الكلمة الثالثة - تأليف أليخاندرو كاسونا - ترجمة علي أشقر

(مسرحية في ثلاثة فصول) - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

بابلو : أكانت أمي تسمع هذه الموسيقا؟‏ ‏

مارغا : حين كانت تشعر بالوحدة وهي تقرأ... وحين كانت تدخل لإيقاظك.‏

بابلو : لكن هذا معجزة يا مارغا! ذلك كأني أسمعها هي نفسها... كأني أراها أول مرة جالسة تفكر وكتابها بيدها... (يضع باحترام عميق علبة الموسيقى التي ظلت تطلق نغمها على المنضدة حتى حُلّت ربطة الحبل) وهذا الشيء الآخر.‏

أنخلينا : شيء بسيط. لعبة يابانية من ذلك العصر يلمس لولب تنطلق من العلبة الكبرى علبة أخرى أصغر، ثم أخرى أصغر من الثانية وهكذا... إنها لعبة حمقاء لم أفهمها أبداً.‏

مارغا : مؤكد أنها اشترتها لك.‏

بابلو : وهذه الصورة؟ (يضع الصندوق) ومن هذه المرأة؟‏

أنخلينا : أمك. صورتها معك منذ عشرين عاماً.‏

بابلو : معي! انظري إليها يا مارغا! (بفرح يكاد يكون صراخاً) معاً، معاً! (يضغط بالصورة على صدره. تتبادل المرأتان النظرات متأثرتين)‏

أنخلينا : أتحب أن ندعك وحيداً؟‏

بابلو : نعم، من فضلك. أما مارغا، لا ومعذرة يا عمّتي. معها أشعر كأني مع ذاتي. أتفهمين؟‏

أنخلينا : أفهم، يا بنّي، أفهم. (تتأهّب للخروج)‏

بابلو : انتظري (يعانقها بقوة) شكراً يا عمة أنخلينا، أنخليكا. أنخيلوتشا... يا ملاك!‏

أنخلينا : (مختنقة) كفى! لقد خنقتني... أيها المتوحّش. (وهي خارجة) الوحش الحبيب!‏

مارغا وبابلو.‏

بابلو : (بابلو يجلس ويتأمل الصورة. ويحاول أن يبتسم. أحس بالخجل إذ تبلّلت عيناه اللتان ينظفهما بيده) أنا أبله! ولا أدري ما جرى لي. أكاد لا أراها.‏

مارغا : ولا تبال: خلال لحظة ستراها على شكل أفضل. (تجلس إلى جانبه)‏

بابلو : لا أدري كيف أشرح الأمر لك. أنتِ ألفتِ رؤية أمّك على شكل تلقائي وبالعادة أما أنا فكأنما ولدت للتو. ما لون عينيها؟‏

مارغا : زرقاوان!‏

بابلو : زرقاوان؟ (ينظر بإمعان إلى عيني مارغا ثم يُرجع النظر إلى الصورة. لعبة يكررها على طول المشهد) يا للغرابة! كنت أعتقد دائماً أن العينين الجميلتين هما دائماً خضراوان!‏

مارغا : شكراً لك.‏

بابلو : زرقاوان!... لم أر أبداً عينين زرقاوين. والشعر؟‏

مارغا : كستنائي فاتح.‏

بابلو : كشعرك.‏

مارغا : شعرها أطول وأغزر من شعري. تلك عادة العصر.‏

بابلو : لكن شعرك يفوح برائحة الغابة.‏

مارغا : كنت أجري هذا المساء كله بين غابات الصنوبر.‏

بابلو : أأمعنت النظر في يديها؟‏

مارغا : هما ناعمتان صغيرتان، كالخزف.‏

بابلو : ويداك أيضاً. هما بوسع يدٍ واحدةٍ من يدي. ألا تزعلين لو قلت لك شيئاً؟‏

مارغا : (تبتسم) لست بحاجة لتقول لي ذلك. هي أجمل مني بكثير.‏

بابلو : أحقاً، لا يزعجك هذا؟‏

مارغا : على النقيض من ذلك. يفرحني أن أراك فخوراً بأمك.‏

بابلو : وأنا؟ أأبدو جميلاً في هذه الصورة؟‏

مارغا : سحر خالص.‏

بابلو : إذاً، لماذا تبتعدين عني في النهر؟ وأنا في الصورة عارٍ أيضاً عرياً كاملاً.‏

مارغا : الأمر مختلف، في الصورة، كان عمرك أربع سنوات.‏

بابلو : آه، أهي مسألة زمن؟ في سن يصبح المرء غير أخلاقي؟‏

مارغا : حسب الشخص... بعضهم في الحال... أنت لم تصبح بعد.‏

بابلو : وأنتِ، أصبحت؟‏

مارغا : أنا، لماذا؟‏

بابلو : إذا كنا لا نستطيع التعرّي في النهر، وأنا لم أصبح بعد لا أخلاقياً... أحدنا يجب أن يكون لا أخلاقياً. أأنت؟‏

مارغا : لم يخطر ببالي هذا أبداً... لكنه ممكن.‏

بابلو : لا، هذا، لا، أجيبي بوضوح، أهو سؤال صعب جداً؟‏

مارغا : السؤال ليس صعباً. حين يتعلّق الأمر بالأخلاق تكون الإجابات صعبة.‏

بابلو : لماذا؟‏

مارغا : لأننا نتكلّم حتى الآن اللغة ذاتها، فكل ما أعجز عن فهمه، يبدو لك طبيعيّاً، والعكس صحيح.‏

بابلو : كلا! يا مارغا. هذا غير صحيح. ما يجري هو أنكم تحكون دائماً عن كلمات، بينما أتكلّم أنا عن أشياء.‏

مارغا : ماالذي تسميه "أشياء"؟‏

بابلو : كل ما يستطيع المرء أن يفهمه لوحده دون أن يشرحه له أحد.‏

مارغا : مثلاً؟‏

بابلو : أولاً، هناك الأشياء الصغيرة. هذه اليد الدافئة، برد الشتاء، وقمر الليل. وهناك بعدئذ الشيئان الكبيران اللذان يجعلان المرء يرتعد: الموت والله.‏

مارغا : (تنظر إليه مدهوشة) أتعرف أن تقول ما هو الموت؟‏

بابلو : رأيته مراراً وتكراراً عن قرب. المرة الأولى حين كنت في الثامنة من عمري. أتتذكرين أني حدّثتك عن روسينا؟‏

مارغا : الظبية التي كانت تفرّ إلى الغابة في الربيع؟‏

بابلو : ذات مساء كنت وحيداً، ورأيتها قادمة تجرّ نفسها جرّاً، وفي خصرها بقعة حمراء، حاولت أن أنظّف تلك البقعة، لكنّها كانت تنظر إليّ بعينين حزينتين وكأنها تقول: "لا تتعب نفسك يا صغيري؛ لا جدوى من سعيك" واضطجعتُ قرب النار تنتظر. وأحسست فجأة أن شيئاً بارداً غامضاً يخترق الباب، وأن أمراً رهيباً سيحدث أمامي دون أن أستطيع حياله شيئاً. وهكذا وقفت ارتجف في إحدى الزوايا حتى أدركت بوضوح أن عينيها لا تزالان هناك، لكنّ نظرتها لم تعد موجودة ولما جاء والدي ولفظ كلمة "موت"، لم أجد لها لزوماً، لأني كنت أدركت معناه أتفهمين الآن.‏

مارغا : لا أدري... الموت سكينة تُرى وبرد يُلمس. أما الله...‏

بابلو : الأمر ذاته. أنا لا أستطيع فهم آلة طابعة دون أن تشرحيها لي. فهي جد معقدّة. أما الموت والله فهما، على النقيض، بسيطان للغاية.‏

مارغا : وهل اكتشفت الله وحدك أيضاً؟‏

بابلو : قد يكون مثل اكتشافك له. هو شيء آخر طبيعي.‏

مارغا : لكن، ربما كنت سمعت بهذه الكلمة على الأقل.‏

بابلو : سمعت الكلمة. لكن ما قيمة الكلمات إذا كنت لا تعرفين ما تحمله من معان؟ كان ذلك حين عودتي من الصيد، وقد ابتعدت عن والدي ووجدت نفسي ضائعاً في جبل مقفر. أكنت ذات مرة وحيدة في الجبل وقت انفجار العاصفة؟‏

مارغا : أبداً.‏

بابلو : كان الليل يبدو أنه يحبس أنفاسه بانتظار ما لا أدري." وساد صمت عميق جداً، وسرت قشعريرة من نقرتي حتى حوافر الحصان. حينئذ أدركت كم أنا صغير، وكم أنا وحيد معزول تماماً. ضغطت بيأس على المهمازين لأهرب من تلك الوحدة، لكن دون جدوى: فالحصان كان لا يزال يرتجف دون أن يتحرّك. وفجأة أحسست أني لست وحيداً. بل إن أحداً ما كان يدنو منّي في العتمة ويناديني من الأرض ويطوّقني مع الريح، وينظر إليّ من علياء النجوم. شيء أكبر منّي كثيراً، لكنه كان يريد أن يحل في داخلي ليملأ وحدتي البشرية، لم أستطع مقاومة الخوف، وصحت بالكلمة الوحيدة القادرة على نزعة منّي: "يا الله!" في تلك اللحظة انفجر الرعد كجواب على صيحتي، وأضيء الليل كله بالبروق. حينئذ أدركت ببساطة أن من كان معي هو الله. (صمت قصير يمسك العلبة الموسيقية ويشرع بربط الحبل تتأمله مارغا متفكرة. والتفت ببشاشة) لماذا ظللت تفكرين؟ أليس الأمر واضحاً؟‏

مارغا : نعم، يا بابلو، أنا لم أجده وبهذا الوضوح أبداً.‏

بابلو : إذاً، كفانا ثرثرة وهيّا إلى العمل.‏

مارغا : ألا تزال لديك رغبة في العمل اليوم؟‏

بابلو : أنا؟ كلا، يا آنستي، كلاّ! بل أنت ستعملين الآن. أنا سآخذ فرصة صغيرة. (يمسك بالصندوق والصورة) بالإذن منك.‏

مارغا : ماذا ستعمل؟‏

بابلو : شيئاً هاماً جداً لم أستطع القيام به حتى الآن. (يبتسم) سألعب قليلاً مع والدتي.‏

مارغا : أتريد أن أنصرف؟‏

بابلو : كلا! ستبقين من أجل تصحيح الدفاتر لكن، أديري ظهرك ولا تنظري خفية. وعد؟‏

مارغا : وعد. (بدأ الضوء يخفت بعذوبة، تجلس مارغا إلى المنضدة مديرة ظهرها، وتمسك قلماً أحمر وتصحح، بابلو يجلس حسبما يروق له على الأرض، انتهى من ربط حبل العلبة، يضغط على الزر ويستمع إليها لحظة ثم يضعها أمامه. يسند عليها الصورة ويتأملها وهو يصفرّ من بين أسنانه للحن الموسيقي ثم يتفحّص الصندوق. يرفعه إلى مستوى أذنه ويرجّه. وكطفل يبحث عن فتحة لعبة، عثر على اللوالب المخفيّة. من العلبة الكبرى خرجت لعبة أصغر فيها، ثم أخرى، فأخرى فأخرى. بابلو يصفرّ كل مرة بسرور أكبر لمهارته ثم أتى إلى صندوق صغير حميم وجد داخله رزمة من الرسائل مربوطة بشريط. خلال المشهد تتقاطع الأجوبة التالية دون أن ينظر أي منهما إلى الآخر)‏

مارغا : هل لي أن أطلب منك شيئاً؟‏

بابلو : نعم، لكن دون أن تنظري. أي شيء؟‏

مارغا : أن تكتب ما قصصته عليّ للتو عن الظبية والليل العاصف.‏

بابلو : ولِمَ تريدينه مكتوباً؟ ما دمت قد رويته لك.‏

مارغا : من أجلي، يسرّني أن أحتفظ به.‏

بابلو : سأكتبه. أيوجد شيء آخر؟‏

مارغا : نعم. تنبيه بسيط. ما عملته بأوروبا وأمريكا صفحنا عنه. ما كلمتا الله والموت، فاكتبهما، رجاءً، بحروف كبيرة. (بابلو لا يجيبها. ينظر مدهوشاً إلى رزمة الرسائل) أتسمعني؟ (بابلو يفكّ الشريط) أتسمعني، نعم أولا؟ (بابلو ينظر إلى أول ظرف كالمفتون وقد اختفى صوته تقريباً)‏

بابلو : آديلائيدا! آديلائيدا! (يفتح ويقرأ) "عزيزتي آديلائيدا" (يتابع القراءة للحظة بصمت. يقلب الرسالة فجأة باحثاً عن التوقيع، يشحب لونه يسمع تقريباً وهو يدمدم على شكل أصم) كلا! (ينظر إلى مطلع وخاتمة رسالة أخرى) غير ممكن. (ينهض بقفزة، داعكاً الرسائل بين يديه المتشنّجتين)‏

مارغا : (على شكل طبيعي. دون أن تلتفت) أجرى لك شيء؟ (صوت بابلو ينطلق متصاعداً من احتجاج أصم حتى صرخة حيوانية، بينما يمزّق الرسائل نتفاً نتفاً)‏

بابلو : لا! لا! لا!‏

مارغا : (تلتفت مذعورة) بابلو!‏

بابلو : لا يمكن أن يكون صحيحاً!‏

مارغا : بابلو، عزيزي. (تهرع نحوه دون أن تفهم)‏

بابلو : (يبعدها بعنف) كلا! ابتعدي عني لا تقتربي مني أنتِ أيضاً!‏

مارغا : لكن، ماذا عملت لك؟‏

بابلو : لا تلمسيني!‏

مارغا : لا! هذا غير ممكن. (تتشبث به يابسة) لا شك أنها نوبة حمّى. بأغلى ما تحبّ لا تنظر إليّ هذه النظرة! أنا مارغا. ألا تراني؟ أي أذى، يا ترى. ألحقته بك، فدتك روحي كلها؟ تكلّم يا عزيزي، تكلّم (يصل بابلو إلى السيطرة على نفسه بجهد هائل)‏

مارغا : لكن، ماذا حدث لك فجأة؟‏

بابلو : لم يحدث شيء. مضى الأمر. دعيني. فالآن، أنا بحاجة للبقاء وحيداً. (يتجه صوب السلم)‏

مارغا :لا، لن أدعك هكذا. عليك أن تجيبني أوّلا!‏

بابلو : (مشيراً بعينيه إلى الرسائل الممزّقة) إن كنت معنيّة كثيراً فستجدين الجواب فيها. (يتجّه نحو السلم متعباً. مارغا راكعة تجمع الرسائل وتضمّ القطع الممزقة. يلتفت بابلو بسخريّة مرة) آه! لقد نسيت شكراً لك، لأنك علمتني القراءة هي ممتعة للغاية! شكراً (مارغا تفهم الأمر الآن، وتصرخ راكعة وتنادي)‏

مارغا : بابلو...! بابلو...! ... (بابلو يصعد راكضاً. مارغا تنتحب فوق الأرض. حلّ المساء والمشهد يغرق في الظلمة. صمت يتخلّله نشيج. خوليو يظهر في عتبة الدهليز يتأملها لحظة)‏

خوليو : آنسة لوخان.. (مارغا لا تسمعه) آنسة لوخان!‏

مارغا : (ترفع رأسها) من أنت؟‏

خوليو : صديق مخلص. أو هكذا آمل على الأقل.‏

مارغا : (بخوف مفاجئ) هذا الصوت... من أنت؟ (تهرع لإشعال المصباح. تنظر إليه مشلولة القوى) خوليو!‏

خوليو : بالطريقة التي نطقت بها اسمي، لا تبدو المفاجاة سارّة جداً. (يتقدّم) ألا تزالين تحقدين عليّ؟‏

مارغا : عما جئتم تبحثون؟‏

خوليو : آه! والآن سنتخاطب بصيغ المجاملة كالغرباء!‏

مارغا : أجب! أستظلون تلاحقونني مدى الحياة؟‏

خوليو : أنا لا أسعى لملاحقة أحد.. إنني في بيتي.‏

مارغا : بيتكم هذا؟‏

خوليو : بيت عائلتي من جهة أم بابلو. أم أنّك نسيت أسمي؟‏

مارغا : خوليو رولدان... خوليو رولدان! (تتراجع) إذاً... الأمر صحيح!‏

خوليو : اهدئي! من جهتي ما مضى مضى، ولا أحمل في نفسي أي شيء إزاءك. بل على العكس. جئت تحديداً لأعرض عليك سكوتي بدافع الصداقة.‏

مارغا : وإذا رفضت العرض؟‏

خوليو : لا أنصحك بذلك. سيكون الأمر أسوأ في حالة العداوة.‏

مارغا : سيّان عندي. كنت أعلم أن هذا الأمر سينتهي بشكل أو آخر.‏

خوليو : لنتفاهمْ. لست بصدد أي شيء عاطفي إنه ببساطة، صفقة. أتريدين أن تستمعي إليّ؟‏

مارغا : تكلم! (تجلس وكذلك يفعل خوليو)‏

خوليو : الصمت أحياناً كنز. ولو كنت ثرّياً لقدّمته لك هديّة.‏

مارغا : لكنك رجل صفقات. وأتيت لتبيعني الصفقة. أليس كذلك؟‏

خوليو : لا أملك مخرجاً آخر.‏

مارغا : والثمن؟‏

خوليو : رخيص جداً. بابلو لا يطيع أحداً طاعته لك. أنت علمته كتابة اسمه. وللوصول إلى ذلك اضطررت إلى جعله يوقع مئات المرات. وأسعى الآن للحصول على بعض التواقيع الإضافية.‏

مارغا : في ذيل بعض الوثائق التي تكتبها أنت.‏

خوليو : ذكيّة جداً دائماً.‏

مارغا : باختصار، سرقة قانونية. أليس كذلك؟‏

خوليو : مادامت قانونية، لا يهمّني الإسم.‏

مارغا : (تنهض) أفكرت أنني لن أتردد لحظة واحدة بأن أقبل بسبب الجبن؟ وأنت، الدون جوان المحترف، أهذا كل ما تعلمته من النساء. ولكن، من أيّ نساء!‏

خوليو : (ينهض هو أيضاً ببرود) لا ترفعي صوتك.‏

مارغا : اخرجْ من هذا البيت فوراً.‏

خوليو :أخرج بهذه الطريقة. مستحيل. غداً، سأستأنف سفري. وإذا رفضت الاستماع إليّ، فإن أحداً ما سيفعل ذلك نيابة عنّي.‏

مارغا : (مذعورة) ألديك القدرة على قول ذلك لبابلو؟‏

خوليو : لا يسرّني ذلكن لكن، إذا أجبرتني...‏

مارغا : لا، هذه الليلة، لا! ستكون قسوة بالغة. (تنظر باتجاه السلم بقلق تتوسل مسرعة) اسمع يا خوليو! أيمكنني أن أطلب منك مهلة؟‏

خوليو : أنحقّق تقدماً بذلك؟‏

مارغا : تابع سفرك. أتعدني أنك سترحل هذه الليلة دون أن تراه؟‏

خوليو : وبعدئذ؟‏

مارغا : بعدئذ.. سيكون ما تريد، لكن، هذه الليلة، لا، هذه الليلة، لا.‏

خوليو : ألا تفكرين أنك تستطيعين خداعي كما تخدعينه؟‏

مارغا : أوجدتني أكذب خوفاً، ذات مرة؟‏

خوليو : حتى الآن، لا.‏

مارغا : إذاً، كن مطمئنّاً حين تعود إلى هنا ستجدني مستعدّة للإجابة. أقسم لك!‏

خوليو : لابأس . لكن، لاتنسى أن كل الأسفار ستنتهي ذات يوم .( من العتبة) إلى اللقاء قريباً يا آنسة لوخان. (ينحني ويخرج تجمع مارغا التذكارات المبعثرة على عجل ينزل بابلو. يقف لحظة على السلم)‏

مارغا وبابلو.‏

بابلو : لماذا تجمعين هذه الأشياء؟‏

مارغا : سأحتفظ بها.‏

بابلو : لا تتعبي نفسك في المدفأة ستلتهب جيداً.‏

مارغا : أتظن أن من حقك الحكم على أمّك دون أن تعرفها؟‏

بابلو : كفى! عشت عشرين عاماً من دونها. وأستطيع أن أتابع حياتي من دونها. (يسقط متهالكاً في مقعد مارغا تقترب منه)‏

مارغا : أليس من الأفضل أن تستلقي؟ أنت منهك.‏

بابلو : ليست قواي هي التي تخذلني. أسوأ ما في الأمر أنني لا أستطيع فهم شيء... أي شيء.‏

مارغا :أيمكنني مساعدتك؟‏

بابلو : لا أعتقد. حين علّمتني هذه الأشياء المدنية، كانت تبدو لي سهلة في البدء. والآن أدركت فجأة أنني لا أفهم شيئاً ولن أفهم شيئاً أبداً.‏

مارغا : ماالذي لا تفهمه؟‏

بابلو : الآن، مثلاً: لما صعدت إلى غرفتي كان من الطبيعي أن أفكر بأمي. أليس كذلك؟ لكنني لم أستطع التفكير بها لحظة واحدة. حاولت أن أتخيّل عينيها الزرقاوين وما كنت أرى سوى عينين خضراوين. واردت التفكير بشعرها. والشيء الوحيد الذي شممته كان رائحة شعرك. لماذا؟ لماذا؟‏

مارغا : لا تبالغ بالارتباط بي تذكر أننا سنفترق عن بعضنا ذات يوم.‏

بابلو : سبق أن قلت لي هذا أول مرة. ولا هذا الانفصال أستطيع تصوّره.‏

مارغا : عليك أن تتآلف مع الفكرة. فكر أن هذه الليلة قد تكون الأخيرة.‏

بابلو : لا هذه الليلة ولا غيرها أتظنّين أني سأدعك تمضين؟‏

مارغا : لن تستطيع منعي لأنك لن تعرف متى أرحل. ببساطة، ستستيقظ ذات صباح وتناديني من جبل إلى جبل، "مار-غا!!!" لكنّ مارغا لن تكون هنا.‏

بابلو : لكن، ما الذي تزعمينه؟ أهو تحية وداع؟‏

مارغا : بل هو تحذير قبل أن يحلّ ذلك اليوم. ألم تكن سعيداً حتى هذه الساعة من دوني؟‏

بابلو : الأمر مختلف. قبل مجيئك كان العالم ملآن بأشياء. والآن لا يوجد إلا شيء واحد يطوّقني كحزام من النور: مارغا، مارغا، مارغا!‏

مارغا : شكراً لك، لو اختُصرت حياتي في هذه اللحظة وحدها، لكانت جديرة بأن أحياها لمجرد سماعي هذه الكلمات. لكن، لا تسلّم زمام أمرك بإفراط إلى امرأة. ألا يطيب لك أن تعود إلى الجبل؟‏

بابلو : فات الأوان! في الجبل كنت أُحْرم من النوم حين أكون جائعاً فقط، أو يؤلمني جرحي أو يوقظني الخوف. والآن أنت جرحي الوحيد وجوعي وخوفي.‏

مارغا : وهل أخيفك؟‏

بابلو : هذه الليلة، نعم، لأنها ليست ليلة كباقي الليالي. ألا تحسّين أنها حتى برائحتها مختلفة؟‏

مارغا : إنه الخريف... وهي رائحة الأرض المبلولة.‏

بابلو : هذا لا يكفي، هي رائحة الأرض ورائحة جلدك معاً. الرائحة التي شممتها أول مرة. لكن، يوجد فيها اليوم شيء أعمق... شيء أكثر غموضاً يتغلغل في داخلي كيوم الظبية أو يوم البرق. (بصوت حميم وهو يدنو) ألا تحسّين به؟‏

مارغا : (مفتونة هي أيضاً) الآن نعم، وهو يثير خوفي أيضاً، لأنه لم يسبق لي أن عرفته أبداً.‏

بابلو : هذا يشبه إحساسي بأني سأقع في حفرة منصوبة ألقى حتفي فيها. ومع ذلك، أريد أن أسقط! ولماذا هذه الليلة هي جدّ مختلفة عن غيرها؟ لماذا كنت في اليوم الأول أنا الأقوى؟ لكنك اليوم تملكين القوّة كلها.‏

مارغا : انج بنفسك مني يا بابلو! لا يزال أمامك فسحة من الوقت.‏

بابلو : عبثاً تحاولين. فأنا لا أستطيع العودة إلى الوراء. ولو استطعت فلن أعود. أنت التي تعرفين كل شيء: ما الذي أحس به يضطرب بآن واحد في روحي وفي جذر دمي؟‏

مارغا : لا أدري... عساه يكون ذات الإحساس الذي يختلج في نفسي!‏

بابلو : أترتعش الكلمات في داخلك أيضاً قبل أن تلفظيها؟‏

مارغا : ترتعش أيضاً.‏

بابلو : إذاً، لا يوجد شيئان كبيران فقط. بل هناك شيء ثالث يجعل حنجرة المرء ترتعش.‏

مارغا : نعم، يا بابلو، يوجد سر ثالث، هو شبيه بإحساسك بالله تقريباً، شبيه بإحساسك بالموت قليلاً.‏

بابلو : قولي هذه الكلمة الثالثة. أريد سماعها منك!‏

مارغا : لا لزوم لذلك، يا عزيزتي، حين تكون الكلمة الثالثة صادقة فالأفضل أن تُقال بصمت. هكذا. (تجذبه إليها بلطف ثم بهوى كامل. وبينما يتبادلان القبل يسقط الستار ببطء)‏

ستار‏

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244