الآن أرز لبنان، وفي المستقبل جزر بلاد الضباب، وبعد ذلك يتحد الإنسان ويتجاوز أقطار السماء. أين هي إذن مملكة الأرباب؟!. (ص 106 ـ 107) في المشهد السادس (ص 113) عود إلى لحظة المشهد الافتتاحي، لكن بنبرة مليئة بالخبث والدهاء والحكمة، والإصرار على تخليد الأخ العظيم، وعلى تحدي القدر وطلب المعرفة والخلود عنوة!!. جلجامش: قد لا نستطيع قهر الموت، لكن سنحتال عليه. (114). ولعلنا لم ننس صنيع (فينيق)، في مسرحية (أوروبة أميرة صور) حين احتال على زيوس وقوته بدعوة الكنعانيين إلى ركوب البحر، وتأسيس ممالك وحضارات على طول الشواطئ التي ينزلون بها، لمحاصرة (زيوس) في بحيرة كنعانية. إنه حصار معرفي حضاري يخلد الإنسان، مدعوم بتفاؤل عظيم هنا من قبل لجلجامش!!!. جلجامش: أشهر قليلة وأعرف سر الموت والحياة، وسأنتقم لموتك يا نور الفؤاد. شهور قليلة.. وأعرف سر الخلود.(ص116) ... سأنزع الفساد من الطين وأنجب نسلاً كضوء الشمس لا يعرف الفناء والتفسخ والزوال. (ص117) المسرحيات الذهنية ـ نماذج أخرى: إننا إذا ما تأملنا البنيات الفنية لبعض تلك المسرحيات سوف نكتشف أن اللغة فيها لا تحيل على فعل درامي، بل تبقى مجرد رموز وإشارات وكنايات مستقل بعضها عن بعض. ولهذا سنلجأ إلى ترتيب نموذج تخطيطي لمسرحية (العشاء المقدس) كدليل على أن المشاهد لا تنبع ولا تتناسل من بعضها بعضاً وفق منطق الدراما التطورية، إلا إذا أسقطنا عليها أبعاداً رمزية بأسلوب متمحل متكلف. يبدأ نص مسرحية (العشاء المقدس) على النحو التالي: 1 ـ طائرة ركاب تعبر فوق جبال (هيميلايا) = انعزال عن العالم، وتمهيد لظهور مصادفة. 2 ـ تتعطل الطائرة وتسقط فوق شلال جليدي في الجبال = انعزال كلي عن العالم = مصادفة. 3 ـ ينغلق الشلال الجليدي = إشعار بالعقدة وقرب النهاية وانكشاف الحقيقة. 4 ـ يجوع الركاب، فيقتل القوي منهم الضعيف = الأوروبي يقتل الآسيوي ويلتهمه = الأمثولة الافتراضية المسبقة !!. إن الجزء الأكبر والرئيس من الأحداث يتم داخل الكهف الجليدي المغلق، والذي بات يشكل قبراً جماعياً. غير أن المشهد داخل الطائرة لا يتضمن أية معلومات عن مشكلة ما بين الشخصيات. وما يقدمه المشهد ليس سوى معلومات عامة عن الشخصيات: (أسماؤها ـ جنسياتها ـ أعمالها ـ أديانها ـ اهتماماتها..الخ). ولهذا لا يبدو أن المشهد سوف ينتج مشهداً آخر مترتباً عليه، ونابعاً منه وفق منطق الضرورة الدرامية. ولأن وليد فاضل يفكر منذ زمن بعيد ـ وعن إيمان راسخ ـ بأن أوروبة تبتلع آسيا، فإن تأكيد هذه الفكرة يحتاج إلى مصادفة باهظة تجلت بمرور الطائرة فوق جبال (هيميلايا) وتعطل محركاتها. ثم يبالغ "وليد فاضل" كثيراً في مصادفته فيجعل شخصياته أسيرة بئر الثلج إمعاناً في اللامعقولية!!. إن "وليد فاضل" يتقصد ما يصنعه بهدف زج شخصياته في مصيدة لا مفر منها ليكشف عن طبائعها عبر اللغة فحسب، وليس عبر الصراع. ولكي يوفر لمتلقيه إمكانية الإيهام بحقيقة ما يجري فإنه يستلهم فيما بعد تقنية المسرح داخل المسرح، ويفسح المجال للتشخيص حيث تتحول ماري الآسيوية إلى ساقية بار ومحظية. ويتحول جان صاحب البارات الباريسية إلى جان الزبون ليدلل "وليد فاضل" على ثنائية ضدية كسمة من سمات جان الدفينة، إشارة إلى نرجسيته وساديته في آن واحد!!. أما مسرحية (حلم في محطة قطار) فتتبنى الأسلوب السالف نفسه من حيث البناء الفني على النحو التالي: 1 ـ محطة قطار.. المسافرون فيها نيام = توقف الحياة الإنسانية!!. 2 ـ القطار معطل = توقف الحركة والزمن === مصادفة!!. 3 ـ يلتقي مسافرون مع بعضهم بعضاً (مصادفة)، بينهم (الغريب ـ المسافر ـ العاشقان الهاربان). 4 ـ يتبادلون حواراً غير متماسك أو منسجم، خاصة أسئلة الغريب عن بعض الكلمات المتقاطعة وتأويله لمعانيها وفق تخطيط مسبق. ومع أنهم غرباء جميعاً فإن الغريب وحده يحمل هذه السمة من دون الآخرين، ودون مقدمات أو إشارات تمهيدية. ونحن كمتلقين لا ندري ـ حقيقة ـ على من سوف نركز اهتمامنا، وما هي المشكلة التي يجب أن نصغي إليها، وأن نتعاطف معها!!. 5 ـ بالمصادفة ـ و فجأة ـ يظهر رجل الجستابو، ويبدو الغريب (كمسيح) منتظر!!. ويطور "وليد فاضل" مصادفاته حيث يؤمن بالغريب أناس يتعرفون عليه بإشارات طقوسية سرية. وعلى أساس ذلك يتم بناء المصادفة ـ المفاجأة ـ الغرائبية حيث يقطع رأس الضابط بدل رأس الغريب. إن المخططين الموصوفين سالفاً لا يقومان على حبكة مسرحية لأنه لا توجد حكاية لها بداية ونهاية. وسبب حكمنا هذا ناجم من أن "وليد فاضل" يكتب نصاً وفق الشكل التقليدي ولا يلتزم بقوانينه. ومع ذلك يتمكن من إنجاز نص مسرحي بنيته الرئيسة هي لغته الخاصة القائمة على التوريات منذ البداية، وعلى بعض من الإشارات التي تسمح بالتأويل، أو الإسقاط، وعلى المفارقة الساخرة والجادة ـ في آن معاً ـ وخلطه لمستويات من اللغة والأفكار والموضوعات الصغيرة. ففي حين يتم إيهامنا بأننا في محطة قطار أوروبية مميزة بعلامات منسجمة معاً ـ خاصة أجواءها ـ نفاجأ مباشرة بحديث عن العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ. أو بحديث حول شخص خارج من حمام السوق السوري، وبالتحديد من حمص مدينة المؤلف، وهو ينتعل في قدميه قبقاباً خشبياً!!. الأمر الذي لا ينسجم مع طبيعة الشخصيات المقترحة. ولعل خلط الأزمنة والبيئات المختلفة المتناقضة والثقافات والمرجعيات الأخرى هو دأب وليد فاضل على الدوام في مسرحه الافتراضي الذهني. وربما كان ذلك امتثالاً لإيمانه العميق بوحدة الوجود الإنساني، وذوبان الهويات المخصوصة. ولذلك فإن شخصياته ـ هنا ـ وفي هذه النصوص هشة ولا تصمد أمام مصداقية وجودها الحقيقي منذ بداية المسرحية. تهميش الدراما ـ تعزيز السرد!!. يعزز "وليد فاضل" سرديته الفنية في مسرحية (الخفاش) بصورة ناصعة. على أنه لا بد من الإشارة إلى أن ما نعنيه بالسرد هنا هو بناء النص بناء تعاقبياً باستخدام حوادث ذات طبيعية إخبارية إشارية وقريبة من الرمزية نوعاً ما مع ميل عام إلى التعبيرية كما هو دأب "وليد فاضل". وهذا يعني بشكل آخر أن ما نعنيه بالحوادث هو نقيض الأحداث المنتجة للدراما والقائمة على صراع إرادات حرة واعية، ما يعني أن كل ما هو تال ناتج عن الأول ولا يمكن إلا أن يكون كذلك. غير أن نص (الخفاش) يقوم ـ كغيره من نصوص وليد فاضل ـ على التراكم الكمي لمجموعة حوادث ليس بالضرورة أن تكون متصلة مع بعضها بعضاً وفق منطق درامي. بل يكفي ـ هنا ـ أن تكون متعلقة بشخص واحد سماته المميزة عامة على الدوام، بحيث تنطبق هذه السمات على كل من يشبهه، الأمر الذي يحول الشخص إلى نمط عام، أي إنه يغدو فكرة مرمزة، ولهذا فإن الاقتراحات التي يقدمها المؤلف قابلة للحذف والاستبدال بما يحقق طرح وتعزيز فكرة أخرى دون أن يتضرر النص جملة وتفصيلا، وهذا بطبيعة الحال يجعل النص مفتوحاً على اقتراحات كثيرة تنسجم مع الزمن الراهن. على أن مثل هذا الإجراء ليس في صالح أي نص على هذه الشاكلة. ولهذا فإن نص (الخفاش) يبدو هشاً من هذه الناحية. يفترض نص (الخفاش) نموذج شخص رأسمالي لا يبالي بالأعراف الإنسانية، ولهذا فهو في عرف النص حيوان متنكر في صورة إنسان!!. وعلى هذا فإن ما يجري الآن أمامنا من تحول من الإنسانية إلى الحيوانية هو إشارة إلى الأصول كي تنسجم الأفكار المجردة ـ الرمزية مع الشكل المقترح للتحولات الحيوانية. إن السيد (هاء) صاحب المؤسسة الرأسمالية الاحتكارية العالمية الضخمة يشكل حقيقة المركز الذي يجب أن نتابعه منذ البداية وحتى النهاية عبر تحولاته بغض النظر عن نوع الحيوانات التي يتحول إليها. لكن الهام هنا هو أن "وليد فاضل" ينتقي حيوانات ذوات دلالات متعارف عليها اجتماعياً وتاريخياً مثل (التيس وقواه الجنسية ـ الثور وقواه البدنية ـ الخنزير وقذارته ـ الخفاش الليلي الأعمى..) دون إغفال الرموز الأخرى لحيوانات (القرد ـ التمساح ـ الذئب ـ الثعلب ـ الجرذ..)، وأخيراً (العجل الذهبي) كإشارة إلى الجشع اليهودي تجاه كنز المال من جهة، وإلى تحول هذا العجل إلى (إله مقدس). لا يشير النص إلى أي تقطيع مشهدي. ولذا لا نجد ترقيماً للمشاهد. بل إن النص يتواصل مع بعضه بعضاً من خلال ظهور أشخاص جدد، وأحياناً من خلال تغيير الأزمنة عبر تعديلات الإضاءة، حيث تجري كل حوادث التحولات في منزل السيد (هاء) وتحديداً في الصالة الكبيرة المعدة للاستقبالات المتنوعة. غير أننا رغم ذلك كله نستطيع ببساطة أن نقوم بتقطيع النص إلى مشاهد وفقاً لما وصفناه سالفا. ولهذا فإن المشهد الأول سيكون بمثابة المشهد الافتتاحي حيث نقف فيه على معلومات صريحة حول غياب السيد (هاء) عن مؤسسته أسبوعاً كاملاً وعلى غير عادة!!. ولهذا حضر موظفان مقربان مع البريد لمعرفة سبب الغياب. وهنا نطلع على مفاجآت تبدأ بالرائحة النتنة التي هي رائحة عرق السيد، إلى استشعار حدوث موت أو جريمة قتل حتى ظهور السيد معترفاً بأنه قد نبت لـه قائمتا تيس وهو الآن يعيش تجربة التحولات المدهشة. ومنذ هذه اللحظة لا يجري شيء سوى حدوث التحولات الحيوانية دون أية آلام !!. إن جملة الرموز التي تم اختيارها من قبل "وليد فاضل" تسعى إلى التأكيد على الجوانب الغريزية المدمرة للإنسانية، خاصة ما يتعلق بجشع رأس المال الاحتكاري العالمين وعمله الدائم على قهر الشعوب الفقيرة ونهب خيراتها. يبدو أن ما يبرر تلك الأحوال من التحولات هو ـ وكما قدمنا سالفاً ـ أن السيد (هاء) ليست لديه مشكلة تجاه ما يحصل لـه، لأنه يهدف إلى استقطاب عرابي رأس المال العالمي كي يقبلوه عضواً في ناديهم؛ نادي الوردة الزرقاء. ولعل في هذا إشارة إلى (الماسونية) باعتبارها منظمة سرية تسيطر على العالم باقتدار، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن نزوعه الاستحواذي على المال ومقدرات الشعوب وعلى أن يصبح عضواً في نادي أكلة لحوم البشر هو ما يشغل باله على الدوام. ولسوف يتم تعليل ذلك وتلك التحولات استناداً إلى حصول السيد (هاء) على ثلاث صفقات درت عليه ربح ربع مليون دولار جاءته من فول الصويا لأفريقيا الوسطى، وصفقة أسلحة لتشيلي، وتسريب اليورانيوم إلى جنوب أفريقية!!. ما يلاحظ هنا، وفي النصوص الموصوفة بالتجريدية الذهنية أنه لا شيء يتناسل من شيء بالضرورة. ومع ذلك فإن النص يشدنا إليه بسبب السرد الحيوي والحوار السريع والسخرية والمفارقة والتأكيد على الغرائبية واللامعقولية. لكن اللغة هنا في (الخفاش) لا تقوم مقام الفعل الدرامي، ولكن الذي يقوم بذلك ـ ومنذ البداية ـ هو التحول الأول مقترناً بالرضا والقبول من السيد (هاء) وزوجته والخادمة التي لم تتحول والموظفين والمديرين الذين يعملون في مؤسسة السيد (هاء) !!. إن الطرافة التي تتبدى في التحولات واستقبالها بكل سرور ونفاق، واللغة اللطيفة المشحونة بدلالات جنسية غير خادشة للحياء، ومصداقية المرجعيات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية قد ساهمت جميعاً في توفير نص يبدو منسجماً ومتماسكاً على صعيد الشكل والمضمون رغم عموميته. ولعل ذلك ما يقود إلى القول: إن "وليد فاضل" ينجز دراماه الخاصة به وحده وبما ينسجم مع تقاليد مسرح اللامعقول من جهة، ومع المسرح التعبيري من جهة ثانية. الأمر الذي يسمح لنا بالادعاء أن "وليد فاضل" كاتب مسرحي طليعيي من جهة ثالثة!!!. ولهذا ليس بالضرورة أن تترتب نهاياته على افتتاحياته المسرحية كما هو مألوف عادة !!!. الهوامش: 1 ـ موسوعة المصطلح النقدي: مجلد 3 ص 314. 2 ـ نفسه: ص 314. 3 ـ نفسه: ص334. 4 ـ نفسه: ص 301. 5 ـ نفسه: ص 350. 6 ـ فن المسرحية: ص 399. 7 ـ نفسه: ص 399. 8 ـ = نفسه: ص 412. 9 ـ = ص 408. 10 ـ التراجيديا الشكسبيرية: ج1 ص 53. 11 ـ = : ص 54. 12 ـ فن المسرحية: ص 409. 13 ـ = ص 410. 14 ـ موسوعة المصطلح النقدي ج 1 .. ص 53. 15 ـ = : ص 344. المراجع: 1 ـ موسوعة المصطلح النقدي: المجلد الثالث. ترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة ـ ط1 المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 1983. 2 ـ فن المسرحية: فرد ب ميليت + جيرالد إيدس بنتلي ـ ترجمة صدقي حطاب ـ مراجعة الدكتور محمود السمرة. دار الثقافة ـ بيروت ـ بالتعاون مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر ـ 1960. 3 ـ التراجيدية الشكيبيرية: أ.س. براد لي ـ ج1 ـ ترجمة حنا إلياس ـ مراجعة الدكتورة سهير القلماوي ـ وزار الثقافة والإرشاد القومي ـ المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر ـ بلا تاريخ. المصادر: أعمال وليد فاضل المسرحية: 1 ـ جلجامش: وزارة الثقافة ـ دمشق 1981. 2 ـ حلم في محطة قطار: وزارة الثقافة ـ دمشق 1981. 3 ـ العشاء المقدس: وزارة الثقافة ـ دمشق 1981. 4 ـ إيفا: وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1983. 5 ـ السيمفونية الهادئة: وزارة الثقافة ـ دمشق 1985. 6 ـ أوروبة أميرة صور: وزارة الثقافة ـ دمشق 1986. 7 ـ لميس والقطط: وزارة الثقافة ـ دمشق 1986. 8 ـ الخفاش: وزارة الثقافة ـ دمشق 1992. 9 ـ أليسار في صور: وزارة الثقافة ـ دمشق 1994. 10 ـ زنوبيا: اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1995. 11 ـ الحسين: بيروت ـ دار الغدير 1998. 12 ـ أدونيس: اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2001. 13 ـ رجل وامرأة في حوض سمك: اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2004. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |