|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:28 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-19- كانت الأيام الثمانية ساخنة، تدفقت نيراناً وتدميراً. أيقظت الأموات من قبورهم. جعلت الأحياء يتوهون في دهاليز الأقبية. يتضوّرون جوعاً، ترقّباً تخنقهم الرطوبة، ورائحة الأنفاس اللزجة، الثقيلة، ورائحة البول، وشح الماء وفقدان الطعام. كانوا يختلسون النظرات ويسرقون الهواء الملوث، ثم يعودون إلى الأقبية خائبين. استمعت إلى عائشة وهي تتحدث عن بيروت. قلّبت ألبوماً من صور أحياء "الحمراء- ساحة البرج - الكرنتينا - الفياضيّة - الرملة البيضاء. . برج حمود" هي صور تعكس في مقلتيها حرباً شرسة، سُميت بحرب السنتين، لكنها امتدت، وستمتد أكثر، ولا أحد يعرف متى تنتهي، وكيف!. مشاهد ولوحات. ملامح قزمة أمام الشريط الطويل من الآلام. لا أريد أن أتذكّر حي " الحمراء" أو شارع الحمراء.. هناك كان يسكن ابن المعلم، وفي إحدى البنايات القريبة من الشاطئ. شريط الموت لم يبدأ الآن ولن ينتهي غداً.. لقد كانت الضحية الأولى عشرات من الأطفال الفلسطينيين.. أحُرق الباص ومَنْ فيه.. هذه الشرارة الأولى، وبداية المأساة الكبيرة. . خطّة مدبّرة، المُراد منها شنّ حرب على الفلسطينيين والوطنيين، واقتلاعهم من لبنان كله.. آنذاك لم يأتِ فجأة أو يولد في اليوم نفسه.. كنت أراقب _" القول لعائشة"- "قوات الجبهة اللبنانية"، التي شكلت جيشاً مدّرباً، وكان مَنْ يعرفني من هذه القوات، لا يكترث بأمري، ولم يسأل عني، كوني خادمة أو بنتاً مؤجرة، لكني كنت أسجّل ما أراه. وما تشاهده عيناي. أكتنز في قلبي الجروح، فثقل حملي ووهن جسمي وتعبت وازدادت همومي. وبدأت أوجاعي تمضغ سنوات الشباب، بهتت فتوّتي. أصبحت مطيّة لشهواتهم، ولا أنسى الحقراء والزعران، وصاحب الرذيلة ( ابن المعلم) الذي داس على شبابي، وقيّد طموحاتي وحطم إنسانيتي. الصمت يسود. السماء صامتة. الأرض حزينة، وحيّان يجمّع قواه، يلملم جسده، يتكوّر، كعادته أرخى رأسه بارتياح فوق كفّه، يتأمل عائشة وهي تسترسل تجيش بما في داخلها. تبوح بأسرارها. تفتح جراحاتها. تبكي، ولكني وراء الدموع تختبئ شجاعتها، تحاول أن لا تُعلن عن كل الأشياء، فبعض الأمور لم يحن الوقت المناسب للإعلان عنها! تأمل حيّان مطوّلاً حديث عائشة المنساب، كمياه صافية، رقراقة، تنحدر في أرضية أسمنتية. لم أستطع السكوت. بل قلت لها: أكملي حديثك، لأننا، منذ وجودنا في بيروت الشرقية لم تتجاوز خطواتنا " المركز الصيفي"، ولم نعرف منطقة " الحمراء" إلاّمن بعيد، حينما كنّا نتسوّق من ( ساحة البرج) بعض الحاجيات، تمدّ أبصارنا باتجاه المناطق الخاوية، الملطخة بالحزن. أبنية مرصوفة على مدّ البصر، عالية في شوارعها ذكريات لأناس دافعوا وماتوا وضحّوا بدمائهم عن بيروت. كي تحيا بيروت وتعيش بيروت الموحدة. أجابتني : بعد هروب المعلم وعائلته إلى جزيرة قبرص، لم يترك شيئاً، فحمل معه الأشياء الثمينة، وبقي ابنه يُصفي حساباته معي! كنت وحيدة يامحمود! لكني أجلس الآن بين إخوتي، أتقاسم معهم الحياة. أنام هادئه البال. مرتاحة. كرامتي في وجودكم وحمايتكم لي ودفاعكم عني. وتتابع. . يتعمق الألم في روحها. تبدو معالمه بين غمازتيها وتجاعيد جبينها.. تتابع ولم تنسَ أبداً. فحين يفشل ابن المعلم في مضاجعة صديقته أو صاحبته - لا أعلم - كان يحضر معه أصدقاءه. يبدؤون " يصطهجون" حول مائدة عامرة بالمأكولات، والمشروبات وحشيش ( الكيف). كان يجبرني أن أتعرّى.. لا أريد الآن أن أعودبكم إلى تلك الأيام. . حياتي السابقة ملوثة، مملوءة بالخطايا والذنوب!!. قلت : ليس الذنب ذنبك. أنت مقهورة منذ ولاتك. ومضى شهران على هروبك. . الحاضر غير الماضي. فكرّي جيداً في الأيام القادمة! أمن المعقول بعد كل هذه الحكايات والروايات أن يُقِدم حيّان على أمرما!؟ هكذا كان هذا السؤال يمرّ هامساً في رأسي و" يوشوشني" كلما تعمّقت عائشة في حديثها، وتعددت حكاياتها. وقصصها. لملمت نفسها. أبدلت جلستها، كأنها تقف خلف ساتر رملي. رفعت شعرها عن جبينها. استيقظت الافكار في رأسها من جديد. استرسلت قائلة: الحمراء، منطقة خاوية. جثّة هامدة. أكلتها النيران. نهشتها القذائف ومزّقت جسدها. أسكتت كل نبضة في قلبها، و( أسواقها). تقطّعت يداها، ورجلاها. بقي رأسها يدور فوق شوارعها، وأزقتها. . هياكل باقية للرياح. فلا زجاج في واجهات بيوتها ومحلاتها أو أثاث. أدراجها ملوثة بالدماء، وقطع اللحم اللبشري اليابس، المقدّد، وشعر الرؤوس المسلوخ. محاجر عيون. أصابع، وثياب فقدت ألوانها. انطمست! جدران تحولت إلى مداخن، وأكوام وركامات من الرمال والحجارة. تتكدّس في مداخل الأبنية والشوراع. ولا أحد يقوى بعد ذلك اليوم على رؤيتها، أو المرور بجانبها! مَنْ يذهب للبحر يغير طريقه، ينكفئ عنها، لكنه ينحني احتراماً لضحاياها. دارت المعارك فيها... فوق سطوحها، وفي شوارعها. قتال بالسلاح الأبيض، ودماء حمراء، قانية. أمواج تلفّ المساءات الصاخبة بالموت. وحيدة، اختبأت في إحدى الزوايا، انتظر ( موتاً في سبيل الموت). أنتظر شظية أو قذيفة تخلصني من لحظات الحياة الآسنة. . تحيد القذائف عني. تصعد نحو السماء، وتنحني فوق البحر.. تستقر في قاعه: أصبحتُ كالمجنونة يلفّني الغبار ورائحة البارود والقنص.. يحمل جسدي أنفاس المخمورين. لم أصدّق أنني سأبقى على قيد الحياة. فإذا كانت القذائف تمزّق الجدران والسطوح الأسمنتية الجبّارة، فكيف يقدر هذا الجسد العاري على المواجهة، والمقاومة؟. أصبحت كجسر الموت، يدوس فوقه العابرون من " سن الفيل" إلى " الأشرفية". أشكّل نقطة عبور لكل تقاطع الطرقات والجسور، وتحت هذا الجسد الذي مازال يقاوم، يجري نهر بيروت. كانت المفاجأة صباحاً. احترام الجميع لوقف إطلاق النار. عادت الحركة إلى الشوارع والأسواق. بقايا أدخنة ووجوه أبنية مجدورة ببقع وخدوش، وأحياناً طاقات، وفوهات كبيرة تتسع لدخول سيارة كبيرة. . أنصاف جدران، مازالت الثياب معلقة عليها. وجّه حيّان كلامه إلى عائشة، رافقتْ ذلك ابتسامة، ونظرة فاحصة إلى وجهها الذي لم تفارقه أشعة الشمس، الوافدة من كوّة في الجدار الشرقي. - ما رأيك أن يكون الصباح حلماً من أحلامنا، نمتلكه وحدنا؟ أترغبين بمرافقتي إلى الشاطئ؟ أو إلى الروشة؟، وهناك، وفي هذا الصباح، تتفقدين جروحك!لا أريد منك أن تتحدثي عن الماضي كما تحدثتِ الآن! أريد أن أقف إلى جانبك، وأن يكون كتفي مسنداً لرأسك. أو نجلس بجانب بعضنا، فوق تلك الصخرة المشهورة التي صمدت زمناً مديداً، وطوال هذه السنوات. أنتِ صخرة تخدّشت قشرتها الخارجية، لكن في داخلك معادن ثمينة. أماكن مازالت تتسع للحرائق، والنيران والحب. أريد أن أُدفّئ قلبي بحرارة قلبك! أُدمي قلبي أصابني وجع. . أوجاعي تقترب من آلامك. أنا مثلك شربت كأساً مرّة. فقدت حبيبتي، لكنها لم تفقد بكارتها مثلك، بل قُطعت رجلها. كانت تستمع، وتصغي بشوق إلى كلماته. لم تتعود طوال حياتها أن تستمع إلى مثل هذه العبارات والجمل الحلوة. شعرتْ بأن لها قيمة. عادت إليها إنسانيتها، وبدأت تكبر في عينيه. قال لها قبل أن يودعها : الاغتصاب جرح من الصعب إلتئامه بهذه السرعة. الثوب. الممزق يمكن تبديله، بثوب آخر. الجسد المُنهك من التعب. الثديان المعصوران أصابهما الجفاف، لكن الحياة القادمة تعُطيهما شيئاً من ربيعها، وأحلامها. أخذ تورّد الوجنتين يحتل بقعتين فوق خدّيها. والأهداب المغسولة بدموع الحزن، تتندّى من جديد! وضع يدها بيده. تشابكت أصابعهما، وقلباهما. اتجها نحو البحر، لكنهما لن يمرّا بمنطقة الحمراء، إلاَّ أثناء العودة! -20- عند الصباح خرج الناس من الأقبية باتجاه البحر. تركوا معاناتهم، وهمومهم تحت الأرض. فمنذ أسبوعين، وهم قابعون، ينتظرون الموت، ويتأملون حياة أكثر اطمئناناً. وعلى مدى النظر تُزيّن الشاطئ ألوان من البهجة والحبور، وروائح اللحم المشوي، والمشروبات، وغيرها من المأكولات التي حُرِم منها الناس. خرجت الآن إلى سطح الأرض. تأبّط حيّان ذراعها. وبخطوات وئيده بدأا! يترنحان فوق رصيف الميناء. تارة يحدّقان ببعضهما وتارة يحدّقان بالبحر الواسع، والأمواج القادمة من منتصفه. كانت الشمس ترتفع. السماء صافية، خالية من الغيوم. طغت أصوات الأمواج على رقّة حديثهما. سرق حيّان قُبلة خفيفة طبعها فوق خدّها. تسمّرت صورة سمر أمامه. اكتشف أسراره الجديدة. أما عائشة في تلك اللحظة، فكانت تجري مقارنة مع نفسها. مقارنة بين بشاعة ابن المعلم، وبين قبلة حيّان الحنون وتقول : لقد نسيت وداع أُميّ. فمنذ سنوات، عندما كنت طفلة، لا يتجاوز عمري ست سنوات، ودعتها، أما الآن فأنا صبيّة شابه. مرّ عقدان لم أشاهد فيهما أُمّي. أبي هو الذي يزورني كل سنة مرة، ولولا حاجته، لما رأيته!. همس في أذنها! انظري! ما أجمل البحر! هذه هي المرة الأولى التي أراه فيها ويراني. . أراه يضحك مع الناس. يداعب الأطفال، ويجمع الكرات يقدّمها هدايا إليهم. والناس يلتفون فوق شاطئه، يفترشون الرمال، الأطفال يلعبون، ويتراكضون! في هذه الأثناء، طلب " قا. ك" الحضور إلى مكتبه. كانت جلسة طويلة مع خريطة بيروت. - سنحمّل يارقيب محمود على هذا المصور المواقع الجديدة التي احتلتها القوات المناوئة. أنت تعرف أن قواتنا أصبحت مجمّعه في منطقة " الدورة" و"برج حمود". والقصف يأتينا من "الضبيّة" و "جونية" و" المجلس الحربي". أغلقوا بعض مقرّاتهم ومكاتبهم، وفتحوا لهم مقرّات أخرى أكثر سرّية. قسموا قواتهم إلى قوات متنقلة غير ثابتة في مكان محدّد وقوات ثابتة. - سيدي " قا.ك": أُحيطت قواتنا بزنار من القوى المناوئة من جميع الجهات ألا يكفينا حصاراً، ومحاصرة، ومعاناة! عرفنا جميع أنواع القذائف والأسلحة، عدا الطيران الحربي. جلست وراء المرسم. بدأت أحمّل المواقع الدفاعية والهجومية على مصوّر مقياسه كبير " 1/5000" وكان أوضح من المصور السابق. - أرسل برقية عاجلة إلى السرايا والفصائل. أعلمها بأن توقف منح الإجازات و " المبيت" خارج الكتيبة. . فهذه هدنة مؤقتة، ويمكن أن لا تدوم أكثر من أسبوع. همستُ. " تأخرا " حيّان وعائشة". الخوف في مثل هذه الحالة يكون أكثر مما في أحيّان من حالات الحرب والقتال. يمكن أن يختطفهما مسلّحون. اشعر بأن شيئاً ما سيحدث لا تحمد عقباه" حملت المنظار. صعدت إلى سطح البناية. شعرت أنني أبحث عن إبرة في الرمال. تجمعات بشرية، مزهوة بالألوان، ومياه البحر تُضفي على الشاطئ والرمال والناس جمالاً. أمواج خفيفة. . شريط من الرغوة يغطي الأقسام السفلى للصخور. الشمس دافئة. الشوارع مزدحمة. تعجّ الأسواق بالخضار والفواكة، والباعة. وجهت المنظار. أدرته جيداً نحو برج حمود، علّي أرى أبا سركيس. رفعتُ صوتي قليلاً، وأنا أتفقّد السطح. أحدّق في الزوايا، والمداخن. تساءلت: عمّ يبحث أبو سركيس الآن؟ عن أي شيء يفتش؟ كان يتوقع قدوم عائشة وحيّان ليشربا معه القهوة الصباحية. . أعتقد أنك تحلم، لأنك لا تعلم ماذا يجري، وما يدور بين قلبين غمرهما الفرح. أصبح حيّان يا أبا سركيس من روّاد البحر. أسكرته رائحة عائشة الطيبة، ورائحة الأمواج، وجسدها العائد من جديد إلى المواجهة. كما كنت أتصوّر وأتخيّل في مرآة ذاكرتي. حدثني بعد عودته من النزهة وعائشة تستمع دون أن تتدخل، لكني طلبت منها بإلحاح أن تقول شيئاً ما!. - لقد تأخرنا عليك يا محمود. الزمن مع عائشة يتلاشى بسرعة. قلبها فتح أشرعته للهواء والرذاذ، فاندس جسدي مغموراً بدفئها. أصبحت كزورق يفرد أجنحته. يدفع الماء من الجانبين رأسها يتقدم جسدها نحو الشمس والدفء. وماذا أقول لك؟ لا استطع أن أعبّر عما يجول، ويتجوّل في أفكاري وقلبي وروحي. لقد فتح القلبان نافذتي أقفاصهما، وبدأت زغاليل روحينا تدغدغ شعورنا وإنسانيتنا. عائشة إنسانة لا تعرف الشرّ. الحياة أثكلت قلبها، وأدمت جسدها أيدي الأشرار. انشرحت عائشة، تطاحنت همسات دافئة، ونبضات في داخلها. لم تستطع الانتظار! - في طريق العودة مررت أنا وحيّان في شارع طويل. تذكرت الحوادث التي لوعتني طوال حرب السنتين. أمكنة كانت مسكونة بالحب. أصبحت ملجأ للموت، ومدفناً للأموات. إنها خرائب وعفن وجثث وركامات. لكن مشوار اليوم فتح جروحي. أعاد الثقة إليَّ. عادت الأحلام إلى قدسيتها ومشروعيتها، وهذا من حقي ومن حق كل الناس أن يفكروا ويحلموا كما يريدون. يفكرون بالحب والحياة والهدوء والأهل والأحباب... لم أتوقع أن يقف حيّان إلى جانبي هذا الموقف. تأكدت من نواياه الصادقة. تساءلت كثيراً: هل نسي حبيبته؟.. بقيتْ واجمة. تعُيد إلى ذاكرتها زمن الخير والسعادة. لم تنسَ أن تقول: آلامي تنزف من جسدي!. أثنيتُ على موقفها. شجعتها قائلاً: سنبقى نحمي جسدك حتى تلتئم جراحك. لقد وصل صوتك إلى كل المنابر، ولكن !.. - ولكن ماذا يا محمود؟ الغروب يمسح وجه الأرض والجنود والشوارع المعتمة. تخرج من النوافذ أضواء خفيفة كنّا نشعر أنه مع هبوط الليل تبدأ الحرب، هكذا تعودنا، فالشوارع خالية صامته كأنها تنطق بحدوث مفاجأة ما !. البحر وحيد غادره الزوّار والأصداقاء. ودّعهم بثورة من الأمواج الهائجة، وخَلَت شواطئه من البواخر والزوارق. توقفنا عن الحديث حينما دخل أبو شاهين. عيناه تتجولان في وجوهنا، كأنه يحمل جعبة من الكلام القاسي. يريد أن يبوح به، لكنه تراجع وصمت مثلنا، ثم دخل إلى غرفته. انزوى في سريره. لم نعرف بعدئذ كيف قضى ليلته!. استغلّت عائشة خروجه، جهّزت إبريقاً من الشاي، فكان طيّب المذاق، مع صفاء الليل وهدوئه.. وامتدت أحاديثنا حتى الصباح. كنت أراقب حيّان، وهو متمدّد فوق سريره، يشعل سيجاره بانشراح، وعائشة في الجهة المقابلة. . قلبان وليدان يتقاربان، ويعيدان همساتهما، وضوءهما. . تتجاذبهما أفكار جميلة تنبسط أمامهما، وتتقاطع خالية من الغبش والعتمة. - الصمتُ يجرف أفكارنا. كل واحد منّا يطلق العنان لرأسه وخياله. تتوزع أحلامنا وأفكارنا. نرصد في دواخلنا وقلوبنا، النهار القادم. نتساءل معاً. يتساءل كل واحد : " هل يعود القتال؟ هل تعود القذائف". - أقول لكم، إنها هدنة مؤقتة. . اعتدنا عليها. قواتنا تُعيد تجهيز نفسها. " قواتهم" أعلنت التعبئة العامة، والتطوع الإلزامي لكل قادر على حمل السلاح من الذكور والإناث. بقي حيّان صامتاً. تلفّه غيمة، كذلك عائشة. صمت ينذر بالأخطار. لكننا لم ندرِ بعد ذلك كيف غطتنا ستائر النوم، ونحن نعشق صباحاً دون نيران، وإطلاق قذائف! - 21- كانت الجولة الأخيرة إلى بيت خالي، قبل أن يعود القتال، ويمتد. أثناء ذلك تعرّفت إلى عائلات سورية تعيش في بيروت منذ عقود، وتتوطن بـ "الأشرفية" و " الزيتون". وفي أمسية هادئة جميلة تطلعت من النافذة في هذه المنطقة المرتفعة نحو جسر الموت. يبتعد بصري. يتوزع فوق أوتوستراد النهر والدورة مروراً ببرج حمود. كل شيء عادي. يزدحم الصالون في بيت خالي بالرجال والنساء. بعضهم يعرف أهلي، لكني أراهم وأجالسهم لأول مرة. أحاديث حميمية، ودافئة عن الحياة، والناس والأهل والعمل والحرب، والأجور والغلاء والترف والهجرة والموت و.. و... دارت نقاشات. . تقاطعت الأحاديث بين هذا وذاك. أصغيت وبانتباه. رغبتُ في الاستماع إلى كل الأشياء التي أوافقهم عليها والتي أعارضهم فيها... حمّلني " أبو منصور" ذكرياته عن فلسطين في أربعينات هذا القرن، حينما كان يرافق والدي للعمل عند الخواجة " مردخاي" في حيفا، وكيف كان يتقاضى أجرته مقابل إطفائه ضوء المصباح في يوم السبت.... أشار إليَّ: انظر. هذه بنايتي. عمرّتها بتعبي. أما الآن يا بني فالأحوال تبدّلت. إننا ندفع " الخوّات" كل شهر ولا نستطيع المعارضة.نحن بين نارين: بيوتنا ملكنا، وأعمالنا هنا في بيروت، ولا نقدر تركها أو بيعها بأسعار رخيصة. .. ( خوّات) ندفعها للمسلّحين. إمّا أن ندفع أو نشاركهم في القتال. فالدفع أهون بألف مرة من حمل السلاح ضد أبناء شعبنا من سوريين أو لبنانيين. كانت يد خالي ترتجف، فتهتز صينية القهوة، وحين يتوجه بالحديث إليّ تغرق عيناه بالدموع. المرة الأولى التي ألتقيه، وأتعرف أبناءه. هو الخال الوحيد من بين خمسة أخوال بقي في بيروت، حتى إن أبناءه هاجروا إلى أمريكا واستراليا. بعد عودتي إلى برج حمود قمتُ بتلخيص ما جرى من أحاديث، فانتعش حيّان، كأن شيئاً ما يشده، ولديه الرغبة الجامحة في معرفة المزيد. قاطعني :- قرُبى وطيدة بين السوريين واللبنانيين، صلات تاريخية وحضارية، ودموية عميقة. شعب واحد في بلدين_ تابعت: توجد نزعة عند البعض، نزعة إقليمية. هؤلاء متنكرون لأصولهم. هذا الإكراه، وهذه النزعة يغذيان الروح الانفصالية من خلال رؤية " المتفوق" الحديث يكاد لا ينتهي، حينما أرغب في تغييره، أوجه الأسئلة إلى حيّان، كأني صحفي بارع.. وتأتي الأجوبة ناقصة. وكلما تعمّقت بالأسئلة، تآكلت أجوبته!. فيصل إلى حالة من العجز، فيبدأ هو يتحايل ويبدل الحديث، ويبث في قلبي ذكريات الأيام الموجعة. ." " ألا تذكر يامحمود الأيام الأربعة. أيام الخوف والموت البطيء التي أمضيناها قبل رحيلنا إلى " الدورة" و"برج حمود". كنّا نتمنى أن نجد رغيفاً من الخبز أو حفنة من البرغل. الأتذكر الشاحنة الكبيرة التي وقفت في ظل "بناية مسعود" محمّلة بالخضار والفراريج والفواكه. بقيت طوال أربعة أيام صامدة، إلى أن تعفّن كل ما فيها وصارت تخرج روائح كريهة، كرائحة الموت". - " تنذكر وماتنعاد". حلاوة هذه الأيام في إعادة صياغتها كذكريات... ذكريات تحمل جمالية خاصة. تحمل الحب و التآخي والخوف والمرارة. ويمكن أن تحصل معنا في المستقبل حوادث أكثر مرارة وسخونة، سنحكيها لأولادنا وأصدقائنا. ولاندري اليوم، هل نظلّ من الأحياء؟ وإذا عشنا سنكتب مذاكرتنا التي تحكي عن هذه الذكريات! حين انبلج الصباح وانكشفت أسرار النهار ومدّت الشمس أذرعها نحو النافذة ضحك حيّان، قال متفائلاً: - " الليل هادئ، ويبشّر النهار أيضاً بالهدوء ". فتح النافذة، مدّ عنقه. داعب الهواء وجهه وشعره. شاهد الناس. السيارات والحرّاس. تلمّس المنظار. يريد أن يُلقي بصره على البيوت الساكنة. . على البيت القريب من مقرّنا. أراد أن يجدد زياراته لصديقه الحميم، بعد أن تفقّده بمنظاره. تمتم: " صحن الدار خالٍ من الناس سوى نبتات خضر، تُضفي جوّاً ربيعياً.. ها.. ها" وضحك، وهو يتراجع إلى الخلف، يحني جسده ويتربع فوق سريره. اسكت يا أخي! هل تحاكي روحك؟ خلصني من المنظار. لكنه لم يجب.وأعاد الكرّة مرة أخرى. محاولاً دفع رأسه نحو الخارج، يدوّره كالرشاش في كل الاتجاهات، عدا البحر بقي معلقاً من قاعه في رأسه، عدا مشوار الأمس الذي مازال يندّي صفحتي جبينه، ووجنتيه. - لا تزد وجعي. أبقيتُ كوّة مضيئة، ساهرة خلف روحي، تمسّد جسدي برطوبتها ونداوتها وحبّها. - هل تقصد عائشة ؟ - نعم !!. . حين مرّرت أناملها فوق ذراعي وعنقي، شعرت بانسحاب الظلام من نفسي وروحي. تحوّلت البقعة المعتمة إلى بقعة مضيئة. ألا ترى الضوء يغالب أشعة الشمس. - تبالغ !وهذه أحلام مازالت تعشش في زوايا جسدك المتآكل، وروحك التي روضتها الأيام العصيبة. فقدك حبيبتك سمر، ونزوحك عن " الكرنتينا" أفقداك أجزاء هامة من عقلك وذاكرتك! ونحن في هذا الجدل الحامي.دخل حاجب " قا.ك". كان يتحدث ويشرق بلعابه، وبالكلمات. آثار النوم وبقايا قذى يتجمع على أطراف عينيه. أشار بيده إليَّ فهمت فوراً. حملت نفسي، قادتني قدماي إلى مكتب " قا.ك" وبقي الحاجب يوشوش لحيّان بكلام صبياني. " قا. ك" ومساعده " رئيس الأركان" يجلسان حول طاولة حافلة بالصحون، وأشكال متنوعة من الطعام الساخن والبارد. يتصاعد بخار الشاي. تتسابق الأيدي والأنفاس تلهث، مترافقة مع طقطقة أسنانهما. أدّيت التحية. دعاني " قا.ك" إلى تناول طعام الإفطار معه. المرة الوحيدة التي يدعوني فيها، وبهذه القوة، وهذه الحماسة. كانت عندي رغبة في الأكل، لكني تراجعت خطوة نحو الخلف. انتظرت الأوامر، والتعليمات الجديدة!!.. عند عودتي، كان حيّان يرّتب حديثاً جديداً له صلة بحديثه السابق، كأنه يتلو مقامة! - الأنوثة تتوجس في داخلي مشاعر غريبة. عائشة من الداخل جسد غضّ يبرق شعاعاً، فعندما رفعت تنورتها، وغطّست ساقيها في ماء البحر، كنتُ ألتهب وأتوهج. ودون شعور غطست أصابعي في حقل الألغام. تلمست ثدييها الناضجين. كان شعرها يغطي وجهها، بينما عيناي تتسمّران باليم والأفق. تودعان السفن المغادرة. أَرْختْ عنقها. ألقته فوق فخذي، كلما ارتفعت حرارة الشمس. ارتفعت حرارة جسدينا في سلّم الروح. - معهم حقّ يا محمود! - مَنْ هم ؟ - المغتصبون الذين رووا ظمأهم من هذا الجسد! شهوتك تدنّس نفسك. هل تخون الخبز والملح! أنت الذي حرستها طوال هذه المدة، وبصقت في وجه أبي شاهين، حين علمت أنه ضاجعها مرتين في الليلة الأولى.وأنت الذي كنت تصطاد المسلّحين الذين شوّهوها. وكنت تردد :" فداك يا عائشة! هذا مسلّح يسجن فوق جسر الموت. كم رشاشاً أسكتّ؟ وكم ملاّلة أخرست؟" وأنت تحمل بندقيتك خلفها، تحميها من القناصة. الآن تعود للغوص في الأحلام. إني أرى ما يخالف ذلك تماماً. إنك تبدأ تحرث أرضها، وتغير ملامح تضاريسها، بأصابعك، وفمك. شفتاك تمسحان لعابك، وشهوتك!. - اشرب القهوة يا محمود. سُكّرها خفيف كما ترغب! حمل منظاره. صوّبه نحو منزل أبي سركيس، ثم وضعه في رأسه. كانت فسحة الدار تتألق، وتتوهج بالزريعة الخضراء. وكانت عائشة، وأم سركيس، وأبو سركيس، يتحلقون حول طاولة صغيرة، يرشفون القهوة. ترتدي عائشة قميصاً شفافاً، يتضوّر فوق جسمها نضوجاً. ينسدل شعرها فوق كتفيها، يرتخي براحة تامة. تصوّب عينيها نحونا. هي تعرف أن حيّان يحمل المنظار، وفي هذه اللحظة يفتش عنها، يساوره الطمع في لقاء آخر، اكثر حرارة من اللقاء الأول. امتدت أيام الهدنة. وكان الأسبوع يقترب من نهايته. أخذت العناصر حريتها في الحركة، والتحرك. تكفي إشارة واحدة حتى تتوقف أفخم سيارة، لتنقل "عبد الله أو عمر" وسواهم إلى ساحة البرج، أو أي منطقة أخرى. وقفتُ إلى جانب عبد الله عند الحاجز، قبل بداية الجسر الذي يؤدي إلى نهر بيروت. جلست مكانه على الكرسي، وهو يحمل بندقية " أخمص طيّ" ويتزنّر بنطاق جلدي، تصطف حوله مخازن الذخيرة، والقنابل اليدوية. ينتفخ صدره من مخازن أخرى مدروزة بشكل أكثر فنّية، وحضارية. كان عبد الله يؤشر للسيارات بالمرور باتجاه " الدورة" وعنصر آخر يؤشر للسيارات بالاتجاه المعاكس يقرأ قراءة جيدة حتى إنه كان يتهجّى الحروف الانكليزية أو الفرنسية. كنتُ أتفحّص المارة، وعبد الله يقلّب البطاقات الشخصية. يدقق بالأسماء وسمعته يردد " جون" ثم يقول. تفضّل مستر. - قراءتك ممتازة يا عبد الله! - لم أنجح في الكفاءة. تركت المدرسة، وعملت في الزراعة، والآن ها أنذا معك فوق هذا الجسر. السيارات تخفف من سرعاتها عند وصولها إلى أوّل الحاجز، وعبد الله يليح بيده لها كي تمّر. يطمئن أكثر إذا كان السائق امرأة، فيبدأ يدردش معها، وتخنقه رائحة دخان سيجارتها. وأذا كانت السيدة أنيقة وجميلة، يفتتن بها. يحتار ماذا يقول لها" من فضلك أطفئي سيجارتك!". تداعبه بغمازتها، وتقدم له قطعة من البسكويت. لكنه كان يرفض تناول أي شيء. فيقطّب جبينه، ويشدّ على بندقيته يتحسس المخازن، والجعبة الصدرية، بعدئذ يسمح لها بالتحرك. - فتّش يا عبد الله السيارات تفتيشاً جيدا، ألا تعلم أنه في حالات الهدنة ووقف إطلاق النار، تستعيد القوات المناوئة نواقصها، وتستعد أكثر ( تخزين الأسلحة والذخائر). ونحن كذلك ألا تتذكر، حين بدأ القتال ولم ينتهِ، كيف تمَّ إحضار الأسلحة والذخائر والمؤونة، كذلك لاتهمل واجبك. هذا النداء الحار الذي جئنا من اجله، ومازلنا نقاتل من أجله بإرادة واحدة، وموقف موحد. وهذا هو خيارنا الوطني.. كأن هذه الكلمات أيقظته، ونبهته أكثر، فبدأ يدقق في البطاقات، ويفتش السيارة، غير مكترث برتل السيارات الطويل. يقلّب المقاعد. يبحث بين دفتي أبوابها. ويرفع الغطاء الخلفي. أنه عنصر حريص كل الحرص، ليس كغيره " ابتسامة واحدة، صفراوية تسيّل لعابه، فيتلهّى معها، ويترنم مع غنجها " يطقّ حنك معها" بكلام فارغ وغير مسؤول ".... أنت أصيل وابن اصيل. تحفّزت مشاعره، ونفر الدم إلى رأسه. أجابني بمعرفة تامة وكاملة عما يدافع، وفي سبيل مَنْ هو موجود في هذه المنطقة. [ أريد يا محمود حماية عائشة. ألم تسمِّ أنت بيروت بـ " عائشة"] سألني :- هل سمعت بعودة المساعد الاحتياط؟ - نعم سمعت عنه حكايات وألواناً من الأحاديث والقصص الغريبة، وعن عذابه طوال شهرين في أقبية المجلس الحربي " وهل تتذكر يا عبد الله حينما رحلنا من تعاونية موظفي الدولة" وتوجهنا إلى هذا المكان " برج حمود" انضم إلينا عدد من الدبابات والعناصر وأصحاب الاختصاصات العسكرية. من أجل مساعدتنا، ولكن كميناً مسلّحاً كان يرابط قبل الجسور، فأحرق " ملاّلتنا". استطاع المساعد أن يقفز منها، وهي تشتعل. أما المجندان الآخران، والمرافقان له فاحترقا، وانصهرا مع الحديد والنيران، وتفحما هيكلان بشريان. أخطأ المساعد، فبدلاً من أن يتوجه إلى برج حمود، توّجه نحو المجلس الحربي، أصبح في منطقة خطرة جداً، وأسر. وبعد أيام تمّ نقل الملاّلة المحروقة إلى مقرّنا الحالي، بواسطة " ب ـ ت ـ ر" ومازال اللحم والشعر والأصابع تلتصق بالحديد.. العظام مطحونة، ومهروسة، سوداء. جمجمتان متفحمتان. إنهما شهيدان آخران. نبهتُ عبد الله لإيقاف سيارة مسرعة تهبط فوق الجسر باتجاه الدورة. فأشار لها بسلاحه للتوقف. . تمّهلت، وتدرجت، ثم توقفت. تبدو علامات الخوف على وجه السائق. كأنه يتحايل، ويتحفّز للإقلاع بسرعة جنونية. أدركت أنه إذ فعل ذلك سأطلق النار على عجلات السيارة !يبدو إن ملاحظتي لم تكن صائبة أو أن السائق غيّر نواياه، حينما أدرك أن وجود أكثر من اثنين، وأسلحتهما جاهزة لإطلاق الرصاص، توقف ! طلب عبد الله البطاقات الشخصية للركاب الخمسة، واتجهت أنا إلى السائق أطلب منه البطاقة الشخصية، وميكانيك السيارة. تأكّد عبد الله أن الأسماء الخمسة تتشابه، ودقق فيها أكثر من مرة، وفتش السيارة بتمهّل. امتدَّ شريط السيارات نحو مئة متر. ولم يجد بعد هذه الجهود إلاّ مسدساً حربياً، فأنزل صاحبه، وسمح للسيارة بالانطلاق، ثم رافق هذا المسلّح إلى مكتب " قا.ك". اقترب عبد الله مني متحمساً يطلب إكمال قصة أبي رأفت. اضطررت أمام إلحاحه أن أُتمم له ما تبقى منها" أصبح أبو رأفت أسيراً. سمعت اسمه من إذاعة " صوت الكتائب" في بيروت الشرقية.. عندما أُدخل معصوب العينين إلى سجن تحت سطح الأرض بعشرين درجة. أرغموه على خلع ملابسه الخارجية وظلّ بملابسه الداخلية. خلّصوه من الهوية العسكرية، والساعة، وراتبه، وادخلوه إلى غرفة التعذيب، وانهالوا عليه بالضرب، واستخدموا الأسلاك الكهربائية، والدولاب، وطريقة الكرسي. علقوا قدميه في السقف. أربع ساعات كوجبة أولى. . وفي الليل أوقفوه على حافة تشرف على بئر عميقة، ولا تتسع هذه الحافة إلاّ لوضع قدميه. وطوال الليل كانت نقاط المياه الساخنة مرة والباردة مرة أخرى تنقط على رأسه. وثبتوا يديه خلف ظهره. شهران في زنزانة رطبة، كريهة، لم يرَ الشمس إلاَّ قبُيل الإفراج عنه بثلاثة أيام، لكنه صمد ولم يبح لهم بأية معلومات عسكرية". حين أبدل عبد الله نوبة الحراسة، وتوجهت إلى الغرفة أفتش عن حيّان، لكني لم أعثر عليه، فوضعت المنظار، ربطته جيداً إلى رأسي. دورته نحو منزل أبي سركيس. طال الانتظار. عيناي تبحثان في الشوارع والبيوت عنه. تخترقان زجاج النوافذ. تمران على الزوايا والسطوح. وحينما فقدت الأمل بعودته. تكوّرتُ فوق السرير وبدأت أفكاري تحبل بحكايا، وأقاصيص مُختلقة من الذاكرة. أتصوّر أحياناً دروباً معشوشبة، وفي أحيان أخرى يأكل جوانبها القحط والبارود. تتابعت الصور. التصقت بجدران الذاكرة، كأنني أزور متحفاً " جثث في سن الفيل- الإجازة. الشاطئ المتآكل. الروائح الكريهة. القذائف. دمشق الهادئة. الجسور. القنّاصة الرشاشات." أبو ماركو" وو....." فتحت النافذة. تدفق الهواء. اندفعت صورة من الذاكرة، ترافقت مع رؤية حيّان خلف رشاش " 14.5مم". يحبّ حيّان أن يتعرّف أسلحة جديدة من غير اختصاصه، ويتجول على نقاط الحماية والحراسة حول شركة التبريد، حيث يوجد "قا.ك". في هذه الأثناء كانت الشمس تنحدر. تغسل أشعتها الأفق الحزين. تودع المياه الراكدة. تجرّ أذيالها إلى عالم آخر، يمكن أن يكون أكثر أماناً، واطمئناناً! قلت مع نفسي. " سنبقى على هذه الحالة، وماذا تكون النتيجة؟". هل أستطيع أن أرفع عالياً شارة الوداع لبيروت، أم أُحمل في كفن؟ في الحالتين سأودعها، لكن قلبي لن ينساها، فهي تسكن تحت ظلاله. . هناك وبين فلقتيه تتفيأ، وتكبو وتنام. . وحيداً أبحث عن حيّان وعائشة. يكاد النهار ينتهي، ويمتد الغروب على امتداد البصر، تهجم العتمة على الغرفة، ولن تتوقف! ازداد الهمس الجوّاني. والحيرة كأنني أفقد شيئاً ثميناً من جسمي، ومن حياتي. أيعقل أنهما تجاوزا خط التماس إلى بيروت الغربية؟ لا اعتقد أنهما يتركانني وحيداً، أجالس الوحدة والهواجس، والهموم! هل يكون حيّان قلب المواقف رأساً على عقب، وقلب الصورة الجميلة، ودغدغ عواطفها، وبثَّ فيها الشجاعة، للالتحاق بالمنطقة الغربية، حيث الأمان أكثر، والحياة أيسر. أسئلة شاردة تواردت إلى ذهني. تحركت هواجسي، وتطايرت أحلامي. أُصبت بالاضطراب النفسي والغليان. تمنيتُ أن أنزوي وحيداً في أحد أركان الغرفة، وعدم رؤية الشمس والقمر ووجهي، كأن حيّان يشدني من كتفي ويدفعني أمامه. فتناولت المرآة من محفظتي وكسرتها!. تمنيت ألاَّ يعكر هذه الحالة أحد من ثقيلي الدم. شعرت أنني في قمة توهجي قبيل حلول الليل. أما الآن فانطمست وتلاشت الصور والأحلام من خيالي الذي تحوّل إلى نتفٍ متقطعة، منثورة، وموزعة في الجهات الأربع. كنتُ أسمع صدى طلقات نارية، يحملها الليل ويوزعها فوق الجسور. يُعيدني هذا الصدى إلى الأيام الغابرة، رغم أننا تعودنا عليها... عودة القتال إلى ما كان عليه أصبحت أكثر الاحتمالات. عوّدنا جسر الموت على "الاستمتاع" بصوره المفجعة، وآلامه، والجثث المتلاحمة معه، والسيارات المعطوبة المقطعة التي ما تزال تتمسك بها أيدٍ دون سواعد. يسير الليل، ويمشي يسحبه القمر معه. خطوات وئيدة بلا أنوار، سوى بصيص يتنقّل مسايراً الشاطئ، كأنه يمر أمامي، فيبعث الأمل مشوباً بالسواد. يعود الحلم قاسياً، صلباً يلثم جدران قلبي، وقاع ذاكرتي. أنهض ثم أجلس، وهكذا. لم يبقَ من الضجيج شيء. عند انتصاف الليل، بدأت الدقائق تنحدر نحو النهار. قطعتُ أمل عودتهما، فأغلقت باب الغرفة، وتركت النافذة مشرِّعة دفتيها، كي لا أنسى أنني وحيد. بقيت أقدام الحراس وهمساتهم، وبصيص سجائرهم، ورائحتها، تدقّ مجتمعة على طبلتي أُذنيَّ. ودعت كل الأشياء، الجميلة منها، والقبيحة، ونمت وحيداً، قلقاً، أحلم بشمس الصباح. وبهواء خالٍ من رائحة الموت، والقذائف. وببحر تنحني أمواجه نحو السفن الراسية، المحملة بالسطحين والمؤونة والمهاجرين، وأسواق تجلجل فضاءاتها بالغبار، وأصوات البائعين، وبرائحة الخضار والسمك والفواكه الطازجة، والأرصفة تزدحم بالناس، والعشاق. أحلم وأهجس، متوجاً بالأمل. أسحب أضواء النجوم نحوي. أسوِّر سماء الجسور، وبرج حمود بها. أبني جدران بيت المستقبل لبنة لبنة، ونجمة نجمة.. لم يَعُد رأسي، ولم تعد غرفتي. .. لم تَعْد الأشياء الفارغة تتسع أكثر، فالحمل يزداد ثقله، ويتراخى الجسد، ويضعف. تتقطع حبال القلب، وتطفأ الشمعة الأولى، تطفأ. ولن نشعلها إلاَّ في العام القادم وبهذا التاريخ وهذا اليوم: |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |