الطوفان الأزرق - أحمد عبد السلام البقالي

رواية الخيال العلمي - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الكتاب الثاني‏

-12-‏

أحس الدكتور علي نادر أنه يفيق من نوم ثقيل، وأن صوتاً صارخاً يترامى إلى سمعه من بعيد فيه إنذار بخطر قريب.‏

كان يشعر كأنه في حلم من أحلام طفولته كان يرى نفسه يطير من النافذة إلى وسط الدار، أو يقفز بين السطوح، أو يقف في الفضاء فوق قبة المحكمة الزجاجية يلوح إلى جده بداخلها.‏

وشعر بتيار هواء بارد يغمر وجهه وسائر جسده، وأنه يتأرجح من اليمين إلى اليسار معلقاً في فضاء لا نهائي.‏

وفتح عينيه بصعوبة فلم ير شيئاً لأول وهلة. كان يطبق الأفق حوله ظلام بارد أيقظ حواسه النائمة بسرعة. وحملق في العتمة الزرقاء ليرى شبح مخلوق بشري قريباً منه يتأرجح هو الآخر في الفضاء... وحينئذ فقط أدرك أنه نازل بمظلة ورفع عينيه ليرى قبتها الهائلة تحجب عنه السماء...وترامى إليه صوت من ناحية الشبح الآدمي المعلق على بعد خطوات قليلة منه.‏

- دكتور نادر!‏

ولم يجب، فعاد الصوت الذي ميز فيه الآن صوت أنثى مألوفاً:‏

- دكتور نادر! هل تسمعني؟‏

فرد هو بصوت مبحوح:‏

- أسمعك... تاج....‏

- نعم.. اسمع! حاول الاسترخاء التام. نحن نازلان بمظلة! قريباً سنلمس الأرض.‏

وفي اللحظة نفسها لامست قدماه كئيب رمل ناعم فوقع على وجهه وتدحرج إلى أسفله. ووقف يحاول التخلص من شبكة الحبال التي كانت تربطه إلى المظلة وسمع صوت تاج في الظلام.‏

- دكتور نادر! أين أنت؟‏

فصاح:‏

- أنا هنا.‏

والتفت ليرى شبحها مرتسماً على الأفق الأزرق وهي واقفة على رأس التل وراءه. ونزلت نحوه تخوض الرمل الناعم وتحمل تحت ذراعيها صرة كبيرة. وحين اقتربت منه سألته.‏

- هل أنت بخير؟‏

- أعتقد.‏

- هل تحس ألماً من أي نوع؟‏

- لا، ماذا حدث؟ أين نحن؟‏

- ألم تعرف؟ لابد أن الضغط أفقدك الوعي. يظهر أن الطائرة لاقت بعض المتاعب الميكانيكية، فوزعت الوصيفات علينا المظلات للهبوط خوفاً من انفجار الطائرة عند احتكاكها بالرمل. وقد ساعدت الوصيفات على إلباسك مظلتك ونزلت معك في نفس الدفعة.‏

لم يكن الدكتور نادر يدرك معاني ما كانت تقول، فقد كان يمشي على الرمل نصف مخدر كأنه في حلم أو سكر شديد.‏

وبعد فترة أحس أنها طالت سأل:‏

- أين نحن؟‏

وجاءه صوتها:‏

- لاأدري. مما يظهر نحن الآن في قلب الصحراء الكبرى.‏

- وماذا سنفعل الآن؟‏

قالها وهو ينظر إلى تاج التي كانت بعض خصلات شعرها الأسود تتدلى على وجهها وهي تحاول إعادتها إلى تحت الشال الذي كان يغطي رأسها وتنظر حواليها في جميع الاتجاهات وهي تتكلم:‏

- أعتقد أنه من الأفضل ألاَّ نتحرك في أي تجاه حتى الصباح لنعرف أين نحن، وحتى إذا بحثوا عنا حول المكان الذي فقدت فيه الطائرة وجدونا بسهولة. ربما كانت الريح قد أبعدتنا عن خط سير الطائرة، فلا داعي للابتعاد أكثر.‏

ورآها تحملق في مكان مُعَيَّن، ثم ناولته الصرة الكبيرة التي كانت تحت ذراعها قائلة:‏

- خذ هذه، وانتظر قليلاً حتى أعود.‏

واختفت في حلكة الظلام حتى أصبحت بقعة سوداء متحركة. ورآها تنحني ثم تعود بصُرَّة أخرى تحت إبطها، قالت:‏

- وجدت مظلتك. سنحتاجهما للغطاء. تعالَ معي. وأمسكت بيده فتبعها كطفل مطيع. وشعر بالبرد قارساً يتسرب إلى عظامه. ونظر أمامه فإذا صخرة عالية تقف وحدها وسط الرمال.‏

وسمعت تاج قضقضة أسنانه فنشرت المظلة ووضعتها على أكتافه وظهره.‏

وتناولت مظلته فتلفعت بها، وقادته نحو الصخرة حيث دارت حولها بسرعة ثم عادت تقوده إلى الناحية الأخرى منها.‏

- الريح لا تمس هذه الناحية. سوف نجلس إلى جنب الصخرة حتى الصباح.‏

وجلست داخل شق واسع بالصخرة ثم سحبت الدكتور نادر إلى جانبها فعقد القرفصاء.كان عقله المخدر نصف مشلول لا يفكر إلا فيما تحت عينيه، وما داخل دائرة شعوره المباشرة حادث الطائرة، ووجوده هائماً على وجهه في قفار الصحراء وفي جوف الليل أشياء لم تدخل بعد منطقة وعيه، ولم تترجم إلى أحداث خطيرة.‏

وفي تلك الليلة هبت عاصفة رملية مخيفة. بدأت الرياح تهب باردة كما تعصف في أصقاع الشمال. وسرعان ما أخذت تشتد وتحرث الرمال وتصفر بين الشعاب والصخور.‏

وقبع الدكتور نادر وتاج في شق الصخرة يستمعان إلى عُوائها وكأنها أغوال تتعارك وعماليق تتصارع وتتقاتل ممتطية جياداً من ظلام.‏

والتصقت تاج بطريقة لا إرادية بالدكتور علي نادر، فطوق خصرها بذراعه وضمها إليه وهي ترتعش كالعصفور الصغير، بينما العاصفة تزداد هيجاناً وطغياناً.‏

وباتت الرياح طول الليل تولول عاتية تقتلع الصخور، وغطتهما الرمال الخفيفة التي كانت تتساقط من فوق الصخرة ومن جانبها، ونادر يرفع رأسه من حين لآخر ليدخل قليلاً من الهواء إلى تحت الغطاء.‏

وهدأت العاصفة فجأة كما بدأت دون أن يُحسَّا بها. فقد غرقا في سبات عميق بعد هدوئها التدريجي، أرهقهما التعب والسهر والفزع لغضبة الطبيعة المتوحشة.‏

واستيقظ الدكتور علي نادر على تاج تحركه ليفيق.‏

كانت الشمس تشرق أرجوانية هائلة الحجم من وراء التلال الشرقية، تلمس أشعتها الحريرية رؤوس الصخور والمرتفعات. والسماء كانت زرقاء كأعماق المحيط.‏

وأخذ الدكتور علي نادر يفرك عينيه دون أن يعرف أين هو. ونظر حوله ليجد نفسه مغطى بالمظلة المثقلة بالرمل وتاج إلى جانبه تنظر إلى فوق بوجهه شاحب رسم عليه الرعب.‏

ونظر إلى حيث كانت تنظرُ، فإذا ثلاثة وجوه سمراء ملثمة بعمائم زرقاء تنظر إليهما من فوق التل المواجه بعيون ثاقبة.‏

ووقف ينفض التراب عن ملابسه، ومد يده إلى تاج ليساعدها على الوقوف.‏

ولم يتحرك الرجال الثلاثة. قال الدكتور نادر وارتعاشة السرور في صوته:‏

- السلام عليكم.‏

وانفرجت أسارير الرجال الثلاثة، وتقدم أكبرهم سناً يرحب به باللهجة الحسانية:‏

- أهلاً وسهلاً! كيف تتكلم العربية؟‏

- أنا مغربي.‏

والتفت إلى تاج وأضاف:‏

- وهذه السيدة زوجتي. لقد نجونا من حادث طائرة كادت تحترق بنا في السماء فنجاناً الله. وكتب لنا حياة جديدة...‏

وقال أحد الرجال:‏

- الحمد لله على سلامتكما. نحن من قافلة مخيمة في واحة قريبة؛ عثرنا عليكما ونحن نستكشف المنطقة. العاصفة تغير وجه الصحراء، تغطي أشياء وتكشف أشياء.‏

- نحن سعيدان بلقائكم كل السعادة. أين نحن؟ ما هي أقرب مدينة إلينا؟‏

وماذا يجب أن نفعل لنعود إلى المغرب أو السينيغال؟‏

- أنتما في موريتانيا، والأحسن أن تأتيا معنا إلى مضارب خيامنا، وتقابلا شيخنا المختار بن علي.‏

ولأول مرة رأى الدكتور نادر أن تاج تحمل حقيبة أوراقه وحقيبة أشيائها فأخذهما منها، وقال لها بالإنكليزية:‏

- لا تخافي. هؤلاء عرب موريتانيون يخيمون هنا قريباً، وسوف يأخذوننا إلى رئيسهم. يظهر أنهم لا يعرفون أين نحن من أقرب مدينة.‏

والتفت إلى الرجال وقال:‏

- هيا بنا إذن، كم تبعد مضارب خيامكم؟‏

وأشار أكبرهم بيده إلى تل ناحية الشرق قائلاً:‏

- هنالك واحة خضراء وراء ذلك التل. ونحن ضاربون بها.‏

وحمل أصغر الجماعة حقيبة الدكتور نادر بأمر من كبيرهم، وتحركوا نحو التل.‏

ومن فوقه أشرفوا على منظر رائع الجمال. أحقاف الرمال البيضاء واقفة عذراء في أشكال تخلب الألباب. ظلالها الطويلة ممتدة نحو الغرب تسير إلى الواحة كأنها أمواج المحيط حول جزيرة غناء. ولم تستطع تاج كبت شعورها فتنهدت بعمق وقالت:‏

- هل ما نزال نحلم؟‏

ولم يجب نادر، فقد كان مأخوذاً بروعة المنظر وصمت الفجر المطبق للآفاق.‏

وما اقتربا من الواحة حتى كان الجميع يتطلعون إلى القادمين الغريبي المظهر.‏

ومر الدكتور نادر ووراءه تاج تبتسم للسيدات وهو يحيي الرجال فيردون التحية بأصوات خفيفة فيها تردد وشك.‏

ومن بين الخيام الوبرية الثقيلة كان يخرج أطفال سمر نحاف تلمع عيونهم الكبيرة وهم يحملقون في تاج ونادر ثم ينضمون إلى الموكب.‏

وخرج شاب طويل القامة، قويُّ الملامح، ذو عينين شديدتي السواد وحاجبين كثيفين. ووقعت عينا تاج في عينيه فأخافتها نظرته، وأسرعت خلف نادر تتعثر في ثوبها وتكاد تلتصق به.‏

وقاومت الرغبة في الالتفات لترى هل ما يزال يخترقها بسهامه.‏

والتفت الدكتور نادر إلى تاج وسألها:‏

- هل عندك منديل؟‏

- أعتقد أنه في حقيبة يدي.‏

وأخذت تبحث فيها حتّى أخرجته، وقالت:‏

- لماذا تريده؟‏

- غطي رأسك...‏

وتغطت تاج بالمنديل وعقدته تحت ذقنها، وسارت تحت نظرات العيون النفاذة من وراء الأقنعة الزرقاء والوجوه الملوحة، والدكتور يرفع يديه بالتحية حتى وقفوا على باب خيمة كبيرة. ودخلها الرجل الصحراوي فمكث قليلاً ثم عاد يدعو الدكتور ورفيقته إلى الداخل.‏

ودخلا ليجدا رجلاً مسناً مهيب الطلعة أبيض الشعر جالساً على حشية، وفي يده سبحة وهو يحرك شفتيه دون صوت.‏

وتقدم الدكتور نحوه:‏

- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.‏

ورد الرجل بابتسامة محببة:‏

عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً. تفضلا...‏

وأشار بيديه إليهما ليقعدا على الحشية أمامه، وهو يتمتم بالتسبيح في خشوع لحظة دون أن ينطلق. ثم جمع السبحة في قبضة يده النحيلة المعروقة والتفت للدكتور نادر:‏

- أهلاً بابن العرب. وما جاء بكم إلى هذه الأصقاع؟ وتنحنح الدكتور مستعداً للكلام:‏

- يا مولانا الشيخ، لقد احترقت طائرتنا في الفضاء، ونجانا الله منها بلطفه. والآن نجد أنفسنا هنا لا علم لنا بأقرب مدينة أو طريق إلى حيث نخبر أهلنا بأننا ما نزال على قيد الحياة.ونظر الشيخ بابتسامة استغراب إلى الدكتور وسأل:‏

- وكيف نزلتُما من طائرة تحترق؟‏

فالتفت الدكتور إلى الرجل، وطلب منه أن يأتي بالمظلة ففعل، ووقف هو أمام الشيخ ونشرها على الأرض.‏

- بهذه يا مولانا يمكن للإنسان أن يتعلق بالهواء، وينزل سالماً على الأرض.‏

وحرك الشيخ رأسه دون أن يدري أحد هل تصديقاً أم استغراباً أم استهزاء.‏

وفكر قليلاً ثم قال:‏

- أتعرف أن كثيراً من الجواسيس ينزلون بهذه البقاع ليعرفوا ما يجري بها؟ الإسبانيون يمنعون عنا مناطق شاسعة بدعوى أنها خطر على القوافل. ويظهر أن ذلك من بعض أسرارهم، وهم يقبضون على كل مشتبهٍ فيه.‏

وكانت تاج حريصة على فهم ما يقال، فكان نادر يترجم لها باختزال.‏

وأجاب الدكتور نادر:‏

- أنا متأكد يا مولانا أنهم سيعرفون عن الطائرة التي احترقت بطرقهم الخاصة، ويبعثون من يبحث عن بقاياها. لابد أنهم سمعوا الأخبار. وإذا أوصلتمونا إلى أقرب مركز من مراكزهم فسيمكن أن يساعدونا على العودة.‏

وأحس بيد تاج تضغط على ركبته، فالتفت إليها:‏

- ما رأيك يا تاج؟‏

فقالت بالإنكليزية:‏

- لا أعتقد أنها فكرة حسنة. البقاء مع القافلة أسلم لنا حتى نصل إلى أقرب مركز تجاري، وفيه نأخذ أقرب مواصلة. قل للشيخ إذا أراد أن يوصلنا فنحن تحت أمره.‏

والتفت للشيخ فقال:‏

- معذرة يا مولانا. زوجتي من دولة الباكستان المسلمة، وهي لا تعرف العربية رغم حفظها القرآن الكريم. لذلك نحن نتكلم بلسانها. وهي ترى أن نطلب ضيافتكم حتى تبلغونا إلى أقرب مركز به مواصلات.‏

وابتسم الشيخ لها قائلاً:‏

- على الرحب والسعة. الآن دعنا من الكلام في هذه المواضيع. لابد أنكما جائعان. ستفطران وتستريحان معنا.‏

وشكر الدكتور نادر الشيخ الذي صفق بيديه فأدخل الخدم أواني الثريد واللبن والتمور، ومدت أمام تاج والدكتور نادر. وأكلا والشيخ يسبح في صمت ويجيب عن أسئلتهما.‏

وبعد أن انتهيا من الأكل أحس الدكتور نادر بالتعب يفسخ عضلاته، وبالحاجة إلى النوم والاسترخاء.‏

ولاحظ الشيخ ذبول عيونهما فقال مبتسماً:‏

- لابد أنكما متعبان وفي حاجة شديدة إلى الراحة.‏

وصفق بيده، فدخل أحد الخدم الواقفين على باب الخيمة، وأشار الشيخ إليه أن يصبحهما. وقال:‏

- ستذهبان إلى خيمة ضيافتنا حيث ستجدان فراشاً أوطأ مما نمتما عليه بالأمس. وحينما تفيقان من القيلولة يمكن أن نتحدث عن إرجاعكما إلى حيث تريدان.‏

وصافحه الدكتور وتاج وخرجا خلف الخادم الذي قادهما إلى خيمة الضيوف.‏

كانت الخيمة مؤثتة بزربية خفيفة زاهية الألوان، وحولها ثلاث حشايا صوفية عليها وسائد وأغطية صوفية ملونة.‏

ووقفت تاج وسط الخيمة تنظر إلى الدكتور نادر نظرة تساؤل فقال:‏

- أعتقد أنه من الأحسن أن نتبع نصيحة الشيخ وننام.‏

وفي هذه اللحظة سمع صوت أحد يناديه من خارج الخيمة، فخرج ليرى من، فإذا هو الخادم وعلى ذراعه بعض الأثواب. وحين رأى الدكتور نادراً ناوله الأثواب قائلاً:‏

- يبلغك الشيخ المختار تحياته، ويرسل هذه الأثواب لك وللسيدة حرمك.‏

واستلمها الدكتور منه شاكراً، وعاد بها إلى تاج حيث نشرها على الحشية الصدرية.‏

جَثَتْ تاج على جانب الحشية، وأخذت تقلب الأثواب حتى وجدت أخفها ووضعته على صدرها تقيسه. قال الدكتور:‏

- لماذا لا تلبسينه؟‏

فنظرت إليه بحاجبين مرتفعين. فقال:‏

- لا يمكن أن أخرج. ليس عيباً أن تلبس المرأة أمام زوجها. ثم إنهم قد يشكون في شرعية زواجنا إذا خرجت لا تركك تلبسين.‏

- تظاهر بأنك ذاهب بين النخيل!‏

وابتسم الدكتور نادر وخرج من الخيمة. وبدأت تاج تخلع ملابسها قطعة قطعة.‏

وعاد الدكتور علي نادر لابساً العباءة ليجد تاج جالسة تمشط شعرها أمام مرآة صغيرة معلقة بعمود الخيمة. كان شعرها الأسود الحريري يغطي ظهرها وكتفيها والمشط يمر فيه بنعومة.‏

والتفتت حين أحست بمقدمة وابتسمت له، فأحس بأنوثتها تغزو قلبه، وتنهد بعمق، وحاول تفادي عينيها، فقالت:‏

- تبدو شيخاً محترماً.‏

ونظر إلى نفسه في هندامه الجديد الذي يوحي بالوقار والاحترام، ثم رفع عينيه لينظر إليها في عباءتها القمحية اللون، وقد شدت وسطها بحزام أبرز صدرها، وسرحت شعرها الفاحم إلى الوراء، فبرزت عيناها الواسعتان. ودارت حوله مقلدة عارضات الأزياء، ثم وقفت أمامه وقالت:‏

- ما رأيك؟‏

- أجمل جارية وقعت عليها عيناي!‏

وتورد وجهها قليلاً فأضاف:‏

- يا ترى كم سيكون ثمنك في المزاد؟‏

- كم تدفع لو أخرجني النخَّاس للسوق؟‏

- ناقتين وثلاث نعاج.‏

وصاحت فيه:‏

- على! أهذا ما أساوي عندك؟!‏

- من أجل صداقتنا سأضيف خروفاً للثمن. ما رأيك؟‏

والتقطت وسادة لترميهُ بها، فصاح:‏

- غيرت رأيي.. غيرت رأيي..‏

- هل سترفع الثمن؟‏

- لا، بل عدلت عن الشراء!‏

ورفعت الوسادة في وجهه فأمسك بها، وطوق خصرها محاولاً تفادي المخدة الطائرة. وسقطت الوسادة على أرض الخيمة، وبقيت تاج بين ذراعي الدكتور نادر، وهما يلهثان، وقد اقترب وجهه من وجهها واختلطت أنفاسهما...وأدرك موقفه فأطلقها وقد عادت علامات الجد إلى ملامحهما. لم يقترب الدكتور نادر من طالبته هذا القرب إلا في بعض حفلات الجامعة حين رقصا معاً، وبين حشد كبير من الطلبة والأساتذة.‏

وطارد أفكاراً وخيالات خامرت ذهنه بقوله:‏

- لا أكاد أصدق أننا في الصحراء.‏

فردت تاج وهي تسوي غطاء على حشيتها:‏

- لو أتيح لنا أن نختار، لاخترنا جزيرة "فيجي" الخضراء على الضياع في الصحراء.‏

وتمددت على الحشية، فاحتذى نادر حذوها، وتمدد على أخرى مقابلة ونظر إلى سقف الخيمة في تأمل عميق، ثم قال وكأنه يفكر جهراً:‏

- خُيِّلَ إليَّ هذا الصباح، وأنا أنظر من فوق ذلك التل الرملي إلى الآفاق المترامية، أن الصحراء سجن هائل... حدوده هي لا حدوده... حدوده في داخلنا، في ضعفنا على السيطرة عليها، على الخروج منها أحياء إذا نحن همنا على وجوهنا.ثم قال:‏

- بالمناسبة، نحن محظوظان بشكل عجيب. نسقط في قلب الصحراء، وبعد ليلة واحدة تحت عاصفة هوجاء بدون طعام ولا ماء، تعثر علينا قافلة عابرة تأتي بنا إلى واحة خضراء.‏

وسألت تاج:‏

- هل ستعود إلى الموضوع أم ستنساه؟‏

- أي موضوع؟‏

- موضوع الصحراء والسجن. أعتقد أنها فكرة حية.‏

- آه! عفواً يا عزيزتي.. ذلك أحد أعراض المرض العربي، الفوضى العقلية، الاستطراد. تلك الفوضى معششة في عقلي ورثتها عن الأجداد مؤلفي المصنفات والحواشي والشروح وشروح الشروح وهوامشها وطررها، إلخ، إلخ..‏

وتنهد وهو يستعرض صفوف الكتب الصفراء على رفوف مكتبة أبيه القديمة ونقوشها الذهبية وسطورها التي لا تقاطعها نقطة أو فاصلة أو أول سطر كأنها صفوف النمل.‏

وسمع أنفاس تاج عميقة، فأدرك أنها نامت عنه وهو يتفلسف، فابتسم وتغطى وأغمض عينيه.‏

ولما أفاق سمع أصواتاً وغناء ودق دفوف آتية من بعيد، وبقي لحظة ينظر إلى عمود الخيمة ويتساءل أين هي.‏

المغامرة كلها كانت كابوساً طويلاً بالنسبة إليه. ولكنه أفاق ليجد، لخيبة أمله، أن الحلم هو الحقيقة وأنه ليس في غرفة نومه بشقته بلندن، حيث يخرج يده من تحت الغطاء ليشعل الراديو ويستمع إلى آخر الأخبار، قبل أن يغادر الفراش.‏

وتساءل يا ترى ماذا تقوله الصحف والإذاعات والتلفزيون عنه في لندن. إذا كانوا أخبروا أنه مات فلابد أن الخبر واصل إلى أهله بالمغرب، وأنهم سيعانون أحزاناً وآلام لا داعي لها.‏

ومن جهة أخرى، حين يظهر هو بنفسه في لندن، سيحدث انفجاراً في الصحافة ووسائل الإعلام كلها. وسيعامل كشبح عاد من عالم الأموات. ولم يفته أن مثل هذه الشهرة ستجعل الناشرين يتهافتون على كتبه، حتى التافه منها! لذلك عليه أن يعود سريعاً.‏

وسمع نحنحة على باب الخيمة ثم ندا رجل باسمه، فصاح:‏

- نعم!‏

- الشيخ يطلبك. صلاة المغرب قريبة.‏

وخرج فتيمم على صخرة ملساء، ثم لبس حذاءه وتبع دليله إلى حيث أقبل على جميع غفير من رجال القافلة في دائرة كبيرة حول شيخهم وهو يتحدثون.‏

وصافح الشيخ الدكتور الذي سلم مبتسماً على الجماعة، وجلس إلى جانب الشيخ.‏

كانت الشمس تكاد تلمس الكثبان الممتدة غرباً وهي تنزل في بطء وجلال إلى مغربها.‏

والتفت إليه الشيخ متفقداً:‏

- لعلك ارتحت الآن قليلاً.‏

- ذلك بفضلكم وحسن ضيافتكم يا مولانا. السيدة وأنا في أحسن حال، ولا يقلقنا إلا انزعاج أهالينا وربما يأسهم علينا.‏

وحرك الشيخ رأسه وأشار بيديه معاً مصبراً له بحركة رشيقة.‏

- لابد من الصبر الآن. أنتما في أمان، وحين تعودان إلى بلدكما سيفرح أهلكما. ولكننا هنا محدودون بقوانين الصحراء. لا يمكن أن نتحرك حتى نأخذ الإذن منها. وأنت ما تزال تذكر العاصفة الرملية التي أحرقت طائرتكم. إنها تنقل الجبال، وتغير وجه الأرض فتضلنا عن الطريق.‏

- لاشك عندي أن خبرتكم يا مولانا بالصحراء وخباياها وتغير وجوهها لا يمكن أن تخدعها زوبعة أو إعصار. رجل الصحراء يشم الاتجاه ويحسه...‏

ورفع الشيخ رأسه فجأة لينظر إلى ناحية الخيام، والتفت جميع من كان في الحلقة من رجال معممين ملثمين بعمائم زرق، ونظر الدكتور نادر فلم يجد شيئاً غير عادي، ولم تمض بضع ثوان حتى ظهر رجل يجري نحو خيمة الشيخ.‏

- مولانا! مولانا!‏

- ماذا؟‏

- ولدكم فارس!‏

- ماذا أصابه؟‏

- لقد هرب! فكَّ القيد وهرب!‏

وبدا التذمر على وجه الشيخ، فصاح بالرجل:‏

- وماذا تنتظر؟ اتبعوه واقبضوا عليه. لن يذهب بعيداً.‏

- لقد خرج حارسان للبحث عنه!‏

وظهر على وجه الرجل القلق والألم. فقال الدكتور مستفسراً:‏

- مولانا! أرجو أن يكون بخير. هل يمكن أن أساعد بشيء؟‏

وحرك الشيخ رأسه في حسرة، وقال:‏

- فارس ولدي كان فتى نجيباً منذ صغره. بهرني ذكاؤه وسرعة حفظه للقرآن. حين كان سنه إحدى عشرة سنة كان يكتب القرآن بدون أخطاء، ويحفظ عدداً من المصنفات كالألفية والأجرومية وبعضا من الشيخ خليل. ونصحني بعض أصدقائي من سوس أن أبعث به إلى القرويين بفاس، فانتظرت حتى بلغ السادسة عشرة، وأرسلته إلى صديق لي هناك. وكنت أذهب كل صيف لزيارته أنا وأمه. وبعد أربع سنوات بدأ الولد يتغير. وشعرت بخطر ذلك التغير، فطلبت منه أن يعود معنا تلك السنة حتى لا ينسى عادات قومه وأصدقاءه الذين عاش بينهم.‏

ولم تمض فترة على وجوده هنا حتى بات الآباء يشتكون من تسرب أفكاره إلى عقول أبنائهم وإفسادها. وانفردت به لأسأله هل ذلك حقيقة، فوجدت أنه ملحد ينكر تقاليد قومه، ويدعو علماءنا بالمشعوذين، وينعتُ شيخ طريقتنا بمضل المسلمين، ويقول إن الطرق بدع وضلالات مصيرها النار.‏

وخفق قلب الدكتور نادر لرومانسية قصة الشاب الهارب.... وهمس لنفسه:‏

"هذا ولي آخر يبعث في قلب الصحراء..."‏

ثم التفت إلى الشيخ سائلاً:‏

- ومنذ متى هو أسير عندكم؟‏

- منذ ستة أشهر وهذه ثالث مرة يحاول فيها الهروب. لقد أقسمت بأغلظ الأيمان أنني لن أفك قيده حتى يعود عن ضلاله وإلحاده، ويتراجع عن افتراءاته أمام الجماعة، فرفض الملعون وفضل القيد! لولا أمه.... لولا أمه لقتلته!‏

- مولانا، أرجو أن يكون ما تسميه إلحاداً هو فقط تطرف في أفكار الشاب الذي يدخل المدارس والجامعات العصرية. والإلحاد تهمة كبيرة لا ينبغي أن تلقى جزافاً. لذلك أرجو أن تستعمل الرحمة في حقه.‏

وبَدَا الأسى على الوجه الأسمر القوي الملامح، وخَبَا البريق الحاد في عينيه وهو يقول:‏

- كدت أيأس، وكم دعوت الله أن يهديه، ولكن "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء".‏

ووضع الدكتور يدا ناعمة على كتف الرجل، وقال:‏

- مولانا، إذا أعاده الرجال من مهربه هل تعدني أن تتركني معه ساعة لأرى دخيلة نفسه؟ أنا غريب، وأفهم عقلية الشباب القرويين. وربما فتح لي قلبه فأضع يدي على مرض نفسه. وأنتم تعلمون أن للنفس أمراضاً كالجسد تماماً. فهل تأذنون لي..؟‏

وحرك الرجل رأسه موافقاً، وقال:‏

- إذا أفلحت معه، فستكون توبته أعظم هدية تقدمها إليَّ، وسوف أخرج عن طريقي لأُوصلك إلى مقصدك.‏

وبعد لحظة كان الشيخ فيها يلعب بسبحته بعصبية ظاهرة سأله الدكتور نادر:‏

- هل تعتقد أنهم سيلحقون به؟‏

- دائماً يلحقون به. حين عاد من فاس عاد أعمى البصر البصيرة. لم تعد غريزته الصحراوية ماضية كما كانت. لذلك لا يستطيع أن يذهب بعيداً دون أن يترك آثاراً تدل على اتجاهه كأية ناقة أو بعير.‏

وترامى إلى سمع الدكتور نادر صوت مؤذن يدعو لصلاة المغرب. كانت السماء ما تزال زرقاء، تزداد زرقتها عمقاً ناحية الشرق. وفي الأفق الغربي كانت آثار سحائب رقيقة برتقالية ترصع الشفق كأمواج الذهب.‏

وفوق الكثيب وراء مضارب الخيام وقف المؤذن يدعو إلى الصلاة وقد ارتسمت صورته على الأفق. وأحس الدكتور نادر وهو ينظر إليه ويسمع أصوات الماشية والجمال، ويشم روائح الصحراء ممزوجة بدخان الكوانين، وسعف النخيل ورائحة اللبن الدافيء، أحس بعدم واقعية وجوده، وبدأ يتساءل هل يحلم أم هو هناك فعلاً.‏

ووقف الجماعة للصلاة، وتقدم الشيخ للإمامة، وشعر الدكتور بالراحة لأنه لم عرض عليه الإمامة. كان فعلاً قد نسي كم ركعة في صلاة المغرب. وتصور الحرج الذي يمكن أن يقع فيه لو زاد أو نقص عن العدد المفروض أو تردد.‏

وأحس للصلاة معنى جديداً في الصحراء. وفكر أن الصلاة لا ينبغي أن تكون مجرد روتين للهبوط والصعود وتلاوة الآيات والأدعية، ولكن للتفكير المستمر في الهدف من الحياة والمصير. وردد في نفسه الآية القرآنية "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وحرك رأسه رافضاً أن يكون الهدف من وجوده هو العبادة، إلا إذا كانت العبادة تعني التفكير والتأمل. وفكر إن الله لابد أن يكون "فكرة" نسبية تتفق وعصر الفرد ومستوى ثقافته وذكائه. وإله هذا العصر هو بدون شك أرقى وألطف من آلهة العصور القديمة، وأن إله الإنسان الواعي المفكر، أعلى وأوسع أفقاً وأبعد عن الفهم من إله رجل الشارع البسيط الذي لا يملأ الدين فراغاً مهماً من حياته.وسلم الإمام والتفت يميناً وشمالاً ثم استدار. وبعد لحظة من التسبيح الصامت، قرئت الفاتحة، وقام بعض الرجال لبعض أعمالهم، وبقت جماعة من حفظة القرآن اجتمعوا في حلقة يقرأون "الحزب".‏

وأثناء القراءة جاء شاب وانحنى على الشيخ، وهمس في أذنُه، فحرك هذا رأسه، ونظر ناحية الدكتور نادر.‏

وبعد نهاية الحزب انحنى الشيخ على الدكتور نادر، وهمس في أذنه شيئاً، فقام رأسه، ونظر ناحية الدكتور نادر.‏

وبعد نهاية الحزب انحنى الشيخ على الدكتور نادر، وهمس في أذنه شيئاً، فقام هذا معه تاركاً الحلقة مستمرة في الذكر.‏

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244