جسر الموت - باسم إبراهيم عبدو

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-14-

عائشة الآن ترصد بيروت من منظار حيّان. ترى نفسها. تبحث في جسدها عن الشظايا. تعلك عصارة الموت. تغزل قرب الشاطئ أحلامها. يفقدُ حيّان جزءاً من مشوار القتال الطويل. ويفقد أيضاً منظاره الذي تعرّف بوساطته على بيوت لم تطأها قدماه. وكان يكتفي بسرقة النظرات عبر النوافذ المفتوحة ومن خلال الأضواء الخافتة، ذات الألوان القزحية. أما الرنكوسي، فهو مُتعب، ومرُهق، عندما يضجر يبدأ بالعزف على آلته الطابعة، كأنها آلة موسيقية، ولكن في هذا الوقت، لا تنفع الموسيقا، ولاينفع الطرب. فكل شيء يطغى على أرواحنا، حتى الأشجار ألقت بأغصانها، وأوراقها. .. أصبحت عارية أمام الناس، وأمام الله، هجرتها العصافير. أنظر إلى هذه الطيور، إنها فقدت ريشها، وتكاد أجنحتها تتقوّس، والقوارب تشق الأمواج، وتطفو فوقها.. وعلى سطح الماء أوساخ وأقذار، ومازوت. . جثث مطوقة برغوة حزينة. . شواطئ كبّلت نشاطها القذائف، كقلب عائشة.‏

- ماذا نعمل الآن؟ أين السلاح الذي وعدونا باستلامه ؟. لاعمل لنا سوى أننا ندور بين الأبنية. نتسلق سلالمها. نفتش فوق السطوح عن القناصة، وعن الطلقات الفارغة. نعدّ الثقوب والحفر. لقد سكنت المدافع إنها استراحة الرُماة ولا نسمع إلاَّ زعيق سيارات الإسعاف!‏

تناقلت الإذاعات أخبار معارك اليومين الفائتين. وجاء في موجز الأنباء : "مشافي بيروت تغصّ بالجرحى والمصابين. خمسون قتيلاً في "النبعة". آلاف القذائف تتساقط".‏

لانعلم شيئاً عن كتيبتنا، وماذا حلَّ بها!. الأخبار مقطوعة. لو نجحت خطّة النقيب كنّا قد وصلنا بأمان، لكن لا ندري في أي وقت سنصل!‏

هنا يا حيّان نأكل وجبة واحدة، نتعامل كضيوف، والضيف في الحرب ثقيل كضيف المساء الذي ليس له عشاء.‏

وكان الخبر مزعجاً، حين حلَّ دوري في جلب الطعام. أثقل رأسي بهموم أخرى.ناقل الخبر" أُصيب الملازم بركات " قائد فصيلة الدبابات" بشظية في عينه، مما دعا إلى استئصالها.. ونقل إلى المشفى العسكري في دمشق".‏

مسكين الملازم أول بركات" رُفّع إلى رتبة ملازم أول قبل أسبوع من إصابته"، ورغم زواجه الذي مضى عليه سنتان، لم ينجب حتى الآن. اصبح بعين واحدة! جرح في القلب، وجرح في الجسد، هل يتحمّل، وهل تحتمل زوجه هذين الجرحين؟‏

كان حيّان يأكل بنهم. منذ أيام لم يذق الطعام، أو يدخل إلى معدته شيء وأنا لست أفضل منه.‏

ملأنا معدتنا بالبرغل والعيران و"صمونتين" يابستين. وقف حيّان بعد الظهيرة على سطح بناية عالية. وضع كفّه فوق سقف عينيه كرفّ. حدّق إلى فضاء الكتيبة، مملوءاً بالشوق والحنين. طوفان من الرغبة يسري في عروقه. أُصيب بمرض "الغربة" خلال الأيام الأربعة التي قضاها بين دمشق وسن الفيل. يتأمل ساهياً. تلوك أفكاره آمالاً جديدة.‏

- لاينفعك التأمل، بل يزيدك آلاماً. ابحث في وضعك الآن، وفي هذا المكان. سنبقى في هذه المرابض المبلّطة، وفوق الأدراج، وفي مداخل الأبنية حتى انتهاء وجبات المعارك... معارك حامية، تتدفق رُعباً، وخوفاً، وجنوناً.. ألا تلاحظ أن القوى المناوئة أدخلت إلى مناطق القتال أسلحة جديدة، ومتطورة، من المدافع والراجمات والدبابات. ألا يكفي أن بيروت استضافت بقسميها الغربي والشرقي جميع أنواع الأسلحة، عدا سلاح الطيران، فمازال محايداً حتى الآن. والأيام القادمة لا تولد إلاّ الدمار والموت... سنبقى مشردين. ننتقل من موقع إلى آخر، ومن كتيبة إلى أخرى، ومشروع النقيب أخفق، كما أخفق هجوم الدبابات، حين وصلت إلى منطقة "النبعة" وذلك بسبب التقديرات الخاطئة.‏

الشمس تميل دون قلق. تنحني قرب الأفق. وجهها الأرجواني يغتسل في البحر. ظهرت ضاحكة بعد أن خفّت، وتقطّعت موجة الدخان، وسكتت المدافع لقضاء استراحة قصيرة.‏

نزل حيّان من سطح البناء. يقفز فوق الدرجات. عادت الابتسامة إلى وجهه.. تلونت بالأمل، كأنه " شاهد عائشة تتزين أمام مرآة وترتدي بذلة جديدة".‏

التفت إليّ وقال: اعتقد أن خزانات المحروقات في "الدورة" تشتعل. تدفع ألسنة اللهيب دخان الحرائق نحونا، قادمة من برج حمود. ألا تلاحظ أنت!. ونحن نتجاذب الحديث اخترقت طلقة من قنّاصة، الزجاج، ارتطمت بقوة في سقف الغرفة.‏

- هذه هدية لك، لأن القنّاص كان يرصدك أيضاً! يراقبنا، ولا نراه... فأنذرك بهذه الطلقة التحذيرية، ونبّهك بألا تصعد مرة ثانية إلى السطح! أنت من يعرف أكثر منّي. أصبحت ابن هذه الأرض. تعرفك وتعرفها، ألا ترى أن المعارك، ونيرانها تكاد تنتهي، بعد لحظات الهدوء، ووقف إطلاق النار! ومنذ شهور وأنت تعيش ليلاً ونهاراً في قلب المعارك، ومع القذائف، والمنظار، ويمكن أن أطلق عليك "الخبير العسكري المتمرد"!‏

- امتعض !. تعجّب من هذه التسمية. أجابني بشيء من القسوة والجفاف!‏

- المنظار، ثم المنظار! ألا يحرك لسانك يا محمود غير هذا المنظار!‏

- تحمله أيد أمينة. .الآن تحمله عائشة التي ترصد مثلك، لكنها ترصد قبور الناس الأحياء. ترعاهم بعينيها. تدفئهم بأريج قلبها، وأنفاسها. إنهم حينما يشعرون بالاطمئنان ولو كان مؤقتاً، تعود حياتهم اليومية إلى طبيعتها، وتعود المحبة المهاجرة إلى فضاء أنوارهم الخافتة. ترصد عائشة أفئدة الناس وحياتهم. . ولا يغيب عن ذاكرتها ابن المعلم، والمسلّحون، والحشاشون الذين ضاجعوها بوحشية. عندما يعكس لها المنظار هذه الصور الخارجية، والباطنية، يتسلل إليها الخوف الذي يحمل رُعب الماضي، واغتصاب الحاضر، وما يدور فيه للمستقبل الضائع.‏

وفيما كانت رحى النقاش تدور، كانت بعض القنصات تقطع أحاديثنا.. بدا الغروب تائهاً. وقلبانا يمران في دروب بغير أرصفة. يقفزان بين الحفر. يفتشان عن أمان واطمئنان. بدأ عُنقانا يشرئبان. يتطلعان نحو قادم، يفتش عنّا. وحين سمعنا طَرَقات أقدام، صمتنا‏

همست في أُذنه : - إنه رسول النقيب!‏

-حلّت بنا المصائب!‏

- لاتخف !ماذا جرى! أهي خيانة! أنت تكبرّها فتكبر. صغّرها فتصغر! وعلى حجم المخالفة، تكون العقوبة. فإذا لم نستطع مواجهة الرشاشات والقذائف المعادية، ونحن عزّل، ودون أسلحة أو حماية مباشرة. فهل هذه خيانة؟‏

طوال هذه الشهور، ونحن نقاتل. زال الخوف بعد الطلقة الأولى. كما كنّا في الماضي، نحن الآن أشد عزيمة وأوفر معرفة وهمّة، وسنصدّ، ونواجه أية تخرّصات لا تتماهى مع الحقيقة. وإذا طُلب منّا أن نلتحق بالسرية المنتشرة قرب جسر الموت، فسننفذ التعليمات العسكرية، ونلتزم بالأوامر. . ومَنْ يخالف حينئذٍ فهو مُدان. ويخالف الوطن كله!‏

قبل أن نرافق رسول النقيب عادت إلى ذاكرتي "صورة الرنكوسي وهمومه، وأين هو الآن".‏

انحدرنا في طريق ترابية، وسط غابة الصنوبر والأرز، تمتد على سفح وطيء. أحجار، وصخور. . طريق وعرة، وأشواك حُرقت رؤوسها. ابتعدنا عن الأبنية. وصلنا إلى الشارع الرئيس، الواصل بين سن الفيل وجسر الموت. توقفنا قليلاً عند حاجز لقواتنا.‏

أسدل الغروب ستائره. حلَّ الظلام في الشوارع والأبنية والقلوب، باستثناء أصوات يتبادلها المسلّحون مع قواتنا في الجانب الآخر من الشارع، طلقات وقذائف متفرقة، تتقاسم حصصها من الأشرطة المتبقية من أسلاك الكهرباء والهواتف، أو تتنازع فوق زجاج النوافذ والإسفلت، وأكياس الرمل، والمساند التي تحمي الجنود.‏

بقي جسر الموت صامتاً، جائعاً. جوفه ينتظر معارك قادمة. روائح الجثث المسجّاة. بقايا قطع اللحم. دماء تخثرت، ودماء تجمّدت. . أمعاء مقصوصة. أيدٍ مقطوعة. . أصابع مفرومة، وموزعة على طول الجسر وعرضه.. تلاشى الخوف في نهاية الشارع. انعطفنا في شارع فرعي يصل إلى مقرّنا الجديد.‏

كانت المهمة الأول التي كُلفنا بها، بعد مقابلتنا النقيب، أن ننضم إلى سرّية أخرى. تجاهلنا كلماته البذيئة. صممنا من جديد على القتال، ثم القتال حتى النهاية!‏

وصولنا إلى مقرّ فصيلة الكيمياء، قرب جسر الموت، قرّب قلوبنا إلى كتيبتنا. أصبح الهواء المندفع نحونا من برج حمود، يتدفّق شوقاً.‏

سجّل المساعد " قائد الفصيل " اسمينا. أدخلنا في عداد فصيلته عنصرين احتياطيين يزّجنا في أية مهمة متى يشاء.‏

فصيلة الكيمياء في متناول القوى المناوئة، لا تبعد عنها دُشمهم، وأسلحتهم إلاَّ مئات الأمتار، لكن البناء الذي تنتشر فيه هذه الفصيلة بناء كبير، جدرانه سميكة.‏

ويتسع لمئات العناصر والأسلحة...‏

نظرات حيّان لا تتغير، كعادته وضع كفّه فوق حاجبيه، تسمرّت عيناه، يحدّق بعيداً، إلى المرابض، والمساند المرتفعة. يتطلّع بصبر وهدوء. مستطلعا معالم المنطقة، متعرّفاً مواقع الرشاشات الثابتة، والمتحركة، المحمولة على سيارات جيب.‏

- قلت: هؤلاء هم الذين زحفوا وهاجمونا في المجلس الحربي والدورة. لا تبعد كتيبتنا عنهم سوى خمسمائة متر فقط.‏

- لا أرى مكاناً مناسباً يستطيع النقيب اختراقه، والوصول إلى الهدف؟! أشرت له! ألا ترى نهر بيروت، وجوانبه الأسمنتية، الملساء‏

- الخطة كانت التسلّل أحدنا وراء الآخر، والنزول إلى قاع النهر بوساطة السلمّ، ثم محاذاة الجدار البيتوني للوصول إلى منطقة الجسور، وبرج حمود.‏

- إنها عملية جنونية، ولا ينفذها إلاَّ مجانين. ألم يفكر بان القوى الشريرة تواجهنا، ومن السهل اصطيادنا.. حتى الذبابة لا يمكنها إيجاد ممرٍ لها في هذه المنطقة.‏

- إذا نجحت العملية، فسيكون مدبّرها، والمخطط لها بطلاً من الأبطال!‏

شكر حيّان ربّه. انسابت أنفاسه وملامحه مطمئنة!‏

- أفضّل لو بقينا هناك في سن الفيل.. هنا الأخطار محدّقة بنا، والمكان غير مطمئن، سنظل في حالة تحفّز واستنفار طوال اليوم.‏

- هنا نحن أقرب. المسافة قصيرة بيننا وبين "جماعتنا"، ويبدو أن المساعد المسؤول عن الفصيلة من نوع آخر. أتراه احترمنا وكرّمنا، وقدّم واجبات يصعب تحقيقها في سن الفيل.‏

- أحياناً، هذه المظاهر تكون مُخيفة، خاصة إذا كان الداخل في حالة انفصام مع الخارج - الظاهر يُخفي أشياء، والداخل يخبئ أشياء لا تتصل مع الخارج. وعلى كل حال سنتعرف خلال الأيام القادمة أكثر عليه، وعلى عناصره. وأنت ستكون نائبه فلا يوجد في فصيلة الكيمياء سوى عنصر برتبة عريف.‏

في هذه الليلة احترم المساعد مشاعرنا. أحاطنا الجنود بالمحبة والأسئلة. عرفوا قصتنا، ومسيرنا خلال الأيام الفائتة. أكلنا وشربنا الشاي معهم. كل شيء موجود ومؤمن. الطعام والماء والقهوة والشاي والسكر وأدوات جلب الطعام، والبطانيات، والأسلحة الفردية والقنابل والكمامات والعوازل. توزعنا داخل البناء. أشار المساعد إلى كومة من الكرتون المكدّس في إحدى الزوايا. قال: " افرشوا هذه الكراتين تحتكم، واختاروا المكان الذي يناسبكم". وفي الصباح نفكر بالمهمات التي سنوليها إليكما وطبيعة عمليكما.‏

اخترت حفرة مهجورة كانت مكاناً لغسل السيارات. فرشت رزمة من الكرتون النظيف. أخرجت شرشفاً خفيفاً من محفظتي لألتحف به. اختار حيّان زاوية في الجهة الشرقية. رقد كصخرة أتعبها المنحدر. تعالى شخيره وتعالى. أما عيناي فهما في حالة أخرى، تتفقدان السقف العالي. يثقب بصري الجدران، متفقداً جسر الموت والشوارع المطلة عليه.. همسات ضعيفة تتوافد من شقوق الباب. وفي بعض الأحيان تشقّ الصمت قذائف بلا أهداف، أو رشات "صليات" من رشاش"14.5 مم " قادمة من سن الفيل أو من " الأشرفية"، لكن النوم أراحني من التفكير، أسبلتُ جفنيّ، وكانت متاعبي تتفجر في أحلام وهلوسات..‏

نافذة وحيدة، كبيرة، مثبتة بالأسمنت المسلّح. تلامس أرض البناء، تسمح للضوء بالدخول، وللشمس حينما تشرق، أن تتخلل البلّور المدهون بالطين والغبار... ولم أفكرّ أو نفكرّ مرة أن قذيفة ستخترقها، وتخلعها من مكانها، وأن تتحطم الحجارة، أن تصل الشظايا والحجارة المكسّرة إلى الحفرة. هذا ما حصل في فجر اليوم التالي لوصولنا!‏

كان حيّان في حالة من الاستغراب والاستهجان! وهكذا جميع الأمكنة والمناطق يسودها الاضطراب وعدم الاستقرار، إنها حالة حرب أهلية صعبة !‏

وقف كالمجنون حينما أحدث صوت قذيفة زلزالاً في البناء. هبّ الجنود مذعورين. قَدم النقيب وعناصره من البناء المجاور لنا. توافدوا على دفعات، يتساءلون عمّا حصل، حاملين أسلحتهم الرشاشة والبنادق والصواريخ المحمولة على الأكتاف.‏

ثم عادوا إلى أمكنتهم حين تأكدوا عدم وجود إصابات بيننا..‏

هجرنا النوم في الساعة الرابعة صباحاً، غادر الظلام فسحة البناء، انسحب أمام هجوم الأشعة القادمة إلينا بحزن. أشعل الجنود أجهزة الغاز الصغيرة لإحضار الشاي. أصبحت كواحد من عناصر الفصيلة. انعدمت أو تلاشت العلاقة الرسمية، فأبو زهير "المساعد"، وخلال هذه الأيام، تطورت معرفتي به وكأني أعرفه منذ زمن طويل، تركته يقوم بواجبه الديني. التفتُ نحو حيّان الذي كان يلملم نفسه ويركز تسريحة شعره، فمنذ أيام لم تعرف وجوهنا الماء.‏

- هل تعرف أن شعوراً ينتابني الآن، بأن هذا اليوم سيكون هادئاً؟‏

ضحك، كأنه يشكك في كلامي.. سألني عن الدلائل التي أدت إلى وجود هذا الشعور!‏

أسند إلينا المساعد مهمة الحراسة ليلاً في نقطتين متباعدتين خارج البناء. وعند موعد الحراسة تسللنا عبر طريق سرّي من خلال طاقة واسعة مفتوحة في الجدار الذي يطلّ على شارع فرعي، للوصول إلى مكان الحراسة.. حيّان ينحني خلفي.. ثم نقفز، وبذلك نختصر الطريق، ولا نعرّض أنفسنا إلى أي خطر..‏

اختلف شعوري، أُصبت بإحباط، وملل. كل يوم يمضي تزداد الأمور سوءاً، وهذا الشعور موجود أيضاً عند حيّان. اتفقنا أن نتأقلم كلياً، وأن نندمج جسدياً وروحياً مع الناس والمكان، وأن لا نفكر بالزمن.‏

وهكذا تتالت الأيام والأسابيع. . حراسة، وحراسة ونوم، ورصد، وإطلاق قنابل ورصاص وقذائف، وعدم تفويت أية فرصة تسمح لنا بالرّد والمواجهة على أي اعتداء. . تجمعنا الحُفرة. نتجاذب الأحاديث، والقصص التي سمعناها في الليل، وتصوير المشاهدات...‏

كان حيّان في حالة الجاهزية الكاملة. خوذة عتيقة. بطانتها الداخلية متيبّسة، سوداء، ولا أعلم كم من الرؤوس تنقلت فيها، ويحمل قنابل يدوية، وأنا مثله أجلس على حجر خلف ساتر من الأكياس. أوجه البندقية إلى مصادر الخطر.‏

بجانبي " هاتف" عسكري أسود استخدمه عند الحاجة. أحدّق إلى الفراغ. الأبنية فارغة. الشوارع خالية من الناس، والإشارات الضوئية. روائح كريهة تفوح على دفعات متقطعة. تنقلها الرياح من جسر الموت. ذباب يحوم يفتش عن مكان آمن فوق أجسادنا! تكوّر حيّان كفأر في الحفرة بعد مجيئه من حراسة ليلية مُتعبة. تبلله قطرات الندى، والرطوبة. تبدو آثار مسامير حذائه فوق البلاط.‏

في تلك الليلة - ربما تكون الليلة الأخيرة في هذا المكان - جلسة هادئة من المباحثات بيني وبين حيّان. . فكرة كانت تدور في رأسي، بل دارت عدة دورات، واستقرت هانئة في مركز تفكيري. علّقت مخالبها في سقف رأسي، وأبعدت عنها الأفكار الغريبة. ولم أدرِ أو أُدرك أن حيّان تتجاذبه أيضاً هذه الأفكار. أدركت أن تصوراته تدغدغ شرايين روحي وذاكرتي وقلبي. سأتركه يتلو ما يجول في نفسه، وإذا ابتعد قليلاً عن تصوراتي، أُصحّح له. أصغيت إليه جمعتُ حواسي. تسمرّت عيناي في عينيه.‏

- ما رأيك يا محمود، أن ننفذ خطة النقيب، ولكن بشكل آخر. نحن " الاثنين" يمكننا التسلل في ليلة مظلمة دون أن نحمل سلاحاً أو سلّماً أو محفظة. نهرب بثيابنا، وأشار إلى المكان الذي يمكننا الانطلاق منه.‏

- القناصة ماذا يعملون؟ ودوريات الأحزاب الدائمة. ليلاً نهاراً، أَمُغفّلة إلى هذه الدرجة! أفضل الحلول أن نخلع الملابس العسكرية، ونبدّلها بملابس مدنية. نترك صرير الليل، وصريفه، ووجع النهار. نعود إلى حبيبتنا الرابضة على طرف نصف قوس قرب الشاطئ. نترك نهر بيروت الواطئ. نتنقل عبر بيوت " النبعة " من الطرف الغربي. بيوت مهجورة، خالية. نؤمّن البطاقتين العسكريتين في محفظتينا.‏

أخرج حيّان بطاقة شخصية لبنانية، مازال يحتفظ بها منذ أن كان يعمل في بيروت، يسكن في حيّ " الكرنتينا ". آنذاك، كان الحصول على مثل هذه البطاقات أسهل من الحصول على كأس ماء. . وأنت ماذا ؟!‏

- لا أملك هوية تعريف بشخصيتي. أترك الأمر! بدأ يشرح الخطوط العامة للخطة بإسهاب.. أسأله عن التفاصيل، وعن. . وإذا لم تنفذ بحذافيرها!‏

- أي خطأ سيوقعنا في مصيدة الموت!‏

بدلنا نوبة الحراسة. تقترب الساعة من الثانية صباحاً. انقطع كل شيء. . سكون!!‏

بعض الطلقات تضيء السماء، لكنها في مناطق بعيدة عنا.‏

رسالة صغيرة كتبتها بخط كبير وواضح. تركتها على جانب لوح من الكرتون، كان يفترشه أبو زهير للصلاة : " نحن ذاهبان إلى مقرّنا في برج حمود. التوقيع حيّان ومحمود"‏

للظلام رهبة، كما للبيوت المهجورة. أنا وحيّان شخصان في رسول واحد، يفكفك الفضاء ويشقّ طريقه بمعرفة كافية، وتخطيط مسبق، وبعد أن نفد صبرنا!‏

حيّان يقيس الدرب، يخطو أمامي. أتبعه. أضع قدمي، مكان قدمه، وهكذا. . كان يتوقف كلما قطعنا عدّة أمتار. بُلنا ثلاث مرات خلال ربع ساعة من بدء المسير. العرق البارد يسترسل فوق جسدينا دون حدٍ أو مواجهة. يتصبب على وجهينا، لكني لم أرَ وجهه بل تتعثر قدماي بجثّة يابسة، خرقت أطرافها، وخرجت وجنتاها. تكسرّت أسنانها. أدوس أحياناً فوق بطن منتفخة. . أتحرك خلف حيّان، وإذا همس بكلمة، منعته بوضع يدي على فمه.. همساته خشنة، تتكوّر في حلقه وتخرج ككرة ممزوجة باللعاب.‏

توقفنا كثيراً، تلطينا بمحاذاة الجدران. انبطحنا، حينما تُسلط علينا الأضواء الكاشفة من مناطق مرتفعة. . تتنقل الأضواء من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، تتعامد أحياناً فوق حاويات القمامة، وتترافق مع أصواتهم وضحكاتهم.‏

- لا تتحرك. انبطح على الأرض بسرعة. التصق جيداً. تمسّك بأي شيء! أسبل يديك. . ستكون أية حركة مهلكة ومميتة. وحين انقطع الضوء الكاشف تحركت سيارة. نزلت تتهادى في الانحدار من " كرم الزيتون" باتجاه منطقة النهر.. وكان القمر ساهراً معنا، يرافقنا، مد ذراعه من الشرق.‏

- قلت : من الأفضل العودة إلى مكاننا، قبل أن تشرق الشمس. وإذا كان للقتال دور في هذا الصباح، فستكون الأدخنة، والحرائق، وننسحب بعدها في الطريق المعاكسة، ونعود من حيث أتينا. تعكرّت الأجواء. دارت معارك حامية، دفعنا إلى اللجوء لأحد البيوت والاختباء فيها ريثما تهدأ الأمور.. حوصرنا على امتداد ساعات النهار دون ماء وطعام. كنّا في ملاجئنا نرصد تحركات المسلّحين وعدم وجود إمكانية إيصال البرقيات إلى المساعد أبي زهير، أو إلى أية جهة. كنّا أيضاً نقوم بعدّ القذائف الهابطة فوقنا، القادمة من مصادر نجلهها! هذه قذيفة هاون "120مم"، وهذا صاروخ محمول فوق الكتف. ولم يبخل القناصة بالرصاص المسموم الذي يئزّ، ضارباً الجدران، والأعمدة المتبقية في الشوارع.‏

أفكاري تغزل نسيجاً من الخوف. وهمّ العودة من الهموم الصعبة، ولم يكن اختيارنا في هذا الوقت دقيقاً. اقترحنا عدة اقتراحات، ووضعنا عدة احتمالات، تشابكت مع بعض القصص " هل نقوم بالاتصال بقيادة الكتيبة؟ كيف؟ تصورنا أبا زهير يغدو ذهاباً وإياباً بين مقرّه، ومقرّ النقيب، وهذا بدوره يهدر ويزبد يهدد ويتوعد".‏

الساعات تمرّ، تتقطع ثقيلة، خائبة، صعبة، مملة. انتزعنا من صفحتي وجهينا الخوف من أولى الخطوات، حينما توجهنا نحو أبي زهير. علمنا بعد وصولنا أن المسافة التي قطعناها قصيرة جداً. وكان يبحث عنّا، يفتش بمنظاره، يرافقه جهاز اللاسلكي، وكان على اتصال دائم بسرّية الإشارة في كتيبتنا. لكن كل هذه المحاولات لم تجدِ أبداً!‏

ازداد شريط المصاعب طولاً، وازدادت ارتباكاتنا حينما قابلنا النقيب وكان المساعد واقفاً إلى جانبه. استقبلانا بالتهديد وإصدار العقوبات.‏

سألنا النقيب: من أين هذه الشجاعة، متى امتلكتماها؟ إنكما تخترقان هذه المنطقة سيراً على الأقدام. ألا تعلمان أن الدبابات تراجعت أمام كثافة قذائف الـ " ر. ب.ج"! ولوكنتما كذلك لماذا هربتما عندما أردنا التسلل عبر نهربيروت؟!..‏

كنّا صامتين، دون حراك. رددت في نفسي :" التهديد لا يجدي أية منفعة. تعودنا على البهدلة" والخوف والجوع والعطش، ولم يبقَ إلاَّ القليل. سنعود. سنعود إلى كتيبتنا. هناك الأمان، ونشعر بالاطمئنان ونحن في قلب المعارك".‏

قفزنا من الطاقة. . هبطنا خمس درجات. تكوّر كل واحد في محرسه. ظلّ حيّان يتأمل وجه الليل، يصوّب سلاحه باتجاه الشارع الآخر!‏

جلست خلف ساتر المحرس، أخذ رنين الهاتف يعلو. رنين متواصل في جوٍ هادئ، مغسول بالضباب، والعتمة، والشتائم.‏

أخيراً زفّ أبو زهير خبراً:" توصلت الأطراف إلى وقف لإطلاق النار"‏

وكان حلماً نهايته في الصباح، حين فتحت عينيَّ لأرى رتلاً طويلاً من الشاحنات القادمة من برج حمود، تقطع جسر الموت.. تحيات الوداع المتبادلة. . سيارات محمّلة بالذخائر والأسلحة والأدوات وأخرى تجرّ المدافع، تركت وراءها أبنية تهبط، تشتعل فيها النيران. . كان كل شيء محطماً، وكأن أسبوعاً من المعارك الطاحنة انتهى بهدوء مفاجئ، وقرارات تمَّ تنفيذها.‏

بقي حيّان في حالة نفسية صعبة. لم يصدّق ما يجري أمامه.‏

ظلّ يبحث عن جواب لأسئلته. . وصدَّق أخيراً حين صعد في سيارة غاز"66"‏

السيارة نفسها التي نقلتنا في ذاك الصباح المشؤوم !‏

- أضحك يا حيّان بعد هذه الإجازة الطويلة. ستعود إلى نقطة الحراسة، وتقوم بالرصد من جديد. القتال توقف. السلام أخرس كل الأسلحة، ورسم فوق المصفحات رايات بيضاء.. ستعود بيروت إلى صفائها، ومحبتها للبحر والشواطئ وستتعالى ضحكات الناس. . كل الناس، والجنود، والشوارع، والأبنية، وسنشرب " البيبسي كولا" ونحن نرفع أعناقنا نحو السماء. تتلاقى عيوننا مع الشمس!‏

-17-‏

جلسنا على مقاعد الشاحنة المثبتة على الجانبين. السيارة تقطع أوتوستراد النهر العريض. تسوح عيوننا. نتفقد الفضاء، والأبنية واللوحات. نسبر دواخلنا والزوايا المعتمة فيها. نضيئها على قدر استطاعتنا، وحجم الضوء الباقي فينا. وعُدنا إلى الذكريات...‏

- هل تتذكر صاحبة الدكان في " الكرنتينا" ؟‏

- لماذا خطرت لك هذه الفكرة؟‏

- لا أريد أن أعود بذاكرتي إلى ذلك المكان اللعين. أتصور الآن عائشة، منذ أسبوع تتجول طليقة في روحي. تحسس جسدي. تسبح في شراييني، كسمكة تفتش عن صنّارة صيّاد!‏

- أجبني برّبك : هل تتذكر " أم جميل"؟ هذه المرأة الجميلة، القادمة من جنوبي لبنان! مازلت أتساءل: كيف بقيت في هذه المنطقة؟‏

لم أدرِ، ولا جواب عندي!‏

- أعتقد يا محمود أنها تنفذ مهمة، لقد تعرّفت الأسماء والرتب، ولم تقصّر في المتابعة لكل الأمور.. كانت تؤمّن المواد التموينية، وحاجات الكتيبة من البضائع والسلع اللبنانية، خاصة الكاسات والمحارم والثياب وسراويل الجنيز وربطات الخبز بأسعار أقل مما هي عليه في المحلات الأخرى!.‏

- هزّت هذه التساؤلات، والملاحظات ذاكرة حيّان، فعاد خطوات إلى الوراء. فتش بيوت المنطقة وشوارعها وأزقتها الفرعية. سنتان قضاهما في هذا الحي، لكنه لم يسمع بـ " أم جميل"!‏

هل تتذكر عندما كنا نشرب "البيرة" فوق الجسر، وقرب دكانها. كانت تستغل انشراحنا وتسألنا عن أسماء الضباط المناوبين. لقد كانت على صلة بالمجلس الحربي.. الجميع يحبونها ويحترمونها، ويتصلون بها كل يوم.‏

هزتنا حركة الشاحنة حينما انعطفت فوق جسر يرج حمود، وهبطت الطريق المنحدرة. التفتّ إلى عمق النهر، فمازالت الدبابة منبطحة، تستند على جدار أسمنتي. ثم أشار حيّان بإصبعه إلى مكان شهداء الكتيبة الذين دفنّاهم في هذه الأرض، بجانب معمل الحديد في تربة حمراء.‏

تفقدتُ الجميع. وبقيت أبحث عن عائشة. ولم أتجاسر أو أتجرأ على السؤال عنها بهذه السرعة. قلت: سيكون آخر الأسئلة! وسيغطي "حاجب" " قا.ك" بقية ساعات النهار بالأحاديث الطويلة. لأنه يعرف كل شيء يدور في مقراتنا وفي الشارع. أضف إلى ذلك أنه يستمع إلى جميع الإذاعات. أمّا حيّان، فأولى المبادرات التي تجول في أفكاره، هي اللقاء مع أبي سركيس.‏

استقبلتنا عائشة بدمعتين وابتسامة شفيفه رقيقة كشفتيها. توقفتُ أتأملها من قدميها حتى رأسها. . أأنتِ عائشة التي تركناها. أصبح جسدك مرآة مضيئة، ورغم كل هذه القذائف، والدمار المخيّم فوق سمائك، لا تزالين تضحكين. وتحدّقين إلى الوجوه المنهكة من التعب والتنقل والخوف والسهر. أسبوع وأنتِ تسكبين الدموع. تفتشين بمنظارك عن دروبنا، وأمكنتنا، ومواقعنا، التي تحمَّلت، وتحملنا نحن أيضاً الكثير من الجوع والآلام. تتربصين في كمين من أجلنا...‏

أتأكد الآن أنك لم تَنْسَيْ عندما دخلتِ علينا! حين نقلتِ لنا أوجاع السنوات الملتهبة التي أنجبت الدماء والموت والتشرد. لم تَنْسَيْ أسراب البعوض، والناموس التي هجمت عليك جائعة في تلك الليلة. هل نسيتِ عندما بصق حيّان في وجه أبي شاهين النذل حين ضاجعك مرتين في ليلة واحدة؟ لماذا تصمتين بعد هذا القهر الطويل؟ متى تغادرين بيروت، وتودعين شواطئها المكسوّة بالرمال، وتطبع أقدام المسلّحين فوقها جراحاتك؟ ألا تريدين البحث عن ابن المعلم الذي فضَّ بكارتك؟‏

تحبل عائشة بالصمت. أرخت رأسها، فانحنى نحو القاع، وانسحبت دون أن تتفوّه بكلمة واحدة.‏

بيروت في هذا النهار تضحك من قاتليها وأعدائها. تشرب من البحر بسلام وطمأنينة. تبعث الحنين هدوءاً دائماً، من بين ضلوعها، قلبها يتفجر شوقاً لرؤيتنا. تسيل المياه فوق جروحها، فتزداد ألماً وعشقاً إلى سنوات ما قبل تدميرها. تحرسها من الاتجاهات كافة، وفي أحيائها المدافع والراجمات. ويدور المسلّحون في أزقتها، يبحثون تحت ظل أروقتها عن أشيائهم، يحجزون في أقبيتهم السرّية الأطفال الذين قطعوا آذانهم، وأعضاءهم الجنسية، وفضّوا بكارات البنات.‏

يأسرونك يا عائشة في بيروت. يفتشون عنك. لا يريدون أن تعيشي بسلام. أقسموا أن يعكرّوا صفو حياتك وهناءك، ويطاردونك طوال العمر. وحينما لبّينا نداءك لحمايتك وحراستك من هؤلاء الأوغاد، اشتعلت المعارك.‏

لم تسنح لنا فسحات الهدوء القصيرة أن نتمتع بك. حافظت أسلحتنا على جاهزية دائمة. ننام فوق البلاط العاري. نضع أحذيتنا تحت رؤوسنا. مخّدات صلبة "مريحة"، لكن خبزك، ونبيذك أيقظا في نفوسنا شدة معاناتك، ولوّن بحرك وملحه أجسادنا. أغُلقت مسامات جلودنا.. امتزجت رائحتنا، برائحة شوارعك، ورائحة أنوثتك، فلا تندمي على هروبك ولجوئك إلينا من خفافيش الليل. لأنك أنقذتِ ما تبقى من جسدك، وإنك تحبين الموت من أجل الحياة. ومن أجل أبنائك كنتِ تضحكين، وأنت تنزفين. يرشح حنان الأمومة منك فوق الشوارع وتتدفق من قلبك أمطار من العواطف السخية. ومَنْ تُطفئ جمرة في قلبها، تفقد إنسانيتها، وتحرق نبضاته.. أعلم ويعلم كل الناس أنك لا تتحملين مسؤولية ما حدث لك!‏

يتحمّل حيّان جزءاً من المسؤولية، وأنا كذلك! آنذاك لم نكن نملك القدرة الكافية. انهالت علينا الاتهامات من كل صوب، أننا نتدخل في حياتك الخاصة، وعلماً أنك التي طلبتِ منّا المساعدة. الآن، لاتملكين القوة كي تحاكمي اللصوص، والخونة الذين عبثوا بجسدك، وشوهوا مرآة قلبك، عندما غسلوا جسدك بدمائك ودموعك، وجعلوا ثدييك يقطران حليباً مرّاً، كالصبر. حاولوا أن يقتلعوا أسنانك، ويخلعوا فكيّك، ويقطعوا لسانك، لكنهم، ومهما حاولوا لن يستطيعوا، لأنك تجثمين فوق صخرة، متعمّقة في البحر، ومتجذّرة في صخور الشواطئ!‏

تحمّلت، وصبرتِ.. وها أنتِ تعيشين باطمئنان بين جنود يحرسونك، ويسهرون الليالي خلف رشاشاتهم، ومدافعهم.‏

نحن أبناؤك وإخوتك. أنت حُرّة، تطلقين التسمية التي ترغبين فيها ونحن نستمع إلى مناجاتك، ونطلب من الله أن يتركك تُعيدين تضميد جراحاتك، وإنْ تركناك وابتعدنا عنك، سنرسل لك الدواء حتى يعود جسدك إلى نضارته، جسداً ناضجاً يقصده الناس من كل بقاع الأرض. وترسو في شواطئك البواخر، ويحتفل أبناؤك برأس السنة، والميلاد. يصفّق أطفالك فَرَحاً، ويهتفون مع القادمين والعائدين باسمك، ينزعون من وجهك إبرالشوك، ويغسلونك بدموع الفرح. كانت تقف أمام النافذة القريبة مني. صوتي يرتفع، وهي تُصغي إليّ فرحة. تنحدر دموعها فوق وجنتيها. تقول في نفسها :" رغم وجودكم، ومازال جسدي ينزف. سكاكينهم أقوى من بنادقكم. أنتم تطلقون الرصاص والقذائف على أجسادهم، وهم يمزّقون جسدي وروحي. وجرافاتهم حملتْ بيوتي وأحيائي القديمة، ألقوها هناك ركاماً وتركوها خرائب.."‏

لا أدري يا محمود إذا كان والدي الذي باعني بأبخس الأسعار، يفتش عني الآن! لا أعتقد أن ثمني الذي وضعه في جيبه، صرفه خلال هذه المدة، ورغم ذلك سأرسل له حاجته، إنّي قطعة منه. لماذا لا يسأل عني؟ أنا عائشة ابنته. مازلت أتذكر جيداً أنني ابنته، وبدأت تعدد أسماء أخواتها البنات منهم والصبيان، لم تخطئ في ترتيبهم حسب أعمارهم، وأطوالهم، وذكرت صفاتهم الجسمية.. "نسي والدي عائشة، ولم يسمع بما جرى لي!! "..‏

أتذكر جميع الأشياء. . قريتي المعششة في بطن الجبل وصعوبة مسالكها ووعورة ممراتها.. وفي الشتاء تحاصرها الثلوج، فتصبح قطعة من الطبيعة وتنفصل عن العالم طوال فصل الشتاء...‏

أتذكر رائحة الأزهار المرتعشة، والراقصة فوق السفوح وفي جوانب الأودية. أتذكر الأتان التي كنت أسوقها أمامي. أحمّلها الحطب، والعشب والماء. الأيام الطيبة لا تعود، ولا يمكن أن تعود!.‏

تركتنا عائشة، وغابت. حبل رأسي بأوجاع جديدة. تخدر جسدي. تمددتُ مسترخياً، وكانت السماء تعود إلى صفائها، رياح قادمة من البحر تحمل أدخنة، تنتحر أمام الشاطئ، وتبتعد، تتعمق البواخر في المياه، وأضواء خافته تتسلق الأمواج. حرّاس يراقبون في هذا السكون، الأنوار الضعيفة، المتجمعة في البيوت. ضجيج يتعالى، وصخب من السيارات العائدة من المنتزهات.‏

نمتُ نوماً عميقاً. لم أفتح عينيّ إلاَّ حين بدأت أشعة الشمس تمسح وجهي بأصابعها الطرية، قادمة من الشرق. ترسم فوق سطح المياه والأبنية ظلالها. وكان الصباح أجمل من الليل هذه المرة!.‏

-18-‏

" الهدوء يسبق العاصفة"!!‏

يتسرّب الهدوء إلى الأبنية والشوارع والجسور. في الصباح كان جسر الموت قطعة أسمنتية حيّة. حركة كبيرة، ومارة، تبعث الأمل والحياة.‏

أمور مكررة كانت تزرع في أحلامنا مزيداً من الشعور بالانفراج:" وقف إطلاق النار - اتفاقات، واجتماعات - انفراج نسبي - الحذر في خط التماس بين شرقي بيروت وغربها".‏

تحوّلت لحظة الأمل المنتظرة إلى حقيقة. عشرات السيارات والشاحنات الكبيرة "تاترا" وقاطرات ومقطورات، محمّلة بمئات الصناديق الخشبية والحديدية. . اسلحة وذخائر، ومواد تموينية أُدخلت إلى شركة التبريد.‏

رتل طويل من الشاحنات. جنود يستعدون لإفراغ السيارات وتجميع الصناديق في وسط ساحة واسعة.‏

وزعتُ المجندين على السيارات، شمّروا عن سواعدهم، وكان العمل شاقاً، وطويلاً، ابتدأ مع شروق الشمس، وانتهى في منتصف الليل.‏

لا خوف بعد هذا التاريخ، تمَّ تأمين الذخائر من مختلف الأنواع والأحجام، وكان بين كل طبقتين من الصناديق، طبقة من المعلبات والمواد التموينية، والطبقة الأولى كانت أكياس طحين، نقُلت إلى فرن في برج حمود، الذي تحوّل لخدمة عناصرنا، وتقديم الخبز للسكان والعسكر.‏

ازدادت المخاوف من عودة القتال من جديد، وهذه دلائل واضحة، تشكل احتياطاً طويل الأمد، فلم تعَدُ الكتيبة بحاجة إلى إمدادات في حالات مفاجئة، وذلك لعدة شهور قادمة!‏

كانت بيروت نقطة هامة فوق خريطة العالم.. نقطة حمراء محاطة بالأسهم الزرقاء. خريطة تتصدر مكاتب الرؤساء والمسؤولين والقادة العسكريين.‏

أصبح السلام حديث الساعة ونقطة في جداول الاجتماعات، ويتداولها الناس في البيوت وأماكن العمل، والمدراس..‏

أحلام تبدأ من انتصار "الثورة الفبتنامية"، وتنتهي في بيروت. . أحلام تنبض بالفرح. توزع ورود الأمل. تنثر العطورهناك فوق جبال لبنان وبقاعها وجرودها، وعلى شرفات الأبنية. . الناس من كل الأعمار والأجناس، ينظرون إلى الشرق. يتمتعون بأشعة الشمس. يتمنون أن تطفأ الحرائق، وأن ترمم البيوت، وتنظف الشوارع من الأوساخ والرمال، والجثث، والسيارات المعطوبة. أن تتوقف هجرة الشباب، والعائلات، كل هذا، لم تتوقف الأعمال، لتأمين الملاجئ، وتحسينها، والبحث عن أماكن احتياطية لا ستقبال المفاجآت‏

شارك حيّان في نقل الذخائر، وأكياس الطحين. تقف عائشة إلى جانبه، تسانده.‏

- أنت فرّان ماهر، وعائشة تُجيد فن الطبخ. لقد وصلت مئات الأكياس إلى فرن برج حمود، قرب بيت أبي سركيس.سنأكل خبزاً مقمرّاً طازجاً من يديك. ولم تحتل المعارك القادمة، مهما كانت حامية، حيّزاً كبيراً في ساحة تفكيري، فالاحتياطي يكفي ويزيد، وإذا انتهت الحرب فسنترك طحيناً ومعلبات وسكراً ورزاً وبرغلاً للأهالي، ونتفيأ في ظل الأبنية بعيداً عن الأوجاع والهموم، وجنون القذائف.‏

- لا تطمئن. . لا تطمئن! هذه الاحتياطات مؤشرات واضحة والتحضير لأيام عصيبة قادمة. فمقابل ذلك. . انظر! ألا تلاحظ، وهذا بادٍ للجميع أن مئات السيارات الصغيرة تتجه من "الدورة" إلى "الكرنتينا"، فيها عشرات المسلّحين، و "الملاّلات" القتالية، وبينهم فتيات يرتدين بذلات عسكرية.‏

لم يكن وجود عائشة بينا بأمر يُثير التعجب والاستغراب. ألا ترى جعب الذخائر مشكوكة في صدورهنَّ. وفوق ظهور بعضهنَّ. أجهزة اللاسلكي وقنابل تتدلّى على جوانبهنَّ، معلقة بخصورهنَّ.‏

أُعلنت مساء ذاك اليوم صفارات الإنذار، بداية الخطر. خَلَت الشوارع من الناس. نزل الأطفال والنساء إلى الملاجئ. تتابعت تحرشات المسلحيّن بقواتنا.‏

القناصة أعلنوا بدء المعارك من جديد. تمَّ خرق وقف إطلاق النار. وأعلنت صحف القوى المناوئة حرباً إعلامية بذيئة، من خلال تلفيق الاتهامات، وتدبيج المقالات، والأحاديث، والمقابلات، حول قواتنا، وإطلاق تسميات مُختلفة " قوات الاحتلال" و" القوات الغريبة "و "الغرباء"، ووزعت المناشير، والبيانات في مواقعنا، تحرّض الجنود للتمرد على القادة. والالتحاق بقواتهم.‏

لم تجدِ الحرب النفسية نفعاً. قواتنا مرتفعة المعنويات. تُتقن فنّ الإصغاء. وتفسير ومعرفة ما بين الكلمات والسطور. مُعززة. الروح المعنوية عالية، وتتنامى أيضاً الروح الدفاعية على نحو جيد.‏

أثناء الجولة التفتيشية القصيرة التي قام بها " قا.ك" على نقاط عناصر الكتيبة، وبعد انتهائه منها، أبلغني الحاجب "السواس" عن حاجة " قا.ك" إليَّ. أحضرتُ معي الخرائط القتالية. قال: " سنحمّل على الخريطة المواقع الجديدة للقوى المناوئة، وما طرأ من تطورات على حالات الدفاع والهجوم".‏

التحضيرات عالية المستوى. المواقع محصّنة. خطوط اتصال بين جميع السريا، والفصائل "سلكية، ولا سلكية". أبدل "قا.ك" غرفة العمليات، فانتقلت إلى بناء آخر، وفي غرفة سرّية في قبوٍ تحت سطح الأرض بتسع درجات أو أكثر، وتمَّ تأمين غرفة عمليات احتياطية، لملاقاة المفاجآت بأفضل الاستعدادات، في أجواء، ملّبدة بالحرب، ومشحونة بديناميت الإنفجار، والهدوء المخزون في براميل قابلة للاحتراق في أية لحظة.‏

تباينت وسائل الأعلام المكتوبة والمقروءة والمسموعة، محلياً وعربياً، وعالمياً.‏

وشدَّ الانتباه ما بثته إذاعة " مونتي كارلو" التي حملت أنباء مغايرة لكل الإذاعات، منذرة بقدوم الحرب. ولم تفاجئنا البرقية المرُسلة من "قا.ل" :" احتمالات القتال من جديد في نهاية هذا الأسبوع. ارفعوا الجاهزية إلى الرقم "1". يمنع التحرك خارج الحدود الآمنة للسرايا والفصائل. إيقاف الإجازات. سنرسل لكم طبيباً آخر وسيارة اسعاف سريع، وأدوية متنوعة. لا تبدؤوا أنتم القتال.. .. أخبار عن تحشدات آلاف المسلّحين في مشارف منطقة "الدورة" و"الأشرفية". أسلحة إسرائيلية جديدة تُفرّغ في مرفأ "جونية". وافونا بتقاريركم صباحاً ومساءً. مرتين في اليوم ". "قا.ل"‏

بعد مرور ساعتين، وقبيل الظهر، استدعاني "قا.ك" مرة ثانية، فبرقية أخرى قادمة من "قا.ل". . حللتُ رموزها. . وبين الكلمة والكلمة. كنت أجفف عرقي المتخندق في شاربي وذقني.. ترجمتُ الرموز.. أعدت ترتيبها، وصياغتها. كان حيّان يسجّل معي حتى السطر الأخير. حينئذ، سلّمها للقائد، بينما كانت عائشة تحضر الشاي، و"قا.ك" يُعيد قراءة البرقية. دققّ، وتمعّن، قلب ما بين السطور هزّ رأسه، كأن إشارات تعجب واستفهام تنتصب أمامه، كهذا الفضاء العاري من الغيوم. .. نهض بخفّة، وقوة، واستعجال، وأجرى اتصالات مع جميع السريا والفصائل، ودعاهم إلى الاجتماع في الساعة الثانية عشرة ليلاً. الأمور واضحة تماماً، ولا حاجة للتأويل والتفسير! استكملت النواقص. الجاهزية عالية. كل شيء مؤمّن. تدارك "قا.ك" الأمر فوراً، وفرز حيّان بصحبته مجموعة من العناصر الذين يمتهنون صناعة الخبز في حياتهم المدنية. . فرزهم إلى الفرن في برج حمود، لتـأمين الخبز الطازج يومياً.‏

وهذا ما حدث !!. . وكأن رائحة البارود، وهدير الأمواج، ودوّي القذائف والصواريخ لن تبرح رؤوسنا لحظة. وبعد استراحة استمرت أسبوعاً واحداً، تعرضنا لهجوم مُباغت من البحر. زوارق حربية تصبّ نيرانها وتسلّط غضبها وحقدها من الشواطئ. صواريخ كثيفة، قادمة من البحر، تُصيب بعض مواقعنا. وأكثر ما تعرضت لوابل من النيران، السرية المنتشرة قرب الشاطئ. . قذائف مدفعية توجه سبطاناتها وتسدد نحو البحر.‏

أصدر " قا.ك" أمراً. .." إلى قادة السرايا والفصائل التابعة والملحقة بالكتيبة، اللجوء إلى الملاجئ فوراً، وعدم الرد، ريثما تنتهي هذه الموجة، ونتلقّى تعليمات جديدة من " قا.ل". الحذر، واليقظة من المسلّحين، والمتسللين الذين يقتربون من مواقعنا".‏

مساء.. عاد حيّان، وعائشة، صعدا إلى الغرفة في الطابق الثاني. دخل أبو شاهين والحاجب( السواس). صعدتُ بدوري لأجلب صندوقاً من الذخيرة إلى غرفة العمليات.‏

كانت عائشة تستلقي على السرير، ويستلقي حيّان على سرير آخر.‏

تقترب قدماه من قدميها. تقابلها من الجهة الأخرى أقدام أبي شاهين والسواس.‏

دوّي صاروخ. زعزع المكان. فتح الجدار. ضرب قبّاناً في مركز التشغيل. وصل إلى الغرفة. . قطعت الشظايا جسور الأسرّة، وخرج من الجدار المقابل بسهولة دون عوائق، يتلاشى في أجواء بيروت، لكني، لأ أدري أين وصل بعد ذلك.‏

غبار كثيف يحجب الرؤية في الطابق الثاني. صراخ وبكاء. اعتقدت أنهم فارقوا الحياة، لكنني رأيتهم يخرجون.. صعد بعض الجنود. وجّه نائب " قا.ك" من مكبر الصوت، دعوة لعودة الجميع إلى أماكنهم، رافقته في الصعود، لتفقّد المكان. . دماء وشظايا، وأتربة. . حديد مقطّع. جدران مهدّمة وطاقات مفتوحة. . يستلقي حيّان على الأرض. تبحث عائشة عن مكان النزف. وحرثت شظايا صغيرة، حادة وجه أبي شاهين وظهره... التصقت شظية في قدم عائشة اليمنى.‏

مسحت عائشة وجه حيّان من التراب، قدّمت له الماء، عاد وعيه، وفتح عينيه مستغرباً ما حدث له ولزملائه، قال:" لو أن قدميَّ اقتربا سنتمترات من قدمي عائشة، لقطعت أرجلنا الأربعة وأصبحنا من المعوقين".‏

ابتسمت عائشة رغم اللهاث، والخوف، والرعب البادية على وجه حيّان.‏

النزف لم يطلها هي فحسب، بل أصاب الجميع. جسد بيروت لا ينزف وحده. الشوارع مُدماة، والأبنية تنزف سقوفها وجدرانها.. ضحايا وأبرياء يموتون، وآخرون يعانون من إصاباتهم ونزفهم. . وجروح. . وجراح مفتوحة للريح والسماء‍‏

نُقل الجرحى إلى قبوٍ كان قد جُهزّ للإسعافات السريعة، وحضر الطبيب والممرض وشرعا ينظفان الجروح من الدماء والشظايا الإبرية. وقاما بتطهيرها، وتضميدها، وإعطاء الحُقن المسكنّة، والأدوية، وتمَّ نقل عنصرين من السرية المنتشرة قرب الشاطئ وكانت جروحهما بليغة.‏

استمر القصف المركّز والكثيف أكثر من نصف ساعة.. ردّت قواتنا عليه من منطقتي " البرج" في " الأشرفية" ومن "سن الفيل".‏

تفقدت الجرحى، وقدمتُ تقريراً مفّصلاً إلى " قا. ك"، وكلّفت عائشة بالاشراف الدائم على المشفى الصغير، وقامت بدور ممرضة، وكانت تستمع إلى إرشادات الطبيب وتنفذ تعليماته.‏

استراحة جميلة بعد العاصفة‍! شظايا تركت أمكنتها تخز القلوب !‏

قلب حيّان يتوقد، ويشتعل. تضجّ عائشة نضارة، لا تفارق عيناها حيّان المستلقي فوق سرير أصمّ، لكنه بعد أيام نهض يمشي خطوات وئيدة. يسند كتفه إلى كتفها. وتعودتْ مساء كل يوم، وعوّدته على المشي والحركة في أرض الغرفة، والممر الطويل، المحصور بين الغرف على الجانبين. لم تبخل عائشة بشيء. كانت ترعى كأم الجرحى، وتقوم بمساعدة الممرض على أكمل وجه- اعتمد عليها في تغيير الضماد، وتطهير الجروح، وحقن الإبر، وأُضيفت إلى جانب ذلك مسؤولية تقديم الطعام، والدواء في الأوقات المحددة.‏

تعافى حيّان، عاد إلى العمل في الفرن. رافقته عائشة، وكان أبو سركيس لا يفارقهما، إنه المساعد الأول لهما في كل شيء. لاحظ، مثلي، التبدلات التي طرأت على حياة حيّان.‏

تساءلتُ أكثر من مرة: هل تنتهي هذه العلاقة بين حيّان وعائشة إلى الزواج؟‏

أيتحقق هذا الأمر عندما تشارف خدمة حيّان الإلزامية على الانتهاء؟‏

كنتُ متأكداً أن تسريحه من الخدمة العسكرية، لا يتم الآن، مادمنا في بيروت! وأول يوم نترك فيه هذه المنطقة، ونغادرها، يكون قد مضى على الفترة الاحتياطية ستة أشهر. سألته حينما كنّا نشرب القهوة الصباحية في بيت أبي سركيس، أين المنظار؟‏

- أصبح من موروثنا! تركته عائشة، وأنت تبدلت حياتك جذرياً.‏

وكنت تُجيبنا عندما نسألك : لا بنات بعد سمر!‏

كانت عائشة وأمّ سركيس تتسامران وهما تجلسان على أريكة قرب النافذة. ونحن الثلاثة ( حيّان وأنا، وأبو سركيس) نجلس قرب النافذة الأخرى، ونتحلّق حول صينية القهوة.‏

قال أبو سركيس: عائشة جسد لا تنضب ينابيعه محبّة وروعة. يتفتّح في الصباحات والمساءات، نداوة، ورقّة. تضحك بيروت لزوّارها، وسياحها. تستقبلهم بحفاوة، وتكريم. تودعهم بمحبة، لكنها، وبعد هذه الحرب الشرسة التي طالت، واستطالت أضلاعها، ورؤوسها، تغيّرت ملامحها، وأشجانها، أهي الكرة الأرضية غيرت جهة دورانها!. . لم أعد اعرف مركزها من أطرافها.. دوائر، ودوائر تكبر يقف على خطوطها المسلّحون، والحشاشون، ونحن تذوب ملامحنا من شدة قهرنا، وعذاباتنا. لماذا كل هذا؟ لماذا أرى في بيروت، مدينتي وثناياها المتعطشة للحياة؟‏

ودّع حيّان سمر في بداية الحرب. استقبل عائشة. ترك منظاره السحري تسمّرت عيناه في قامتها الممزقة. ضاعت زرقة البحر التي لوّنت عينيها. حفرت الرمال ندوباً في قدميها.‏

اثنان جريحان في جسديهما، وقلبيهما. الشظايا نفسها، وكانت المحطة الأولى بيروت، محطة للحب والحرب والاغتصاب. اغتُصبت عائشة، وماتت سمر بغير إرادتها!‏

راقب حيّان حديث أبي سركيس. يُعيد إلى ذاكرته أمكنة الاستراحة في حياته القصيرة، تحسس رؤياه بأنامل الوجع، والأمواج تنقله إلى "الكرنتينا" تضعه أمام " جبّالة البيتون"، ونقل الأخشاب، وحُبّه الذي لن يموت، فهو مزروع في قلبه، دائم الاخضرار، لكنه لم يتكلل بالنجاح.‏

هذا الصمت الوجل، المعصور من ذكريات أحبّها. ذكريات تتلبّس روحه وتفكيره. دفعته، حرّضته أن يرفع رأسه، وتتسمّر عيناه في عينيها.. أشار إشارة سريعة. استشعر قصيدة " بكرية":"لو كان جسدها ممزقاً. ثيابها مهترئه. عيناها. ذراعها. . كل شيء فيها، هي بقعة حارة في قلبي، وشهيق دافئ. عرفت الآن، أن القتلة واللصوص مزّقوا جسدها، أصبح نتفاً، كثيابها.."..‏

تنفّس بهدوء. خاطبنا بهدوء : عرفت الآن أيضاً قيمة عائشة الثمينة، لؤلؤة في بحر ملوث. جسد تحنّطه روائح الموتى والجثث. تستره سماء ملوثة..‏

وإذا بحثت عن المذنبين، فأنتم أول العارفين. . لكني سأردّ لها الجميل، هي التي رافقتني طوال هذه المدة.. الوحيدة التي سهرت وقلقت عليّ.حملت المنظار تبحث في فضاء الجسور والبيوت والطرقات الخرساء، تمدّ أبصارها نحو سورية.‏

كانت قلعة صامدة. لن تنسى ذاك اليوم، حينما وصلنا لإنقاذها، وغسلنا جسدها، ونزعنا أوساخ حرب السنتين الماضيتين!‏

الآن عائشة غير التي عرفناها. عائشة جديدة، تحيا في أفئدتنا. تسكن بجانب فؤادي! فلا تستغربا حديثي هذا. إنني أبثّه من أعماقي. قلبي هو الذي يتكلم، ولا أملك غير هذا الكلام.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244