الكلمة الثالثة - تأليف أليخاندرو كاسونا - ترجمة علي أشقر

(مسرحية في ثلاثة فصول) - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:25 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الأستاذ : ماهي رياضتك المفضّلة؟‏ ‏

بابلو : ماذا يمكن أن تكون؟ صيد البر والنهر.‏

الأستاذ : (ظافراً) ألم أقل ذلك؟ إنها هوايات الإنسان البدائي: عنف الغزو. (يسجّل). وأنا واثق من أن الهواية الأخرى في الأساس هي الحرب.‏

بابلو : آه! هذا غير صحيح. ما أنا إلا متوحش مسكين. أما الحرب فيستأثر بها المتحضروّن.‏

الأستاذ : كلامك في محله، أيها الشاب.‏

بابلو : شكراً لك يا دكتور.‏

الأستاذ : أتعجبك الألوان القوية؟‏

بابلو : كل ما هو قوي يعجبني.‏

الأستاذ : والأشياء اللامعة؟‏

بابلو : تسحرني.‏

الأستاذ : كنت واثقاً من ذلك. (يسجل) ومن الأشياء اللامعة: أيها تحب؟ العقود الزجاجية... العدسات؟‏

بابلو : (على شكل طبيعي) النجوم وعيون النساء.‏

أنخلينا : (تفيض فخراً) سجّل، يا أستاذ، سجّل!‏

لولو : أسمعت يا فيفي؟ أليس فاتناً؟‏

فيفي : إنه فاتن، متى نخرج إلى الحديقة؟‏

الأستاذ : بعدئذ، يا نينا، الآن، أنا بحاجة إليه؛ قل لي أي الكلمات تعجبك أكثر، الطويلة أم القصيرة؟‏

بابلو : القصيرة.‏

الأستاذ : كنت أقسمت على هذا! (يسجل) مع ميل إلى تكرار المقاطع. أليس كذلك؟‏

بابلو : لم أفهم.‏

الأستاذ : أعني كالأطفال الذين يسمّون ينبوعاً: "غلو-غلو" وجرساً "تان-تان"‏

بابلو : كلا! لم أسمع بهذا إلا هذه الليلة: "نعم: ما-ما -كلا، في- في- نعم: لو-لو"‏

ماتيلده : سجل، يا أستاذ، سجل.‏

لولو : (تنهض مهانة) هذه فظاظة!‏

خوليو : (يهرع إلى التدّخل) مهلك يا سيدتي لا ينبغي أن تأخذي الأمر هذا المأخذ.‏

رولدان : أليس من الأفضل ترك هذا الإستجواب، وتناول العشاء بهدوء؟‏

الأستاذ : اهدأ، اهدأ... الشاب أجاب ببراءة.‏

لولو : بل قال ذلك بقصد كامل. أتدعه يشتمنا؟‏

فيفي : (تنهض أيضاً) هيّا بنا، يا أبي. العربة مكشوفة، والجنائني يقول إنها على وشك أن تمطر.‏

بابلو : نعم، يبدو لي أن عاصفة ستهّب الليلة: (يرمي، وكأنه يلعب، بسكين كانت في يده. السكين تنغرز مرتجّة في المنضدة)‏

الأستاذ : هل لكم أن تعملوا خيراً فتجلسوا جميعاً؟‏

رولدان : خير لك أن تدعه وشأنه، يا أستاذ. هذه نصيحة.‏

الأستاذ : سؤال واحد فقط. وهو الأخير والأدق. لكن، أتعدني بالأ تغضب؟‏

بابلو : (يحاول السيطرة على نفسه بشكل ملحوظ) أنا هادئ تمام الهدوء. قل (عاد المدعوون للجلوس. تسود لحظة صمت وترقب في السكون تسمع العمة أنخلينا تهدئ أعصابها في "غابات فيينا")‏

أنخلينا : ترا-رام ترا-رام... بام... بام.‏

بابلو : اتركي شتراوس، يا عمتي. قل. قل.‏

الأستاذ : أنت لا ريب، تشعر بمحبة كبيرة لجيادك وكلابك!‏

بابلو : أنا مغرم بها.‏

الأستاذ : بالطبع، إنها مفيدة لك. لكن، ألا تحس في قرارة نفسك، أحياناً بميل الأطفال لتعذيب الحيوانات بقسوة؟‏

بابلو : أنا أعذّب الحيوانات؟ أبداً. وها أنت ترى: حتى أسمح لبعضها أن تلقي عليّ أسئلة، وتكتب ملاحظات.‏

الأستاذ : (شاحباً) أينبغي أن أفسرّ هذه الكلمات على أنها إهانة؟‏

بابلو : آه! أتريدها أكثر وضوحاً؟ إذاً، تابع يا أستاذ، تابع!‏

ماتيلده : (تنهض مذعورة) لا يا بنيّ، لا. بهذا تجاوزت الحدود.‏

أنخلينا : (تنهض بدورها في تمرّد لا يُصدق على أختها البكر) اسكتي أنت! كِلْ له بكيله يا بابلو، كلْ له. (تنفجر الفضيحة. كلهم وقوف. وتتراكم التعليقات)‏

لولو : هذا لا يسكت عليه.‏

رولدان : اهدؤوا يا سادة. إنه عشاء عائلي.‏

لولو : أطلب منك اعتذار على الفور.‏

فيفي : عجباً يا أبي! حانت الساعة التي يبدأ فيها بالعواء.‏

خوليو : لكن، أتنبّهت لما قمت به؟‏

الأستاذ : (محاولاً فرض سيطرته) اهدؤوا، يا أصدقاء. باسم العلم اسكتوا جميعاً!‏

لولو : أتعرّض نفسك للخطر؟‏

الأستاذ : قلت: اسكتوا. ما تهمّ نوبة من الغضب؟ فالغضب هو ببساطة تفريغ للأدرينالين.‏

بابلو : (يُستثار كل مرة أكثر) ما أروع هذا العلم! فالإنسان يبذل حياته في سبيل شيء جميل... أو يشيد كاتدرائية... أو يمجن بالحب... كل ذلك ليس شيئاً، أيها السادة. هو مجرد تفريغ للأدرينالين. وبأي شيء يُكافح الأدرينالين، يا أستاذ؟‏

الأستاذ : بالأنسولين، يا فتى. وإذا كان هناك خطر، فالبسكّر.‏

بابلو : إذاً، قد نجونا بجلودنا. السكر للرجال الأحرار والأقوياء! السكر للكاتدرائيات والشعوب! مستقبل العالم يتوقّف على السكر! (على صيحات بابلو، تظهر مارغا في السلم، مرتدية ثوب حفلة. تتأمل بدهشة نهاية المشهد، وتهرع صوبه محاولة تهدئته)‏

المذكورون ومارغا.‏

مارغا : بابلو! عزيزي بابلو! اهدأ... اهدأ، من أجل مصلحتك!‏

بابلو : انظري هنا إلى ناس عالمك. أ إلى هذه القاذورات تريدين أن تقوديني؟‏

مارغا : لكن، ماذا صنعتم حتى دفعتموه إلى هذا الوضع؟‏

بابلو : انظري إليهم: يبدون رجالاً ونساء. لكن أحقاً هم كذلك. كلا! هم دمى من الخزف. فرقة للبكاء، وفرقة للضحك وثالثة للتحية. (يؤدي التحية بحركات مهرّج إيطالي) بونجور موسيو، بونسوار مدام!‏

مارغا : لا أفهم ما جرى هنا أبداً. لكن، انسحبوا جميعاً، أرجوكم!‏

بابلو : سيكون أفضل... أمر مخجل!‏

بابلو : (يوقفهم) انتبهوا إليّ! الم تأتوا إلى السيرك لتتمتّعوا برؤية الإنسان البهيمة؟ إذاً تشجّعوا! الحفلة ستبدأ عما قريب. لكن البهيمة هي التي ستقود الحفلة الآن! (يتناول جرساً صغيراً من الصوان وهو ينادي صارخاً) إوسوبيو! إوسوبيو!‏

مارغا : (تتشبثّ به معانقة) بأغلى ما تحب يا بابلو! (يبعدها بعنف ويهزّ الجرس مقلداً أصوات وحركات مهرّج في المعرض)‏

بابلو : افلتيني! ادخلوا، يا سادة، ادخلوا. هذه الليلة عندنا مجموعة من (النمر)‏

(مشيراً إليهم واحداً فواحداً)‏

الأستاذ اللامع‏

لا فكرة واحدة لديه.‏

إلا من الكتب حواليه‏

(دقة جرس)‏

الأم المزواجة‏

من الداخل قوّادة‏

ومن الخارج محترمة‏

(دقة جرس)‏

الأميرة الصغيرة فيفي‏

أنذهب إلى الحديقة؟ خي!خي!‏

أتريدين القمر؟ خي! خي!‏

أتريدين عريساً؟ آي. سي! سي!‏

(دقة جرس)‏

والآن! إليكم .... التالية:‏

رولدان: المدير‏

رولدان: المحامي والمستشار‏

رولدان: المزوّر‏

ادخلوا يا ستادة! ادخلوا لتروا قصة علي بابا الجميلة والأربعين من آل رولدان!‏

خوليو : (متقدماً) كفى يا بابلو، ولا كلمة أخرى!‏

بابلو : (يدق الجرس بإشارة تحدّ) والآن، حان الوقت! أخيراً، عثرنا على رجل هنا! عجلّوا! ألا ترون إني بحاجة إلى رجل يجيبني؟ فوراً! (يتقدم خوليو خطوة. مارغا تعترضه)‏

مارغا : قف عندك! في هذه اللحظة، أنا الوحيدة القادرة على التحدث إليه!‏

رولدان : دعه! هو خارج عن طوره. (يتقهقر مع الأب)‏

بابلو : للأسف! كنت أظن أني سأعثر على رجل هنا. لكنه كان إنذاراً كاذباً. انظري إليهم يا مارغا! كلهم دمى من الخرق والكرتون. لكنهم لن يجرّوني إلى عالمهم السكري.‏

(يعود فينادي صارخاً) إوسوبيو! إوسوبيو!‏

المذكورون وإوسوبيو.‏

إوسوبيو : (يظهر لحظة من باب الحديقة) سيدي..؟‏

بابلو : أسرج لي حصانين فوراً! (يخرج إوسوبيو) وأنتم اخرجوا. وإذا وجدتكم هنا بعد نزولي، سأطردكم بالسياط! أريد بيتي نظيفاً!‏

(يتجه صوب السلم وهو ينزع بزة "السموكينغ") اخرجوا من هنا، أيتها القاذورات!‏

اخرجوا... (يصعد مهرولاً)‏

مارغا : آسفة لهذا المشهد، يا سادة! وأنا أعتذر إليكم نيابة عنه.‏

لولو : بعد فوات الأوان بكثير، أهنئك على هذا التلميذ: هيا بنا يا أوغستو!‏

فيفي : ما كان ينبغي لنا أن نأتي إلى بيت المجانين هذا!‏

رولدان : كان لا بد أن يحدث، ما حدث ذات يوم. إنه إرث من الأب.‏

خوليو : سجّل يا دكتور: نعم، هذه فكرة جديرة بالاهتمام.‏

ماتيلده : الخطأ خطؤكم، لمّا أردتم أن تسخروا منه.‏

أنخلينا : اعذروه. من المؤكد أنه شرب وهو غير معتاد على الشرب.‏

الأستاذ : من العبث الاعتذار. في حال وجود بهيمة من هذا النوع في بيت، يحجر عليها. هيّا بنا. (يأخذون بالخروج)‏

مارغا : شيّعيهم يا ماتيلده، وكذلك أنت يا أنخلينا. دعوني معه لوحدي. (يخرجون جميعاً وسط احتجاج وصيحات استنكار تختلط ببعضها. مارغا تنتظر لحظة حتى رأتهم قد خرجوا ثم تهرب صوت السلم. خوليو الذي ظل متنحيّاً يسدّ عليها الطريق)‏

مارغا وخوليو.‏

خوليو : لحظة! أولاً، يوجد أمر علينا أن نحلّه أنت وأنا‏

مارغا : ولماذا؟ لم يعد يهمنّي شيء مما قد تقوله لي.‏

خوليو : وما يمكنني أن أقوله له؟‏

مارغا : ولا هذا أيضاً. إذا كانت هي الرسالة التي تنتصر بها، فقد أخطأت اللعبة.‏

خوليو : أتنكرين أنك لستِ مغرمة بهذا الرجل؟‏

مارغا : بروحي ودمي كليهما معاً!‏

خوليو : أولاً تخشين من فقدانه؟ أم أنك تحسبين، أني سأسكت كما في المرة السابقة؟‏

مارغا : لست بحاجة إلى أن تقول شيئاً. كل ما ينبغي لبابلو أن يعرفه، سأقوله له فوراً.‏

خوليو : لا أصدّقك. قلت لي أيضاً إنك غير قادرة على الكذب. فماذا عملتِ كل هذا الوقت؟‏

مارغا : شيئاً لم أعمله أبداً حتى الآن: أن أكون سعيدة!‏

خوليو : يمكنك أن تظلي سعيدة، إن أردت. أولاً، فالأجل المعطى لك ينتهي هذه الليلة.‏

مارغا : أعرف ذلك. كنت أنتظره بخوف يوماً فيوماً. لكن، كان جميلاً جداً أن أغمُض عينيّ وأطيل مدى كل دقيقة حلوة... كطفل فقير يقضم قليلاً قليلاً كسرة من الخبز الطري!‏

خوليو : وغداً؟‏

مارغا : الغد لا يهمّني. وعلى فقدان هذا الخبز أنا معتادة .‏

خوليو : فكري بالأمر جيّداً. وإذا رفضت مساعدتي يبقى أمامي طريق واحد فقط.. ويمكنني أن ألحق ببابلو ضرراً أسوأ مما تتخيّلين.‏

مارغا : أسوأ من أن تفرّق بيننا إلى الأبد؟‏

خوليو : أسوأ بكثير. هذه النوبة من الغضب الجنوني لا تدع مجالاً للشك. الأستاذ يمكن أن يكون شاهداً ممتازاً أمام المحاكم.‏

مارغا : (تتقهقر مذعورة) ماذا تعني بقولك؟‏

خوليو : أعني ما تفكرين به تماماً.‏

مارغا : لا!‏

خوليو : بعد عشرين عاماً قضاها بصحبة أب مجنون. أترين من الصعب الحجرْ على رجل يتحدّث إلى الطيور ويرى الله في البروق.‏

مارغا : كلا! هذا ما لن تحصل عليه ما دامت فيّ قدرة على الصراخ!‏

خوليو : ولِمَ لا تتكرّر معه قصة الأب؟ ألم تتكرر معكِ قصة الأم؟‏

مارغا : سافل! (ترفع يدها متحفّزة للكلمة على فمه. يوقفها بقوّة ويسيطر عليها حتى يكاد يعانقها)‏

خوليو : الحل بيدك. قرّري يا مارغا! قرري الآن (يظهر بابلو في السلّم، لابساً حذاء الركوب ويرتدي سترته، وعند رؤيته لهما هكذا يهبط بقفزة واحدة)‏

مارغا وخوليو وبابلو.‏

بابلو : أنت لا تزال هنا؟ وتضع يديك الملوّثتين على هذه المرأة؟ (يمسك بسيخ المدفأة الحديدي، ويتقدّم مهدداً) وما هذا الشيء الذي يجب على مارغا أن تقرره؟ تكلم!‏

مارغا : كلا، يا بابلو! بحياتك!‏

بابلو : تكلم، أقول لك!‏

خوليو : ما أنا الذي يجب أن يتكلّم. وإنما هي. أليس صحيحاً يا مارغا؟‏

مارغا : نعم، يا خوليو. أنا سأقول لك، لكن، اخرج أنت، قبل أن يفوتنا الوقت جميعاً.‏

خوليو : استمع إليها جيداً. إنها قصة قديمة قليلاً. لكنها ستهمك كثيراً. وداعاً! (يخرج)‏

مارغا وبابلو.‏

بابلو : لماذا حميت عن هذا الرجل بجسمك؟‏

مارغا : ليس من أجله، وإنما من أجلك. لأني رأيتك تحمل الموت بين عينيك.‏

بابلو : وهذه القصة القديمة الهامة جداً؟‏

مارغا : استمع إليّ يا بابلو! أقسم لك إني أبذل حياتي لأجنبّك الضرر الذي قد تلقاه مني. لكنني لا أريد أن تبقى بيننا كذبة واحدة، ولا صمت. هذا الرجل كان عشيقي ذات يوم. (يترنّح بابلو كمن يتلقّى لكمة. يسقط سيخ الحديد من يديه يتأخر رد فعله لحظة وكأنه لا يستطيع أن يفهم)‏

بابلو : ماذا قلتِ؟ لا... مستحيل أن أكون سمعت جيداً.‏

مارغا : أفهم موقفك يا عزيزتي. وأنا يبدو لي صعباً أيضاً. لكن هذا الرجل الذي لا يثير فيّ إلا الاحتقار... هذا الرجل كان عشيقي.‏

بابلو : (متجهّماً) لا، يا مارغا! قولي إن الشمس لن تطلع غداً... قولي إن العالم سينفجر في هذه اللحظة. سأصدق كل ما تقولين إلا هذا!‏

مارغا : ماذا يفيد السكوت؟ فلا بد من أن تعرف ذات يوم. والأفضل أن أقوله لك أنا فعلى الأقل يكون أوضح.‏

بابلو : إذاً، الأمر صحيح؟ أنت التي كنت لا أستطيع أن أقبلّها دون أن أرتعد من رأسي إلى أخمص قدمي! أنت القديسة، الوحيدة... أنت أيضاً؟‏

مارغا : نعم يا عزيزتي. لسوء الحظ أنا أيضاً.‏

بابلو : وتجرئين على قول ذلك؟ وتواجهينني ناظرة إليّ!‏

مارغا : لا أجد ما يدعوني لأغضّ بصري. يؤلمني كما يؤلمك. لكنني لا أشعر أني مذنبة. لذلك لا أطلب منك الصفح.‏

بابلو : لا بأس! (يتحدّث دون أن ينظر إليها) إذاً، لست بحاجة إلى حصانين، حصان واحد يكفيني.‏

مارغا : كان ذلك منذ سنين، حين كنت لا أزال طالبة وأعيش وحدة خانقة.‏

بابلو : (بتشنج) كفى! أطلبت منك توضيحاً؟‏

مارغا : هو ليس توضيحاً وإنما وداع.‏

بابلو : بإمكاني أن أوّفره عليك، عيون زرق أم خضر. أديلائيدا! أم مارغا ما هي النتيجة؟ كلكن سواء في العمل لتدمير الرجل.‏

مارغا : أيمكنك الاستماع إليّ لحظة واحدة؟‏

بابلو : ولأي شيء؟ كل ما بيننا قيل وأنتهى. وها هو الباب دونك!‏

مارغا : لست بحاجة لتطردني بالسياط كما يُطرد الكلب. لقد حزمت أمتعتي.‏

بابلو : ماذا تنتظرين إذاً؟‏

مارغا : أريد فقط أن أقول لك وداعاً. لكن دون أحقاد؛ وأضع يدي في يدك.‏

بابلو : لا تضيعي وقتك سدى. أسرعي، خوليو لا يزال غير بعيد من هنا! وما زلت تستطيعين اللحاق به.‏

مارغا : (ترد مجروحة) هذا لن يكون. ابتعد عني إن كنت غير قادر على الفهم. لكن، ليس من حقك أن تشتمني.‏

بابلو : اخرجي، قلت لك، ألم تسمعي؟ أريد بيتي نظيفاً.‏

مارغا : (بقوة متصاعدة) أولاً، عليك أن تستمع لي بإحترام دون صراخ، ودون سياط. لأنك في هذه اللحظة أصغر مني بما لا يقاس. أنت صغير جداً تثير الشفقة فيّ يا بابلو الشفقة والخجل.‏

بابلو : إذاً، أنا من يجب عليه أن يخجل؟‏

مارغا : نعم، أنت! الرجل القوي، الرجل الحر، الرجل الطاهر!... كل ما كان يثير إعجابي بك دمرّته في هذه اللحظة. فماذا تفيدك قوتك الحيوانية؟ لتحطيم امرأة بائسة! ماذا تفيدك حريتك؟ لتنفي حريتي! وطهرك المشهور، أين هو؟ انظر ما أنت عليه الآن: في أبشع صورة، نصف متوحش ونصف دمية بكل الغرائز التي جلبتها من الجبل وكل المساوئ الحمقاء التي اكتسبتها هنا.‏

بابلو : هذا ما صنعته مني. يمكنك أن تكوني فخورة بعملك.‏

مارغا : هو الشيء الوحيد الذي نطقت به صواباً. أردت أن أهبك روحاً كبيرة بحجم قوتك. لم أعرف صنعها. كنت أحزن إخفاق في حياتي. على كل حال، إن وجد شخص هنا مدين لي فهو أنت.‏

بابلو : (بقسوة) أنا لا أريد أن أكون مديناً بشيء لأحد. إن كنت تظنيّن بوجود حساب معلّق مرّي على الإدارة.‏

مارغا : ماكنت أتوقع هذا. إنها ضربة خسيسة، لا تليق بك. لكن، إن أردت إلحاق الأذى بي حتى النهاية، فلم تعمل إلا القليل بعد. ولما لا تأمر تفتيش أمتعتي كما يصنع بالخادمات السارقات؟ انظر إن كنت أخفيت شيئاً؟ هل عددت جواهر العائلة والآنية الفضية؟‏

بابلو : لا يهمّني أن تحمليه معك. لقد تعوّدت أن يسرقني الجميع.‏

مارغا : أحقاً؟ إذاً، عدّ قطرات دمك لترى إن كان ينقص منها شيء، لأني أحمل خير ما في بيتك. أحمل طفلاً!‏

بابلو : (يلتفت بعنف) طفل؟ طفل مني...؟‏

مارغا : بأي حقّ تسميه طفلك؟ أنت لم تضع فيه إلا الغريزة. أما الإرادة فقد وضعتها أنا؛ وهي الشيء الوحيد الذي أملكه، ولا يستطيع أحد أن يسلبنيها. وشكراً لك لأجله! (تهم بالخروج. يسد بابلو عليها الطريق)‏

بابلو : قفي عندك! أتظنين أنك ستجذبينني إليك بهذا الرباط؟‏

مارغا : دعني أمر!‏

بابلو : كلا! لن تخرجي الآن حتى تضعيه. بعد ذلك اذهبي حيث شئت. لكن سترحلين وحدك. (يبعدها بعنف) والقصة تعيد نفسها: أنتِ إلى عالم العرائس والدمى، وأنا وابني إلى الجبل.‏

مارغا : (بنشوة الحمى) هذا لن يحصل أبداً. ابني سيكون أكبر عمل في حياتي، بكل الجانب الحسن فيك، والجانب الحسن فيّ. لن يكون حيواناً ولا دمية. سيكون إنساناً بالأبعاد الصحيحة للإنسان أتسمعني؟ وأخيراً، أريد أن أكون أم إنسان حقيقي إنسان كامل... إنسان! (ترتخي ركبتاها... يسندها بابلو)‏

بابلو : مارغا..! مارغا...! (مارغا يغشى عليها، يحملها بين ذراعيه ويضعها في مقعد قرب المدفأة) لم أكن أدري ما أقول. (يركع عند قدميها. ويقبل يديها) ما كنت أستطيع تقبّل فكرة أن يلمس رجل آخر شعرة واحدة من شعرك الذي كان غايتي الوحيدة. أفيقي يا مارغا! انظري إليّ باحتقار، لكن، دعيني أرى عينيكِ. اشتميني إن شئت، لكن، دعيني أسمع صوتك! مارغا!... مارغا...! مارغا! (مارغا تظل ساكنة. تطفأ الأضواء كلها فجأة ما عدا شمعدانين، وانعكاس النار. هبّة هواء تحرّك الستائر. أخذ بابلو يحس بالخوف الحيواني من اللامرئي الذي زعزع طفولته في الجبل) لكن، ماذا يعني هذا؟ هاتان اليدان الساكنتان... هاتان العينان الخاليتان من النظر... أي بردٍ تسلّل هنا في الظلام! (ينهض مرتعداً ويقف إزاءها ليغطيها بجسده) لا: لا للموت. أبذل حياتي كلها من أجل لحظة واحدة من حياتها. أو نموت معاً! لكن. لا تتركني وحيداً مرة أخرى، لأني سأقتل نفسي هنا، إلى جانبها! لن أكون وحيداً بعد أن تعرّفت عليها. لن أكون وحيداً أبداً. (حينئذ ينفجر رعد، ويخفق برق خاطف من الحديقة، بابلو يقف مبهوراً إزاء ومضة الضوء) شكراً، يا الله... شكراً. (مارغا تعود إلى وعيها ببطء)‏

مارغا : بابلو، عزيزي... (بابلو يهرع مرة أخرى عند قدميها)‏

بابلو : أنا هنان يا مارغا... أنا معك دائماً.‏

مارغا : لكن، لا تتركني على هذا الوضع... أنا لا أقوى على شيء. أحس كأنني أموت.‏

بابلو : لا تخافي لن يجرؤ الموت على الاقتراب منك، لأن الحياة تسري الآن في داخلك. الله معنا... وهذه الكلمة التي لم تقوليها لي أبداً!‏

مارغا :(تضمه بعنف لطيف إلى حضنها وتداعب رأسه المهزوم) الحب... الحب... الحب. (ستار)‏

ختام.‏

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244