البطاقة السحرية - محمد ساري

رواية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:29 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

. الفصل الثاني‏

تمدد بطوله الفارع على الفراش يستريح قليلاً من الحرارة المضطرمة خارج البيت، وربما يستغرق في نوم ينسيه القلق والحيرة والتعب. كان الضوء يتسرب خافتاً من الفتحات الضيقة للنافذة الخشبية ولكنه لا يصل إلى حد اغراق الغرفة كلية. فبقي الجو بداخلها مظللاً ودافئاً يرخي العضلات ويجذب النوم باغراء أينما كان مختفياً هارباً هو الآخر من الاضطرام السائد وسط القيلولة، أدار الراديو الموضوع بجانبه، فأنطلق صوت المذيع، وتيباً متنأوماً يذيع الأخبار الوطنية والعالمية، بنفس الوتيرة المتواصلة لا يفرق بين أخبار مهمة وأخرى تافهة، بين أحداث جديدة وأخرى قديمة ما فتىء يكررها ويلوكها منذ أيام دون ملل أو سأم. انساق مصطفى عمروش خلف الصوت لدقائق معدودة ثم هاجره بدون وعي منه إلى هواجسه الباطنية التي تلاحقه وتطارده وتجذبه إليها بقوة المغناطيس أو الجاذبية الأرضية. بعد مدة لا يعرف كم استغرقت من الوقت أعادته موسيقى صحراوية رتبية مثل الجو الحار ساعة الظهيرة إلى الاحساس بالعالم المحيط به، فانبعث صوت المغني الجهوري، صاحب النبرات الخشنة في مد طويل يليق بالفضاءات الشاسعة الممتدة إلى ما لانهاية، فلاة مسطحة وخط مستقيم لا يكسره حاجز مهما كانت أهميته من أشجار باسقة أو تلال شامخة أو واحات منقذة. موسيقى صحراوية بسيطة، تلك هي المقاطع المفضلة عنده، يسرح خلفها في فضاءاته الممتدة إلى أقصى ما تصله العين النافذة والمخيلة الجامحة، لحظة لذيذة، غرق في ثنايا أحابيلها حالماً بأشياء جميلة مزينة بكل الألوان الناصعة ما عدا الأحمر القاني. وفجأة انتقطعت الأغنية وعاد صوت المذيع مزعجاً ومعه استيقظت آلامه وعامت على السطح مضطهدة لحظات السكينة المجلبة للنوم المريح.‏

من ساحة المنزل تواصل إليه صراخ ابنه الأصغر المدلل ثم صوت الأم ناهراً مزمجراً، ومهدداً ابنها الثاني الذي يكبر الأول بسنوات قليلة ويكون قد تخطى سياج الحديقة، بمجرد ظهور الأم علي عتبة الباب قادمة من المطبخ. يختفي حتى تهدأ أعصابها ثم يعود مختلساً محاذياً الجدران كالذئب الخطاف. انقطع البكاء وهدأت الأصوات وعاد الصمت الثقيل من جديد ومعه الحرارة الجافة التي يبدو أنه تصاحب السكون فترتفع بارتفاعه وتضعف بضعفه، وعاد مصطفى عمروش إلى القلق والحيرة والذكريات المحزنة والمؤلمة.‏

كان صدره عارياً ويداه مضمومتين خلف رأسه ومسندتين إلى المخدة الصوفية ويمسح ببصره وجه الجدار المقابل وبالضبط الصورة الكبيرة المعلقة في وسطه، صورة محمية من التمزق والبلي داخل إطار زجاجي من الوجه الأمامي المكشوف وإطار خشبي من الوجه الخلفي المخفي. تمثل رجلين وامرأة شابة تبتسم بخجل وحشمة، يلبس ثلاثتهم زياً عسكرياً، وهم واقفون بثبات وافتخار قرب أشجار الصنوبر وبعض النباتات المتوحشة المورقة التي توحي للناظر بأن الصورة التقطت في يوم من الأيام الربيعية الزاهية وسط غابة ما. كانت الفتاة تتوسط الرجلين، قصيرة القامة لكنها ممتلئة وعلى رأسها قبعة كبيرة وفي وسط ذراعها الأيسر قطعة من القماش الأبيض رُسِمَتْ عليه خطوطاً بالأحمر، فهي فارغة اليدين فيما كان المجاهدان يحمل كل واحد منهما بندقية حرب على كتفه، محكماً إياها بشدة واعتزاز كأنه يخاف أن تفلت منه وتسقط على الأرض وتتركه يتيماً بدون حماية. كان مصطفى عمروش يقف على يمين الفتاة فيما وقف على يسارها صديقه الحميم صديق الصبا والطفولة والشباب علي زغمار الذي استشهد بعد أسبوع فقط من أخذ الصورة، استحضر الوجه البشوش، الوجه الذي تشبثت قساماته بكل تفاصيلها في ذاكرته حياً نابضاً، يتدفق حركة، وبريق العينين الشديدة السواد رغم مرور سنوات طوال منذ اليوم الذي استشهد فيه صاحب الوجه العزيز، حيث تمزق جسمه إرباً إرباً وأصبح كومة مشوهة من اللحم والعظام والدم المخثر والتراب والحصي بعد أن أصيب باحدى القنابل المميتة المنبعثة كالصاعقة من الطائرات العسكرية المسربلة المحومة فوق رؤوس المجاهدين المذعورين الذين لم يعرفوا أين مسلك النجاة من الجحيم الجهنمي قتل الكثير منهم في تلك المعركة ، وجرح مصطفى عمروش بشظايا متفجر جروحاً خفيفة التئمت آثارها بعد أسابيع . كما استحضر صوته وضحكاته المرتفعة المدوية ، وطريقة مشيه وركضه فعاش لحظات مفرحة وأخرى محزنة ، في حنين قاتل إلى العودة إلى الماضي الذي كانت فيه الحياة غالية يضطر الانسان إلى الدفاع عنها بكل ما يملك، ماض يعرف دوي الكلمة وقيمة الوعد وحرارة الدفاع عن قيم لاقيمة لمال الدنيا كله بجانبها. بعد سنوات من الاستقلال الوطني حينما انتشرت موضة البحث عن جثث الشهداء واعادة دفنها في مقابر جماعية جميلة مزينة بالورود المتفتحة والرسوم النحتية المعبرة، عاد إلى ميدان المعركة التي قتل أثناءها صديقه. كان ضمن وفد كلف رسمياً بالبحث عن الرفاة، فاتصلوا بسكان الناحية وعثروا على رجل ما زالت ذاكرته نابضة بالحياة فأعادهم إلى تلك الأيام البطولية الراسخة، يومها، اندس الرجل وسط الغابة يقطع الديس الأخضر ليغطي به سقف غرفة جديدة يخصصها لابنه البكر الذي كان سيتزوج في تلك الصائفة فسمع دوي الرصاص المتعالي وصوت "الله أكبر" الرهيب فأدرك بالعادة أن اشتباكاً قد واجه المجاهدين ضد الجيش الفرنسي.‏

ابتعد عن المكان متسللاً بين الأشجار والأحراش لكنه لم يذهب بعيداً حينما تواصل إلى أذنيه خرير محركات الطائرات الحربية التي تمطر ناراً ملتهبة، يرعد المنطقة كلها، فانحتى وسط "ضَرْوَة" يبسمل ويحمد الله ويطلب النجاة متمتماً بين شفتيه عبارات متلعثمة غامضة. استمر القصف مرعباً، يزرع الموت والدمار والعقم، والطائرات محلقة في ذهاب واياب دون توقف. انفجرت قنبلة أولى لم تصبه شظاياها، بقي مختفياً في مكانه طيلة يوم كامل ولم يتحرك إلا مع غروب الشمس، بعد أن تأكد من السكون الكلي وانسحاب العساكر من المكان فخرج متسللاً من مخبئه عائداً إلى الدشرة، وأثناء الرجوع سمع وقع أقدام ثقيلة ومتعثرة فانحنى جانباً ينتظر خائفاً وقلقاً، وإذا بمجاهد جريح يتشبث بأغصان الأحراش بيد ويمسك بندقية بيد أخرى يحاول تسلق منحدر متجهاً نحو عمق الغابة.‏

وقال الرجل باعتزاز أنه ساعد المجاهد الجريح على الخروج من المأزق فأدخله داره وقامت أمه بمعالجته ثم اتصل بمسؤول الدشرة الذي أخبر المجاهدين فأرسلوا رجلين في ليلة الغد أخذا معهما الجريح مسرجاً فوق بغل قوي، محملاً بالقمح والشعير والعدس. وأضاف الرجل في رواية مستفيضة أمام الجميع مشاركته في دفن القتلى مع سكان الدشرة، فهالوا وذعروا للمناظر الوحشية التي عثروا عليها في ساحة المعركة، أجسام مهمشة، ممزقة، جثث ضائعة المعالم، أذرع وسيقان مرمية وحدها، انفصلت بعنف عن الأجسام وبقيت تنزف دماً، حلف الرجل وأقسم بالرب والأنبياء أنه وجد الدم دافئاً لم يتخثر بعد، وجوه ملطخة بالدماء المخلوطة بالتراب والعرق والندى، أعين مفتوحة وثغور تبتسم للسماء الصافي، لم تفقد من حيويتها وفرحها وذعرها شيئاً. وأضاف الرجل باصرار أنه رأى لأول مرة في حياته فرحاً ممتداً لا نهاية له وخوفاً رهيباً على أحد الوجوه الفتية لشاب لم يتجاوزالعشرين، قتل برصاصة في قلبه، وهو الشهيد الوحيد الذي بقي جسمه سليماً، لا جروح عليه ولا تراب. احتار الرجل في تلك اللحظة ولكنه طمأن نفسه بأن الدنيا مليئة بالعجائب وأن الله يخلق من الغرائب مايشاء، دلهم الرجل على القبور المتراصفة تحت أشجار مظللة دون أسماء، قديمة، كان ترابها يستوي مع الأرض، ولم يعرف أهل الدشرة إلا اسم شهيدين كانا من المنطقة . أما بقية القبور فهي مجهولة لا يعرفها ولايزورها أحد لم يعرف مصطفى عمروش أي العظام لصديقه، فالعظام كلها متشابهة، أما الفتاة الشابة الواقفة بين الرجلين فقصتها كانت تروي على غرار الحكايات الشعبية التي تجمع الناس الفقراء في الليالي الشتوية الباردة الطويلة حول الموقد الدافيء. سمع كل أهل المنطقة بقصتها، قصة رددتها بافتخار واعتزاز وأضافت إليها أحداثاً فرعية كي تصبح متكاملة وحلوة للرواية، تغري السامعين.‏

تنهد مصطفى عمروش بعمق، اقتحم الحنين فجأة صدره الذي أصبح يضيق بمثل هذه الذكرايات القاسية كلما تقدم في العمر. أصبح يتألم كثيراً كلما استرجع هذه الذكريات وفي أحيان متعددة تطفح الدموع على سطح عينيه الذابلتين المتعبتين وهو يجهد نفسه لمعرفة نوع الأحاسيس والأفكار والخواطر التي راودت صديقه وهو يحتضر ويلفظ أنفاسه. كانوا جميعاً يستهترون بالموت ويذكرونه في أحاديثهم كشيء عادي. والغريب في الأمر أنهم ينسونه كلياً أثناء المعارك. يفكرون في قتل الأعداء وفي كيفية النجاة والعودة إلى القواعد المخفية وسط الجبال في المغارات المهجورة منذ الأزمنة البعيدة سالمين فرحين، وإذا أصاب الموت المحتوم أحدهم، يتألمون قليلاً، يشعر بعضهم بالفراغ وربما بالخوف ولكن سرعان ما يغادرهم هذا الشعور إذ يقنعون أنفسهم بأن الموت ضروري لربح المعركة الكبرى، وأنهم يقينا سيلتحقون بأصدقائهم وهناك يغمرهم نوع من الابتهاج والسكينة ويتصورون الجنة بمختلف الأشكال في مناظر مبهجة حميلة. حيث النوم العميق والأكل الوفير والدفء والراحة. في السنوات الأخيرة، بدأت خواطر مفزعة تطارد ذهن مصطفى عمروش وتلاحقه دوماً. في ماذا كان يفكر علي زغمار في اللحظة التي أصيب بها بالضربة القاتلة؟ هل مات بالرصاص أم تمزق جسمه بالقنبلة وانفصلت ذراعاه ورجلاه بعيداً عن بقية الأعضاء؟ هل بقي يقظاً ينظر إلى الدم المتفجر من أحد أجزاء جسمه الملقية قربه؟ وتمنى مصطفى من صميم قلبه أن يكون الموت قد أدرك صديقه الحميم في رمشة عين تجعله لا يشعر بوخز الألم وضغطه.‏

وحينما تنهال عليه المشاكل ويكثر القيل والقال حول نزاهة قدماء المجاهدين الذين انساقوا خلف الامتيازات المادية وتحايلوا وتشاجروا وتآمروا من أجلها، ونظرة الناس إليهم وخاصة الشباب الذين يتذمرون ويرون فيهم السبب الرئيسي للبطالة التي ما فتئت تنتشر يوماً بعد يوم، يفضل لو استشهد في احدى المعارك ومات شهيداً ليبقى اسمه نبيلاً طاهراً يذكر باجلال وشموخ أما وهو حي بين أصدقاء تغيروا كلياً وأصبحوا يعتبرون هذه الامتيازات التي يسمح بها القانون حقاً شرعياً، مكافأة لهم تعويضاً عن الجوع والعري والتعب والخوف أيام الثورة التحريرية فلا مفر من السكوت وتقبل الانتقادات بصبر وتبصر.‏

سمع مرة شاباً يحاور صديقه، وهو داخل الحافلة ذاهباً إلى العاصمة يتكلم بصوت مرتفع يملؤه الحقد والغضب، قائلاً بأن المجاهدين استولوا على كل شيء، سيارات مساكن محلات تجارية، مناصب شغل ولا يمكنك أن تحاسبهم على فعل خاطىء أو تغيّب. انتفض بداخله واستشاط غضباً لحظتها ولكنه صمت ولم يقل شيئاً إذ في انتقادات الشاب كثير من الصواب. حينما كانوا يجوبون الجبال والأودية، راودهم أمل وحيد، ليلاً ونهاراً، أكبر مكافأة تمنح لهم استقلال البلاد والعودة إلى عائلاتهم والتخلص النهائي من المطاردات والانتظار القاتل.‏

حورية، طفلة مرحة، ضحوكة دوماً، يعرفها منذ كانا صغيرين يركضان معاً ويجلبان الماء من الوادي عبر دروب وعرة ملتوية موحلة في قر الشتاء ومغبرة في قيظ الصيف. كان يكبرها بثلاث سنوات لاغير. ونمت بينهما صداقة متينة مليئة بالاعجاب والتفاهم، وكبر هذا الشعور معهما إلى أن أضحى حباً قوياً يتحمل المصائب والتضحيات، يلتقيان علانية ويتحدثان طويلاً عن كل شيء يخطر على بالهما، لم يكن الحديث يهمهما بقدر ما كان هاجسهما الوحيد هو المكوث معاً ولأمد طويل بما أن لا شيء يخفي في القرية الصغيرة، فما هو سبب التستر والحذر؟ كانت عائلتهما على دراية بكل لقاءاتهما، ولم تمانعا منتظرتين اليوم الذي تحين فيه الظروف لإقامة عرس كبير لإسعادهما ولكن هذا العرس لم يتم أبداً، أو على الأقل لم يتم بالصورة التي تصورتها العائلتان.‏

في تلك السنين تغيرت حياة السكان في المنطقة كلها رأساً على عقب، كما تغيرت أحاديث الناس واهتماماتهم، فبعد أن كانت الحياة عادية، رتيبة، يتخبط سكانها في البحث عن لقمة الخبز دون الجرأة على رفع أصابعهم للاتهام الصريح والجهوري، وكادوا يفقدون الأمل في تحسين ظروف معيشتهم ويقنعون أنفسهم زوراً وبهتاناً بأن ما يتخبطون فيه من وحل ملطخ بالشر، إنما عقوبة الهية شرسة عن ذنوب اقترفها أجدادهم في يوم ما من الأزمنة الغابرة ولا مفر من التكيف معها والصبر على منوال النبي أيوب.. ربما في يوم ما...‏

وفجأة طفق أهل القرية يغلون ويفورون داخلياً، ويترقبون الأخبار بفارغ الصبر. اندلعت الثورة لتحرير الوطن وطرد المستعمرين بصفة نهائية، امتلأت الجبال المجاورة لهم بمجموعات مسلحة من المجاهدين أتوا من كل مكان واتصلوا ببعض الرجال من القرية. كان مصطفى عمروش شاباً قوياً وشجاعاً فتحمس كثيراً لما يحدث حوله. استهوته الأخبار وحب المغامرة وهاجس التخلص من المعمرين الذين يشتغل في مزارعهم مقابل ثمن زهيد. تكلم مع صديقه علي زغمار واقترح عليه الالتحاق بالأخوة في الجبال الشاسعة المحيطة بالقرية فوافق الصديق على الفور.‏

ومكث مصطفى متردداً لأيام فيما إذا كان يحق له مصارحة حورية بمشروعه، أم لا. وانتهى إلى رأي يقضي باعلامها. انتظر خروجها لجلب الماء فرافقها مسافة قصيرة، وهو صامت لا يعرف من أين يمسك الخيط. تنبهت حورية إلى حيرته وتساءلت عن السبب بدون مقدمات ودفعة واحدة، أجابها مرتبكاً، بنبرة فخورة لا تعرف الخوف أو التراجع:‏

- سألتحق بالمجاهدين في الجبال لتحرير الوطن.‏

لفظ العبارة بخفة، تماماً مثل مطر الإعصار الذي ينهمر فجأة وبكميات كبيرة ثم ينقطع بعد حين، لم تجبه مباشرة. توقفت عن السير، طأطأت رأسها فترة وجيزة ثم نظرت إلى التلال المقابلة لهما، وقالت بصوت ثابت ونبرة حادة:‏

هل يقبل المجاهديون النساء في صفوفهم؟ ابتسم مندهشاً وحدق في بياض عينيها قائلاً:‏

- أنا أتكلم بجد، لا أمزح.. الحياة في الجبال صعبة للرجال، فكيف يقبلون النساء أنهم يحاربون بالبنادق والرصاص..‏

أراد أن يقول لها أكثر من حياة الجبال لكنه يجهلها. ولكن رغم عدم معرفته بها فهو متأكد أنهم لا يقبلون النساء لأن المحارب ينبغي أن يكون خفيفاً كي يتنقل بسرعة ويسير في الليالي وينام وسط الأحراش والأودية، هل تتحمل المرأة هذه الحياة الشاقة؟ طبعاً لا.. خيم الحزن والمرارة على وجه حورية البريء.. ومكثت تفكر ملياً ثم فجأة برقت عيناها وقالت بخفة كأنها خائفة من تبخر فكرتها:‏

- ومن سيحضر لكم الخبز والطعام؟ أعرف. كل هذه الأشياء... تعلمت من أمي جيداً...‏

- اسمعي يا حورية... دعك من الكلام الفارغ، واكتمي السر ولا تخبري أحداً... نحن نذهب لنحارب فرنسا، أفهمت... لا نصعد إلى الجبال لجمع الحطب بل لمحاربة فرنسا، وهذه مسألة تخص الرجال دون النساء...‏

- بعد أن تلتحق بالمجاهدين، سأجيب من يسألني بأن مصطفى مجاهد كبير...‏

أجابت باعتزاز وكبرياء، رافعة رأسها باستقامة ثابتة. سكتت ثم قالت بخجل وارتباك موجهة بصرها نحو التراب:‏

- سأنتظرك يا مصطفى حافظ على نفسك والله يكون معك.‏

بعد يومين من هذا اللقاء الخاطف اقتفي مصطفى عمروش وصديقه علي زغمار آثار الدروب المُثعبنة وسط الأحراش التي لا تغطي جسميهما كلية ثم دفا وسط غابة من أشجار الصنبوبر والبلوط كثيفة الورق والأغصان، والتي لا توحي بوجود حياة إنسانية بداخلها، تأبطا معهما كيساً خيشياً يستعمل للقمح والشعير، رمياً فيه بعض اللوازم الخاصة من اللباس والأكل، وطافا وسط التلال والأودية بحثاً عن المجاهدين.‏

كانا يتصوران أنهما بمجرد الولوج داخل أول غابة، سيصادفان أفواجاً من الرجال الأشداء مدججين بكل أنواع الأسلحة، وسيستقبلان بالأحضان المفتوحة على مصراعيها، وتمنح لهما الرشاشات والبدلات العسكرية، ومباشرة تنطلق المعارك ويعيش الصديقان البطولات العجيبة. غدرا القرية في الصباح الباكر قبل انبلاج الفجر، فأشرقت الشمس مبتسمة ودارت دورة كاملة وأوشكت على الغروب، ولم يعثرا على شبح مجاهد واحد. أصابهما القلق والتعب والجوع، فاختارا لهما مكاناً آمناً تحت شجرة بلوط ضخمة، أكلا قليلاً وجلسا يتساءلان حائرين عن المكان الذي يخفي المجاهدين. توقعا مختلف الاحتمالات الممكنة حتى التي مفادها أن وجودهم اشاعة باطلة اخترعها الناس لتخويف المعمرين. ولكن ايمانهم بوجود "الخاوة" كان قوياً لا تزعزعه الشكوك ولا يضعفه يوم كامل من البحث الدؤوب. بقيت تساؤلاتهم معلقة في الفضاء بلا مجيب، ناما تلك الليلة بالتناوب مسترقين السمع إلى عواء الذئاب ونعيق الضفادع المنبثق من كل الأرجاء. وفي الصباح الباكر مع انقشاع أول خيوط الظلمة، كان الصديقان مستعدين للبحث وباصرار أكبر هذه المرة. المنطقة جبلية، تغطي الأشجار مساحتها، وهي خالية من السكان. بلّل الندى ثيابهما أثناء الاحتكاك بالأغصان المورقة وأصاب وجهاهما وأذرعهما بخدوش بسيطة، أسالت بعض قطرات الدماء. حينما ارتفعت الشمس وكونت زاوية مستقيمة مع الأشجار، تضاعفت حرارتها مما اضطرهما إلى الاستراحة تحت ظل غصن مورق يحجب رؤية أديم السماء. لم يسمعا أي صوت حتى وجدا رجلاً واقفاً على رأسيهما متسائلاً بنبرة حادة:‏

- ماذا تفعلان هنا في هذه الغابات البعيدة؟ صعقهما الرجل بسؤاله وهيئته الوقورة. كان واقفاً بثبات يرتدي قشابية صوفية بنية اللون، غطت كل جسمه ما عاد ذراعه الأيسر، وعلى رأسه شاشية حمراء. تبادلا الصديقان نظرات حائرة وأدرك مصطفى بحدسه أن هذا الرجل منهم بلاشك فوقف بخفة وقال:‏

- جئنا عندكم.. كنا نبحث عنكم منذ صباح أمس: تبحث عن من؟‏

- المجاهدين... جئنا نحرر الجزائر... نحارب فرنسا..- ومن قال لكم بأنكم ستجدون المجاهدين هنا؟ أنا أسكن المنطقة ولا أعرفهم ولم أسمع عنهم شيئاً. احتار مصطفى أي الإجابة الملائمة يقدمها للرجل الغريب. تردد قليلاً، تلعثم ولكن سبقه صديقه علي في الرد السريع العفوي- في قرية عين الفكرون سمعنا بأن "الخاوة" يسكنون الجبال ويقاتلون لطرد الفرنسيين من بلادنا فجئنا نلتحق بهم.‏

حدق الرجل في سحنتهما بإمعان. بقي لحظة شادر الذهن كأنه يفكر في قرار ما ثم أخرج يده اليمنى من تحت القشابية وأدخل ابهامه وسبابته على شكل دائرة داخل فمه وأطلق تصفيرة مدوية. وما هي إلا ثوان حتى امتلأ المكان برجال مسلحين ينظرون إليهما مثلما ينظر الصياد إلى غنيمته. سر الصديقان سروراً عظيماً وتبخرت الشكوك والأتعاب وحل محلها الحماس والاستعداد الأعمى. تضاعف سرورهما حينما تعرفا على ثلاثة رجال من قريتهما وقويت عزيمتهما واطمأنا لحالهما أيما اطمئنان، وهكذا أصبح الصديقان في صفوف الثورة يشاركان في التدريبات والرحلات والأعمال الخاصة بتحضير القواعد الجديدة وتحسين أماكن الراحة الآمنة، وبعد مرور أشهر قليلة أصبحا جنديين متكاملين وبدأت المعارك والبطولات والمآسي..‏

ومكثت حورية في منزل أبيها حزينة لفراق حبيبها، وسعيدة لأنه رجل شجاع ومجاهد، لم تدرك مكانته في قلبها إلا هذه المرة. قبل ذلك كانت العلاقة عادية، تستطيع رؤيته ولو خلسة من بين يقوب الأبواب والجدران والجدران أثناء دخوله أو خروجه إذ كانت العائلتان متجاورتين في المسكن. أما وهو غائب فاشتاقت إليه كل الاشتياق وحنت إلى كلامه وإلى وجهه وإلى نظراته.‏

عند القيلولة حينما يهدأ الضجيج، وتقل الأعمال المنزلية تتمدد على الحصير وسط باحة الدار وتسرح خلف الذكريات الجميلة وتتخيل مواقف سعيدة، ترفض نهايتها وتتمنى لو تستمر الأحلام بلا انقطاع إلى مالانهاية تضجر وتفور قلقاً وارتباكاً حينما تداهمها أمها بأمر ما، فتضطر إلى النهوض والانصياع مكرهة، مكفهرة الوجه متناعسة. فكانت تتخيل مصطفى بلباس المجاهدين وببندقية تلمع لمعاناً ساطعاً، يباغتها في لحظة ما، يقف أمامها فجأة دون سابق انذار. وفي بعض الأحيان تتشجع مخيلتها وترى نفسها مجاهدة تطوف الجبال مع مصطفى ورفاقه، تحضر لهم الأكل وتغسل ملابسهم. وتلوك هذه الأحلام مراراً وتكراراً في أوقات فراغها حتى أضحت حقائق تلتبس مع الواقع الملموس.ومع الأيام تباعدت لحظات الأحلام ، واكتسى الضباب وجه مصطفى مفاوت لا تتذكره إلا حينما تستيقظ ليلاً تحت دوي طلقات الرصاص القريبة من القرية‏

مرت أربع سنوات ثقيلة، مرعبة، ولم تتلق حورية إلا أخباراً خاطفة عن مصطفى، جمعتها مناسبات متعددة بأمه فحاولت أن تتلصص بعض الأخبار عنه دون دوى، إن الأم مثلها لا يصلها عنه خبر يذكر. كل ما تعرفه هو أنه مازال حياً يرزق ويتمتع بصحة جيدة، وسيعود إلى القرية بعد استقلال البلاد. نفس العبارة يرددها زوجها كلما استحضر الحديث عن الابن مصطفى، ويقسم لهم الأب بأنه سمع النبأ من "مسبل" القرية الذي يتصل بالمجاهدين في الجبال كلما سنحت له الظروف. فهو يعرف مصطفى ويلتقي به دائماً هناك. تصر الأم لمعرفة تفاصيل أخرى، سواء بالأسئلة الملحاحة أو بالنظرات الحائرة القلقة، ولكن يجيبها الأب مكرراً نفس العبارات التي ما فتيء يرددها منذ سنوات.‏

كبرت حورية ونضج جسمها وتفتحت أنوثتها فأصبحت محل أنظار العجائز اللاتي يترصدن عروساً لابنهن أو حفيدهن أو أحد فتيان العائلة الكبيرة. وصارت أمها تمنعها من الخروج وحدها. ولا تسأم من أسماعها النصائح اللازمة، في كل الأوقات الليل والنهار حتى حفظت حورية كل عبارات وحكمها، فترددها معها بصوت مسموع، كي تقنعها بأنها استوعبت الدرس جيداً ولا داعي للتكرار الذي أصبح مملاً.‏

وفي احدى المرات، زراتهم عجوز من معارفهم وقت الظهيرة، اختلت بأمها في زاوية من زوايا الساحة المظللة ودخلت معها في حديث طويل، بصوت خافت، هامس، انقطع كلية عند اقتراب حورية وبين يديها صينية القهوة. حطتها على المائدة وعادت إلى المطبخ، فانشغلت بالكنس والغسيل لمدة معينة ثم عادت إلى الساحة كي تجالس المرأتين وتسمع منهما أخباراً مفيدة، فساد السكوت بمجرد اقترابها. تنبهت حورية للانقطاع المفاجيء، فبررّت ذلك لكون الحديث يخص بعض شؤون النساء المتزوجات، ويحبذ أن تبقى المراهقات خارج أسراره الملتوية. جلست معهما على "هيدروه" صوفية بيضاء، سكبت لنفسها فنجاناً من القهوة يكتنفها فضول لسماع أخبار جديدة من العجوز التي سبق أن تعرفت عليها وتجاذبت معها أطراف الحديث العام، ولكن هذه الأخيرة، بذكاء محنّك، غيرت مجرى الكلام السابق وتوجهت بأسئلتها إلى الفتاة، وهكذ1 استرسلن في درب مخالف من الكلام العادي اللجوج. ومرة ثانية، وبمحض الصدفة، استمعت خلسة إلى حديث بين أمها وأبيها يخصها. لم تستشف الأمر جيداً، ولكنها فهمت بأنهما ينويان تزويجها إلى رجل ما في القرية.وهنا انفتحت ذاكرتها بعنف، تماماً مثل الجرح القديم الذي ينشق بعد سنين من شفائه أثر صدمة مباغتة، فاستحضرت صورة مصطفى واضحة المعالم كأنه لم يفارقها أبداً، صورة امتزجت في خطوطها ما تبقى من وجهة القديم وما أضافته عبر التخيلات العديدة التي أضحت واقعاً ملموساً بالنسبة إليها. ارتعدت أوصالها وانزوت في ركن من الدار، حائرة، تحاول عدم تصديق الخبر، فلربما تكون قد أخطأت الفهم. كبر في ذهنها الوسواس والخوف من قرار والديها. فهي تعلم علم اليقين بأنهما إذا قررا تزويجها، فلا مفر، ولا تمرد ولا رفض. حينما يقرر الأب منح ابنته إلى رجل ما، انتهى الحديث وتبخرت الأحلام ودفن الأمل. قضت أياماً حالكة لا تعرف طعماً للأكل أو مذاقاً للنوم. فظهر ذلك جليّاً على جسمها ولفت انتباه الأم التي واجهتها بوابل من الأسئلة كي تكتشف السبب الضامر. وفي مشاجرة كلامية عنيفة، مرتفعة الصدى، باحت الأم بالسرّ المكتوم، واعترفت لها بأن أباها قرّر "اعطائها" إلى رجل مهم من أعيان القرية المعروف تحت اسم السرجان، يملك حانوتاً واسعاً يبيع فيه المواد الغذائية، متزوج وله أولاد وبنات. يسكن في منزل كبير وسط القرية في الشارع الرئيسي، ويقع حانوته في الرصيف المقابل لدار البلدية. قضي سنوات في الجيش الفرنسي، بعيداً عن أهل القرية لا يزورها إلا نادراً، يمكث فيها أياماً،يتبختر ببذلته العسكرية التي لا تغادر جسمه المتكامل القوي البنية رغم قصره نسبياًز وبها يزور الأهل والأصدقاء، ويجلس في المقهى حول لعب الورق أو الدومينو، ولا ينسى تحية العلم الفرنسي المرفرف على باب مقر البلدية، كلما مرّ قربه، وإن فعل ذلك مرات عديدة في اليوم الواحد، كان يعتبر ذلك من واجباته الأساسية التي تعلمها داخل الثكنة. إذا كانت القبعة في يده أو على كتفه الأيسر، فيسويها جيداً على رأسه المدور ثم يحيي تحية عسكرية منضبطة مع ضربة قوية على الأرض برجله اليمنى. وحافظ على هذه العادة بعد انفصاله من الجيش الفرنسي، وهجرانه للبذلة العسكرية، فأصبح يحيي العلم كل صباح قبل أن يفتح باب حانوته المقابل للعلم المثلث الألوان، ولم ينقطع عن هذا الوفاء إلا بعد أن تلقى انذاراً من المجاهدين، يهددونه بالقتل إن تمادى في ذلك السلوك الشاذ.‏

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244