بـيـن الـقـلـعـــة و الســــــــــور - د.علي سلطان

مسرحية - عن منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المشهد التاسع

( فاصل موسيقي.. تعتيم للحظات طويلة.. يسطع النور، يفتح السرادق)

سالم : أيها الناس، نقدم إليكم اليوم سرادقاً جديداً في عهد جديد. بالأمس هزئ السرادق من أبي قابوس، ذلك الملك العظيم الذي فرق بين البؤس والنعيم. ونحن اليوم جميعاً في هذه المدينة نرى هؤلاء ملوكاً عظاماً، وسوف ترونهم الآن، ومن يخالف فله البؤس والعقاب، والناس على دين ملوكهم كما تعرفون.

( قاعة كبيرة يحضرها كبار القوم)

هادم :( عبد الملك بن مروان) من بالباب أيها الحاجب؟

الحاجب : الأخطل يامولاي.

هادم :يدخل

الأخطل : ( في ثوب جميل) السلام على مولاي الخليفة.

عبد الملك : أهلاً بك، تفضل واجلس.

الأخطل : في فمي درة أخشى أن يحاسبني مولاي على تأخيرها.

عبد الملك : أجلُ لنا درتك في أسماعنا.

 

نفسي فداء أمير المؤمنين إذا

 

 

أبدى النواجذ عارم ذكرُ

الخائض الغمرة الميمون طائره

 

 

خليفة الله يستسقى به المطرُ

الله.. لك كذا وكذا وكذا..

 

 

وله الراح في كل أرض يكون.

رجل :والله لقد أحسن وأجاد.

رجل ثان :ٍ وخير من جاء في مكانه وزمانه.

ثالث : والله ما زاد كلامه جمالاً إلا كونه وصفاً لخليفتنا العظيم.

عبد الملك : ولك كذا وكذا.

صاحب : عجباً كيف تحط النعم على أصحاب المجون والخمر.

عبد الملك : ماذا أسمع؟

فوز : مولاي، بل حسبنا أن جئنا إلى مجلس الندى وبطون الراح.

عبد الملك : هذا لنا فحسب، وأنتما ما شأنكما؟

فوز : أتينا في إثر الأخطل، أوهمناه أنا تابعون له، فصدق من سكر.

عبد الملك : وماذا تريدان؟

فوز : سمعنا فاردنا أن نرى.

عبد الملك : وماذا رأيت؟

فوز : رأيت أن نعود بسلام.

عبد الملك : دون حاجة؟

فوز : نالها الأخطل.

عبد الملك : وأنت ماذا تجيدين؟

فوز : التجوال وراء السراب والأخبار والأوهام والحقيقة.

عبد الملك : تجولي ، فارضنا واسعة، وإذا وصلت إلى الحقيقة كالأخطل، فعودي وخاطبينا.

فوز : لك الشكر، فأرض الله واسعة...

( يخلع الممثل عمامته ويلبس عمامة سيف الدولة ولا يتغير شيء في المشهد بعد خروج فوز وصاحب)

المتنبي (صاحب) : في مجلس سيف الدولة.

ليس إلاك ياعلي همام

 

 

سيفه دون عرضه مسلول.

*

أنت طول الحياة للروم غازٍ

 

 

فمتى الوعد أن يكون الأفول؟

*

وقفت وما في الموت شك لواقف

 

 

كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة

 

 

ووجهك وضاح وثغرك باسم.

سيف الدولة :رائع ياأبا الطيب، رائع قولك.

رجل : أميرنا واحد أوحد ، يستمع إلى شاعره المخلص العظيم المتنبي

رجل آخر : الممدوح الكبير يجلب الشعر العظيم ، ولولا مولانا الأمير لما كانت قريحة المتنبي .

سيف الدولة : آراؤكما بليغة، وحمداً لله أن وهب لنا رجلاً فالمتنبي له تلك المشاعر وذاك اللسان.

المتنبي : لو تأذن لي بالانصراف اليوم.

 

سيف الدولة : تفضل، وهذه مكافأتك وأنت أكبر منها.

( المجلس ذاته- إعتام ثم إضاءة، يوم آخر)

ابن خالويه : مولاي الأمير، هل سمعتم ما قال المتنبي؟

سيف الدولة : وماذا قال؟

ابن خالويه : مدح نفسه وتجاوز كل كبير.

سيف الدولة : وهل غزا الروم أيضاً؟

ابن خالويه : بل غزا أكبر من الروم، لقد غزا بسيفه وحصانه الليل والنهار والعلم والأدب والثقافة...

سيف الدولة : وما نفع الكلام إذا كان فارغاً من الحقيقة!

ابن خالويه : كلام المتنبي ازدراء للكبار، فوصف البخيل بالكرم هو ازدراء للكرم.

ابن جني : لاتهول الأمر فالمتنبي مخلص لمولانا الأمير.

ابن خالويه : لقد تجاوز حده، فهو القائل:

 

الخيل والليل والبيداء تعرفني

 

 

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

وقال :

 

أي عظيم أتقي

 

 

أي مكان أرتقي

وكل ما خلق الله

 

 

وما لم يخلق

محتقر في همتي

 

 

كشعرة في مفرق.

سيف الدولة : يحضر حالاً ( بعد قليل يدخل المتنبي).

المتنبي : السلام على مولاي الأمير.

سيف الدولة : وعليك السلام ، اجلس، لم نسمع منك منذ مدة.

المتنبي : أنا دائم القول يامولاي.

سيف الدولة : بمن؟

المتنبي : بكم، بالناس، بالقيم ، بالدنيا،

سيف الدولة : وبنفسك.

المتنبي : وأنا منها..

سيف الدولة : مدحت نفسك وتجاوزت فيه غيرك.

المتنبي : هو من طبيعة الأمور يامولاي، وما من أحد إلا ويحس بنفسه كبيراً.

 

سيف الدولة : ربما ، لكن ذلك يوقع في الخلل، فكيف تفسر أن كل ما خلق الله محتقر عندك؟

المتنبي : لكل مقامه ومكانته، والكلام لايرفع المنحط ولا يحط العالي، وأحسُ أن هذا الموضوع من صنع هؤلاء الجالسين غيرة مني.

سيف الدولة : لكنك مدحت نفسك عالياً.

المتنبي : فعلت ولا أراه محرماً علي، وأنا من مدح الآخرين، وكلامي بكم طبق الآفاق.

ابن خالويه : وضعت نفسك فوق الأمير في شعرك.

المتنبي : لكن هو هو من تعرفون، وأنا أنا من تعرفون، وأنت أعجمي وأصلك خوزي فمالك وللعربية!

ابن خالويه : أنت خبيث ومجادل.

المتنبي :

أعنيذها نظرات منك صادقة

 

 

أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

 

 

وأسمعت كلماتي من به صمم.

 

 

سيف الدولة : (يضرب المتنبي بالدواه فيسيل دمه من وجهه ويخرج)

ابن خالويه : فصلت القضية ، فلا يباح الكلام في كل مجال ، ولكل مقام مقال ، وعظيم الثناء للأمير العالي .

( يخرج سيف الدولة ويعود بعمامة العزيز الفاطمي في مصر).

العزيز : ومن جاء مجلسنا من الشعراء مادحاً؟

الحاجب : ابن هانئ الأندلسي يامولاي،

العزيز : ليدخل (يدخل بلباس أندلسي زاهٍ وجميل) السلام على خليفة كل المسلمين.

العزيز : تفضل اجلس.. جئت إلينا ، فكيف رأيت بلادنا وأرضنا؟

ابن هانئ : خير خليفة على أكرم ناس وأطيب أرض.

العزيز : والأندلس؟

ابن هانئ : جميلة يامولاي

العزيز : ما عندك.

ابن هانئ : عندي لمقامكم العالي المقدس ما لم يسمع به أحد من قبل.

العزيز : على كل ما قيل سابقاً؟، هات أسمعنا.

ما شئت لاما شاءت الأقدار

 

 

فاحكم فأنت الواحد القهار

الحضور : ياألله، ياللقدسية، ماذا نسمع، هي إلهيات...

 

شهدت بمفخرك السموات العلا

 

 

وتنزل القرآن فيك صريحاً.

الحضور : الله .. كلام يلجم الفكر واللسان .

 

من يشهد القرآن فيه بفضله

 

 

وتصدق التوراة والإنجيل

الحضور : فوق إدراكنا...

 

هو علة الدنيا ومن خلقت له

 

 

ولعلة ما كانت الأشياء

( يقوم الحضور ويسجدون بين يدي العزيز ولا ينهضون إلا بعد سماع صوته).

العزيز : بقدرتي، هيا انهضوا، وأنت أيها الأندلسي لك المكافأة العليا.

يدخل ( الحاكم الجديد) : هيا تابعوا، فهذا اليوم نرى سرادق لا أحلى ولا أعظم، فليكن هكذا الجلال.

مرجانة : مولانا، لقد شرفت السرادق والمتسردقين فيه، لكنه كان خالياً من النساء، سرادق جاف، الرطوبة يامولاي.

الحاكم : لكنه الزمن، أما الآن فنحن في موقع مختلف

مرجانة : لو ندمج يامولاي الماضي بالحاضر. وأنتم تحملون الأثنين.

وعد : وعندي مشهد لاأمتع ولا أحلى، ونحن نحتاج إلى عظيم يحمل أمجاد الغابرين والحاضرين، وخاصة ممن شهدنا في هذا السرادق.

هادم : صحيح يامولاي، وأنت هو العظيم ، فمن يدانيك في هذا الزمن!

مرجانة : وحولك العز والرجال والنساء.

هند : وأنا من مدبري القصور والاحتفالات...

هادم : إقبل ولا تتردد يامولاي، فنحن حقاً بحاجة إلى عظمة وقوة وجد، لا إلى سرادق مائع مملوء بالكلام فقط....

الحاكم : لكني أنا الحاكم فعلاً ، فماذا تريدون زيادة.

هادم : اجعل السرادق على مثالك، فمن يشهده كأنه يسمعك ويراك...

فوز : لايامولاي، يريدون أن يستأثروا بالسرادق ويحولوه إلى مكان للنفاق والدجل وتخريب النفوس.

صاحب : كان السرادق منارة للجميع وأنت تعرف يامولاي، وبفضله عاشوا أحراراً وأحبوا حاكمهم ورفعوا صيته عالياً، فلماذا لايستمر، أما أقوال هؤلاء الغرباء على أرضنا فليس إلا للهدم والخراب، وأنا لك ناصح.

هادم : كبر وخرف، والثبات موت والحركة حياة، فدعنا نغير يامولاي، وإلا كنت وكنا جميعاً ظلالاً لمن سبقنا ومات.

فوز : التغيير إلى أعلى أحسن، لكن لا إلى هدم وتخريب ياهادم.

هادم : غاضبان وخائفان على مكانتهما، والغاضب لارأي له ولا يستشار. لاتترد يامولاي، ستكون الأول في التاريخ، فكن وحيد زمانك.

الحاكم : كلام جميل، وهل عندكم ما نسمع الليلة في السرادق؟

هادم : جديد يامولاي، وسوف تسر بلا حدود.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244