الــفـصل
الأول
خارج
وأمام بيت ريفيّ قديم ذي خلفيّة من الجبال التي تطل
على سطح من قرميد. منضدة متينة عليها كتب، وسلة فيها
شغل. بعض المقاعد البسيطة. ربما عريش كرمة، أو
غليسين أو شجرة جوز. حديقة صغيرة مغروسة بالأزهار،
لكن، دون أن ننسى أننا أمام بيت معيشة وليس بيتاً
للاصطياف. إلى اليسار سور حجري فوقه شوك أو أغصان،
فيه باب حديدي يطل على الطريق. وهو بالتأكيد ليس
طريقاً عاماً للعربات. إلى اليمين. يستطيل البيت
ويضيع في جسم أعلى له مخرج مفتوح على الوادي والنهر.
صباح يوم مشمس المسرح خالٍ يُسمع صوت العمة ماتيلده
التي تخرج منادية. العمة ماتيلده وكذلك العمة
أنخلينا اللتان سنعرفهما فوراًن فيهما من
الفانتازيا) أكثر مما فيهما من العقل. هما امرأتان
ذودتا من الوحدة والعزوبة.
طريقة
لبسهما التي لا تتبدّل أبداً، ربما جعلتهما تبدوان
من ظراز "عتيق" قليلاً أكثر مما هي في الواقع،
لأننا إذا نحينا المجاملة، لا ينبغي لنا أن نفرض
لهما غير أربعين عاماً ونيّف، ماتيلده، وهي أكثر
تسلّطا، تميل إلى الخطابة. أما أنخلينا، وهي أكثر
حذراً، فتميل إلى الموسيقى، نموذجان محببّان لهما
مظهر مروحة وبياض ألبوم عائلي. لكنّ المؤلف الذي
يشعر نحوهما بعطف محتوم، يَحْظر حظراً تاماً أن
تتحوّلا إلى نموذجين مضحكين. أما إوسوبيو فهو لا
يزعم إلا أن يكون عاملاً رصيناً في حديقة مسرح.
العمل ليس له وقت ولا مكان محدّدان. لكنّ مخرجاً
ذكياً سيضعه بالتأكيد في محيط أشبه ما يكون بشمالي
إسبانيا وفي زمن أقرب ما يكون إلى البسمة والسلام.
اليسار
واليمين هما يسار المشاهد ويمينه
ماتيلده
وإوسوبيو
ماتيلده
: إوسوبيو!... إوسوبيو
إوسوبيو
:حاضر، حاضر، يا سيدتي يدخل حاملاً أغصاناً من
اللوز المزهر. رأسه حاسر ومعصوب بمنديل).
ماتيلده
: لكن، ألا تزال هنا؟ القطار سيصل بين لحظة وأخرى.
إوسوبيو
: لدينا فائض من الوقت.
ماتيلده
: فائض؟ ساعة غرفة الطعام تشير إلى العاشرة وعشرين
دقيقة.
إوسوبيو
: لكنّ ساعتي تشير إلى العاشرة إلا خمس دقائق. إذن
الساعة هي العاشرة والربع تماماً.
ماتيلده
: أيبدو لك وقتاً فائضاً العاشرة والربع، لتدرك
قطار العاشرة واثنين وعشرين؟
إوسوبيو
: على رسلك قطار العاشرة وخمس وعشرين لا يصل أبداً
حتى الواحدة إلا خمساً وعشرين دقيقة.
ماتيلده
: وماذا لو خطر له أن وصل اليوم بالذات في الوقت
المحدّد؟
إوسوبيو
: لا خطر في ذلك. طوال حياتي لا أذكر حالة واحدة من
الدقة لهذا القطار. ثلاثون عاماً وهو يصل كل يوم
متأخرّاً المدّة نفسها.
ماتيلده
: على كل حال، ليس لدينا وقت نضيعه. هل أعددت
العربة؟
إوسوبيو
: هي في الباب.
ماتيلده
: وهذه الزهور البيض؟ أنا طلبت منك أغصاناً خضراً.
إوسوبيو
: حقاً، السيّدة طلبت أغصاناً وخضراً، والأنسة قالت
زهور أو بيضاً.
ماتيلده
: هذه المرّة، سماح. لكن، لا تنسى أنّى أنا الآمرة
الناهية في هذا البيت، وأنا فقط.
ينسّىَ
أغصان اللوز في مزهريّة(1) من
الفخار قرب النافذة)
إوسوبيو
: أفضّل أن أعيش بسلام مع الاثنتين مادام ذلك
ممكناً.
ماتيلده
: أسلوب رديء يا إوسوبيو. من يذهبْ باتجاه اليمين،
يقذفه بالحجارة أصحاب الشمال؛ ومن يتّجه صوب
اليسار يقذفه بالحجارة أصحاب اليمين. ومن يقف في
الوسط يُرجم من الجهتين معاً.
إوسوبيو
: هذا ما كان يقوله السيد، هذه مأساة عصرنا.
ماتيلده
: على ذكر الحجارة، لماذا تعصب رأسك؟
إوسوبيو
: ينزع المنديل) أمر بسيط. إنها الأنسة أنخلينا.
ماتيلده
: عجباً! أرمتك أختي بحجر؟
إوسوبيو
: بل أسقطت أصيصاً فوق رأسي من الشرفة.
ماتيلده
: يا لها من طفلة!. كانت المسكينة عصبيّة دائماً إلى
حدٍ ما. لكنها بوصول هذه الآنسة صارت لا تطاق.
إوسوبيو
: لو كنتُ مكانك لما تركتها وحيدة في يوم كهذا اليوم.
أوّلاً: تركت ماء الحمّام يجري حتى أغرق الدرج، ثمّ
وضعت المايونيز في علف الدجاج... تُسمع في الداخل
دندنة جد خافتة بفالس: "غابات فيينا".) والآن،
ألا يذكّرك بشيء ما هذا الفالس؟
ماتيلده
: إنه شتراوسي لحن فيه قدر من النشاز لكنه شتراوس هل
من شيء خاص فيه؟
أوسوبيو
: رائحة قويّة تشي بالكارثة. فيوم صعدت لتربط ساعة
الحائط في غرفة الطعام، سقطت الساعة فوقها. ماذا
كانت تغنّي؟ شتراوس. وحين ألقت باروداً أسود في
المدفأة ظناً منها أنه فحم؟ شتراوس.
ماتيلده
: قلقة على نحو مشروع) لكن، أين تريد أن ينتهي بها
المطاف؟ ماذا تعمل الآن الأنسة أنخلينا؟
إوسوبيو
: قلت إنها تنظّف الأواني القديمة.
ماتيلده
: الأواني الإيزابيليّة؟ يا إلَهي! تصيح بعصبية)
أنخلينا! تسمع في الداخل قرقعة آنية. تسدّ ماتيلده
أذنيها.) أبقي شيء سليماً؟
أنخلينا
: أهدئي يا عزيزتي. لا شيء إلا الخوف.
ماتيلده
: أليست الآنية الإيزابيلية؟
أنخلينا
: بل الآنية الفضية. سأجمعها خلال لحظة واحدة وأضعها
في الخزانة.
ماتيلده
: مع الآنية البلّورية؟ كلا! من فضلك لا تلمسي اليوم
شيئاً. اخرجي رافعة يديك إلى الأعلى! أنخلينا تغلق
الباب) وأنتَ، هيا إلى المحطة فوراً. أتتذكر
الاسم؟
إوسوبيو
: دكتورة مرغريتا لوخان.
ماتيلده
: اهتمّ بها كأنها أنا نفسي. لكن، إن سألتك سؤالاً
حساساً، أنت تعلم: سكوت مطلق.
إوسوبيو
: "لا تهتمّي. السكوت هو الشيء الوحيد الذي أتقنه.
تعلمته من السيد، يخرج بعد قليل تسمع أجراس عربة
خيل تبتعد. تدخل أنخلينا. تلبس الآن ودائماً ما
تلبسه أختها تماماً)
ماتيلده
وأنخلينا
ماتيلده
: لكن، أنخلينا، يابنيتي، متى ستتعلمين ضبط
أعصابك؟
أنخلينا
: إنهما هاتان اليدان السعيدتان حين أغضب لا أدري
ماذا يجري لي. أحسّ كأنّهما امتلأتا بالنمال.
ماتيلده
: ها هو مشغل التريكو، فهوبالنسبة إليك مهدّى
أنخلينا
: هذه المرّة "لا أعتقد" فالأمر أخطر مما ينبغي
تجلس وتنسج بعصبيّة)
ماتيلده
: المنتظر دائماً، أشد رهبة من الواصل انسجي وفكري
بشيء آخر.
أنخلينا
: لا أستطيع يا ماتيلده، لا أستطيع كل دقيقة تمرّ هي
أسوأ مما قبلها. تترك الشغل) أتدرين ماذا سيحدث حين
تصل هذه الفتاة البائسة، وتعلم سبب استدعائنا
لها؟
ماتيلده
: دون تهويل. أولاً. هي ليست فتاة بائسة، بل دكتورة
وتعرف الحياة. وثانياً، ما ستلقاه هنا يمكن أن يكون
غريباً، لكنه ليس مخجلاً وليس فيه ما يثير الفزع.
أنخلينا
: آه أتتخيلين أنها ستظل هادئة وكأن الأمر طبيعي
جداً؟
ماتيلده
: لم أقل هذا أيضاً. واضح أن الشعور الأول سيكون
شعوراً بالخوف، بل قد تحاول الخروج راكضة، لكن
القلب سيفرض في النهاية وجوده. حينئذ ستكون مستعدة
لكل شيء.
أنخلينا
: هذه أوهامك. أقسم لك، ما إن تعلم الحقيقة حتى تترك
هذا البيت خلال دقيقة واحدة.
ماتيلده
: واضح أنّك لا تعرفينها جيّداً.
أنخلينا
: وأنت، أتعرفينها؟
ماتيلده
: تكفيني رسالتها فيها يتبيّن أنها ذات روح قويّة.
أنخلينا
: الآخرون كانوا أيضاً أثرياء، ودكاترة. لكن أحداً
منهم لم يصمد أسبوعاً واحداً.
ماتيلده
: الآخرون كانوا رجالاً مساكين. أما هذه فامرأة.
أنخلينا
: أسوأ إنها لمؤامرة غير لائقة، إنْ نأتي بها مخدوعة
هكذا دون أن ننذرها بالخطر
ماتيلده
: كفاك! اتخذت قراري، ولا أقبل مناقشات.
أنخلينا
: ألا يحقّ لي أن أبدي رأيي؟
ماتيلده
: أنت الأخت الصغرى.
أنخلينا
: صغرى؟
ماتيلده
: أصغر منّي.
أنخلينا
: لا أزال كذلك؟ كان هذا مقبولاً أيام المدرسة حين
كنتُ في التاسعة. وأنت في الرابعة عشرة لكن، ما هي
خمسة أعوام في سنّنا المتقدّمة؟
ماتيلده
: دون أن تنثني)، ولو كانت خمس دقائق! أنا الأخت
الكبرى؛ ولا يوجد ما يكفي من العدس في الدنيا لشراء
حقّي في أولويته الابن البكر.(2)
أنخلينا
: تنهض وترفع صوتها في محاولة تمرّد) أتطلعين عليّ
الآن بالأناجيل؟
ماتيلده
: أقوى من صوت أختها) إنه العهد القديم.
أنخلينا
: آه!... إذاً، لا بأس! تجلس وتنسج من جديد. تعود
ماتيلده إلى لهجتها الطبيعية.)
ماتيلده
: المسألة ليست مسألة سنين فقط! بإضافة إلى العمر،
هناك التجربة لصالحي أنت آنسة.
أنخلينا
: وأنت، ألست كذلك؟
ماتيلده
: أنا أيضاً، لكن بشكل آخر أمام الله وأمام القانون،
أنا سيّدة ولي شريك شرعي.
أنخلينا
: باه ! زواج بالإمكان. لكن البحر كان يفصل بينكما.
مات العريس بعد ثمانية أيام دون أن يحظى؟ برؤيتك
مرّة واحدة. إذا كنت تسمين هذا تجربة..
ماتيلده
: لمَ لا؟ إذا كان خطيبي لم يترك لي تجربة في الزواج،
فقد ترك لي على الأقلّ تجربة في الترمّل.
أنخلينا
: ودخلاً جميلاً تتعزّين به. من جهة الزواج كان
كارثة. أما من جهة التجارة... أسبوع واحد من الحزن
وأربعون عاماً من السرور.
ماتيلده
: أنخلينا!
أنخلينا
: معذرة تنسج. صمت قصير يسمع في غرفة الطعام دقة جرس.
أنخلينا تنظر فزعة نحو الداخل، وتنسج بمزيد من
السرعة) العاشرة والنصف! إنها الدقائق العشر
الأخيرة الهادئة. خلال زمن قصير: ثرارام، ثرارام،
بام! بام!
ماتيلده
: بأغلى ما تحبيّن الذنب ليس ذنب شتراوس. ألا تريدين
أن تتخلّي عنه مرّة واحدة؟
أنخلينا
: وأنت، ألا تستطيعين أن تتراجعي مرة واحدة فقط؟
فكري بهذه المرأة البائسة!
ماتيلده
: إني أفكّر تحديداً! تخرج رسالة من صدرها وتضع
نظارتها) هنا تجدينها بالكامل أمامك: إرادة لا
تنثني، وعاطفة سمحة، وطفولة مأساوية وميل للتحرّر
دون خوف من أي خطر. حقاً، هي الشخص الذي كنّا نفتقر
إليه!
أنخلينا
: لكن، من أين تستخرجين ذلك كله؟ لقد قرأت هذه
الرسالة عشرين مرة، فلا أذكر أني وجدت فيها شيئاً
مشابهاً.
ماتيلده
: أنت ترين ما تقوله الكلمات فقط. المهمّ ما تقوله
الحروف.
أنخلينا
: آه! حقاً: معرفة الشخص من قراءة خطّه، مرة أخرى!
ماتيلده
: لا تقولي ذلك بهذه اللهجة المتعالية: قراءة الخط
علم.
أنخلينا
: أحقاً؟ أريني: أين الإرادة؟ تدع شغلها وتدرسان
الرسالة معاً)
ماتيلده
: هنا انظري إلى هذه السطور التي ترتفع في نهايتها
كالعاصفة.
أنخلينا
: على الأرجح، كانت تطوي الورقة حين الكتابة. وأين
السماح؟
ماتيلده
: انظري بإمعان إلى هذا التباعد بين الخطوط. امرأة
تكتب على هذا الشكل، هي من النوع الذي يعطي كل ما
عنده. كل شيء أولا شيء.
أنخلينا
: وهذا الحرف المنحني أيعني لك شيئاً أيضاً؟
ماتيلده
: ثلاثون درجة إلى اليمين. إنها العاطفة. كل منطقة
الأنا) تتدّفق باتجاه منطقة الأنت.
أنخلينا
: حسب هذه النظرة، هذا جميل حقاً. لكنه قد يكون خطراً
في هذه الحالة.
ماتيلده
: لا تخشي شيئاً. مهما تكن العاطفة قوية، روح
التضحية أقوى منها. فلو حُكم عليها بأن يلقى بها في
حفرة الأسود، لوجدتها غير هيّابة ولو مُزقت إرباً
إرباً.
أنخلينا
: متأثرة) فهمت. "فابيولا وشهداء المسيحية."
ماتيلده
: بالضبط.
أنخلينا
: أما ما لا أراد في أي مكان فهو مأساة الطفولة.
ماتيلده
: لكن، هل أنت عمياء؟ ألا ترين هذه الحروف المنقسمة
إلى شطرين؟ أبواها مطلّقان؛ حياتها كلها كانت
صراعاً يمزّقها بين حبها لأبيها وحبها لأمها.
أنخلينا
: لكن هذا رهيب، يا ماتيلده!
ماتيلده
: رهيب، يا أنخلينا! أتفهمين الآن لماذا اخترتها دون
سواها؟ امرأة من هذا النوع يمكنها وحدها إنقاذ هذا
البيت.
أنخلينا
: وماذا لو أخطأت في قراءة خطّها؟
ماتيلده
: مستحيل. انظري إلى هذا التوقيع الضخم دون
تذييل.:"مارغريتا" انظري مليّاً إلى قائمة حرف
T) كأنها عصا وانظري إلى هذه النقطة فوق I) كيف هي
عالية كالصلاة. إذا كنت لاأعرف شيئاً عن هذه
المرأة، فسوف أكتفي بهذه القائمة وهذه النقطة كي
أسلّمها زمام أمري ونا مغمضة العينين.
أنخلينا
: متنهّدة) أسأل الله ألا نندم!
ماتيلده
: أتشكيّن بي؟
أنخلينا
: أتذكّر حين كنتِ تقرئين بخطوط كفّي. كنت تشخّصين
لي دائماً زواجاً سعيداً، وبيتاً ملآن بالأبناء،
وحياة مفعمة بالأسفار. وانظري النتيجة: لا سفراً
واحداً قمت به؛ ثم من يكاد يكون ابن أخ؛ وها أنا
عانس منذ البداية وإلى الأبد الأبدين.
ماتيلده
: جادة. ترفع نظارتها، وتحفظ الرسالة) أنا لم أخطئ
أبداً خطوط كفّك هي التي أخطأت.
يدخل
السيد رولدان مدير أعمال البيت. ثعلب محترف، تعلوه
صفرة أصحاب الملفّات والأوراق.)
ماتيلده،
أنخلينا ورولدان
رولدان
: ضوضاء كبيرة) هذا غير ممكن. هذا غير ممكن. هذا غير
ممكن. قولا لي هذا غير ممكن.
ماتيلده
: عدائية منذ اللحظة الأولى) لا أعلم إلى ما تشير.
لكن، إن كان يبدو لك الأمر مستحيلاً، فاطمئنّ إلى
أنه حقيقي.
رولدان
: إذاً، الأمر مؤكد؟ امرأة مجهولة تدخل هذا البيت؟
أنخلينا
: ولا تبالِ. أختي تعرفها كانت زميلتها في المدرسة.
رولدان
: لكن، هل فقدتما الحسّ بالمسؤولية؟ أنبّهكما أحد
إلى وضع هذه السيّدة؟
ماتيلده
: آنسة!
رولدان
: آنسة؟ آه، الفضيحة إذاً، أسوأ بكثير، أيبدو لكما
لائق أن تعرضا شيئاً كهذا على آنسة؟
ماتيلده
: لا أظن أنك ستلقي علينا دروساً في الأخلاق.
رولدان
: دروس في الأخلاق، كلا! لكن، لو استشر ثماني لأسديت
لكما نصيحة ثمينة.
ماتيلده
: عبث. هذا شأن عائلي: أنت مدير أعمال فقط. منذ الآن،
كل واحد في موضعه.
أنخلينا
: أحسنت، يا ماتيلده!
ماتيلده
: شكراً يا أنخلينا.
رولدان
: يتراجع) لا بأس! أهي على الأقل امرأة محترمة؟
أنخلينا
: هذا يتوقف على ما تسميه أنت احتراماً.
رولدان
: عمرها، مثلاً.
ماتيلده
: من هذه الجهة، نحن أكبر سناً منها
رولدان
: تجربة مهنية؟
ماتيلده
: هي دكتورة بأربعة ألقاب.
رولدان
: قوة الطبع، قوة الإرادة؟
أنخلينا
: لو أطلّعت جيّداً على خط حرف T لما تفوهت
بالحماقات.
ماتيلده
: أحسنتِ جداً، يا أنخلينا!
رولدان
: إني أرى ما أراه دائماً. أنتما لا تتفقان على شيء
إلا عليّ. لكن، حين يتعلّق الأمر بحياة إنسان، فهذا
ما لا يمكن اللعب به. هذه الحالة تتطلّب عقد مجلس
العائلة.
ماتيلده
: مجلس العائلة عُقد، وتمّت الموافقة بالأكثرية.
رولدان
: أي مجلس؟
ماتيلده
: نحن الاثنتان، حين نتناقش أنا وأختي، الأكثرية
تصوّت لي.
رولدان
: آخر الأمر، هذا شأنكما! كما أرى، الجنون في هذا
البيت مرض معدٍ.
أنخلينا
: قافزة) حذار هنا، ماذا تعني بهذه الكلمات
الملنوية؟
ماتيلده
: تعمل عمل أختها) أتريد أن تلمح إلى أن أخانا مات
مجنوناً؟
رولدان
: يتراجع) لست من يستطيع إثبات ذلك. لكنني لا أظنّ
إنساناً طبيعياً يمكن أن يصنع بابنه ما صنعه هو.
ماتيلده
: تتقدّم بحزم) كفى إذا كان أخي عانى ماعاناه، فأنت
خير من يعلم من كان السبب. هل أنا بحاجة لأذكرك باسم
تلك المرأة؟
أنخلينا
: من فضلك، دعينا من الحكايات القديمة. ما يهمّنا
الآن فقط هو هذا الطفل البريء.
ماتيلده
: وهو كذلك ! الطفل ابننا؛ ولا أسمح لأحد أن يتدخل في
حياته أكثر منّا.
رولدان
: وأنا. أليس لي أيّ حق؟ أولاً وأخيراً، إن كنتما
أختي الأب، فأنا أخ الأم.
ماتيلده
: حاسمة) ولا كلمة أخرى! العائلة الوحيدة هنا هي
عائلتنا. أتسمع جيّداً؟ عائلتنا بحقد) مهما يكن
مؤلماً لك، يُفضل عدم التحدّث عن عائلة الأم.
مفهوم؟
رولدان
: منكمشاً) مفهوم لديكما هنا برميل من البارود.
والآن تجهدان في جلب عود ثقاب قريباً منه. عظيم! من
جهتي، أنا أغسل يدي من هذا الأمر.
ماتيلده
: بجفاف) بذلك تحسن صنعاً مدير أعمال ويداه
ملوّثتان، ليس أمراً سليماً.
رولدان
: لحظة يا سيدي! لا أقبل الغمز، كلا ! حساباتي نظيفة،
وهي تحت تصرّفك!
تسمع
أجراس تقترب)
أنخلينا
: سكوت... عود الثقاب! أعني العربة.
رولدان
: أهي؟
أنخلينا
: هي. تنسج بسرعة)
رولدان
: في هذه الحالة، افترض أن وجودي غير مفيد بتاتاً.
أليس كذلك؟
ماتيلده
: أهنّئك. هي أعظم فكرة أبدعتها خلال الأربعين عاماً
الأخيرة.
رولدان
: أشكرك. لطفك ضاف دائماً. الأجراس تزداد اقتراباً)
أنخلينا
: أأستطيع الانسحاب أنا أيضاً؟
ماتيلده
: أنتِ، أبداً! جاءت اللحظة الكبرى! تمدّ قبضتها
باتجاه الباب الحديدي، وترفع بصرها إلى السماء)
إلهي لتكن إرادتك تلتفت بعنف إلى أختها التي ضاعت
مرة أخرى في "غابات فيينا") دون موسيقى، يا
أنخلينا! توقفي! تتوقف الأجراس أمام الباب يدخل
أوسوبيو حاملاً الأمتعة ومتقدّماً مرغريتا: هي
فتاة جامعية ذات جمال غضّ تلبس بأبسط أناقة طبيعية،
بالتأكيد قرأت كتباً كثيرة، ولا تجربة لها في
الحياة لكنها تملك من الذكاء ما يكفي لكيلا يُلحظ
عليها بوضوح أي من الحالتين).
المذكورون
ومرغريتا وإوسوبيو.
إوسوبيو
: مشيراً على شكل غامض) السيدة... السيدة الأخرى...
السيد.
مارغا
: صباح الخير جميعاً.
ماتيلده
: أهلاً بك في هذا المنزل، يا آنسة لوخان. أختي
أنخلينا.
مارغا
: تشرّفت.
ماتيلده
: السيد رولدان. مدير أعمال البيت.
رولدان
: بكل سرور.
ماتيلده
: أما أنا، فأرى عبثاً تقديم نفسي. أتسمحين لي أن
أنظر إليك عن قرب شديد.
مارغا
: ولِمَ لا ؟ تتقدم. ماتيلده تضع نظارتها وتتأملها
طويلاً بصمت. تقطب حاجبيها .)
ماتيلده
: غريب! منذ اسبوع وأنا بانتظارك لم أتخيلك أبداً
هكذا .
مارغا
: هكذا، كيف؟
ماتيلده
: هكذا... على جانب كبير من الشباب والجاذبية... أنت
فتاة حقيقية.
مارغا
: هذا لطف منك، على كل حال ، أمل ألا يكون هذا عائقاً
لي في عملي.
ماتيلده
: من يدري! كنت أتخيلك أيضاً نشيطة وذات إرادة. لكن
ليس على هذا القدر الكبير.
مارغا
: معذرة! هل قمت بشيء مستهجن؟
ماتيلده
: كنت أنظر إليك مواجهة بكل قواي، ولم أستطع أن
أجعلك تغضّين من بصرك لحظة واحدة.
مارغا
: هذه مأثرة أنت جديرة بها يا سيدتي. كنت تنظرين في
عيني وأنا كنت أنظر في عينيك. ولم أجد فيهما إلا
قلباً كبيراً.
ماتيلده
: شكراً. أتريدين أن تمدي لي يدك؟
مارغا
: بكل سرور. تشدّ عليها).
ماتيلده
: لا بأس! ربما كنتِ قوية قليلاً. لكن الأمر ليس
سيئاً تبتسم أخيراً) يبدو لي أننا سنكون صديقتين
رائعين.
مارغا
: من جهتي، بدءاً من هذه الساعة.
أنخلينا
: لأوسوبيو الذي يقف ساكتاً) ماذا نتظر؟ لماذا لا
تصعد بمتاع الأنسة؟
أوسوبيو
: ظننت أنْ لالزوم لذلك. أم الأفضل ألا أظل ساكناً.
فلأي شيء أسير صاعداً نازلاً؟
ماتيلده
: أطلب أحد رأيك؟ اصعد به فوراً!
إوسوبيو
: اعذروني. يدخل البيت مع المتاع)
رولدان
: لعلّ إوسوبيو على حق. دبلوماسياً، بدأ المشهد
بداية حسنة جداً. لكن يسرّني أن أرى النهاية.
ماتيلده
: لا أفكر أن أضحك هذا السرور. أليس لديك شيء عاجل
تعمله في مكتبك؟
رولدان
: اسمحن لي بنصيحة على الأقل. ينظر إلى ساعته) أنسة
لوخان إنها الحادية عشرة إلا خمس دقائق. في الحادية
عشرة وأربعين دقيقة يمرّ قطار العودة لا تتواني عن
السفر فيه. يخرج بأكبر جد ممكن من اليمين حيث يفترض
وجود جناح. مرغريتا تنظر إليه يخرج مدهوشة)
مارغا
: لا يبدو السيد المدير متفائلاً جداً.
ماتيلده
: لا ينبغي الاهتمام به. هو من هؤلاء الذين، لفرط
عملهم في الأعداد، يظنون أن اثنين زائد اثنين في
الحياة، هي دائماً أربعة. رجل مسكين! أتريدين أن
تجلسي؟
مارغا
: إن لم يبد لكما مسيئاً، يسرني أن أتعرف على الطفل
أولاً.
ماتيلده
: بعدئذ. ينبغي أن أطرح عليك أسئلة، ربما بدت لك
غريبة، لكن. أرجو أن تجيبيني دون تردد.
مارغا
: قولي. تجلس العمتان أولاً، ثم مارغا قبالتهما
كأنهما في امتحان تخرج ماتيلده الرسالة وتنظر إلى
مرغريتا بتركيز.)
ماتيلده
: من تجبيّن أكثر. أباك أم أمك؟
مارغا
: كيف؟
ماتيلده
: أجيبي دون أن تفكري بذلك.
مارغا
: في الواقع هذه مسألة لم أطرحها على نفسي أبداً.
أنخلينا
: أبداً؟ ولا حين افترقا بالطلاق؟
مارغا
: لكن، من ذكر الطلاق؟ أبواي أحبّا بعضهما بشغف،
وماتا معاً حين كنت صغيرة.
ماتيلده
: غير ممكن!
مارغا
: بإمكاي أن أحلف على ذلك.
أنخلينا
: لا حاجة لذلك، كلمتك تكفي.
ماتيلده
: لا أفهم الخطأ هنا. لكن لنقبل به. سؤال آخر هام. لو
أنك عشت في ظل امبراطورية نيرون، وحُكم عليك بأن
يلقى بك بين الأسود، ماذا يكون موقفك؟
مارغا
: لا أفهم... أهي لعبة؟
أنخلينا
: أجيبي، من فضلك.
ماتيلده
: تخيّلي المشهد: هنا المدرج الوثني المتعطّش للدم
المسيحي.
أنخلينا
: وأنت هنا راكعة على الرمل بحلّتك البيضاء..
ماتيلده
: وتُفتح الأبواب... وتتقدم الأسود. وماذا كنت
ستفعلين؟
مارغا
: لا أدري... افترض ما كنتما ستفعلانه أنتما في هذه
الحالة.
ماتيلده
: بحماسة شهيد) ما أحسن قولك!
مارغا
: كنت سأجري وأنا أصرخ كمجنونة. أليس كذلك؟
ماتيلده
: تقف مُهانة) لا، هذا لا ! لا يحق لك أن تفعلي بي هكذا
يا أنسة.
مارغا
: تنهض قلقة أيضاً) معذرة يا سيدتي. أخذت أشتبه بوجود
سوء فهم. أأنت السيدة ماتيلده َسلْدانيا؟
ماتيلده
: هي نفسها.
مارغا
: المرأة التي كتبت لي عارضة عليّ عملاً في هذا
البيت؟
ماتيلده
: بالضبط. وهذا هو جوابك!
مارغا
: إذاً، لماذا هذه الأسئلة المستحيلة؟ جئت إلى هنا
بمهمة الاضطلاع بتربية طفل يتيم أليس كذلك؟
أنخلينا
: وهو كذلك.
مارغا
: أين الطفل؟
ماتيلده
: سيأتي بعد قليل. صعد إلى الجبل حاملاً بندقيته.
مارغا
: تقف مذعورة) حاملاً بندقية؟ وحده؟
أنخلينا
: برفقة برنار وفيرمين.
مارغا
: لا بأس عليه هكذا. خادمان؟
أنخلينا
: بل كلبان.
مارغا
: لكن هذا غير ممكن. هل صرت أنا مجنونة؟ تنظر إلى
الجانبين وتتراجع) أم أنتما؟
ماتيلده
: اهدئي... ولا نحن!
مارغا
: أيبدو لكما حسناً أن تدعا طفلاً يحمل بندقية ؟
ماتيلده
: أبوه كان صيّاداً كبيراً، وقد عوّده على استعمال
البارود منذ نعومة أظفاره. من هذه الجهة لا يوجد
خطر.
أنخلينا
: الخطورة بدأت منذ صاريتيماً. عليكِ أن تساعدينا
على إنقاذ هذه الحياة البريئة.
مارغا
: إنقاذ حياته؟ لكن لست دكتورة في الطب؛ أنا مجرد
معلّمة.
ماتيلده
: من هنا يجب أن نبدأ. أولاً يجب تعليمه القراءة
والكتابة. ثم تأتي الكتب. وبعد ذلك كلّ هذا اللغز
الذي نسميه الحياة.
مارغا
: أهو متخلف إلى هذا الحد؟
أنخلينا
: إنه صفحة بيضاء. نشأ في الجبل. هو مانسمّيه طفلاً
طبيعيّاً. أتفهمين؟
مارغا
تهدأ. وتعود فتجلس)
مارغا
: أفهم يا سيدتي، أفهم. الآن، فهمت سبب هذا الانزواء
في الريف والانطواء على سر. طفل طبيعي! أهو ابنك؟
أنخلينا
: تحمرّ خجلاً) أنا أنسة!
مارغا
: معذرة. ابنك؟
ماتيلده
: ولا هو ابني. إني وإن كنت أرمل، فأنا أنسة أيضاً.
مارغا
: لا أفهم!
أنخلينا
: هي أمور الحياة. أختي تزوّجت لثمانية أيام. لكنها
لم تمارس الزواج.
مارغا
: باختصاره أيمكنني أن أعرف ابن من هذا الابن
الطبيعي؟
ماتيلده
: ومن قال لك إنه ابن طبيعي؟
مارغا
: إن لم يكن فهمي قاصراً، أنتما هذه الساعة ذاتها.
ماتيلده
: أختي قالت "طبيعي" كمقابل لـ "صنعي"
طبيعي يعني ثمرة الطبيعة. واضح؟
مارغا
: نافذة الصبر) موافقة يا سيدتي. لكن مهما يكن
طبيعياً، فلم تعثروا عليه في شجرة. لا بد من أنه كان
له أب وأم.
أنخلينا
: أي، نعم! أبوه كان أخانا المسكين.
مارغا
: والأم؟
ماتيلده
: أمن الضروري أن نتحدّث عنها؟
مارغا
: كلا! إن كنتما تفضلان السكوت. أميتة هي أيضاً؟
ماتيلده
: ميتة أيضاً. إذ توّلى البحر أمر عقابها.
أنخلينا
: إنه مؤلم؛ لكن يجب ألا نخفي عنك ذلك. كانت امرأة
منحطّة.
مارغا
: كفى! أنا أعرف كيف أحترم أسرار العائلة.
ماتيلده
: شكراً.
مارغا
: وما مشكلة الطفل التي تشغلكما؟
أنخلينا
: أولاً، سبق أن قلنا لك ذلك: الجهل التام.
مارغا
: نعم، نعم. أعرف قراءة وكتابةن ثم كتب. حتى هنا كل
شيء عادي وبعدئذ؟
ماتيلده
: بعدئذ، الطبع. لا تتخيلي ذلك! هو عاصٍ وخطر
كالشيطان نفسه. إنه متمرّد.
مارغا
: لا يهم. أنا معتادة على هذا. أكان له معلّمون
قبلي؟
أنخلينا
: ثلاثة رجال، ثلاثة إخفاقات.
ماتيلده
: الأول حاول ترويضه باللطف. لكنه ترك العمل بعد
أربعة أيام. والثاني أراد أن يستميله بالعقل ومكث
أسبوعاً.
أنخلينا
: والثالث جهد في السيطرة عليه بالقوّة. وهنا بدأت
المأساة. أترين تلك النافذة في ذلك الجناح؟ من هناك
ألقى به.
مارغا
: لا أستطيع تصديق ذلك. أرمى الأستاذ بالطفل من
النافذة؟
أنخلينا
: بل الطفل رمى بالأستاذ.
مارغا
: لحظة ! لحظة! أخذت أحس بالدوار. إذاً، رمى الطفل
بأستاذه من تلك النافذة... لكن، كم عمر هذا
المخلوق؟
ماتيلده
: على شكل طبيعي) أربعة وعشرون عاماً.
مارغا
: تنهض بوثبة واحدة) ماذا؟ تطبق جفنيها، وتسمح
عينيها بيدها، مسيطرة على نفسها.) معذرة يا آنستي!
أظن أنني لم أسمعك جيداً. هل قلت أربعة أعوام؟
ماتيلده
: أربعة وعشرون. مارغريتا تترنح لحظة، وتستند على
مسند كرسي.)
أنخلينا
: تارارام. تارارام. بام. بام.
مارغا
: أخيراً تبدي ردّ فعلها) أمن أجل هذا أتيتم بي؟ تنظر
إلى ساعتها بسرعة) في أية ساعة قال مدير الأعمال أن
قطار العودة يمر؟
ماتيلده
: لا تتركينا على هذا الوضع.
أنخلينا
: اسمعي بحق كل ما تحبين.
مارغا
: أيبدو لكما أنني لم أسمع ما يكفيني؟ هذه مزحة لا
تغتفر. تصرخ) آتني بأمتعتي وفوراً! تحيط بها الأختان
متوسّلتين)
ماتيلده
: انتظري على الأقل، حتى تتعرّفي عليه قبل أن
تقرّري.
مارغا
: ولأي شيء؟ ماذا يمكن لرجل كامل الرجولة لا يعرف
القراءة والكتابة أن يكون مريض، أم متخلف عقلياً؟
(1) -حسب المعجم الوسيط. "وعاء من
خزف ونحوه يوضع فيه الزهور ونحوه الزينة.
(2) -إشارة إلى قصة عيسو وأخيه يعقوب
وأم هذا الأخير رفقة، حين احتالا عليه للتخلي عن
حقه في أولوية الابن البكر بإطعامه عدساً حين كان
جائعا جوعاً شرساً -المترجم) |