|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:24 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مـــقـدمــة تميّز مسرح كاسونا (بالفانتازيا) الشاعرية الساحرة، واغترابه عن عالم الواقع جزئياً. لكنّ فيه مسرحيات واقعية متميزة أيضاً. ومنها هذه المسرحية، التي يمكن تلخيصها على النحو التالي: "والد بابلو سلْدانيا كان نبيلاً ثرياً ومثقّفاً وصيّاداً لا يجارى. وكان يحب زوجته حباً جماً. رزقا ولداً واحداً هو بابلو. ذات يوم فرّت الزوجة من بيتها مع عشيقها، فأصيب الرجل بإحباط كبير، وأقسم على أن يربي ابنه بتماس مباشر مع الطبيعة، مبتعداً بذلك عن عالم الحضارة المليء بالمخازي وعن الحب الممزوج بالخداع. بعد عشرين عاماً يتوفي الأب، ويعود الابن إلى حمى العمتين ماتيلدا وأنخلينا اللتين انشغلتا بإعادة دمج هذا الطفل -الرجل بالمجتمع بتعليمه القراءة والكتابة، وبمقاومة محاولة خاله رولدان مدير أعمال البيت وابنه المحامي خوليو، سرقة ثروة الشاب الهائلة. وبعد إخفاق أربعة معلمين في ترويضه، استدعت العمتان الدكتورة مرغريتا لوخان المعلّمة الشابة الجميلة، التي استطاعت بلطفها وعطفها إقناعه بضرورة تعلم القراءة والكتابة. وتنشأ علاقة حب بينهما حاول خوليو إجهاضها بإرغام مارغا على الإعتراف لبابلو بعلاقتها السابقة معه مستغلاً وحدتها وفقرها أثناء الدراسة الجامعية، أو يتولّى هو نفسه أمر إبلاغه. تعترف مارغا لبابلو بسر تلك العلاقة، فيُصعق لهذا النبأ، ويثور ويستشاط غضباً، لكن، حين وقعت مارغا مغشياً عليها، أخذ، وقد ظنها ميتة، يتفجرّ بجمل تفيض بالحب والعاطفة والاعتذار. وهناك تنبثق حول مارغا وبابلو الكلمة الثالثة ممثّلة بالحب، إلى جانب القوتين الأخريين اللامنظورتين: الله والموت". موضوع هذه المسرحية الجميلة بسيط. لكنه أثار منذ عرضها الأول جدلاً حول مغزاها وسوابقها. ونورد هنا رسالة شخصية من المؤلف رداً على أحد المعلقين الذي كتب أنه لم يدرك مقصدها: "ذكر المعلّقون بيجماليون مستفيدين من هذا التواقف السعيد بوجود معلمة في المسرحية وتلميذ أكبر منها. وبعضهم أوحى على حياء باسم إميل. (وقد ذكر روسوفي المسرحية) وبعضهم كان أجرأ فتذكر كانديد لفولتير، ليبيّنوا مرة واحدة أنهم لم يفهموا شيئاً من المسرحية، وأنهم لم يقرؤوا كانديد. فبطلي هبط من الجبل دون أن يكون قرأ كتاباً واحداً، بينما نشأ كانديد نشأة كاملة متحذلقة بين أحضان كتب الدكتور بنغالوس. كان غرض فولتير مناهضة مفهوم ليبنيتز الفلسفي المتفائل. ولم ير أحد سوابق بطلي الإسبانية، فلم يتنبّهوا إلى الفيلسوف المتعلّم ذاتياً لمواطننا العربي الغرناطي ابن الطفيل. ولا إلى ابنه المباشر "أندرينيو" الذي يحتل الفصول الأولى من الـ"كريتيكون" لفراثيان(1) ولا تجسّده الدرامي الأسمى في الفصل الأول من مسرحية "الحياة حلم"(2)وقد ذكرت عمداً في المسرحية أيضاً وبالإشارة إلى العنوان فاته لم يلحظ أحد أيضاً أن الكلمات الثلاث الكبرى: الله والموت والحب، تلتقي ليس لفظياً وإنما يُعبر عنها بحضور درامي، لحظة الختام حول المقعد الذي ترقد فيه مارغا مغشيّاً عليها. لا يهمّني أن يُبحث لأبطالي عن سوابق مألوفة -وقد ذكرتها بوضوح شديد وعن رضا- لكن، ما لا أغفره هو أن يخطئ المعلّق هذا الخطأ البيّن بعنوان منزله، ومدينته... بل وبلده" لكن الناقد الإسباني فدريكو كارلوس روبليس يلحّ على الصلة القائمة بين بطل المسرحية بابلو وبين أندرينيو لفراثيان: فأندرينيو هو رجل الطبيعة. وحين علمه أستاذه كريتيلو اللغة، تذكر أنه استيقظ ذات يوم فوجد نفسه في قاع كهف مظلم بين الضواري. وقد قامت إحداها بإرضاعه لبنها؛ ثم تغذى بعد ذلك على الثمار وبقايا الطعام الذي كانت تجلبه لجرائها. نشأ أندرينيو دون وعي. وحين أضاء جوانبه نور العقل علم كم هو مختلف عنها؛ وازدحمت الأسئلة في ذهنه: من أنا؟ ومن أوجدني؟ ولماذا؟ وذات يوم تشقّقت جدران الكهف بفعل زلزال أرضي، واستطاع أندرينيو أن يهرب من بين بعض الشقوق. وحين رأى نور الشمس مُلِئَ دهشة... وكل ما كان يكتشفه كان يغمره بالنشوة. واستيقظ في نفسه الإحساس بنظام الطبيعة المنسجم وضرورة وجود الخالق. لكنه حين يصل ومعلمه إلى بعض المرافئ، اصطدما بالعالم المتحضّر وانتابهما الشك: أين يجدان السعادة، في المجتمع؟ أم في العزلة؟ وأسمح لنفسي أن أخالف السيد الناقد في نظرته. نعم توجد بعض التشابه بين بطلي العملين. لكن الفروق بينهما واضحة جلية. فأندرينيو نشأ في عزلة تامة عن المجتمع والحياة البشرية. إذ نشأ في كهف وبين الوحوش دون معرفة باللغة. أما بابلو، فقد نشأ بعيداً عن الحضارة، وليس في عزلة تامة عن المجتمع، وإنما في حلقة ضيّقة منه. لأنه قضى السنوات الأربع الأولى ضمن أسرة. وبعد ذلك بصحبة أبيه في الجبل. وكان يعرف اللغة. وهي معطى اجتماعي، والمفتاح الأهم لكل تقدّم. وعلمه أبوه كثيراً من المهارات كالصيد وركوب الحصان، وكان يعرف أسماء الأشياء والحيوانات والنجوم؛ فلم تساوره دهشة إزاءها؛ ولم يتعيّن عليه أن يعيد اكتشافها، فقد كان مغموراً بها من كل جانب وبإفراط وفوق ذلك، نقل إليه أبوه إرثاً اجتماعياً ثقيلاً هو علاقة الرجل بالمرأة من جانبها السلبي. وأهم من ذلك كله، ما سكت عنه هذا الأب. وما كان ينقص بابلو سوى شيء من الصقل والتهذيب والتعليم حتى يدخل دائرة الحياة الاجتماعية. أمثال هذا الإنسان (المعزول) يعثر عليه في كل آن، في رؤوس الجبال، وفي جوف الصحارى، وقصة علي بن الجهم ليست بعيدة عن هذا الإطار. فالأساس الافتراضي لكاسونا يختلف عن الافتراضات الأخرى. كان هدف مؤلفي حي بن يقظان، وأندرينيو إثارة تساؤلات فلسفية عقلية منطقية وصولاً إلى أن وراء هذه الصنعة المتعددة، صانعاً واحداً خالقاً حسب المفهوم الإسلامي أو محركاً أول حسب المفهوم الأرسطي. كاسونا لم يثر أي تساؤل من هذا النوع. أدرك بابلو وهو في الغابة معنى الموت و"لمس" وجود الله بتجربة ذاتية بسيطة، أو بنوع من الحدس أقرب ما يكون إلى التجربة الصوفية. وهذه سمة من سمات التصوف الإسباني عموماً والتصوف الإسلامي في مراحله المبكرة قبل أن يتحول إلى نظام معرفي. فالأساس المعرفي عند كاسونا يختلف عن سابقيه. أما القوة الأخرى من القوى الثلاث المتعالية في الحياة، وهي الحب، فلم يستطع بابلو إدراك معناها في الغابة، وإن كان يلمح ظلالها البعيدة ورموزها الوحشيّة الغريزية وقت هياج الحيوانات في الربيع. أما الحب كعلاقة تتجاوز الانفعال إلى العاطفة، والغريزة وإلى ما هو إنساني، تتطلّب طرفاً آخر لا يتوفر إلا في وسط اجتماعي مهما كان صغيراً أو مهما كان حظه من التحضرّ. فانهزام الحب، أو الحب المهزوم، الذي دفع بوالد بابلو إلى الفرار بابنه إلى أحضان العزلة في الجبل والغابة، ليس مبرّراً لإدارة ظهرنا إلى الآخرينن فهناك وجه آخر للحب يقوم على الأريحية والعطاء، وهو جدير بأن نبحث عنه، وسنعثر عليه ولو تلطخ ببعض غبار الأرض. كاسونا إذن، يرد بطله إلى المجتمع. ففي المجتمع تكتمل حقيقة وجوده؛ وتنتظم دائرة مقوّمات مسرح كاسونا القائمة على الترابط بين الأبطال الثلاثة: الله والموت والحب. لأن الإنسان -كما يقول الناقد ف.ك. روبليس- "ما دام يحيا بالحب ومن أجل الحب ينسى الموت مراكماً أسباب الخلود واستحقاقاته. وبالحب وبالموت يقترب من الله... وكاسونا كإسباني فذّ يعلم أن الدوافع الملحّة على تفكير الإسبان الكبار في كل عصر كانت وسواس الخضوع للحب وللموت وفاء بالعهد مع الله" هناك وجه آخر تمتاز به هذه المسرحية، هو هذا الفيض من الرحمة والشفقة، ولم يكن اختيار كاسونا لتعليم البطل امرأة عبثاً. فقد أخفق المعلمون السابقون الذكور في تعليمه. لكن هذه المعلمة الساحرة آثرت البقاء شفقة عليه وعلى لهفة العمتين وقلقهما المشروع. واستطاعت النهوض بهذه المهمة بكفاءة. شفقتها هي نقيض قسوة الأم. وشفقته هو عليها حين أصيبت بالإغماء نقيض فظاظة الأب وخشونته. كاسونا كاتب متفائل دائماً؛ والخير عنده، كما هو الحال عند كتّاب الدراما الإغريق، ينتصر دائماً، لكنه، في المقابل، ليس خيراً مطلقاً، ولا خالصاً من الشوائب، وإنما يعلق به كثير من نواحي الضعف البشري، ويكون الخيار بينه وبين شر مستطير. "وبعض الشر أهون من بعض؟" تبقى كلمة أخيرة، كاسونا في هذه المسرحية وفي غيرها لا ينسى لحظة واحدة أنه يكتب "للمسرح" وقد قيل عن مسرحه: "لا شيء فيه يفيض عن الحاجة ولا شيء ينقص عنها؟ فكل شيء، مهما بدا بسيطاً، يوظف بدقة. وخيط الحوار الجميل الرشيق لا ينقطع أبداً. والفكاهة الجميلة والطرفة الحلوة تنتثر هنا وهناك. تبدأ المسرحية بكلمة وتنتهي بكلمة، وهي الكلمة الثالثة: الحب. (1) -(1601-1658) كاتب إسباني. ولد في بيلمو نتيه (سرقسطة). وانضم إلى جمعية الأخوة اليسوعيين. واحد من أعظم كتاب العصر الذهبي الإسباني. لمح بوضوح انحطاط الإمبريالية الإسبانية خلقياً ومادياً. سادت أعماله نظرة متشائمة للناس والحياة أثرت في شوبنهور بعدئذ. مات منفياً بعد أن تعرض لعقوبات صارمة لنشره كتابه "الكريتيكون" في 3 أجزاء دون إذن رؤسائه، "المترجم" (2) -رائعة كالديرون باركا (1600-1681) باسيليو ملك بولندة يلقي بابنه باكراً في سجن خشية تحقق نبوءة تقول إنه سيغتصبه العرش. صلته بالعالم الخارجي اقتصرت على خادم بعد سنين جيء بالفتى مخدراً إلى البلاط وراح يتصرف خبط عشواء. رُد إلى السجن مرة أخرى. لكن الشعب يعلم بالأمر فيثور ويطلق الأسير ويعزل الملك، وينصب ابنه مكانه. وإذ تذكر هذا مرارة السجن ومعاناته فيه يعفو عن والده. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |