جسر الموت - باسم إبراهيم عبدو

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-8-

يولد الإنسان، ويهرم، ثم يتفسّخ. الحيوانات تشيخ ثم تنفق. إننا مخلوقات نافقة، سائبة. عندما يحتاج الفلاح حيواناً في سني الغلال، يفتش، ويبحث عنه، يجدله مربطاً، وراء مذود. . لاأحد يفتش عنّا. تزول الأشياء، وتتجدد الحياة كل ساعة، وتُغتصب كل دقيقة كرامة الإنسان. تبقي الأحلام دون قيد. لا يستطيع حاكم أن يقيدها، أو إمبراطور أن يشدّ رسنها. أنا حرّ في أحلامي، وكذلك حيّان، وأبو بسام "الرنكوسي" وأبو فارس، وأسعد، ومحمد، ورؤوف. . و...‏

لا تستطيع أية قوة أن تقتحم أحلام الناس، حتى، ولو استخدمت أحدث الأسلحة. حين يتقيد الجسد، أو يُربط بسلاسل، تبقي الأحلام تسرح. تخشع لها أعظم الشخصيات، وترعى في مراعيها أجمل النساء!‏

لا يستطيع أحد أن يلجم أحلامي، ويقطع حلقاتها الجميلة. لايمنعني أحد من التفكير بسيقان المرأة التي تعوّدت الذهاب إلى الشاطئ كل يوم في فصل الصيف. أظلّ أحلم ببقعة الرمل التي طوّقت جسدها، والرمال التي قبلت شعرها الأسود وجسدها المحروق بالشمس، وحلمتي ثدييها اللتين تغنيان للسماء.‏

أحلامي تتطاير كالهواء الذي يعبث بشعرها، ويداعب أهدابها. يرسم جمالاً خلاقاً على خصرها. . لا أحد يستطيع أو يملك الحق بسجن أحلام حيّان، واعتقالها. حيّان يحمل منظاره. ينقل أحلامه إلى عينيه. تضمر، يغمرها الحزن، حينما يرى في سكون الليل، رجلاً يداعب زوجه، أو عشيقاً يغازل حبيبته. يعصر حلمتيها. يشهق مرتعشاً. وعندما يخلع المنظار عن عينيه، يعود إلى أحلامه، فيضاجع السكون السابح في فراغ الروح، الملوث برائحة البارود والظلام، قبل أن يشق ضوء القمر طيّات الغيوم. وفي غيبوبة الأحلام، ترتقي نفسي. أسبلت جفنيَّ.حاولت طمس نتوءات أحلامي، وتكسير الأخشاب العائمة على سطح الماء.‏

عاد حيّان من مناوبته متجهّم الوجه، ويمكن وصفه، كحلم يرضع من ثدي أُمه حتى ينتفخ بطنه، ويعلو كقبةّ غير متناسقة.‏

بدأت أجرجر ذيل ذاكرتي نحو الخلف. أنتف ريشه. ولم يقو الجناحان على الحركة، فهمدَ جثماني. انزويت في ركن من أركان الغرفة، أحلامي تنزف جريحة، شهيدة. الشهيد ينزف، والقتيل ينزف، تظلّ أحلامه ترافقه حتى القبر. لا أحد يقدر أن يقطع نزيف أحلام الفقراء. المجهولون، العباقرة الذين يقولون الحقيقة تنزف أحلامهم وتتكسر أحلام الرابضين وراء المكاسب، الحالمين بالمناصب العليا في أول صدمة يتلقونها. أما أحلامنا فمن الصعب أن تموت من أول خدش، أو ضربة.‏

أعتقد، وفي هذا الوقت بالذات، أن الرنكوسي صاحب الخصى الثلاث يحلم على شاطئ "صيدا". وعندما زارني أثناء فترة إجازتي القصيرة، كان يحلم بأن يجلس إلى جانبي، ويحدثني مطولاً. فمنذ شهور لم أرَ وجهه!‏

جميلة صيدا. يزّين شواطئها الصيّادون، ومراكبهم ياصديقي محمود.. وهل تعلم أنني تعلّمت إلقاء الصنّارة في مياه البحر لصيد السمك. . حلمتُ كثيراً أن اصطاد سمكة كبيرة، أحملها معي، هدية لزوجتي. لكن حلمي اختنق، أصبح جيفه نتنة، ولم يتحقق أو يتكوّن كجنين، عندما يتحقق ماذا يحصل؟..‏

البحر يحتضن كل الصيادين على شواطئه، يعوّض لي فقد الأحلام. ومَنْ يلاحظ أن الصيادين لا يضحكون أو يبتسمون إذا كانت شباكهم فارغة. وتُسمع أغنياتهم من بعيد، تنتقل عبر الأمواج، حينئذ ٍ أعرف أنهم حققوا أحلامهم. أحلام تتوقف عن السير، وتتجمد، أمام ويلات الدمار والموت بالجملة.‏

كانت "لطيفة" زوجة "الرنكوسي"، واجمة، تهذي، تحلم بمولود يقيها شرّ الأيام. تحسب ألف حساب لعودة زوجها. تفكر بطلاقها. وحين سألتُهُ : ما هي أخبار الخصية الثالثة؟ ضحك الرنكوسي، وقاطعني.. ألقيتها في البحر..‏

كيف؟ بعملية جراحية بسيطة. بعد يومين تنتهي نقاهتي. هل طمأنك الطبيب ؟‏

- احتمال الإنجاب أصبح وارداً جداً، لكن سأستمر بالعلاج عاماً آخر.‏

- أعلم أنك لم تترك طبيباً إلاَّ وطرقت بابه، حتى المشايخ الذين بالوا على جسدك، وضحكوا على ذقنك. دفعت لهم المال، ومازلت تعلّق الحجاب في رقبتك، وتضعه تحت مخدّتك.‏

- أتمسّك بكل خيال يمرّ أمامي يوميء إليَّ من بعيد بالشفاء من مرض الصَدَف، والعقم. لافرق عندي ‍ المهم أن تكون لطيفة راضية. . لا أريد أن أُطلقها. . أفكارها تجوب دائرة الخوف، وهواجسها تحرك أفكارها. . الإنجاب والأمومة حق طبيعي.‏

الزوجة ترغب بكل إرادتها أن تكون أمّاً، تلد، وترضع، وتهز السرير لطفلها تناغي له، ويبتسم لها. تحمله بين ذراعيها.‏

لطيفة صامته، لاتنبس ببنت شفة. عيناها تتحدثان بأمور أخرى، ربما تكون فَرِحةً، تخبئ المفاجأة السارة عن زوجها. وتعتقد أن الوقت لم يأتِ بعد لإخباره.‏

هكذا قالت عيناها، وتقول، وهي تحدّق إلى زوجها، ثم تدير رأسها باتجاهي، كأنها تخاطبنا : " سأنجب طفلاً، أو طفلة جهزّ نفسك يا زوجي العزيز لأنك ستصبح أباً".‏

ابق أيها "الرنكوسي " في صيدا. . هناك قرب الشاطئ. تعلّم السباحة، وشارك الصيادين آلامهم، وأفراحهم. لأن فرحاً قادماً ينتظركّ! كيف صيدا القديمة؟ أجب ولا تبخل. - مازالت تُنجب مقاتلين وصيادين يدافعون عن شواطئها وشوارعها وعن أهلها.‏

تزهو حقول التبغ. خضراء على امتداد البصر، تلوّن مع أشجار البرتقال السماء الأولى.‏

الصيادون، عمال التبغ يعملون في البحر والأرض، وحينما يلتقي الخط الواصل بين الشواطئ والسهول، تتهاطل دموع " الأوّلي" تغوص في الرمال. ونهر "الليطاني" دواء للعقم. . أما نهر بيروت الذي يقطع القسم الشرقي من العاصمة فقد جفَّ، وتلوث، بأنفاس الأحياء وقذاراتهم، وجثث القتلى. . مَنْ يغتسل بمياه "الليطاني" تزداد حيويته يورق، ويُزهر.‏

تخلّصت لطيفة من صمتها. مزقت غشاوة الخوف. أخرجت من محفظتها الصغيرة السوداء.أعشاباً برّية، ووضعها على راحة يدها. رددت بشجاعة، وصراحة : لولا هذه الأعشاب. . لولا البخور الذي اتنشقه. . لولا الشيخ "عبد الله" الوقور، ونصائحه. لولا الحجاب الذي يعلقه زوجي، لن تطمئن نفسي. أنت تسميها خرافات، وامتصاص دماء الفقراء، وضحك على ذقون الأزواج. نساء كثيرات أنجبنَ بعد سنوات من عقمهنَّ، وأزواج كُثر، مثل الرنكوسي تخلصوا من عقمهم.‏

الأعشاب البرية دواء، والبخور والحجاب يهدئان النفس. وعندما ترتاح نفسي، وتهدأ أمواج الكراهية، أشعر أن السماء تفتح أبوابها، وملاكاً طائراً، قادماً إليَّ، فاتحاً ذراعيه. يقف أمام بوابة واسعة، يستقبل الناس الفقراء، والملذوعين من شمس الصيف، وذوي الأجساد المقشرة من برد الشتاء.‏

تنهدَّ الرنكوسي ضحك ملء فيه:‏

- أخاف أن ينطمس هذا الشعور، وتلوكه أطماع النّهابين، وسارقو قوتنا، السماسرة الذين يتاجرون بالحديد، والمواد المهّربة، وبالإنسان أيضاً.‏

لا قيمة للإنسان. أصبح سلعة رخيصة، فارغاً، يذوب في همومه اليومية، ومتاعبه. يركض وراء اللقمة. ينهك جسده، وعيناه تستظل في أورقة السماسرة التي خيّمت كعرائش العنب. يبكي في داخله ويضحك "كالمضحك المبكي"، يخبئ حقده، ولكن ماذا ينفع أن يقف الإنسان الفقير على الرصيف، ويتفرج على واجهات المحلات الأنيقة، والمزخرفة؟ أن يترك أرضه، ويزاحم سكان المدن. أن يهاجر. أن يتطوّع في المقاومة الفلسطينية ‍ أن يموت. أن تظل ذاته مسكونة بالأوجاع، منذ بدء الخليقة‍.‏

اضطررت أن أجيبك، فلا حاجة لنا بهذه الشروح والأقوال. نعرف همومنا، ولا يوجد عندنا أشياء نخفيها عن بعضنا بعضاً. فخطيئة آدم تلاحقنا حتى القبر. لو لم يأكل التفاحة. ولو سمع كلمة الله و لم يأكل لما حصل ما حصل‌ " أصبح عارياً يفتش عن ورق الشجر ليغطي عورته. بدأ يخيط ثوباً ورقياً أخضر اللون سرعان ما تحرقه الشمس بحرارتها، فيتناثر كالفتات على موائد الأغنياء. خطيئة والدي التي ورثتها، أنه كان يأكل من عرقه وتعبه. الناس الذين يأكلون من عرق جبينهم، هم الجياع في هذه الدنيا.. ومع مرور السنين يزداد تعبهم، ويزداد جوعهم. .سيبقون عراة إلى الأبد!‏

الصيادون جياع في موسم الحرب، وعمال التبغ تحترق مزروعاتهم أمام أبصارهم. تظل بطونهم مفتوحة. إذا لم يجع زعيم الصيادين مثل رفاقه يقتلونه، ويلقون جثته في البحر. أما سماسرة التبغ فهم الذين يقتلون العمال الزراعيين.‏

أسألك : مَنْ قتل "سعدا "؟ عندما طالب بحقوق العمال"‏

طال الحديث، وقصر الليل آخذاً بالامتداد فوق فضاء البيت. مرّت أسراب من الطيور كنّا نسمع ألحانها، وهي تعزف للغروب. . خفَّ ضجيج الأولاد. لم يبقَ إلاَّ أضواء الشوارع المثبتة على أعمدة، أو في الجدران. ينوس ضوؤها، كما ينوس فتيل العمر. ونظلُّ نحلم بالأيام المتبقية، وسيعود الرنكوسي إلى صيدا، وتعود والدته إلى خلق الأجواء المسمومة، مع لطيفة، وافتعال الخلافات. أما أنا فسأكون في ساعات الصباح الأولى في ساحة الأمويين على موعد مع حيّان، كطائرين يعودان من الهجرة.‏

سنعود. . وهناك في "برج حمود" ، سأظل أُحدّق من النافذة في جسر الموت"‏

-9-‏

مسكينة " عائشة" ابنة السبعة عشر ربيعاً، قطعت كل الحواجز كطائر جريح يلاحقه صياد ماهر.‏

في لحظات الاستراحة. ضوء الشموع. عتمة السلّم الذي يدور على طوابق شركة التبريد.. الدرجات المحفورة. البرغش، كزوابع الخماسين. الأقراص الخضر تصدر رائحة. يملأ دخانها أجواء الغرفة المفتوحة طوال اليوم. . لا أبواب، ولا نوافذ. مَنْ يدخلها لا يطرق بابها، يضرب كفيّه على الجدران الأسمنتية السميكة.‏

كنّا نحلّق حول الأقراص الخضر. يتطاير البرغش. يخرج ويعود. كان ذلك قبل أن ننتقل إلى البناء المقابل لشركة التبريد. أوّل مارحلنا، عندما استقبلنا رجالٌ ونساء من الأرمن، وقدموا لنا الخبز والملح.‏

عائشة تلهث. كان دخولها مفاجأة للجميع. شعرها معلوك بالعرق. عيناها مُتعبتان ثيابها وسخة. شعر ساقيها طويل. تمرّ بينه دروب تضيق، وتتسع. دروب من المطاردة والهروب، كيف وصلتِ إلى المنطقة النارية الحمراء؟‏

كانت تبكي. تتلمس فخذيها. وترفع منديلها عن رأسها. . إنها تحترق. يلاحقها الموت، يطاردها، كما يلاحقنا ويطاردنا!‏

لم تجد ماء في نهر بيروت لتستحم. حملت حذاءها بيد. رفعت تنورتها الطويلة باليد الأخرى. تقفز وتنطّ وتتطلع خلفها.‏

تدخّل أبو شاهين مراسل الكتيبة. . هو الذي قادها، أومأ لها، بأن تلتجئ إلى شركة التبريد. أجرى اتصالات سريعة مع "قا.ك"، بدأ يبحث عن وسيلة، لإيصالها إلى أهلها.‏

تحدثت عائشة، كنّا نستمع إليها بشغف. تغصّ حلوقنا بلعابنا . استمعنا إلى قصتها بانتباه شديد، متحفزين نترقب النهاية. " لقد باعني والدي، وأنا طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمري ست سنوات إلى عائلة من "أكابر" بيروت، وهي بالأصل عائلة شامية. وكل عام يأتي والدي مرة لزيارتي. يأخذ من " المعلم" مبلغاً من المال، ويعود إلى قريتنا الجميلة، الهادئة في سفح جبل. تشرف على وادٍ سحيق"‏

استمرت بالبكاء. تشهق. قلبها يعلو ويهبط. أما أبو شاهين "المراسل"، سائق الدراجة النارية، فكان يصهل كالحصان. وحين تشتد الشدائد يطير بها، وتطير به. ومن الصعب أن يلاحقه القناصة، أو تصطاده قذيفة هاون. الهمّ إلاّ َرصاصة ثاقبة من رشاش "14.5مم"، إذا سدّد الرامي على قفاه قبل أن ينحرف يميناً أو يساراً. طلقة واحدة آنئذٍ تكفي!‏

غسلت وجهها. مسحت فخذيها. ظهر شعر ساقيها المائل إلى الشقرة. بقيت بقع بيض، وبقع أخرى من زيت أو مربى، لا أدري، فوق تنورتها. البرغش يأكل وجوهنا. وجهها الأبيض المدّور أصبح كرشم، حينما مَسَحْته بيدّي، كانت الحبيبات الناعمة تُقبّل راحتيّ، لكنها لم تزعل أو يبدُ عليها الانزعاج.‏

أمرر أصابعي فوق بشرة وجهها، وغيري فضَّ بكارتها وهي طفلة. كان حيّان يُشبّكُ أصابع يديه، وعنده الرغبة أن يقول لها:" أذهبي، واغتسلي يا عائشة. لن أحمل المنظار اليوم.. وجودك فجرّ أحلامي. أنت كمين مسلّح. أطلقي القنابل الحارقة على جسدي".‏

انفجرت أساريرها. . يذوب الخجل كالزبدة. . لماذا تخجل؟ لا أدري! علماً أنها تعوّدت على مضاجعة العشرات من الشبان. . والدها يضاجع أُمها، يمسح أوساخه بيديه، وعائشة تتقزز نفسها من كثرة ما قلّب جسدها، وقطع أحلام طفولتها، ابن المعلم.‏

بيروت عندما كانت طفلة تغتسل بمياه البحر، وتشرب من نهري بيروت والكلب، كان الشباب يحلمون بها.. صبيّة لها جديلتاها. . جديلتان مستلقيتان على كتفيها. وتضرب رأسها الأمواج. أما الرذاذ، فكان يقبّل وجنتيها. تفتح صدرها للجميع، لكن لا أحد يقوى أن يمدّ يديه إلى ثدييها الناضجين، أو يقتحم جسدها المخملي. عيون تقيس أبصارها، حجم إليتيها المتكورتين. تدغدغهما رمال الشواطئ. صبيّة شامخة، كالوردة. مرفوعة الرأس. ناضجة كإجاصة. طيبة المذاق. أما عائشة ياحيّان، فهي غير ذلك. إنها باكية حزينة. أُمٌّ. رضع من ثدييها سماسرة وتجار، وأبناء آغاوات، ورؤوساء عصابات، وحشاشون، ملوثون بالفساد، ومهووسون.‏

عائشة الأرض السائبة، هجرها صاحبها. بقيت الأشواك تداعب تربتها. وبيروت خلع ثوبها الأبيض تجار السلاح، والموت. مزقوا فخذيها. غطسوا رأسها في المياه المالحة. الآن عائشة هي بيروت، وبيروت هي عائشة. أية تسمية صحيحة نطلقها عليهما ليس البرغش الطيّار الذي أكل وجهها نحن ياحيّان نشتهيها. نحن والبرغش توأمان.‏

لو نغسل جسدها الملوث. لو نحرق البخور تحت إبطيها، وبين فخذيها. لو نسرّح شعرها الذي انطمس لونه. لو ننظفه من الأعواد واللعاب. لو ننثر غبار الطلع. لو نلقّحها في هذه الليلة، أو كما تقول أنت، أن تضاجعها وحدك. لماذا تحب وحدك؟ ألسنا نحن شركاؤك؟ لماذا تريد أن تختلي بها؟‏

كانت تسمع. تفتح أذنيها للأحاديث. تتمتم. تُناجي ذاتها. تهمس :" أينما ذهبتُ يتحلق حولي المغتصبون. تشرّدتُ. شردتني الحرب الأهلية. التجأت إلى شركة التبريد قطعتُ جسر الموت. علّي أتخلص من الموت. أحلام قذرة كانت تطاردني. .. لولا تهديدي بالسلاح لولا محاصرتي. لولا جوعي. لولا الموت. . الموت أفضل ‍ أنا مّيتة - حيّة. اعتقدتُ أنكم أرحم منهم. ستنظفون جسدي. وأكون مقاتلة إلى جانبكم، لكن أحلامكم أيقظت في روحي أشكالهم، وخيالاتهم، وأصابعهم، وهي تنغرس في جسدي. لم أعد أشعر باللذة. أصبحت كخرقة مبلولة بالماء. . الجميع يعصرني، وكل القذائف، وطلقات القناصة كانت تحيد عنّي. أضع وجهي في مواجهة المدافع، والراجمات، والقذائف تقفز فوق جسدي العاري".‏

بيروت تبكي على شبابها، وأهلها، وأنتِ المُغتَصبة. . لولا أنوثتك لم يقترب منك أحد من الرجال... لولا رائحتك، وطراوة لحملك وجسدك الشاب، وثدياك. . لولا عيناك وجدائلك، وجسدك الذي قمرّته الشمس.. لولا البركان المتفجر. . لولا قلبك، وغمازتاك الممهورتان بالشهوة، لم يحدث ما حدث"..‏

تشتهين، ولكن الاغتصاب بشع. اغتصاب بيروت غيرّ رائحة جسدها..جسدها نتنٌ وهي حيّة تتنشق الهواء. يتفسخ من الدعك. تشققت شفتاك. . أصبحتا تنزفان، مجروحتين، ولسانك تحرثه أسنان المغتصبين.‏

" ابن المعلم هو الذي فتح أول شارع في قلبي". هكذا قالت بعد صمت طويل. كانت تستمتع، وأنا أتحدث عنها، وعن بيروت. " كان يطاردني. يستغل وجودي وحيدة، حين يسافر والده إلى أوروبة. أركض من غرفة إلى غرفة. أختبئ وراء الستائر، وتحت الأسرة. يلهث خلفي. هكذا لم تُجدِ محاولاتي. أهلي بعيدون عنّي تركوني سائبة كبهيمة جرباء. إنني لست سلعة فقط. السلعة تجد مَنْ يشتريها أبيع جسدي دون مقابل. أبيعه لتلبية شهوة ابن معلمي.‏

لم تكفه العاهرات والراقصات، والمنجمات. أعجبه نضجي المبكر. هو أول مَنْ عصر بين أصابعه ثدييَّ الصغيرين، فبدأ ا يكبران، ويقسوان. رضخت للأمر الواقع. كانت الأحلام تساورني. . وأنا خادمة مؤجرة. أسأل نفسي مراراً_ يملك ابن المعلم أرزاقاً، وأموالاً لا تحصى - هل يعقل يا عائشة أن تكوني زوجة له في المستقبل؟ إنني حينما أراقب شراهته وشبقه الجنسي، والعنف الذي يستخدمه معي، أرى في وجهه ما يطمس أحلامي، ويقضمها.‏

ثم أتحوّل بعد الجهد والتعب والإرهاق إلى جثّة هامدة، لا روح فيها، ابن المعلم كالكلب، ما أن يمارس معي الجنس سبع مرات متتالية حتى يتحرك ذيله. . يمد لسانه. يلهث مثل كلب في صيف حار. يلتجئ إلى الظل، وأنا أغسل جسدي " أعود إلى شرفة المنزل وينام الحقير ابن الحقير، وكأنه لم يعمل شيئاً. غسلني بالعار.. ألقى بي في شوارع بيروت المحترقة. . أصبحت قطعة منها، وجزءاً من أجزائها. أكتوي بنيران أسلحتها. ألتجئ إلى بيوتها الخربة المهجورة. أنام فوق السطوح. أمدّ بصري فوق جسر الموت.‏

جسدي بقعة من هذا الجسر. بقعة تحترق. عيناي تذوبان. تُطبقان جفنيهما. أغفو، ومن شدة القصف في تلك الليلة، وبعد أن حملتني دورية من المسلّحين إلى أحد البيوت، ذات الجدران المعلقة بسقوفها، الملطخة بالدماء.مرروني بالقوة فوق شظايا حادة الرؤوس وقطع من الزجاج، ومسامير. أُدميت قدماي، وتناوبوا، واحداً وراء الآخر، فوق جسدي.‏

تنقلت بين الحواجز، مررت تحت الجسور. سرت بجانب الأبنية وتحت شرفاتها الممزقة، كجسدي. لم يطلب واحد هويتي، أو يسأل عن وجهة قدومي أو من أين أنا قادمة ؟‏

منظري الخارجي يشبه منظر بيروت. وفي داخلي. . قلبي المهجور، كقلوب الناس الذين يفتشون عن مأوى، بعد أن تهدّمت منازلهم، أو عن تنكة ماء، وشمعة، أو عن ربطة خبز.‏

عيناي شمعتان أشعلتهما بدمعتين قانيتين، تضيئان دربي. كيف انحرفت عن اتجاه سيري، ودخلت من هذه البوابة الواسعة، المفتوحة لا أعلم ؟‏

شعرت بالطمأنينة حين رأيت الجنود يتوزعون في الأبنية كقوس قزح يمتد خيالهم من البحر حتى برج حمود.‏

أطفأت الشمعتين. كانت أنواركم الخافته تعكس الضوء الذي أرشدني، إلى المكان، وقدماي تلتويان. تلتف الساقان وعندما صعدت السلّم عاد الخوف يركب جواده. كان يدفعني من قفاي، وأنا أقفز درجة أو درجتين أمسك بدفة قلبي. أجمع نبضاته الواهنة، والملوثة بالخيانة‍.‏

في الصباح شدَّ أبو شاهين، عائشة من يدها. قادها دون رسن، قدّمها إلى "قا.ك"، ولا أعلم بعد هذا التاريخ ماذا حلَّ بها‍. وحينما سألته عنها، تلعثم في كلامه، ولم يَقُلِ الجواب الصحيح. بدأت أعصر أحلامي. أشدّ على لسان الحاسة السادسة. أقرع بابها السرّي، وأيضاً لم يأتِ الجواب. لكني، وفي أحد الأيام رأيتها ترتدي بذلة مموهة "عسكرية"، وفوق رأسها طاقية يمتد لسانها نحو الأمام.‏

حاجباها منتوفان. شفتاها مصبوغتان بالحمرة.. في قدميها حذاء قماشي، وتربط فردتي بنطالها بالمطاط. يطوّق خصرها نطاق جلدي. كمّا سترتها مرفوعان حتى الكوعين،‏

ألححتُ على أبي شاهين ليقول الحقيقة. فاجأته بأنني أعرف كل شيْ:‏

- ليس سرّاً يا أبا شاهين. ألمّ ترَ البنات المسلّحات؟ ‍ ألم تسمع أصواتهنَّ عبر الأجهزة اللاسلكية تزغرد. . قُلّ الحقيقة وإلاَّ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!‏

غضب ردد كلمات بذيئة. لم يحترم شيخوخته. في هذا الوقت تماماً عادت عائشة من برج حمود، تحمل سلّة من الخضروات، وعدة ربطات من الخبز. وقفتْ.‏

تتأكد مما تسمع من حوارت ساخنة. " سمعتُ صوتكما. سمعته عن بُعد عشرين متراً.‏

لا تأخذ على خاطرك يا محمود. لن أنسى ضيافتك، وأنتَ يا أبا شاهين كالكلب الطاعن في السنّ. تشبه ابن معلمي. ركبتني مرتين في تلك الليلة، ولم أصدّق أنك أنت الذي تلهث فوقي، وتعوي. اعتقدتُ أن أحد الزعران، أو الكلب ابن المعلم، هو الذي يركبني!"‏

- أنتَ مُغتَصِب. حيّان الأعزب، الملهوف، ضاجعها في أحلامه، في بقعة مضيئة، مسوّرة بالفيء، وأوراق خُضر، أمام الجميع. أما أنتَ أيها " السافل" استغللت مناوبتك، فخلا لك الجو!.‏

تعودتْ عائشة على الصمت. الصراخ يعني قتلها، وانتهاء حياتها.طلقة واحدة، ثم تُلقى من النافذة إلى نهر بيروت، وتقول حينئذٍ، أنها انتحرت. مهمتنا أن نغسل بيروت من العار، وأن نخلصها من السماسرة، وتجار السلاح.‏

وعائشة المغتصبة، ألا يكفيها حزناً وألماً.. ضاقت بك الدنيا، ولاتبول إلاَّ فوق جسدها.‏

اغسلي ياعائشة الرجس. لوّث أبو شاهين جسدك بعد أن غسلتهِ، ونظفتِه من الدنس، والبقع القذرة، وخلصتهِ من أوساخ الماضي.‏

بصق حيّان في وجهه مرتين:في المرة الأولى، قال له: من العيب أن أبصق في وجهك. أنا كولد من أولادك.أناديك يا "عمّ" لكني بصقت مضطراً اضطراراً قسرياً. لقد شوهت سمعتنا، وعائشة أصبحت مثل ابنتك، عندما أعطيتها الأمان والاطمئنان.‏

وفي المرة الثانية، كبرّ حيّان البصقة. لاكها، وجمعها حتى كَبُرت. ملأت فمه، فقذفها بين حاجبيه.‏

أنت سمسار، تتاجر ببقايا جسد. تقامر على عينين ذاويتين، حرقتهما زمر الموت. أنت كالذباب الأزرق، ومن "فصيلة العقارب". لم تتخلص من قذارتك. قذر يا أبا شاهين. حملت أوساخ الآغاوات، ووضعتها في جسد بيروت. . في جسد عائشة.‏

أصبحت عائشة الآن، ومن هذا التاريخ جسداً يقاوم. وتعلّمتْ كيف تطُلق الرصاص على أعدائها!..‏

-10-‏

وجهان قادمان من جهتين. وجه حيّان يحمل غبار التعب والسفر الطويل، ووجهي يحمل حزن العودة إلى الشاطئ المجروح.‏

وجهان يلتقيان في نقطة تتقاطع فيها الشوارع. تنتصب في الوسط ساحة الأمويين، كتمثال صمد في وجه الرياح والأمطار.‏

مرّت الساعة الأولى. تجمع الجنود وصف الضباط فوق الرصيف. تحيطهم أشجار باسقة، ساكنة على استقامة واحدة. كل اثنين يتبادلان الحديث، وتصدر أحياناً ضحكات متقطعة. ذقون حليقة. وجوه تحمل تساؤلات حول ما يدور عن تأخر السيارة، وليس من عادة السائق التأخر!.‏

أجوبة متعددة: منهم مَنْ قال: السيارة في "التصليح" وأبو قاسم مريض. أو "راحت عليه نومة"...‏

كانت الشمس ترتفع. أصبحت قرصاً سجيناً خلف أشجار السرو. تركت خلفها أفقاً يرسم ملامح الوداع والفراق.‏

افتح يا حيّان "الترانزسيتر" أسمعنا صوته منذ يومين لم أسمع الأخبار. لقد طغى اللقاء مع أمي وزوجتي على جميع الأخبار ، وإن كانت بيروت تسكن بين أضلاعي، وفي قلبي. كأنني الآن، يا حيّان أقف وراء النافذة أحدّق إلى جسر الموت، وعائشة تحمل منظارك، تدوّر فتحات عينيه على كل المواقع. تمسح ببصرها شوارع بيروت، وأبنيتها الواجمة كالقبور. تتحسس بيدها جسدها. تمرر أصابعها فوق بقع الوجع المعلوك. تتذكر نتوءات أسنان المهووسين. تشتمُ. يمتليء فمها بالسُباب واللعنات. تبصق على شاربي أبي شاهين، وأنت تقامر ببقية الشهور من خدمتك الإلزامية.‏

كان حيّان يحمل الراديو الصغير. يحرك موجاته على محطات القيامة، فوق تلال النيران.‏

- اسمع. .. اسمع يا محمود : لا أريد أن أسمع أخبار المحطات الملوثة !‏

- ألا تعجبك إذاعة "مونتي كارلو"!‏

-لا تعجبني !لأنها تنقل أخبار الموت. صوت المذيع كألسنة اللهب وغنج المذيعة تتفتح له آذان المراهقين‏

غرق بالصمت. وقف باستعداد. بينما كان رأسي يدور مع السيارة المسرعة حول دوّار ساحة الأمويين. تراقب عيناي عصافير أفسدت وقوفها طائرة ركاب عابرة. أُحدّق إلى بردى حزيناً. أتفحّص مياهه الكسولة. أضع منديلاً على أنفي لأنني لم أتحمّل رائحة مياهه الآسنة.‏

-اسمع يامحمود!‏

- أصغيت بانتباه!‏

- أتسمع المذيع:" استمر القتال في مناطق عدة من بيروت حتى الصباح هجمات المسلّحين في منطقة " الدورة" على القوات السورية. " الفيّاضيّه" تغرق بالدماء...الطرقات مقطوعة. الراجمات تُمطر قذائف ساخنة. ملايين الطلقات والصواريخ والذخائر المتنوعة الدمار.. بيروت تحترق. مئات الجرحى. لم تستطع سيارات الإسعاف نقل المصابين، والجرحى إلى المستشفيات".‏

عندما أستمعنا إلى هذه الخبر، شقّ كل واحد طريقه في اتجاهات مختلفة، حاملا محفظته في شرود، وقلق. كان حيّان ضيفاً عزيزاً في تلك الليلة. وبعد أن انعطفنا باتجاه المنزل، جمع حيّان أسئلته التي لا بدّ من الجواب عليها، وختمها، قائلاً:‏

- الهدوء. . هذا السكون لا يعكّره سوى ازدحام السيارات ووقوفها أمام إشارات المرور، ووجوه الناس الهائمة، الموزعة في الجهات الأربع، ووجهانا يحملان الخوف والخيبة.‏

- أعتقد أننا سنتأخر يوماً، أو يومين، وربما أكثر!‏

- هل سنُعاقب من "قا.ك"؟‏

- عقوبة. .! لماذا؟ هل نحن مَنْ سبّب التأخّر؟ ألم ترَ عشرات الجنود، وصف الضباط من مختلف المواقع! لم نكن وحيديْن. الأمر ليس بيدنا!.‏

كيف سنصل إلى برج حمود؟‏

- توقفت عند هذا السؤال مليّاً، واعترضته أسئلة أخرى ( كيف تصل إلى برج حمود؟ وهل نستطيع المرور فوق جسر الموت؟ وكيف؟).‏

-أترك الأمر للأيام القادمة، وكل شيء في وقته، وزمنه، لا تستعجل! مَثَلُنا، مَثَلُ كل الذين تأخروا. إذا ماتوا، مُتنا معهم، وإذا وصلوا بسلام نكون معهم !. القذائف لا تميز بين محمود وحيّان، وأنيس ومحمد، لكن الحظ أحياناً يدوّخ الرأس " لوبقي أبو فارس معنا في الباص القديم لما توفي. كل الوقت الفاصل بين الباصين، هو الحظ بعينه، وكان حظنا أيضاً! ".‏

- أصبحت تتحدث عن الحظ. أعلم أنك لا تؤمن بذلك، وتعدّه خرافات وأن للأشياء، أسباباً ونتائج.‏

كانت ليلة ممتعة. الربيع يقطّع الليل، وحديث يجرّ حديثاً. تجاذبنا الأسئلة والأجوبة. تبادلنا كأسين من الخمر المثلج.. قصصاً، وحكايات طويلة. والدتي وزوجتي تصغيان. المرة الأولى التي فيها تستمعان إلى "كاسيتات" صاخبة، بهذه الحرارة.‏

الموت يخيف الإنسان. قلب الأم، ليس كقلب الابن. قلب رقيق. حبّ من الأحشاء. شعرت أنني أتكوّن كجنين من جديد. . جنين يتجذّر.‏

ليس في وقت الحرب تبكي الأمهات. الأم تبكي في أيام السلم أيضاً. تبكي إذا جُرح شعورها. تخاف إذا قرُع باب الدار بعد منتصف الليل. ترتعش أطرافها إذا رأت وجهاً غريباً يسأل عنّي، أو إذا سمعت عن قتال يدور في "نيكاراغوا".‏

- لاتحزني يا أُمّي، سأعود إليك أحمل جروحي فوق كفّي، وتسكن بيروت في جسدي. عيناي شواطئها الملوثة بالجثث والروائح. قلبي برجها المزدحم بالباعة، وقطع الحديد والعربات، وروائح الخضار والفواكه. ما أجمل ابتسامتك. الابتسامة الخائفة، والصلاة التي تعوّض الخوف. تبعث الطمأنينة. ويبقى الحزن والألم يضمدان سكينة القلب والروح.‏

لم يشبع حيّان. . المشروبات زادت من شهيته وقابليته للمزيد من الطعام. يلوك ويمضغ تطقطق أحناكه، وتبعث أسنانه صريفاً. نرفع الانخاب. نعبُّ المشروبات بشهية. تتشنج عروق رقبته، كأنها تخرج من جلده. أراقب حركات وجهه الدائري بين.بعض التجاعيد الشابة. " أتساءل عن سبب قلّة كلامه. أصبح كل شيء عنده مختصراً. أتساءل : لماذا لم يتحدث في هذه السهرة الممتعة؟ أين تسرح أفكاره؟"‏

- وضع كأسه فوق الطاولة، حدّق في وجه والدتي. "ترقرقت دموعها صافية ".‏

- تتشابه دموع الأمهات في بقاع الدنيا. أُمّي سكبتْ دموعاً غزيرة حين ودعتها.رافقتني إلى الشارع، ولكني لم ألتفت خلفي، لأنني لا أريد أن ترى دموعي. الدموع خائبة. . الدموع تشكك بالعزيمة. تُحبط المقاتل... كرر جملته " نحن لانريد الموت لبيروت. جئنا إليها حاملين رايات السلام. جئنا لنخلصها من الاقتتال.. كانوا هم المبتدئين، يسموننا بالـ "غرباء"، تعّمق في حديثه. عمّق سكّة لسانه. يغوص في وجدانه ودواخله أبحر في البحث عن الحقيقة كنّا نخطف ساعات الليل بنهم، ونرغب في أن يطول الليل ويمتد أكثر، فهذه الليلة جميلة، لكن الليالي القادمة ستكون أكثر دموساً‍.‏

البحث عن النقاط المضيئة في الظلام، أفضل ألف مرة من صباح يغطيه الضباب الكثيف. نزعتُ من عينيَّ غشاوة. أعدتُ الحديث مع أُمي، كأنني أقول لها آخر الكلمات. جمعتْ والدتي نفسها. اسندتْ ظهرها. استمعنا إليها، وهي تخصص حديثها إلى حيّان الذي بدوره أرخى رأسه قليلاً، وثبّت ساعده تحت حنكه، يتصاعد دخان سيجارته، مثل بخور الشيخ "عبد الله"، يثير البركة في فضاء ساحة البيت.‏

- البعُد يلوّع قلوبنا. البُعد يا أبنائي - عندما يصوّب نيران القتال، ينهش القلوب - قلبي يضمر، مثل قلب أُم حيّان، لم أعرف أُمّاً قلبها كالحجارة. .قلب الأم إسفنجة تمتص فرح ابنها وحزنه اسفنجة تمتص ملوحة البحر، وغبار الرياح‏

البعد يُخيفني، ينهش قلبي، حين أسمع أصوات المذيعين، وهي تلعلع، كالقذائف، أو حين أشاهد دخان الحرائق يلتهم بيروت في الشاشة الصغيرة.. الأكياس... البراميل.. الأبراج المتهدمة ... الشوارع الخالية، كمنطقة منزوعة السلاح... الراجمات تدور أعناقها في كل الجهات. يَهمُد قلبي، وتتكور حوله أنفاسي الرخوة. تفلُت صنابير الدموع، كمزاريب في شتاء ماطر وعاصف. يدور رأسي، وأنا أدور وأفتش عن الأخبار، وحينما أسمع عن عائد من بيروت، أركض إليه. أدقّ بابه. استمع إلى حديثه بشغف وتوتر. ... أنوح... أبكي وأبكي. أعود كما أتيت، أجرّ أذيال ثوبي خائبة‍.‏

قاطعها حيّان، وقال لها:‏

-نُقلت أُمّي مرتين إلى المشفى، ولولم يسرعوا ويسعفوها، لأُصيبت بالسكتة القلبية.. فجرّ قلبها خبر نقله أحد الجنود من حيّنا " الصاخور" :[ لم أرَ حيّان منذ مدة طويلة، علماً أنني لا أبتعد عنه إلاَّ مسافة قصيرة].‏

هزّت والدتي رأسها، كأن "ماحصل مع حيّان يحصل مع ابنها"، فالشهر الماضي أطلقتُ عليه شهر الآلام والعذاب.. ساعات طويلة أمضتها زوجة محمود في مركز الهاتف. . خمس ساعات متتالية دون فواصل، إلا الصبر والدموع والانتظار، لكنها عادت كما ذهبت بـ" خُفّي حُنين". هذه الليلة تختلف في كل شيء عن سابقاتها من الليالي. أوجاع تلك الليلة لا مثيل لها. كنّا واجمتين. قابعتين. معصورتين. نمضغ التأوهات. كانت دموعنا أسخى وأرق من قطرات المطر.. "بدأت دموع الفرح كاللؤلؤ تتساقط من عينيها".‏

سمعنا يابني أن بيروت كئيبة. لا ماء، ولا كهرباء. الجوع يملأ الأقبية في وجوه الناس الفقراء الذين لم يستطيعوا أن يبحروا إلى قبرص أو فرنسا. ترك الأغنياء والميسورون أوجاع بيروت. تركوها تنزف. جراحها مفتوحة للريح والبارود. بحرها يموج هائجاً. يوّدع السفن. ينثر رذاذه على أبواب البيوت المظلمة، المحاصرة. والشوارع الساكنة، المعبأة فضاءاتها برائحة الموتى والقتلى، والقمامة. ورائحة المقاتلين والمدافعين عن عائشة، تعبق وتفوح.‏

سمعتُ منكما أن بيروت هي عائشة. عائشة ابنتنا، تغزل في قلبي نسيج آلامها. عائشة ابنتنا المحروقة التي تحتاج إلى علاج طويل، وعناية كبيرة، عائشة أختكما. احتضنا حُبها في قلبيكما. اقطعا الأيادي الممدودة لاغتصابها..‏

غلطة كبيرة ارتكبها أبو شاهين، لكنه لن يغلط ثانية. لقد عاد إلى صحوته كما عرفت منكما.‏

انشرح صدر حيّان لهذه القصيدة المتدفقة من قلب أُمّ غيور. أثنى عليها، وشكرها وهذه أجمل الدروس التي أتعلمها في حياتي. يكفي. .يكفي يا أُم محمود، إنك تسكبين في قلبي نزعة الحبّ لكل الناس. أنت متسامحة، تحملين تعاليم " نهرو". تُحبين الفقراء، مجروحة. .. مصلوبة عنّا‍!.‏

بيروت مصلوبة، تنزف منذ أعوام. لم تنقطع دماؤها، الذين صلبوها وأماتوها يمرحون، مدججين بالسلاح. يجوبون البر والبحر. يقتل بعضهم بعضاً. يعبثون في جسدها. يمزقون لحمها. تقطع أضراسهم وأنيابهم أوردتها.. ونحن نحمي جسدها الواهن، الممزق. تظلّ عائشة الطفلة التي بيعت بسعر رخيص، ابنتنا. لا نريد أن نفرض أبوّتنا عليها، ووصايانا. نريد أن نحمي فخذيها، ووجنتيها من الناموس، والملوثين والمهووسين الطامعين في امتصاص دمائها، وإلقائها عظاماً ممصوصة.‏

هؤلاء كلاب مطعونة سَعْرَىْ. هذا ياحيّان هو الموقف الصحيح الذي نعمل على هديه.‏

لقد حملتَ منظارك منذ اليوم الأول، عندما وصلنا إلى " برج حمود". بدأت تفتش عن أحلام الناس. كان شريط الليل الممدود من البحر إلى " البرج"، وصولاً إلى جسر الموت.حتى " الضبيّة" ونهر "الكلب"، ينقل إلى مسامعك الوجع المتشبث بالجدران والنوافذ. كنت تسكر، وتلهو بالأجساد المتحركة حول الأضواء الخافتة.‏

اغتصبتَ عائشة في أحلامك. كانت أحلامك نارية، متوقدة، وملتهبة. أردت أن تصبّ البنزين فوق جسد بيروت، لكنك أفقت من نومك. كانت صحوتك إنقاذاً للوجه التائه، بصقتَ في وجه أبي شاهين. لعنته. خلصت عائشة من بين أنيابه المغروسة في عظامها ولحمها. الأنياب التي ثقبت قلبها وأدمته !‏

في الصباح قطعت أنفاسنا المخمورة أجواء الغرفة. شربنا فنجاني قهوة. دخّنا معهما سيجارتين، وحملنا محفظتينا.‏

ألقيتُ نظرة الوداع. قبلت طفلتي الصغيرة. سلكت مع حيّان الطريق إلى ساحة الأمويين.‏

أراد حيّان أن نغيّر الطريق، وحسبما يعتقد أنها طريق منحوسة. وسنخرب حظنا في هذه المرة.‏

علقت على رأيه: الوجوه التي كانت البارحة هي نفسها. . نفس المَلافِظْ. . نفس الرصيف، والسيارات. ... الجميع هنا في لحظة انتظار صعبة.‏

دقائق. .! وقفت السيارة. " تعربشنا " وراء بعضنا فوق السلّم الصغير.‏

تحرك الهواء وبدأ يضرب كفيّه فوق " شادر" السيارة.. صوت المذيع عاد من جديد يئنّ مع صوت المحرّك.‏

المذيع ينقل أخبار بيروت وما جرى في اليوم الفائت، ونحن ندخّن سجائرنا ونُصغي نستمع إلى آخر الأنباء، لكننا لانعلم ماذا سيحصل في الكيلو مترات القادمة !.‏

-11-‏

أغلق حيّان الراديو. قطع علينا السكون المخيم، وبدأ يغني.‏

ليست المرة الأولى التي أسمع فيها صوته. غنّى في الأيام العصيبة، وفي ساعات الحزن والفرح والسلم.‏

صوته يترنم بالقدود الحلبية. .. نردد بعض المقاطع معه، وصفقنا له. طلبنا منه الاستمرار في الغناء. . كانت الشاحنة تفتح بصدرها الأفق. تصفقها موجات الهواء. وتزيحها عن الجانبين.‏

الطريق ضيّقة. قمم على يميننا، تتدرج سفوحها، وعلى يسارنا واد عميق، وسكة حديد صدئة، متروكة منذ عشرات السنين، تصل "رياق" بـ "حلب"... العثمانيون مدّوا هذا الخط الحديدي، ونحن نمدّ أجسامنا بين "دمشق" و"بيروت" الهدوء عاد يخيّم. غفا بعض الجنود، وآخرون يتفحصون الطبيعة. كنت أُنقل بصري بين رؤوس الجنود. أرمق حيّان بنظرة. أخدش أذنه بكلمة حلوة، ثم أسوح بين القمم والوديان. أمرّ على البيوت المتناثرة في السهول، والقمم الجرداء التي تقتحمها الأشعة الباهتة. يستمر الهواء. لايتوقف عن الصفير، يحفّ بـ"شادر" السيارة. ينثر شعري. وتجوس الأفكار، وتتقلب في ذاكرتي.‏

همستُ في أذنه " أبو سركيس على نار حامية يا حيّان " كأنني صوبت ُ إلى جسده سهماً نارياً أيقظه من حلم. فتحت أوجاعه وقلبه.‏

تنّهدَ بشوق، وكأن همستي أثمرت في رأسه أو دقّت على باب ذاكرته.‏

- لا تذكّرني.. أبو سركيس، يمثل المطرودين من أوطانهم. عندما حدّثني عن المجازر الفظيعة التي تجرّعها الأرمن، كانت الغصّة تقف في دائرة حنجرته..أجرى مقارنة دقيقة وصحيحة، بين ما حدث للأرمن في مطلع هذا القرن، وبين ما يجرى لهم الآن في بيروت، في نهاية هذا القرن.‏

حوادث تتلاقى وتتقاطع، وإن كان التاريخ يختلف، لكن الأحداث تتشابه.‏

- الباشوات مثل البارونات ياحيّان. الخواجات والأسياد في قسمي بيروت الشرقية والغربية، وكذلك في الجنوب. .هم الذين يحركون الجمر، وينفخون عليه، ويقلبون النيران، كلما خفَّ لهيبها. . ألا تلاحظ كيف أن لحم الفقراء يشوى، ويتفسخ كلحم الموتى، تأكله حرارة الشمس، وهم يتفرجون على جانبي خط التماس، ويصرحون للجرائد والإذاعات من فرنسا والسويد أومن قبرص، وزمرهم المسلّحة تجمع "الخوّات"، وتنفذ دورات عسكرية في " تل أبيب".‏

وبينما السيارة تقترب من " صوفر" و" بحمدون"، كان الدخان يتعالى في الفضاء ويتوزع في سماء لبنان، والحرائق ترفع رؤوسها. وتسقط ذيولها في البحر، لكننا لم نسمع أصوات القذائف.‏

الطرق هادئة إلاّ من حفيف أوراق الأشجار.. السكون يلف الأشياء، يلتصق بالبيوت تتدلّى من الشرفات ثياب مثقوبة، معطوبة. وبقايا ألعاب للأطفال صامته.جدران مذبوحة. تسيل منها دماء محقونة في الأسمنت. فتحات واسعة. دوائر ومربعات وأشكال هندسية. الحركة خفيفة جداً للناس والعربات، ووراء المنعطفات مجارٍ للمياه، تتعرج منحدرة نحو الأودية.‏

انتبهنا للمفاجأة : "قال المذيع. . بعد قليل، سننقل إليكم أيها السادة على الموجة القصيرة خبراً هاماً!؟".‏

تعود الموسيقا الجنائزية بكل عظمتها، وحزنها، ترتطم بطبلات آذاننا. ونحن نترقب الأنباء بصمت وخشوع كأننا نصلّي. نبحث عن حاجز على الطريق يوقفنا، وربما ماذا يجري!‏

صاح حيّان: خفف السرعة يا " أبا قاسم". توقف عند هذا المنعطف. . صليات نارية من رشاشات. دويّ مدافع وراجمات.‏

أكدَّ المذيع، بعد أن قطعت الموسيقا. " عاد القتال إلى بيروت، ومناطق الجبل، وفي "بحمدون" من جديد. محادثات بين رئيس الجمهورية اللبنانية، وقوات الردع.. الأسطول السادس يقترب من الشواطئ. البابا يناشد العالم للتدخل.. زيارة مسؤول في قيادة الجبهة اللبنانية إلى تل أبيب".‏

عادت الموسيقا تخدش آذاننا. ينحدر الطريق بشدة. تفتح أشرعة السيارة جبهة الهواء الغربية. تمسك أيدينا بقوة حافات المقعد الخشبي..‏

اقتربت الأصوات، وأصبحت واضحة. خوذ الجنود تلمع، تعكس لون الشمس. معارك طاحنة، تدور رحاها من جديد. صاخبة وشرسة، تشبه معارك الشهور الفائتة.. عربة مدفع تنحرف عن الطريق. مجندون يحفرون مرابض للدبابات.‏

أراد حيّان أن يهدئ من أرواحنا قائلاً: " هذه قواتنا. إننا في منطقة محميّة، لكن...!! "‏

- ماذا؟ ماذا بعد " بحمدون"؟!.‏

- نقاط خطيرة. من المؤكد أن "جماعتنا " في "بحمدون" لاتسمح للسيارت القادمة من دمشق، بالتقدم تجاه بيروت.‏

-هذا أكيد، ولكن كيف يتدبرون أمرنا، وإن التجمع تزداد أعداده، من الجنود وصف الضباط والضباط الذين لايتمكنون الوصول إلى مواقعهم ومقرّاتهم.‏

- ننتشر مع المنتشرين، وكل واحد يمارس اختصاصه!‏

في هذا الجو المحموم يعصف موسم القتال بالشظايا والقنابل، وموسم الحصاد بالغبار. يلتصق الناموس بجلودنا. يلوّث العرق بذلاتنا الصيفية. سنموّه خوذنا وأجسادنا وأرجلنا بأغصان الأشجار، والطين. نرصد. ونقوم بالحراسة. نقف على الحواجز. نفتش السيارات المدنية. أصبحت العودة إلى دمشق في هذه الأجواء خيانة! وأصبح الهروب من المعركة جُبناً!‏

الأسئلة لم تتوقف، تتجمع في دائرتي الروح والذاكرة. تحتضن قلوبنا توجسات. نتذكر أحاديث الليل. الفرق كبير بين البارحة واليوم.‏

الجوع يقرص مَعَدنا. أخرجت من كيس " النايلون" السندويش. أكلنا وكأننا نمضغ الحصى، ووراء كل لقمة ندلق الماء في حلوقنا.‏

نهضت في نفوسنا رغبة القتال. امتلأت وجوهنا بالحماسة. الخوف مذّلة يا صديقي. الرصاص لا يخيف الرجال. ألم تسمع، أن القتال يبدأ بـ "الطلقة الأولى" ؟! وبعدها ينتهي الخوف، ويذوب، ويتلاشى. أصبحنا أشداء، وتعودنا على قتال الشوارع والمدن.‏

- قتال المدن فنّ حربي صعب، حيث يتحول كل شارع وكل بيت إلى جبهة، وقذيفة من " آ. ر. ب. ج" تقسم الدبابة إلى قسمين. قنصة واحدة تقتل الإنسان، أو تقطع ذراعه أو ساقه.‏

لو بقينا يا حيّان في برج حمود، وأجلنا إجازتنا حتى تهدأ الأحوال! وكانت محطتنا الأولى، وقفت السيارة. اصطف خلفها سيارات من مواقعنا الأخرى. اقترحت "الشرطة العسكرية" علينا أن نسرع. تسللنا وراء بعضنا. وزعونا في عدة "كراجات"، واختبأت السيارة خلف الأبنية. كانت الراجمات تقذف أربعين قذيفة في الدفعة الواحدة، وتمزق قذائف المدفعية الفضاء.‏

تتقدم الدبابات. وتُطلق مدافعها الأبواق النارية، وترجّ الأرض من شدة الضغط، ثم تعود إلى حفرها، تستعد لطلقات أخرى..‏

يمرّ النهار ببطء. استنتجتُ أن المدة ستطول، وسيطول انتظارنا! فنظفنا البلاط. افترشنا الأرض.. وجمتْ وجوهنا. ساعات الانتظار صعبة، ولا نعرف موعد الرحيل. نتفرّج. نرصد. لانتكلم. نقرأ في عيون ووجوه بعضنا، نستشف المجهول، علماً أننا لا نعرف ماذا يجري تماماً! كم عدد الجرحى، وهل سيطول القتال؟‏

نعلم أن المعارك الدائرة أو التي ستدور في المستقبل، لا ترحم، مادامت تتوفر الذخائر! يحصد القتال العشوائي الأرض والأبنية والمنشآت والبشر.‏

لحظات توقفت الراجمات، قالوا :" ارتفعت حرارة السبطانات" واستمرت الرشاشات تلعلع. والمدافع تغني، لكنها توقفت، والراجمات تهزّ أركان الأرض. يعود صداها من بعيد، ولاتصلنا إلاَّ أذيال موجات متقطّعة. بدأ الليل يحبل، وينتفخ بطنه، والجنود ينقلون المواد الغذائية والذخائر إلى مناطق القتال.‏

الظلام يغطي الطريق المنحدرة من " بحمدون". رياح تداعب أوراق الأشجار. سكون وقمر في أول طلوعه، يحبو بين النجوم.. النجوم تتراقص حوله، تزغرد لعريس الليل.‏

كانت فرحة مؤقتة. القلوب غائمة. يحتضن كل واحد محفظته الجلدية. انتشرنا، وتوزعنا في جوف الشاحنات، المكشوفة، بين براميل المحروقات. يتقدم الشاحنة " ب ـ ت ـ ر"، وخلفه سيارات تحمل عشرات العناصر.‏

هناك مَنْ كان من صف الضباط يفتح يديه نحو القمر والسماء. تمتمة، وتثاؤب، واختفاء وميض الابتسامات، والهمسات عن الوجوه. .. كأننا رماد مكوم مدهون بالمازوت، وبذلاتنا ملطخة ببقع الشحم. . حبست السيارات أضواءها في عيونها.‏

طريق فرعي على يمين الشارع الرئيس الذي يصل بين العاصمتين " دمشق وبيروت" المنحدر طويل ويمتد أمامنا كأنه بلا نهاية. . القافلة تسير ببطء شديد. تحاول خنق أصواتها في مداخن محركاتها. صرنا نتفاهم بالإشارات، كان القمر يضحك على غير عادته في مثل هذه الساعات، مما زادنا لوعة وخوفاً، وقهراً. القمر يهزأ منّا كأنه يسألنا : "لماذا الخوف؟ القصف بعيد عنكم. هذه أصوات قذائف تغرق في البحر، يرتجّ صداها، يقفز فوق قافلتكم ".‏

يشدّ حيّان جبينه بكفّه، ينظر من بين فتحات أصابعه. يلتقي بصر عيني، ببصيص عينيه، ثم تشرئب أعناق الجميع، كأن قذيفة سقطت بين عجلات الشاحنة! يا إلهي! ما أكره هذه الساعة! ليلة مُخيفة، روعتنا بظلامها، وقذائفها، وهدوئها!‏

- هل الليل الذي يطرب العشاق بلقائه، وينتظرون قدومه يخيف المقاتلين؟‏

- الليل يتحول إلى وحش كاسر، إذا جرحه أحد القنّاصة. يخيم فوق العشاق إذا طرب على أنغام الشفاه المرتجفة. . الليل الذي يرسمه فنان مبدع، وتنجح ريشته في تدرج الألوان، وتقاطيع وجهه، ليل أقرب إلى القلب، ولكن وجهه الآخر يشبه السجن والاستعمار. . المبدع ينتظر سكون الليل والقمر والنجوم ليفجرّ ومضات مخزونة منذ زمن. الليل كالأنظمة العربية لا يبكي على ميّت. الليل يراقب بيروت، وهي تحترق. يستقبل لهيب الحرائق كي تضيء وجهه. يغمره الفرح، ثم يبدأ، يغسل الجثث المسجّاة على الأسفلت البارد والحامي.‏

دهن الليل شارع الحمراء بالحزن، حول أبنيتها ومحلاتها، ومطاعمها إلى خرائب. صبغ الواجهات، والشرفات بالسواد، وفتح أشداقها للهواء اللزج الذي يحمل ملوحة البحر ورطوبته.. هذا هو الليل ياصديقي محمود!..‏

- عرفت قسمات وجهه، والتجاعيد المخيفة. لعنتُ في تلك الساعة هذه الصور المروعة. مزقت أثواب الحزن. وباركت في نفسي " الشاش الأبيض الذي يضمّد الجراح ويبعث فينا الأمل"‏

المسافة لا تزال طويلة، وتطول، والمنحدر هو هو، بل يزداد شدة. القافلة تسير هادئه دون إشراقة أو ابتسامة. ترافقنا الأشجار. يطربنا حفيف الأوراق، وأصوات القذائف يجمد قلوبنا. ظلّ الرشاش المثبّت في ظهر ال" ب ـ ت ـ ر" يدور ويتحرك نحو الأمام والخلف. وعندما يتجه نحونا تأنس قلوبنا. ونشعر بأمانته، ، وسهره الطويل. هؤلاء المغصوب عليهم واجمون، لاهون بالخوف والسكون. وموقعي في الزاوية، موقع استراتيجي، خلف الجدار الخشبي، أراقب من خلاله الجميع. أتحسس مشاعرهم. ألقي بصري فوق وجوههم، كأنني أسكن في داخل كل واحد، وأعدّ همساتهم، ونبضات قلوبهم. أدرس تداعياتهم وأفكارهم.‏

خفف الـ" ب ـ ت ـ ر" سرعته. انحرف يميناً. ظهرت أمامنا فجأة أبنية وشوارع مستقيمة ومتعرجة، ضيّقة، ثم انحدرت قافلة الشاحنات خلفه، تئن، كأنها تحمل جرحى، وموتى. وفي تلك اللحظات الصعبة، إذا عُصِرت أجسادنا، لا تنزف سوى قطرات ماء، ودموع صفر. لا أعلم جيداً إذا بال بعضهم تحته!.‏

توقفت الشاحنات. هبط الجنود يحملون محافظهم. تضرب أقدامهم الأرض ضعيفة الخطا وئيدة.‏

تسللنا وراء بعضنا بعضاً في مدخل طويل لبناء تابع لقوات الردع. هبطنا السلّم عشر درجات تحت الأرض. كانت الأنوار والأحاديث في فضاء القبو الواسع تطمئننا.‏

ويرتدي جنود الاستطلاع لباس الميدان الكامل، كأن الحرب الطويلة قادمة لا محالة.‏

بعضهم يتناول الطعام. آخرون يستلقون على أسرّتهم وآخرون يتسامرون. تمددنا على الأرض. شربنا الماء. غسلنا وجوهنا، باستثناء حيّان الذي قبع في الركن، انفرد بنفسه. خلع " سدارته". أشعل سيجارة. حدّق إلى الوجوه. علّه يتعرّف أحدها. لأنه كما قال لي: " إن له أقارب في قسم الاستطلاع"‏

كان الليل ينتصف. خفّت حدة القذائف. أصبح الزمن بين القذيفة والأخرى متباعداً. وحينما وجهت سؤالي إلى أحد الجنود - هو الوحيد الذي فَردَ وجهه وابتسم - عمّا حدث في اليوم الفائت؟‏

- هل أنتم أغرار؟ تعودنا مثل هذه الحالات، نتحرك أثناء القصف إلى مناطق بعيدة. ننفذ مهماتنا بسهولة. نرصد القوات المناوئة وتحركاتها.‏

ونلتقي بـ " عيوننا" في نقاط محددة. نتلقى منهم آخر الأخبار، عن التعبئة والجاهزية.‏

- نحن من الكتيبة المنتشرة في شرقي بيروت، ومنذ منتصف العام هناك. أخبارنا تعرفونها. سمعتم عن المعارك فوق الجسور. وقرب المجلس الحربي!‏

- إذاً لماذا الخوف؟‏

- الطريق موحشة. الليل كوحش في شتاء قاسٍ!‏

- أيام قليلة، ستتحرك كتيبة من قواتنا، قادمة من صيدا إلى بيروت الغربية، وهي مع قطعات عسكرية أخرى " مشاة - مغاوير - مدفعية - راجمات "ستكون جاهزة لدعمكم، ومساندتكم.‏

تصاعدت أصوات الشخير، متدرجة بخشونتها، تتوقف أحياناً أنفاس النائمين، ثم تشكل هجوماً واحداً. قنصات تئز أزيزاً ناعماً، ويتضخم صوتها إذا اصطدمت بالأبنية.‏

بدأت خيوط ضوء النهار ترسل محبتها إلى الشوارع والحدائق، والستور الرملية، والترابية، تعبر الشقوق. تودع الليل، بنهار جميل. كنت أتمنى، وأشتهي أن يكون نهاراً " دمشقياً"، يقدر كل واحد أن يرسم أحلامه، أو يزرع حلماً في تربة لا تعرف الخوف. عندنا في دمشق الحبيبة، يلتقي العاشق بحبيبته مطمئناً، لا يعرف الخوف أبداً! وتستطيع الأم أن تودع ابنها، ويضحك الأطفال، ويتدافعون، ويتصايحون حينما يقذفون كراتهم، وهم مطمئنون، لا يفكرون بقذيفة تنتظرهم..‏

لم أرَ في تلك الشهور التي أمضيتها في بيروت، أطفالاً يلعبون في الشوارع...الحدائق مهجورة، ومغلقة، وأسوارها مهدمة، وأبوابها مخلّعة، أعشابها محروقة، أشاهد في أوقات الانفراجات المحدودة أطفالاً يحملون أسلحة بلاستيكية، يرتبون أنفسهم في جماعات، وفرقاء للقتال. سمعتهم مرة في " برج حمود " يتجاذبون أطراف الحديث عن أنواع الأسلحة، وأرقام المسدسات... و... و...‏

الصباح يمسح نهار" سن الفيل" بروائح الحرائق، تقف بشموخ سحب الدخان بيننا، وبين النافذة الخرساء التي تطل منها الشمس، لكنها اليوم اعتذرت عن زيارتها لنا!‏

هجر النوم رأسي. . عيناي متوهجتان من السهر والقلق. وعاد الصمت يقلّم أظافر أفكاري. رأسي يمتلئ، ويحبل بألف كلمة، عشرات الصور تتجمع في ألبوم الذاكرة.‏

- كيف نقضي يا حيان هذا النهار؟‏

- صباح آخر. الشمس ثابتة. لاشيء في شوارع بيروت. سوى الأبنية ومرابض المدفعية، والدبابات. . لا تخف، فهذه قيادة اللواء. . اطمئن، هنا أكثر استقراراً من منطقة "الدورة". لا يوجد جسر للموت، بل ساحة معبدة وشوارع تتقاطع مع بعضها بعضاً.. راجمات، وملاجئ. . الموت يبتعد عنّا حين يرى هذه الأسلحة. يحوم الذباب الأزرق، ويئزّ، يلاحق رائحة الموتى. كلاب شاردة اتخذت من الحفر مأوى لها. هل أنت كلب؟‏

- أتمنى أن أكون، وإذا حصل يوماً، وأصبحت أقفز على الأربعة، فأضع رأسي بين قفص أصابعي، وأطمس عينيَّ في الأرض.‏

مسافة قليلة قطعناها. انحرفنا " شلّة" من الجنود وصف الضباط باتجاه أحد الأبنية، تعرّفنا على " قلم اللواء" - الديوان _ فسجل أسماءنا وأبرق إلى "قا. ك" : عشرون مجنداً وصف ضابط - التحقوا صباح اليوم بقيادة اللواء - وضابط برتبة نقيب".‏

وزعنا "رئيس القلم" على الفصائل الملحقة بقيادة اللواء. حملت محفظتي. انطلقنا، أنا وحيّان. التجأنا إلى أحد الأبنية. وفي أحد ممرات الطابق الثالث، افترشنا البلاط. نمنا، نوماً عميقاً، ولا ندري لأكثر من ساعتين ماذا حلَّ بالعالم!‏

ليلة عيناها حمراوان كعاصفة. البناء يرتعش، ويرتجّ، كأنه يتحرك فوق نوابض فولاذية. النوافذ تتراقص وتهتز. استقبال جميل وحافل!.‏

تمددت فوق البلاط، ألقيت على جسمي المُنهك من التعب شرشفاً. انتصف الليل.. أسمع شخير حيّان وأنفاسه، تتقاذفها نسائم رخوة، رطبة، مالحة. ألوان طلقات خُلبّية ترقص أمام النوافذ. تُقبّل الجدران أحياناً بشوق. الساعات تمرّ وئيدة، وكل دقيقة تتساقط عشرات القذائف. أصوات مكوكية لجنازير الدبابات. مكبرّ صوت اعتقدت أنها نداءات للرحيل، لكنها كانت دعوة:" على عناصر الكتيبة رقم. . الاجتماع في الطابق الأرضي".‏

وقف حيّان. أعاد ترتيب ثيابه. هبطنا معاً. كانت عناصر كتيبتنا تهبط من الطوابق. علمت أن جميع المتخلفين، يجتمعون!‏

عقارب الساعة تقترب من الثالثة صباحاً. ضجيج الموت وارتباكاته، يلوح بإشارات الخوف والقلق. الدنيا حمراء. لهيب وحرائق وانفجارات. . قتال المدن، كما يقولون، من أصعب أنواع الحروب. حُفر هجرتها القذائف، حولتها إلى مدافن، خالية. نسائم كريهة وروائح الأدخنة. . ضباب يلون الساحة المحاصرة بين الأبنية.‏

تحلقنا حول " النقيب" لكونه من أقدم الرتب العسكرية. . حليق الرأس.. وجهه صورة للجنون._ حين يشعر المرء بالخوف، تتحول شجاعته إلى جنون _ أما الخوف كصفة مودعة في قلب الإنسان، فهو مكوِّن رئيسي للمخلوقات العاقلة. . الجبن تخاذل، وتدمير للنفس والروح والعقل. السؤال الآن الذي تبادر إلى ذهني: هل نُقدَّم طعاماً للرشاش، أو لصياد يفتش عن العصافير في هذا الصباح البارد؟‏

شعور ضرب أوتاده في القلوب. الموت يعبث في دواخلنا. شكلنا دائرة، أو طوقاً حول " النقيب " في بهو الطابق الأرضي. فبدأ يهدد، ويتوعد كل مَنْ يتخلف أو لا ينفذ التعليمات، وعن الخطة قيد التنفيذ قال: " هذا هو السلّم _ كما تلاحظون. . ستنقلنا سيارة "غاز 66"، باتجاه نهر بيروت، هناك نهبط بواسطة هذا السلّم إلى قلب النهر، بعدها، نتسلل إلى مقرّنا "‏

أخطار محدقة في المنطقة المحصورة بين "سن الفيل" و" جسر الموت"، وبين "جسر الموت" و "الدورة".‏

حملنا محافظنا. كنّا نستبشر بصباح يختلف عن صباحات الشهور الماضية. أصبحت الدنيا تدور. يحفر الخوف في قلوبنا دروباً وحفراً. تبدلت الألوان. . الخبر نزل علينا كالصاعقة. لم نصدّق الخبر. اعتقدنا أنه يجرّبنا، ويمتحن قدراتنا، وقوتنا!‏

اصطفت الشاحنة على جانب الطريق. رفعنا رؤوسنا، فتحنا أيدينا نحو السماء نستغيث، ونطلب الرحمة. رتلاً واحداً تقدّمنا. . صعدنا والـ " ب ـ ت ـ ر" يتقدّم السيارة بعدة أمتار، عليه رشاش. قرأنا الفاتحة في هذه الساعة المجنونة. جنون العظمة يقودنا إلى الهاوية. أَمنْ المعقول أننا نصل بسهولة إلى برج حمود؟ سؤال كبير، وكبير أخذ يتسرّب بصعوبة إلى أفئدتنا وأرواحنا!‏

سؤال للموت، وسؤال للحياة! أفكار ليس لها بداية ونهاية، تمتزج بالرطوبة. وكان الخبر الذي عوّض، وأزاح عن كواهلنا بعض الهموم، وصول كتيبة مشاة من " صيدا" إلى " سن الفيل"، وكتائب مدفعية، ووحدات خاصة، ودبابات، وراجمات إضافية، واحتياطات أمنية كبيرة. . وقبل أن تنطلق السيارة، المحملة بجثث الأحياء، المجردين من أسلحتهم، سوى قلوب، بعضها يرتجف، وبعضها تغرد نبضاتها للصباح وتغني.‏

كان الهجوم التمهيدي صاخباً في ذاك الصباح. أفواج الدبابات تتحرك نحو حي، "النبعة" ركزّت المدفعية سموتها، وأخذت مواقعها تنتظر الإشارة، للتمهيد المدفعي، والراجمات تقذف الصواريخ بغزارة. أما ناقلات الجنود، فتمر مسرعة، تخترق الأصوات وتتعرج بين القذائف والرصاص، والألوان.‏

كانت سيارة الغاز "66" التي تحملنا تتوقف كل عشرة أمتار أو أقل عندما يداهمها الخطر، أو تتصادم الأضواء المنفلتة من القذائف الحارقة مع الإسفلت، وتدور بين العجلات، عندئذ كنّا نهبط قافزين إلى الأرض، ثم نصعد ثانية، عندما يصرخ النقيب في وجوهنا، ويهددنا بإنزال أقسى العقوبات، وهكذا تكررت هذه الحادثة مرات ومرات.‏

الموت بلا لون أو رائحة، أو طعم، كالهواء، يهبّ كالعاصفة. ومَنْ يعشق الموت في هذه الساعة يكون قد أجرم بحق نفسه!. الموت دون مقابل!‏

ومَنْ يبحث عن الحياة في هذه اللحظة أيضاً، :انه يتمّسك بقشة. وبين صورتين أو لوحتين : لوحة للحياة، ولوحة للموت يتقافز سؤال كبير " ما العمل؟" وكررت هذه الجملة مرات! هل ينقذني الهروب من هذه الجولة الساخنة؟ أم أضع رأسي بين الرؤوس، وليكن ما يكون!‏

لا داعي للتشاؤم، وتقديم الأجوبة السريعة، مادام الصباح بدأ ينشر خيوط الضوء فوقنا. وكانت المفاجأة أننا تجاوزنا منطقة " سن الفيل"، وهاهي السيارة تنحدر نحو جسر الموت.. الدبابات تتراجع أمام قذائف الـ " ر ـ ب ـ ج ـ " الغزيرة التي تسلّط فوهات سبطاناتها من النوافذ. ضجيج الموت. الأنين، وأصوات الجرحى، تختلط كلها بنيران كثيفة. . لا أصوات تعلو على أصوات الدمار!‏

- هل نصل يا حيّان سالمين؟‏

- ماذا بك؟ غارت عيناك، هبطتا في نُقرتي وجهك. يبدو وأنك تفتح يديك نحو السماء، تطلب الرحمة!‏

- الموت. . تقترب ساعة الوداع. أشعر أنها الساعة الأخيرة. رشاش في الجهة اليمنى يكّثف نيرانه باتجاهنا، والسيارة هدف مباشر له، خاصة أنها تنحدر بسرعة، وتميل على جانبها. في هذه الحالة، لا مجال للكلام. أو طلب النجدة ولا ندري كيف قذفتنا من أحشائها مرة واحدة. أصبحنا بلا حماية، فوق إسفلت الشارع، حينئذٍ التجأنا إلى أقرب بناء يواجهنا، ووصل عدد من الجنود إلى مقرّ سرّية تابعه لقيادتنا تتركز قرب جسر الموت. وتراجع آخرون إلى سن الفيل.‏

في الصباح عدتُ " أنا وحيّان" إلى مقرّنا في سن الفيل، وإلى المكان نفسه فوق ظهر درج إحدى الأبنية المهجورة، لكني لم أعد أسأل عن السلّم المعدني. السؤال الذي ظلّ يحاورني ويطارد شرودي، ويقف أمام صحوتي، وهو : لماذا هذه الخطة الهوجاء الجهنمية، فهي منذ أن تكوّنت، وتجمعت خيوطها في رأس النقيب الحليق، لا تحمل أية بادرة للنجاح، فالفشل حليفها!.. وهل عدم وصول الجميع إلى جسر الموت جريمة؟ وكيف نصل ونحن دون سلاح، محملين فوق حديد، تتراقص حولنا القذائف، وتزغرد ألحاناً للموت؟ كيف يمكننا مواجهة آلة الدمار بأجسادنا؟‏

- الأمر سهل ياحيّان. تعال معي إذاً، لمواجهة النقيب بما حدث لنا!‏

وإذا لم يصدّق، لكل حادث حديث!‏

- أجانبي : سيعاقبنا! ألا تسمع أو سمعت بعقوبة مَنْ يهرب من المعركة!.‏

- نحن لم نهرب. أعتقد أنه لا يوجه لنا مثل هذه التهمة.‏

- أخالف رأيك تماماً! سيقول :" عقوبتكم الإعدام" وسنخسر وسام السلام الذي منحتنا إيّاه حكومتنا، وقيادتنا العسكرية في دمشق مقابل دفاعنا عن بيروت الجريحة!‏

- أهذه خيانة يسمّيها! كيف سنصل إلى برج حمود، والسماء تمطر نيراناًً، وتفور الأرض ببراكين من الصواريخ والقذائف!!..‏

- ألم تسمع ما قالته إذاعة " مونتي كارلو" :[ بيروت تحترق. فضاؤها يتمزّق، أصبحت عارية فوق الشاطئ، وتسبح في بحر من الدماء]. وتكاد أذنايّ تخدشان. ضجيج الروح يخترق قبّة رأسي. دوّخني صوت المدفع / ب. ا/ ما أبشع صوته. سلاح متخلف، من بقايا الحرب العالمية الثانية، لكن مفعوله كبير جداً، ويدمر أهدافه بدقة. تخترق قذيفته كل ما يعترضها.‏

- مارأيك أن نستغل هذا الهدوء الحذر، ونفتش عن "الرنكوسي". لعلَّ عودتنا إلى سن الفيل تحمل لنا منافع كبيرة تعود علينا بالخير!‏

التمعتْ صورة الرنكوسي في صفحة من دفتر الذاكرة. صورته وهو يعزف على حروف الآلة الطابعة، أوامر الحرب والقتال في قبو تحت الأرض. يتمنى أن يرانا، كما نحن نفكر الآن، ونتذكره.‏

يلوذ حيّان بالصمت والتفكير، والتداعي، كأنه لا يرغب في هذه الأجواء المحمومة إدخال أفكارٍ جديدة، أو تمنيات وأحلام إلى ساحة أشواقه التي يستعيدها بافتخار إلى قلبه. يريد، كما أشعر وأستشف من ملامحه، أن يحافظ على ومضة قديمة، متجذره، تشعل قاع ذاكرته المتيبّس. ظلّ الصمت متجمداً، يغزل أمام ثقب في بوابة فؤاده طرقات من الرقص والغناء الخفيفين، والخافتين! أعتقد أنه يفكر في المستقبل البعيد! ومن الجائز أنه تجاوز " الكرنتينا" أو منطقة الجسور أو "الدوره" وهذا ماكنت اتصوره. وحينما انقطع حبل تفكيره وتزاحمت الهموم في رأسه، وقلبه، انتفض كديك يبحث عن دجاجة، لم يرها منذ فترة طويلة!‏

- قال : يقلقك وضع الرنكوسي. تتساءل مع نفسك : هل أنجب؟ وما هو شكل الطفل القادم؟ ذكر أم أنثى ؟. وتشغلك هموم أخرى. أما أنا فتلاحقني موجة صغيرة. غيمة تزحف فوق جسدي. تمسح وجهي بأريجها. ترشّ قطراتها المصبوغة بالعشق والحنان. لا أفكر في "الدورة" أو " البرج". تشغلني عائشة. نحن محاصرون عند أهلنا، وفي مواقعنا، وهذه قواتنا، وهي كذلك تستقرّ آمنة في مقرّ كتيبتنا. الحصار الجسدي أهون بكثير من الحصار النفسي والروحي!‏

نفسي محاصرة. محاطة بأسلاك. لساني تخزه الإبر والأشواك، وتدميه. الهمّ الوحيد الذي يثقلني، ويلحّ عليَّ، أن أصل سالماً، وأراها. همّك يامحمود أن تعانق الرنكوسي، وتعرف أحواله بعد هذا الغياب.‏

- قلت : حينما تتقاطع الهموم، وتلتقي فوق الجسور، ثم تتوزع في هذا الفضاء الملوّث بالأنين، والروائح والقتلى، ويصبح الرنكوسي أحد هذه الأشياء وجزءاً منها، لا يمكنني إخلاء المساحة التي يحتلها في تفكيري!‏

صورة ألفنا النظر إليها، والتمعن فيها، حينما تجمهرنا، نودع قافلة من الشهداء، حملتهم شاحنة، ورحلت، لكن رائحة الموت تسمّرت في أنفاسنا، تختلط بروائح البارود والقذائف. . وزجاج مكسّر. وبقع من الدماء تجمّدت، ورسمت على البلاط أشكالاً أخرى.. وكان هذا من حصاد الليلة الماضية!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244