الطوفان الأزرق - أحمد عبد السلام البقالي

رواية الخيال العلمي - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

-5-‏

رفع الدكتور نادر عينه إلى السماء لينظر إلى الغيوم الحمراء تعكس أضواء المدينة المكتظة كأنها تحترق. ونظر حواليه ثم تحرك ليقطع "سلون سكوير" نحو "كيكزرود". كان المشي أحسن أوضاعه حين يجنح للتفكير. وقفز خياله من موضوع في ميادين بحثه الأنثروبولوجي، وهو يحاول الخلاص وإفراغ دماغه من تلك الأفكار المتساقطة في ذهنه دون رغبة منه.‏

وأحس أنه يرفع مظلته ويلوح بها ليطرد تلك الأفكار التي اجترها ذهنه أياماً طويلة حتى فقدت طعمها، وأفقدته الاهتمام بالميدان الأنثروبولوجي كله.‏

ونظر حواليه ليتأكد من أن أحداً لم يلاحظ حركاته اللاإرادية وهمهماته المكتومة فيتهمه بالجنون.‏

أحس الدكتور نادر بالقنوط والضيق يدبان إلى روحه دون أن يعرف لهما سبباً.‏

وتردد في خياله صدى تعليق صديق زاره وهو في نوبة ضيق ويأس، فقال له، بعد نقاش طويل حول الزواج والحياة السعيدة:‏

"شعورك بالضيق واليأس قد يكون مصدره عدم إيمانك بعالم الروح. ومن عالم الروح الحب، الحب حتى في تعبيره البدني.. البدني.. البدني.. البدني!".‏

"ترددتِ تلك الكلمة في ذهنه بأصداءَ وأصواتٍ وأبعادٍ مختلفة حتى بدأ يحرك رأسه بعصَبية ليرميها خارجه.‏

وأخيراً وقف وجهاً لوجه أمام فتاة طويلة ذات شعر غابي مفلفل بآلاف الخواتم، وعلى عينيها نظارة حمراء باهتة بإطار نحاسي، وهي تمضغ العلك. وأحس بالحرج فنظر حواليه ليرى جمهوراً غفيراً يغادر سينما "الكلاسيك".‏

وأحس بالطبول التي كانت تدق داخل دماغه تسكت فجأة، وبالصمت والسلام يخيمان على روحه. وشعر برطوبة الجو تُلامس وجهه الملتهب، فأقفل عينيه واستنشق نفساً طويلاً من نسيم الليل البارد، وأخرجه ببطء والتذاذ.‏

ولم يدرك أنه ترك وراءه "كارلايل سكوير" حيث يسكن، إلا حين وجد نفسه على شارع "ريد كليف جاردنز" فدخله ووقف ينظر إلى بوابة "مقهى الفنانين" الذي سمع عنه كثيراً ولم يزره قط. وأحس بالإعياء فجأة، فقرر أن ينزل إلى المقهى ويتناول فنجان شكلاط ساخن، ويضيع نفسه بين الناس والموسيقى.‏

ونزع معطفه وسلمه للفتاة القابعة بدولاب المعاطف.‏

وقصد إلى ركن قصي فقعد إلى طاولة نظيفة، وجاءه شاب ليأخذ طلبه، وحين قال له أنه يريد شكلاط ساخن كتبه على سجله ووضع السجل في حزامه، وانحنى على المائدة يرتب ما عليها، والدكتور نادر ينظر إلى وجهه الشاب الصافي البشرة، عليه مسحة من أنوثة. وذهب الشاب فإذا بفتاة تقف على طاولته لابسة معطفاً أسود ثقيلاً وقباً من فرو لماع خرج من جوانبه شعرها الأحمر، وعلى وجهها علائم تعب وبرد. انحنت على الدكتور نادر بأدب تسأله:‏

- هل أشاركك الطاولة؟‏

وفوجىء بالسؤال فوقف لها لتجلس:‏

- طبعاً، تفضلي..‏

وشكرته، وهي تسلخ عنها المعطف الثقيل وتضعه على الكرسي أمامها، ثم تنزع القب الفروي وتضعه فوقه وهي تتلكم:‏

- آسفة أن أُثقل عليك، ولكن، كما ترى، لا توجد هناك موائد فارغة.‏

فرد بقليل من الحرج:‏

- لا، أبداً! أنا وحدي هنا، وليس عدلاً أن أحتكر الطاولة كلها.‏

- شكراً على أي حال.‏

وبدأت تبحث في حقيبتها عن علبة سجائرها ثم القدَّاحة والدكتور نادر يلاحظها بطرف عينه مستأنساً قليلاً بمخلوق بشرى إلى جانبه. وأخرجت سيجارة فوضعتها بين شفتيها، فتناول هو القداحة من بين أصابعها البادرة قائلاً:‏

- هل تأذنين؟‏

وأشعل سجارتها وهي تنظر إلى وجهه على ضوئها الأصفر، وكأنها فوجئت بأن النبل والرجولة ما يزالان على قيد الحياة.‏

- شكراً يا سيدي، شكراً!‏

- العفو.‏

ولمس في كلامها لكنة اسكوتلاندية فسألها:‏

- من أي مكان؟ من اسكتلاندة أنت؟‏

- كيف عرفت أنني اسكتلاندية؟‏

- طائر صغير أوعز لي بذلك.‏

فابتسمت وقالت:‏

- إنَّه سؤال سخيف، لكنتي المحلية تفشي سري على بعد أميال!‏

- أحب اللهجة الاسكتلاندية، فبها خشونة البادية وجمالها.‏

- شكراً! أنت رجل لطيف، من أين أنت؟‏

- خمني.‏

- إيطالي.‏

- لا.‏

- أعرف، أنت إسباني.‏

- كلا! ولكنك قريبة.‏

- عربي؟‏

- نعم، من المغرب.‏

- من شمال إفريقيا، إذن!‏

فصاحت وكأنها رأت أحداً تعرفه، وأشارت إليه بأصبعها، وعلى وجهها ابتسامة:‏

- أتعرف أنني كنت على وشك أن أذهب إلى طنجة؟ لم يبق بيني وبينها إلا البوغاز.‏

- وماذا حدث؟‏

- أنذرنا دليلنا الإسباني بأن المغاربة لصوص وكذابون وقتلة وغشاشون في البيع والشراء، فخفت وبقيت في إسبانيا. قل لي، هل ذلك صحيح؟‏

- بعضه، كما في إسبانيا نفسها أو إيطاليا أو أي بلد بحري.‏

وجاء النادل فوضع فنجان الشكلاط أمامه، ونظر إلى الآنسة، فسألها الدكتور على نادر:‏

- ماذا ستطلبين؟‏

فطلبت "أومليت" وقهوة، وارتاحت في مقعدها تمتص دخينتها وتتحدث كأنها تعرف الدكتور نادر منذ أعوام. وأتيح له أن يتأملها فأعجبه وجهها المنمش قليلاً في أعلى الجبهة وعلى رانفة الأنف. كانت أسنانها لؤلؤية نظيفة، وشفتاها ممتلئتين.‏

وجاءها الشاب بعشائها فأكلته بسرعة، ومسحت فمها بمنديل الورق، ثم أشعلت سجارة واتكأت إلى الخلف تدخن وتتحدث.‏

وعاد المغني إلى الظهور على المسرح، وبدأ بأغنية كانت أغنية ذلك الموسم، فبدأت هي تتمايل معها وتردد الكلمات:‏

"لا داعي لأن تقول إنك تحبني‏

"ولكن ابق مني قريباً...‏

"ولا داعي لأن تبقى إلى الأبد‏

"فسوف أفهم".‏

وكان بعض الزبناء قاموا للحلبة يرقصون، فسألها:‏

- هل ترقصين؟‏

فقامت في الحال مسرعة حتى لا تنتهي الأغنية دون أن ترقص عليها.‏

ووضع الدكتور نادر يده على ظهرها، فرمت ذراعها على عنقه وجذبته نحوها وأراحت رأسها على كتفه. وأحس دفء صدرها على صدره فشعر نحوها بحنان كبير. ورفعت رأسها فجأة لتردد مع المغنى لازمة "صدقني! صدقني!" وتنظر إلى عيني الدكتور نادر مفتعلة الحزن والانفعال. وابتسم لها ابتسامته المشرقة، فهمسته في أذنه.‏

- في ابتسامتك مرح وترحيب.‏

- ذلك لأنني أرحب بك فعلاً.‏

- آه! شكراً!‏

وعادت تضمه أقوى مما كانت، وهو يتحرك بها بين الراقصين الذين كان بعضهم لا يكاد يتحرك.‏

وانتهت الأغنية. وعادا إلى مائدتهما، فالتفتت إليه قبل أن يجلسا وقالت:‏

- اسمي آن. "آن سيسيليا ورد" فما هو اسمك؟‏

- اسمي على نادر.‏

وصافحته وهي تقول:‏

- اسمك خفيف وسهل. كثير من الأسماء الأجنبية لا أستطيع أن أنطق بها، ولكن اسمك سهل.‏

ورقصا مراراً، وتحدثا طويلاً.‏

وفي النهاية سألها الدكتور نادر دون أن يفكر:‏

- هل تشرفينني بشرب كأس عندي في منزلي، والاستماع إلى مجموعة أسطواناتي الجديدة؟‏

وفوجىء بقبولها بدون تردد. كان يأمل أن ترفض، وكان متأكداً أنها ستفعل في تلك الساعة المتأخرة من الليل، ولكنه كتم المفاجأة وأظهر السرور.‏

ومر بخياله شريط سريعة يستبق الأحداث الآتية. ومر ببطنه ألم حاد لم يشعر به منذ أيام الكتاب والامتحانات.‏

ودفع الحساب، وألبسها معطفها وارتدى معطفه وخرجا.‏

كانت السماء ما تزال غائمة ثقيلة، والضباب تتزاحم أمواجه الصامتة في جميع الاتجاهات. ونظر الدكتور نادر حواليه، وقال:‏

- تبدو هذه الليلة شبيهة بإحدى ليالي الدكتور "هايد" أو "جاك السفاح".‏

فأطلقت آن صرخة صغيرة، وأمسكت بذراعه، والتصقت به، فقال ضاحكاً:‏

- لا تخافي يا عزيزتي. أي شبح من تلك الأشباح سيفكر مرتين قبل أن يتحرك من خلف هذا الضباب.‏

ومشيا على رصيف "فولهام رود" الموازية ب لـ كنجزرود"، لا يسمعان إلا أصوات وقع خطواتهما، ولا يريان المارة الآخرين حتى يكاد يحدث الاصطدام... كانت السيارات تتحرك ببطء، وتغير قوة أضوائها حتى تراها السيارات القادمة. وقالت آن:‏

- ما أكثفه من ضباب! يمكنك قصه بمقص!‏

- تصوري أنك في حمام بخار، ويزول خوفك.‏

وعبرا الطريق إلى الرصيف المقابل، ثم دارا يمينا في شارع صغير مهجور يبدو الضباب فيه أكثف، وله وجوه وأفواه وعيون كأنها غيلان تداخلت حجومها، أو مخلوقات فضائية في طور التكوين...‏

وأحس "بآن" تتعلق بذراعه وتلتصق به، وعيناها تحملقان في أبخرة الضباب في وجوم وتوقع..وبدأ هو يغني ويصفر ليذهب عنها الخوف ويرخي أعصابها المتوترة.‏

وحين خرجا إلى "كنجزرود" بدا الضباب أخف، ولاحت أضواء الشارع العالية محاطة بهالات ملونة ملفوفة في الضباب كأقواس قزح.‏

وأخيراً وصلا المنزل، وتنفست "آن" الصعداء...وفي غرفة الجلوس، علق الدكتور نادر المعطفين، وجاءها يفرك يديه ويسأل:‏

-ماذا تريد الآنسة أن تشرب؟ بارداً أم ساخناً؟‏

فقالت، ويمناها على خصرها، وهي تسوي شعرها من الخلف بيدها اليسرى:‏

- ماذا عندك من البارد؟‏

- كل ما يمكن أن يخطر على بالك.‏

- هل عندك بيرة؟‏

- نعم.‏

- بيرة إذن، فأنا عطشى.‏

- وصبَّ لها كأس بيرة، ولنفسه قدح ويسكي على مكعبات الجليد، وجاء بهما إليها من البار، وهي وسط غرفة الجلوس، تتأمل اللوحات على الحائط والتحف على الرفوف الرخامية والنوافذ الزجاجية. وناولها الكأس، فشكرته، ورشفت من رغوته فعَلِقَ بعضها بشفتيها الحلوتين، وسألت:‏

- أين مجموعتك الموسيقية؟‏

وأومأ لها إلى ركن به غراموفون، وحوله رزمة من الأسطوانات الكبيرة والصغيرة. فوضعت الكأس وجثت تتصفح أغلفة الأسطوانات الأنيقة. وصاحت مسرورة:‏

- إيه! عندك "فكر فيَّ بعض الوقت"، "لساندي شو" هل ألعبها؟‏

وتناولها منها، فوضعها على الفونغراف، وبدأت الأغنية، وارتفع صوت ساندي شو المخملي الدافىء، فقفزت إلى رجليها وواجهته.‏

- لنرقص!‏

وطوق خصرها اللذان النحيل، فالتصقت به، وتلامست وجنتاها، ودارا في مكانهما من وسط الغرفة في صمت العبادة، يرهفان سمعهما لكلمات الأغنية الرقيقة وصوت "ساندي شو" الناعم الحالم.‏

وحين انتهت الأغنية، رفعت آن وجهها نحوه، فتلامس أنفاهما. ونظرت إلى وجهه بعينيها الواسعتين وفيهما تأثرٍ وانفعال، وانفرجت شفتاها فوضع يده خلف رأسها وجذبه نحوه، والتحمت شفاهُهما في قبلة حارة.. وحين أرسلها تنهدت بعمق، ووضعت جبينها على صدره، وكأنها ترتاح من مجهود عاطفي جبار...‏

وناولها كأسها فارتشفت منه وعادا إلى اختيار الأغاني الجميلة والرقص الذي كان ينتهي كل مرة بعناق وقبلة طويلتين. وعند الكأس الثالثة وضعت إحدى الأغاني الاسكتلاندية، وأخذت ترقص له وسط الغرفة على أطراف بنانها، وهو يصفق مع الموسيقى. وعند نهاية الأغنية اختفت في بيت النوم ونادته.‏

- علي! علي!‏

- ماذا؟‏

- تعالَ...‏

- تعالي أنت.‏

- أريد أن أقول لك شيئاً.‏

ونهض فدخل حجرة النوم التي كانت معتمة لا ضوء فيها إلاّ ما ينعكس بداخلها من ضوء غرفة الجلوس، ووقف على الباب قائلاً:‏

- هل أشعل النور؟‏

- لا، لا، لا تفسد خلوة الظلام...‏

واستطاع أن يراها واقفة أمام مرآته المستطيلة، تتأمل شبح وجهها، فدخل ووقف خلفها، فأخذت ذراعيه ولفتهما حول خصرها، وألصقت ظهرها بصدره. ورفعت إليه وجهها فقبل أذنها قبلة حارة ألهبتها، فاستدارت في موقفها، وطوقت عنقه بذراعيها وارتفعت على بنانها لتقبله...وبعد قبلة طويلة، خرجت من بين ذراعيه، وأشارت إلى فراشه.‏

- تنام هنا؟‏

- لا يوجد فراش غيره.‏

- لماذا السرير الواسع وأنت غير متزوج؟‏

- هناك دائماً الاحتمال...‏

وضحكت هي، وجذبته نحو السرير:‏

- لنسترحْ قليلاً.. يظهر أن البيرة طلعت إلى رأسي...‏

واستلقت على ظهرها فوق السرير، وجذبته إلى جانبها وعانقته بحرارة.وبعد فترة من العناق الطويل، ابتعدت عنه قليلاً قائلة:‏

- اسمح لي لحظة، سأخلع فستاني حتى لا ينكمش. فسوف أذهب به للعمل غدا.‏

وقامت فخلعته داخل دولاب ملابسه وهي تقول:‏

- ألا تخلع ملابسك أنت؟‏

وأحس هو بغصة في حلقه، وارتعاش في ركبتيه وبرودة في يديه وقدميه. ووقف أمام المرآة يفسخ أزرار قميصه، ويخاطب نفسه سراً: "يا لك من جبان! هذه التجربة ضرورية. وقد حضرت المناسبة بنفسها وأنت تحاول الهروب.. إذا نجحت الآن، فسوف تخترق الجدار الفولاذي الذي طالما وقف بينك السعادة والحب...ستذهب أيامك، وينتهي عمرك، دون أن تعرف حرارة جسد المرأة ودفء عاطفتها وأنين استسلامها واستمتاعها بك... ستذهب بكراً كلوح ثلج بارد بدون حياة..".‏

ولبس رداءه المنزلي، وخرج لغرفة الجلوس، فشرب ما تبقى من كأسه، وعاد إلى غرفة النوم حيث كانت "آن" قد دخلت تحت أغطية الفراش. وحين دخل الغرفة رفعت له الغطاء ليدخل معها، ثم اقتربت منه وعانقته في الحال بقوة. فحاول فك نفسه من ذراعيها وهي تهمس:‏

- ماذا؟‏

- لا أدري. ولكني متعب للغاية. أنظري إلى الساعة، إنها الثالثة تقريباً.‏

- أنا كذلك متعبة. يظهر أن المشروبات فعلت مفعولها.‏

وحاولت أن تعود إلى عناقه فولاها ظهره. وبعد لحظة هدوء، أخذت تمر بيدها على ظهره، وتدلك أكتافه. وفي النهاية ركزت أصابعها في لوح ظهره، وهمست في أذنه:‏

- ألا أعجبك؟‏

- بالعكس، تُعجبينني كثيراً...‏

- فماذا إذن؟‏

- ليس لي رغبة الليلة.‏

- ياه! هذه أول مرة أسمع فيها رجلاً يقول هذا.. دائماً أجد صعوبة في دفع الرجال عني!‏

والتفت إليها وقال:‏

- أعتقد أنه ينبغي أن تذهبي...‏

- أذهب؟ في هذه الساعة؟ إلى أين؟‏

- إلى شقتك.‏

- أنا أعيش في "ريتشموند"!‏

- أعطيك أجرة التاكسي.‏

وأشعل النور، وتناول سماعة الهاتف ونادى سيارة الأجرة. وقامت آن ترتدي ملابسها غاضبة:‏

- أي نوع من الرجال أنت؟ لم أر في حياتي شيئاً مثيراً للحنق كتصرفك هذا! من أنت؟ أم هل ينبغي أن أقول: "ما أنت؟"‏

وسكتت لحظة، ونظرت إليه وهو في رداء البيت قاعداً على حافة السرير ينظر إلى الأرض، ثم قالت مغيرة صوتها من الغضب إلى الشماتة:‏

- إيه! كان ينبغي أن أعرف! يا لي من غيبة! أنت من أولئك! لست رجلاً بالمرة! لماذا بحق السماء، إذن جئت بي إلى بيتك؟‏

ورن جرس الباب، فقام الدكتور نادر يلبسها معطفها، ويفتح لها الباب، فاختطفت منه المعطف، وبدأت ترتديه بينما هو يسأل السائق عن الأجرة إلى ريتشموند، وينقده الثمن.‏

وصفق الباب، ووقف وراءه ينصت إلى محرك السيارة يبتعد عن بابه حتى تلاشى. وساد صمت الليل. وبقى هو واقفاً وراء الباب مقبوض اليدين في عصبية، وقد انغلق فكره عن جميع ما حوله...‏

وبعد بعض دقائق تنبه لحاله، فعاد إلى غرفة النوم كسير القلب، واستلقى في فراشه يحاول إرخاء أعصاب عنقه وساعده المتوترة. وأخيراً غلبه القهر، فدار في مكانه، وضرب الوسادة بقبضتيه، وهو يخاطب نفسه:‏

- عليك اللعنة! عليك اللعنة!‏

وغلبه التعب والإرهاق العاطفي فنام نوماً متقطعاً مليئاً بالكوابيس...ورأى نفسه في حلم على جزيرة استوائية جميلة كإحدى جزر الجالاباجوس. مليئة بالطيور الملونة، والنخيل الباسقة، يخترقها نهر أزرق ينعرج بين غاباتها وسهولها.‏

وفي طريقه إلى المحيط الواسع، رأى نفسه في طوف صغير يسبح طافياً على النهر، والتيار نازل به نحو البحر. وحين حاذى الرمال نزل وأخرج الطوف، ورفع عينيه فإذا تاج محيي الدين واقفة على الشاطىء الذهبي عارية تغمر جسمها الأحمر أشعة شمس الضحى، وبشرتها الصافية تلمع صحة وأنوثة، فينطلق وراءها فتجري وشعرها الطويل الفاحم يلمع، والهواء يتخلله كشلال من الحرير الأسود.. ويجري خلفها بكل قواه، ولكن حركته تبقى بطيئة سحابية، وهو ينظر إلى جسمها الرشيق ينساب وعضلاتها الناعمة تنشد وتنطلق، وإلى ساقيها وخصرها النحيل وبطنها الملساء كغزال صحراوي أو فرس سباق...ولحق بها وارتمى على خصرها كموجة بطيئة فطوقه بذراعيه، ووقعت على الرمل الناعم، ثم استدارت وواجهته بصدر ناهد يرتفع وينخفض مع تنفسها المتلاحق، وهي تنظر إلى وجهه القريب منها، وعلى وجهها ابتسامة المهزوم المنتصر، فتطوقه بذراعيها. ويحس بأصابعها الرقيقة تنطبع على ظهره، فيدفن وجهه في صدرها.‏

وتأتي موجة هائلة فتغطيهما، فيحس برغبته تتقلص، والبرد يسري في عظامه والألم حاداً في بطنه... وتنظر تاج إلى بدنه، وينظر هو إلى حيث تنظر فيرتاع.. ويكتشف أنه بدون جنس... فيوليها ظهره، ويعدو بكامل قواه، ودموع اليأس تتقاطر على خديه، وصرخات البؤس تمزق قلبه. وتتبعه هي مبسوطة اليدين، تناديه بلغة لا يفهمها، ولا تلبث أن تذهب بها الرياح.‏

وأفاق من كابوسه يتقاطر عرقاً وينتفض من الانفعال والإرهاق العصبي...وقام من فراشه فذهب إلى الحمام حيث رش وجهه بماء بارد، وراح يتمشى داخل غرفة الجلوس، ويرفع أستار النوافذ ليرى ضوء الفجر الذي كان يشرف على الانبلاج.‏

وعاد إلى غرفة النوم، فرفع سماعة الهاتف، وأدار رقم تاج، فجاءه صوتها نائماً.‏

- تاج، هذا علي.‏

- كم الساعة؟‏

- لا أدري. انتظري. الخامسة صباحاً.‏

- ماذا حدث؟‏

- لا شيء يا عزيزتي. اغفري لي إزعاجك، ولكن لابد لي أن أتحدث إلى مخلوق بشري. وأنت نوعاً ما مسؤولة عن انزعاجي بطريقة غير مباشرة.‏

- أنا؟!‏

- لا تنزعجي! أنا أمزح. أتذكرين حديثنا عن جزيرة واق الواق؟‏

- آه!‏

- الليلة رأيت حلماً مزعجاً كنت أنت فيه معي في تلك الجزيرة...‏

- ما هو هذا الحلم؟ هل يمكنك أن تقصه على؟‏

- فيما بعد.. الآن أريد أن أقول لك، إنني مستعد للذهاب إلى "فيجي" ولا يهمني إذا لم أرجع إلى لندن أبداً...‏

وجاءه صوت تاج مليئاً بهجة وسروراً:‏

- لا أدري ما أقول يا علي... الآن لا يهمني أن أنام... لقد طار النوم عن عيني...‏

- ما قولك إذن في الفطور معاً؟‏

- سأكون عندك في ظرف نصف ساعة.‏

ووضع السماعة وقام للاستحمام.‏

وفي طريقهما إلى المطعم لاحظاً اسم الدكتور هالن وصورته على واجهات محلات الصحافة واسمه مكتوباً بالحروف الكبيرة على الصفحات الأولى، فاشتريا مجموعة من الصحف لفها نادر تحت إبطه ليقرأها على مائدة الفطور.‏

ونظرت تاج إليه بعد انتهائه من قراءة الصحف متسائلة فرد:‏

- لا جديد...‏

وتخشب وجهه الشاحب، وساد الصمت المائدة.‏

-10-‏

تحرك التاكسي اللندني خارجاً من "كارلايل سكوير" إلى "كنجزرود" يدرج على مهل في طريقه إلى مطار (هيثرو). ومن داخله كان الدكتور نادر وإلى جانبه تاج ينظران إلى الشوارع المكسوة بالثلج، وإلى السيارات وهي تخوض الوحل البارد، وتلقي به على الأرصفة.‏

كان الثلج قد تساقط الليلة السابقة، وتراكم على سطوح البيوت وحيطان الحدائق المنزلية القصيرة وظهور السيارات الواقفة.‏

وكان المارة يخوضون المزيج المتذاوب بأحذية المطاط الشتوية بحذر بالغ خوف الانزلاق.‏

والتفتت تاج إلى الدكتور نادر:‏

- هل أنت نادم على مغادرة لندن؟‏

فمط شفته السفلى، ثم قال:‏

- لندن كالزواج، من فيها يريد الخروج منها، ومن خارجها يريد الدخول إليها.‏

واتسعت عينا تاج، ووضعت يدها على صدرها في مفاجأة واندهاش.‏

- أهذه فكرتك عن الزواج؟‏

- لا يا آنسة، هذا مثل فقط!‏

- لا أريد أن أقول إنه تعريف متشائم، ولا أعتقد أنه صحيح بالنسبة لجميع الزيجات.‏

وابتسم الدكتور نادر ففركت يديها، وهي تقول في مرح صبياني يعجب الدكتور نادر:‏

- بعد بضع ساعات ستشرق الشمس ثم لا تغرب إلا في الليل!‏

ثم أضافت:‏

- في لندن تشرق الشمس غاربة!‏

ونظر الدكتور نادر إليها بافتتان أخجلها.‏

قامت النفاثة الضخمة في الميعاد تاركة وراءها مدارج مطار "هيثرو" تلمع من بلل الثلج الذائب، وارتفعت شبه عمودية إلى عنان السماوات تجر وراءها ذيلاً مستقيماً من البخار والزئير الحاد.‏

أطلَّ الدكتور نادر من النافذة، عبر صدر تاج الناهد، لينظر إلى النفاثات الضخمة الجاثمة على أرض المطار وهي تبتعد لتصبح كلعب من الورق الفضي.‏

ووقع بصره على صدر تاج منعكساً شكله على ضوء السماء الداخل من النافذة المستديرة، فرآها عارية كما كانت في حلمه الغريب. ونش العرق جبينه، وكادت تضبطه تاج، وهو يحملق في صدرها وفي عينيه رعب، فأشاح بوجهه في اللحظة المناسبة، وكأنما أحست هي بما كان يجول في ذهنه، فوضعت يدها الدقيقة الأصابع على صدرها بحركة بناتية لا إرادية.‏

ومرت مضيفة برزمة جرائد ومجلات، فتناولت تاج جريدة ومجلة. وحرك هو رأسه بالنفي، وهو يضغط على الزر، ويدفع الكرسي بظهره إلى الوراء ويغمض عينيه.وفسخت تاج حزامها، وسهمت بعينيها نحو الغرب.‏

كانت الشمس على وشك الغروب حمراء كبيرة، أسفلها غارق في ضباب أزرق تجر تحتها ذيلاً ذهبياً فوق صفحة المحيط.‏

ورغم ارتفاع الطائرة فقد ظلت حجوم الأشياء وأضواء القرى تبدو واضحة متلألئة كالجواهر في منجم طين أسود.‏

ولم يفق الدكتور نادر إلا على صوت الوصيفة تسأله هل يريد عشاءه. فاعتدل في كرسيه ونظر من النافذة نحو الأفق الغربي. كان الشفق ما يزال يلون الفضاء بلون القرمز والبنفسج. وفي الشرق كانت النجوم تلمع كبيرة في خميلة من السندس الداكن.‏

الطائرة ضاربة بأجنحتها الضخمة في عرض الفضاء وقوراً شامخة الأنف.‏

وهدأت الحركة داخل الطائرة بنهاية العشاء. وانطفأت الأنوار إلا ما كان من المصابيح الفردية فوق رؤوس من فضلوا القراءة والكتابة.‏

ودخلت الطائرة سماء الصحراء تاركة وراءها المدائن والأضواء. واختفت علائم الأنس البشري، وحلقت السمكة الفضية سابحة بين فيافي السماء والصحراء كجرم من الأجرام السماوية.‏

-11-‏

وما نزلت الطائرة بلاجوس، عاصمة نايجيريا حتى ملأ الجو أزيز أسلاك البرق والهاتف تنقل خبر اختفاء الدكتور على نادر والآنسة تاج محيي الدين من قلب الطائرة في عرض الفضاء.‏

ووصل الخبر لندن، كما وصلها خبر اختفاء الدكتور هالين قبل بضعة أسابيع، وما زال لم يعثر له على أثر.. وما يزال إختفاؤه سراً غامضاً يحير الشرطة الدولية.‏

وتكرر نفس ما حدث عند اختفاء الدكتور هالن من مؤتمرات صحافية، وتخمينات تحاول كشف الغموض فما تزيده إلا غموضاً.‏

وظهر على التلفزيون عدد من الدكاترة زملاء نادر ومعارف تاج، واستجوبتهم السلطات. ورغم كل المحاولات فقد بقى لغز الاختفاء داخل الطائرة في الفضاء محيراً للجميع.‏

وقبل انتشار الخبر في لندن كان ثلاثة رجال من السكوتلاند يارد يفتحون منزل الدكتور على نادر بكارلايل سكوير وينتشرون في غرفه بحثاً عن جميع ما يمكن أن يؤدي إلى كشف الغموض المزدوج الآن باختفاء نادر.‏

وعثر أحدهم كان يبحث في أدراج غرفة النوم على يومية بخط الدكتور نادر فصاح:‏

- إيه!‏

وتجمع الاثنان حوله:‏

- ماذا؟‏

- أعتقد أني عثرت على شيء. ربما كانت هذه مذكرات الدكتور نادر.‏

وتناولها أكثر الجماعة سناً فتصفحها.‏

- هناك عقبة. المذكرات مكتوبة باللغة العربية.‏

فقال أصغر الثلاثة:‏

- أعرف أحداً يقرأ العربية.‏

فصرفه الرئيس بحركة من يده، وهو ينقر على الكناش الأسود بأصابعه، ثم قال.‏

- ناد محطة "البيبسي" القسم العربي، وأسأل عن أحد اسمه فيليب ماكنزي، ودعني أتكلم معه.وأدار الفتى قرص التلفون وتكلم فيه قليلاً، ثم ناوله رئيسه هامساً:‏

- فيليب ما كنزي على الخط.‏

وتناول السماعة:‏

- فيليب.‏

- نعم.‏

- المفتش دُورْسي. هل تذكرني؟‏

- طبعاً، طبعاً! خيراً إن شاء الله.‏

- هل يمكنك أن تأخذ سيارة أجرة في الحال وتأتي إلى منزل صديقك الدكتور علي نادر؟‏

- هل أنت المكلف بالبحث في القضية؟‏

- نعم. هل وصلتك الأخبار؟‏

- المحطة تضج بها.‏

- هل من جديد في الموضوع؟‏

- كلا، أنا أراقب الآلة كل دقيقة. الدكتور نادر صديق شخصي كما تعلم.‏

- أعرف، لذلك أحتاج إلى مساعدتك. قل لرئيسك إنك مطلوب من السكوتلانديارد للمساعدة في القضية.‏

- حاضر! سأكون معكم في ظرف ربع ساعة.‏

ووصل فيليب، فناوله المفتش كراسة المذكرات، فتناولها هذا بحذر وإشفاق وتردد، ثم رفع عينيه إلى المفتش متسائلاً، فحرك هذا رأسه موافقاً:‏

- ليس هناك وسيلة غيرها. ربما تعطينا خيطاً يقودنا إلى حل. فلا تشعر بالإثم، فهو صديقك وقد يكون أطلعك على كثير من أسراره.‏

وبدأ فيليب يتصفح المذكرة ويقرأ في سره. وأمر المفتش أصغر مساعديه أن يُعِدَّ بعض الشاي. ثم التفت إلى المساعد الآخر وأمره أن ينادي القسم المركزي ويعلمهم بماعثروا عليه، ثم قال لفيليب.‏

- أبدأ من النهاية وأقرأ طريقك إلى الوراء.‏

وبدأ من النهاية يقرأ ويترجم للمفتش:‏

"إنني اليوم متحمس للغاية. أشعر كأنني سجين مدة ثلاثين سنة يحفر في أرض السجن للهروب، وكأنني سمعت سجيناً آخر يحفر في اتجاهي من الزنزانة المجاورة، وإننا سنلتقي قريباً مثل الشاب والشيخ في قصة "مونتي كريستو" هناك جماعة تعرفت عليها من خلال النقر على الجدران. حديثنا ليس مفهوماً كله، ولكنه اتصال على الأقل. قريباً تنفتح الأبواب. إنها الثورة. سوف نتعانق على بوابات الحرية، ونمضي في طريقنا نغني الأناشيد ونلوح بالأعلام.‏

"المد المفلسفي الجديد لم يعد تفكيراً سلبياً غاضباً رافضاً. لقد مرت مرحلة العواطف والشاعرية، وبدأت عملية البناء الحقيقية. بدأ التفكير في الحل، وليس في وضع المسائل والألغاز ثم الشكوى من صعوبة حلها.‏

"ما عجز عنه الفلاسفة القدماء أصبح الآن حقلاً للتجارب العلمية الجديدة. مثل النظر بالميكروسكوب إلى الأشياء التي كانوا ينظرون إليها بالعين المجردة. ودخلت المحاليل الكيماوية لتحرر الإنسان من العبء الثقيل الذي رزح تحته آلاف السنين. بدأت عملية فصل الروح عن الجسد دون ضياع التعاون بينهما".‏

وقاطع المفتش دروسي فيليب:‏

- يا ترى ماذا يعني بالمحاليل الكيماوية وفصل الروح عن البدن؟‏

لعله يعني محلول "النيروسين" الذي عثر عليه أحد العلماء الألمان بجامعة "هايد لبرج" والذي من شأنه أن ينشط العقل بدرجة يشعر معها متناوله بارتفاعه عن المستوى البشري، بتحوله الفجائي إلى عقل روح بلا جسد، يمكنها أن يخترق حجباً لا تراها وهي حبيسة الجسد. هكذا سمعته مرَّة يشرح تأثيره على الجهاز العصبي.‏

- هل تعتقد أنه نوع من المخدرات في نفس درجة "ل.س.د"؟‏

- لا أعتقد. ليست للنيروسين مضاعفات عنيفة مَرَضية على الدم والجهاز التناسلي كما لـ"ل.س.د".‏

- هل تعتقد أن الدكتور نادر جرب ذلك المحلول بنفسه؟‏

- هذا سؤال أعتقد أنه هو وحده يمكنه الإجابة عليه.‏

وابتسم المفتش وقال:‏

- لا خوف عليك، يا فيليب. اقرأ.‏

وقلب فيليب صفحة أخرى فوجدها سطراً واحداً.‏

"الالتزام لا يجب أن يكون إلا للحق والخير والجمال".‏

وقلب صفحة أخرى بدأ يقرأ صامتاً، ولاحظ المفتش ذلك فقال:‏

- صعوبة في الترجمة؟‏

- كلا. بل هذا شيء شخصي نوعاً ما. الدكتور نادر يتكلم عن عواطفه نحو كاتبته أو مساعدته "تاج" بحرقة غريبة لا أعتقد أنه يريد أحداً أن يطلع عليها. ولا أعتقد أن فيها إشارة لشيء. بعد أن بث المذكرة آلام حبه وحرق حرمانه تكلم عن جدار سايكولوجي لم يستطع تسلقه أو اختراقه.‏

- ماذا تظنه؟‏

- لا أدري، ولكنه يقول هنا إنه جدار يقف بينه وبينها. والدكتور نادر لا يؤمن بالحواجز بين الأديان والأجناس، وإن كانت هي من نفس دينه، تاج باكستانية.‏

- حب غير متبادل، ربما.‏

- تاج تعبده... سمعتها مرة تعلق على كتابه الجديد "عصر الإنسان" بقولها إنه أهم كتاب منذ أصل الأنواع لتشارلس داروين، وأن نادر أصبح معلم العلماء، "وعصر الإنسان" كتاب الكتب... لا، الحاجز لابد أن يكون شيئاً آخر....‏

- هل تعرف الدكتور نادر على الصعيد الشخصي؟‏

- قليلاً.‏

- هل يمكنك أن تصفه بأنه أعزب طبيعي؟‏

- تعني أنه لا يحب النساء؟‏

- أعني لا يستطيع ربط علاقة بدنية معهن.‏

- لا أدري. هذا أيضاً سؤال...‏

وقاطعه المفتش محاكياً:‏

- وهو وحده يمكنه الإجابة عليه. أعرف... أولئك لأصدقائك يستحق الإعجاب...وقلب فيليب الصفحة وهو يبتسم، كانت عليها فقرة واحدة:‏

"عقل الإنسان وعواطفه مثل رقاص الساعة، كلما دفعته في اتجاه تأرجح بنفس القوة إلى الاتجاه المعاكس ولا استقرار إلا عند الوسط".‏

ورفع المفتش حاجبيه:‏

- ماذا يعني؟‏

ورفع فيليب عينيه عن الكناش ليسرح في فضاء الغرفة:‏

- أعتقد أنه يعني شيئاً يتعلق بردود الفعل. الدكتور نادر كان له حسن أو سوء حظ النشأة مع أب من المدرسة القديمة، صعب المراس عنيد، عميق التدين أراد أن ينشئه على نفس الوتيرة، متجاهلاً عصره ورأيه ورهافة حسنه.‏

وقد دفعه والده بتطرفه إلى التطرف في الاتجاه المعاكس فخرج يبحث عن كل ما يمكن أن ينفد مزاعم أبيه ليبرر ثورته عليه. قصة طويلة.‏

وعاد فيليب يقرأ في صفحة أخرى:‏

"ماذا سيكون مصير الإنسان لو ضغط مجنونه على زر أحمر وفتح أبواب جهنم على الأرض؟ ماذا يمكن أن نفعل لتلافي إبادة البشرية وما حققته من تقدم أثناء الخمسة آلاف سنة من تاريخها؟"‏

"هل هناك "شانجريلا" لحفظ هذا التراث؟ أعتقد أن الأوان قد آن ليقوم جماعة من العلماء المسؤولين ببناء قلعة أو جزيرة منيعة عن الإشعاع حتى إذا كان الإنسان ينوي الانتحار تدخل العلماء لتقنينه والحد من مفعوله بحيث يقتصر على الساسة والعناصر التي وصلت بالإنسانية إلى حافة الإنتحار يجب الاحتفاظ بالموهوبين من العلماء والفنانين والصناع والمحترفين لبدء عالم جديد نظيف".‏

وظل فيليب ما كنزي يقرأ ويترجم حتى منتصف الليل.‏

وحين انتهى من القراءة كان التعب والاجتهاد قد أنهكاه فتناول المفتش الكناش بين يديه الخشنتين، وسهم بعينيه في فراغ الغرفة.‏

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244