-
4 -
ران
على المنزل سكون حزين. أقيم فيه الحداد. ارتدت أمي
ملابس سوداء أضفت عليها مزيداً من الجلال والمهابة.
أنظر إليها فأكاد لا أعرفها لفرط تغيرها. فقد علا
وجهها شحوب ينم عن حزن كظيم. ذبلت عيناها، وفارقتها
ابتسامتها العذبة، وتوارث خصلات شعرها الفاحم التي
كانت تزيد من نضارة محياها، تحت منديل أسود، قلما
تزيحه عن رأسها .
اعتكفت
في بيتها لا تبرحه. وبدت منطوية على نفسها تبثها
الحزن والشجن. زاهدة في لقاء الناس أو التحدث إلى
أحد. لقد أمست أرملة، وهي لما تزل في ريعان صباها.
"
أرملة..! يا لها من كلمة كئيبة. لم تحسب يوماً أنها
سوف تحملها لقباً أبدياً. ولكن ها هي ذي منذ اليوم
سوف تحمل من هموم الحياة وأعبائها ما لم يكن يخطر
لها على بال. كان سليم يملأ عليها حياتها، بشخصيته
القوية الآسرة. تشعر في كنفه بالحماية والأمن. لقد
ذهب الآن، تاركاً إياها منكسرة القلب والجناح، مع
أطفالها الأربعة، لكأن الأرض لم تعد ثابتة تحت
قدميها كعهدها بها فيما سلف. بل إن الكون كله يبدو
الآن موحشاً مخيفاً، وكأنه قد خلا من كل شيء" .
لم
يترك لنا الشيء الكثير، اللهم إلا هذا المنزل
العتيق. لم يكن سيئاً، على أية حال. غرفتان تمتد
أمامهما شرفة. هي في الواقع مصطبة مرتفعة مدت
بالأسمنت الأسود. وقد بني البيت من الحجر الرملي،
المتوافر في محاجر القرية مجاناً لمن يشاء. أما
السقف فمن القرميد الرمادي. وقد ارتفعت أرضها
جميعاً عن سائر فناء الدار، فبدت منها أزقة القرية
المنخفضة عن مستواها، والمنازل القديمة المفضية
إلى البيادر، التي تبدو عن بعد وسط نطاق أخضر من
بيارات البرتقال. وقد اعتاد الفلاحون جمع محاصيلهم
من القمح والذرة في تلك البيادر، حيث يدرسونها
بواسطة الدواب، فيما تتردد أصواتهم بأهازيجهم
ومواويلهم، يقطعونها بين آونة وأخرى، لينتهروا
دوابهم ويحثونها على مواصلة السعي.
فضلاً
عن هذا كان بيتنا ينطوي على شيء غير قليل من العلل.
من ذلك أن بعض قرميده قد تشقق أو تكسر منذ زمن، مما
يتيح لقطرات المطر التسرب إلى داخله. أما جدرانه
فمتآكلة، ذهب طلاؤها وبعض طينها. كما أن فناءه حافل
بالحفر. صحيح أن أبي كان يزمع ترميمه منذ سنين، إلا
أنه كان يرجئ ذلك من الشتاء إلى الصيف، عاماً بعد
عام، منتظراً أن يأتيه الله برزق يوسع عليه بعض
الشيء، يمكنه من إصلاحه مرة واحدة. بيد أن توقيت
الأجل كان الأسبق. كما نملك أيضاً قطعة أرض صغيرة،
في منطقة (أم الذهب) وقد أسموها كذلك - فيما يروى -
لخصوبتها ووفرة محصولها. كانت تزرع قمحاً في عام
وذرة في العام الذي يليه، تبعاً لتقاليد الفلاحين
المرعية في هذا الشأن.
ليس
معنى هذا أننا كنا نحسب في عداد الفلاحين أو
الملاكين الموسرين. بيد أنها كانت تقينا الحاجة و
العوز. ولم يكن أمر تعهد الأرض بالأمر الهين، لا
سيما أن والدي لم يكن يمارس مهنة الفلاحة بنفسه. كان
يعهد بها إلى (مرابع) هو العم عبد الغني، لقاء حصة من
نتاجها. أما عمل أبي فقد كان موسمياً، شأنه شأن
الكثيرين، في فصل الشتاء، موسم قطاف البرتقال .
كانت
أمي في ذلك الصباح منشغلة البال. فلقد خلت إلى نفسها
تماماً، لأول مرة، عقب انقضاء أيام العزاء بضجتها و
زحمتها. أحست كمن يهبط من قطار بعد رحلة طويلة
مضنية، والطنين لا يزال يصم أذنيه. انصرف الناس -
بمن فيهم الأقارب - كل إلى شأنه. لا ريب أنهم سوف
يذكرون محاسن الفقيد من آن لآخر، لاسيما في
المناسبات العامة، كالأعياد مثلاً، إلا أنهم سوف
ينسونه، بالتأكيد، على مر الأيام. أما هي فاليوم
تبدأ مأساتها الحقيقية. وهي التي لن تنسى قط. بل إن
مرور الأيام لن يزيدها إلا حنيناً وشجى لذكريات
عزيزة خلت، امتزجت بدمها وروحها، وأضحت جزءاً من
حياتها وكيانها. من ثم، فهي سوف تتمثلها بحجمها
الحقيقي في كل لحظة منذ الآن، وتعيشها في أحلام
يقظتها على الدوام. أفاقت من هذه الدوامة على
واقعها المرير، الذي لا علاج له، حتى ولا بالصبر
الذي كانت الجارات يتحذ لقن فيوصينها به. على الرغم
من ذلك حاولت أن تصرف نفسها عن أحزانها - ولو إلى حين
- كيما تفكر فيما سوف يؤول إليه أمر بنيها من بعد.
قفزت إلى ذهنها صورة أكبرهم (سعيد) لكنها ما أن
تذكرته حتى أصابها القنوط. قطبت جبينها، واكفهر
وجهها، وألمت بها مشاعر الأسى من جديد :
"..
صحيح أنه قد بلغ الثالثة عشرة من عمره، وأنه يمكن أن
يعمل عند بقال، أو حلاق، أو فران - لكنني لا أنتظر
منه خيراً كثيراً.. ولد شقي منذ طفولته.. أدخلناه
المدرسة فهرب منها وأذاقنا الويل.. أجل كان يهرب من
المدرسة، ليقضي سحابة نهاره بين الحقول مع مثيل له
من رفاقه الملاعين.. يكسِّر أغصان الأشجار.. يسرق
البرتقال من بيارة العطار لكي يتخذ من حباته كرة
يلعب بها.. يتسلل عبر السياج فيأتيني بثيابه ممزقة..
يتعلق بالسيارات العابرة التي أو شكت إحداها أن
تدوسه ذات مرة في طريقها من يافا إلى غزة..!
"..
تصورنا أول الأمر انها مجرد نزوة عابرة.. (ولدنة)..
وأن الأيام كفيلة بإصلاحه .و لكن الأيام لم تزده إلا
شقوة كلما شب ونما. ".. أخرجناه من المدرسة ليعمل
عند (ابو درويش) الوافد من يافا، ليفتح دكاناً
للحلوى عند السوق، قائلين أن (الصنعة) خير وأبقى له
من دراسة لا يرغب فيها ومن أجل مستقبله قلنا (صنعة
في اليد أمان من الفقر). ولكن شكاوي الرجل بدأت
تصلنا تباعاً. كان آخرها قبل أيام، وهي بمثابة
إنذار بالفصل، إذا ما وجده يعود للعب الورق مع بعض
أترابه، في عقر حانوته أثناء غيابه عن الدكان.. "..
فإذا كان هذا شأن سعيد، يوم كان الأب الصارم فوق
رأسه، فكيف به اليوم وقد غدا بغير حسيب و لا رقيب ..!
خطر لها ثاني أبنائها أمين. الولد العاقل المتزن -
كما كانت تدعوه - هادئ وديع. حتى ليبدو أكبر من سنه
التي لم تجاوز الثامنة. وهي راضية عن سلوكه. إذ هو
على النقيض من أخيه الأكبر تماماً. ولربما كان
الفضل في هذا لذلك الأخ نفسه - وإن يكن عن غير قصد -.
كان يؤلم أمين أن يرى ما يحيق بأبويه من كدر بسبب
أخيه، فجاءت تصرفاته مختلفة عنه. وكان في ثناء
أبويه الدائم عليه، فضلاً عن إطراء الجيران له ما
يدفعه إلى العمل على إرضائهما .
لم
يكن هذا - على أية حال - مدعاة لتخفيف آلام عائشة،
وإنما كان سبباً آخر يضيف إلى أحزانها الشيء
الكثير. إنها حزينة من أجله لأنه كذلك. ولما يعنيه
فقد أبيه في سنه المبكرة هذه من تغيير في مسار حياته
المقبلة، في اتجاه مستقبله برمته. لقد خطت الرصاصات
المجرمة بالدم النازف طريق مستقبلهم جميعاً .
"
أما أحمد فما الذي ينتظره هو الآخر..! كان ممكناً أن
يشب في أحضان أبويه، شأنه شأن أي طفل في هذا العالم.
كان ذلك ممكناً تماماً، لو لم تبتلنا الأقدار
بهؤلاء الانكليز.. ولكن ما ذنبه هو؟ وأيُّ يدٍ أو
خيارٍ له في هذا الذي يجري من حولنا ..؟
"..
وعلياء الأثيرة عند أبيها، ربما لأنها الوحيدة
بينهم، فضلاً عن أنها أصغرهم. من يأتيها، بعد اليوم
(بحلاوة) أبو درويش، (وملبَّس) أبو العبد الرملاوي
في المساء؟ تهرول عندما تراه قادماً عند ناصية
الزقاق، فتلقي بنفسها بين أحضانه، وهو يجلس
القرفصاء في انتظار وصولها إليه. تناغيه بكلمات غير
مفهومه.. لكنها حلوة.. كالعسل.. كما يقول ...!
"
وهي تعرف دالتها عليه، فتصر على الجلوس في حجره،
تعبث بأطراف عباءته، أو تخطف مسبحته، وتدخلها
كالقلادة في رأسها، وعندما تعلق بشعرها الكستنائي
الغزير تشرع في الصراخ، فيما هو يضحك جذلاً، لأنها
تكرر ذلك كل يوم دون أن ترعوي ...!
دلف
أمين إلى المنزل في تلك اللحظة، متأبطاً كتبه
ودفاتره. تجلدت. أمسكت دموعها التي أوشكت أن تنهمر.
وتكلفت ابتسامة تواري بها مشاعرها. لكن مسحة الحزن
على وجهها الممتقع، وفي عينيها الذابلتين، لم تفلح
في إخفاء مكنونات صدرها .قالت أخيراً بصوت خافت
مبحوح :
-
وكَّلت أمري إليك يارب.. على رأي الحاجة : العبد في
التفكير والرب في التدبير.. وكَّلت أمري إليك.. أنت
حسبي ونعم الوكيل .
- 5 -
السابعة
صباحاً. والشمس قد ارتفعت في الأفق تنبئ عن نهار
قائظ. تحلق أفراد الأسرة الصغيرة حول (الطبلية)
يفطرون. أرغفة الطابون، جبن وزيتون وزعتر في (زبادي)
من الفخار. وإبريق صيني أزرق يتعالى بخاره، حاملاً
رائحة الشاي والميرمية.
بدت
والدتي عابسة الوجه مقطبة الجبين، وإن كان واضحاً
أنها تتصنًّع التجهم، في محاولة منها لتهيئة جو
ملائم من أجل إبداء ملاحظات زاجرة، المقصود بها -
قطعاً - أخي سعيد. ولما كان ذلك يتكرر منها بين حين
وآخر، فقد بتنا قادرين تماماً على التمييز بين
جدِّها المصطنع، وجدِّها الحقيقي، حينما ترى هي
ضرورة لذلك .
وفيما
نحن ينظر أحدنا إلى الآخر، نحاول جاهدين أن نكتم
ضحكاتنا التي توشك أن تنفجر، وقبل أن تبدأ تقريعها،
طرق باب الدار على نحو يوحي بأن الطارق في عجلة من
أمره. ذهب سعيد ليرى من بالباب، ثم عاد ومعه فوزي
ابن خالتنا، ورفيقي في المدرسة. بدا فوزي على غير ما
اعتدنا أن نراه : محتقن الوجه، منكوش الشعر، في
عينيه آثار بكاء، تشير ثيابه إلى أنه ارتداها على
عجل. بادرته والدتي بالسؤال ملهوفة وقد توجست،
بحسها الفطري، لهذه الزيارة في هذا الوقت المبكر :
- ماذا
يا فوزي؟ خير إن شا الله يا خالتي ..؟
أطرق
هذا إلى الأرض. وبدا كأنه يوشك أن يجهش بالبكاء.
ولما لم يحر جواباً، نهضت إليه، واقتربت منه،
تحتضنه في حنو قائلة وقد ألم بها الوجل :
- ماذا
هناك يا فوزي.. لماذا لا تتكلم يا خالتي .؟ هل حدث شيء
عندكم؟
رد
فوزي بكلمات متقطعة يخنقها البكاء الخافت :
-
محمد.. خطيب أختي فاطمة.. أحضروه الآن مقتولاً ..!
-
مقتولاً.؟ تقول مقتولاً..؟ ومن قتله؟
-
يقولون انه كان في الليلة الماضية مع الثوار الذين
هاجموا محطة رخبوت.
انطلقت
أمي مسرعة إلى الغرفة المجاورة تبحث عن شالها
وجواربها، فيما هي تصب اللعنات، على الانكليز،
ويوم الانكليز. فيما اسئلتها المرتبكة تتلاحق بغير
انقطاع دون أن تنتظر رداً عليها. ذهبت مع فوزي بعد
أن أوصتنا بعدم الخروج من المنزل أثناء غيبتها .
تحايلت
على سعيد ومضيت في إثرهما. وحين رأتني لم تقل شيئاً.
تسللت بين جمع غفير من النساء اللواتي انتظمتهن
حلقات في منزل خالتي (نعمة). انخرطن في البكاء، ولكن
في حذر واضح، خشية أن ترتفع أصواتهن فتبلغ الشارع.
وقد أغلقت نوافذ المنزل وبوابته، حتى تلك المفضية
إلى الحاكورة، كيلا ينكشف أمر الشهيد، وانتماؤه
لهذه الأسرة، من قبل الدوريات الانكليزية التي ما
فتئت تجوب الطرقات منذ الصباح الباكر. ذلك أن آثار
الدماء والكلاب البوليسية قادتهم إلى مشارف
"يبنا"، ثم ما لبثت أن اختفت قبل التعرف إلى
مستقر صاحبها، من ثم لم يعرفوا هويته. وما من أحد
يعلم، ما هي الاجراءات الانتقامية التي سوف يعمدون
إليها هذه المرة. انتقلت إليِّ عدوى الشعور
بالحزن.
تذكرت
(محمد المغاري) ذلك الشاب الذي كان يداعبني، بل
ويمنحني قرشاً كلما التقيته في منزل خالتي. كان
طويل القامة، مهيباً، أسمر الوجه، له شاربان
دقيقان، وقد عقفا إلى أعلى، كذيل العقرب، عند
طرفيهما. عيناه حادتان كعيني صقر. يرتدي كوفية
بيضاء يطوقها عقال أسود. يمشي منتصب القامة شامخ
الرأس، وهو يضم أطراف عباءته السوداء، فيبدو كأمير
شرقي في حكايا ألف ليلة وليلة. هل مات هو الآخر ..؟
إنهم يقتلون أحباءنا وأهلنا دائماً ..!
الدار
تغص بالنساء. لغط يختلط بالبكاء هنا والعويل هناك.
كلام كثير غير مفهوم تتبادله النسوة. وعديد من
الأطفال والغلمان ينسل بينهن كالسهام في إثر بعضهم
بعضاً. فرصة لابأس بها للعب..! صبَّية بيضاء، مكتنزة
الجسم ترتدي ثوباً أسود مطرزاً بخيوط حريرية ملونة
على الصدر، يغلب عليها اللون الأحمر. وعلى رأسها
شال أبيض ينسدل حتى منتصف ظهرها. قالت رداً على
تساؤل رفيقتها النحيلة السمراء، التي تختلف عنها
في كل شيء تقريباً، عدا ثوبها :
- ... في
مستعمرة رخبوت ..
ردت
الأخرى، مصححة :
-
يقولون في المحطة، وليس في المستعمرة ذاتها .
- لا
أدري.. ولكن ما الفرق؟ المهم أنه استشهد.. رحمة الله
عليه ..
يقولون
ان شاباً آخر من القبيبة استشهد معه.. تنهدت الفتاة
وهي تضرب كفاً بكف، مرددة بلهجة يمتزج فيها
الاستنكار بالأسى:
- يا
خسارتك يا محمد المغاري ..!
- لم
يفرح بشبابه بعد ..
- وهل
ترك لنا الانكليز أفراحاً ؟
-
والمسكينة فاطمة. انظري إليها هناك.. يا لحظها التعس
..
- ألا
تعلمين أنها مجنونة بحبه ..؟
- أعرف
ذلك. لقد سبق أن خطبها كثيرون قبله، لكنها رفضتهم
جميعاً.
-
تعنين أنها كانت تحبه حتى قبل أن يقرأوا فاتحتها
..؟
- هل
هذا وقته يا سهام ؟
- أنا
لا أقصد، لكن صدق من قال (إجت الحزينة تفرح ما لقيت
لها مطرح) ..!
- ماذا
تقصدين إذن ..؟ ثم لم لا تحبه؟ إنه شاب ممتاز في كل
شيء. وهو شجاع لدرجة المخاطرة بحياته.. وها أنت ترين
..
- كان
الله في عون أمه ..
-
وفاطمة ..؟
-
فاطمة تنسى مع الأيام. وهي جميله لن تعدم من يتقدم
لطلب يدها غداً ..!
تعالت
في الخارج أصوات، وقامت جلبة. توجهت نحو باب الدار
مستطلعاً. كان هناك عدد من الجنود الانكليز يدفعون
برجال من أهل القرية أمامهم، وقد سددوا بنادقهم إلى
ظهورهم، يصيحون برطانتهم العجيبة، وكان واضحاً
أنهم يكيلون الشتائم ويطلقون التهديد والوعيد ..!
ذلك
(أبو حسين الشرقاوي) بينهم. وهذا (أحمد الجمل)، وذاك
(ابو داود) صاحب مقهى (الاستقلال الوطني). ولأن هذا
الأخير يمت لوالدتي بصلة قربى، كنت أعرف أنه من
الثوار. لقد كانت لهؤلاء الرجال صورة مثالية من
البطولة والهيبة في مخيلتي. أحس أن شرخاً أصابها ..!
تساءلت في حيرة :
.. لم
لا ينقضُّون على أولئك الجنود الذين لا تبدو عليهم
امارات شجاعة خارقة؟ بل إن مظهرهم لا يوحي بالبطولة
و لا بالشجاعة أو حتى بالرجولة. الخوف بادٍ على
وجوههم بجلاء، على الرغم من البنادق التي في
أيديهم. لا أعرف أسباب هذا الذي يجري ودواعيه. لماذا
يجب أن يعاني الناس هكذا؟ أن يموتوا؟ أن يهانوا؟ أن
يفقد الأطفال آباءهم ...؟
أولئك
هم يبلغون الطريق العام، حيث وقف رتل من السيارات
العسكرية على جانبي الطريق. يأمرونهم بالصعود
إليها في خشونة وعنف فيصعدون. ترى إلى أين يمضون ..؟
بل ماذا سيصنعون بهم؟ ولأني كنت أفكر بصوت مسموع،
فسرعان ما سمعت الرد يأتيني من رفيق لي كان قريباً
مني:
-
سينقلونهم إلى المحطة.. وهناك يقتلونهم ..! يوقفونهم
على الجدار ويطلقون عليهم الرصاص ..!
- كيف؟
ولماذا ؟
لا
أدري.. ولكنهم هكذا فعلوا منذ ايام في قرية
"عاقر". هذا ما سمعته من أبي وهو يتحدث إلى
جارنا (ابو شاكر).
- وهل
يقتلون، كل هؤلاء الناس ..؟ هكذا ببساطة ..؟
لم
يحر رفيقي جواباً. ولكنه عاد بعد قليل ليقول، وكأنه
يزف بشرى سارة :
-
أسمعت؟ قيل انهم وضعوا علامات على بعض المنازل
والدكاكين والمقاهي لكي يقوموا بنسفها بعد أيام..
ربما غداً.. لا تدع تلك الفرجة تفوتك ..!
دوت
أصوات المحركات في هدير مخيف زاد الجو المكفهر
كآبة، شعرت بالحزن والأسى والمهانة معاً، فيما
كانت السيارات تنطلق، إلى أن اختفت وراء سحابة من
الدخان الكثيف .
مرضت
علياء في ذلك المساء. عزت (الحاجة خضرة) سبب مرضها
إلى افتقادها لأبيها .
قالت
أم مريم بعد أن وضعت كفها على جبين علياء :
-
البنت (سخنانة) يا جماعة.. حرام عليكم خذوها للحكيم
.
غمغمت
أمي كمن يتحدث عن مستحيل :
- حكيم
..؟ أي حكيم ..؟
أنفقنا
أياماً ثلاثة، كما لو كنا في حالة طوارئ. وحالة
علياء تزداد سوءاً. تصف كل من الجارات، شيئاً
مختلفاً، مؤكدة أن وصفتها هي (الشافية) بإذن الله.
تنفذ أمي نصائحهن جميعاً أملاً في وقوع معجزة. وهي
لا تكف عن الدعاء وتلاوة ما تحفظ من آيات القرآن
الكريم .
- 6 -
أمضيت
معظم أيام العطلة الصيفية، في ذلك العام، في اللهو
مع أترابي حيث نقضي سحابة نهارنا نلعب في ساحة
(سيدنا وهب) الكرة، و الدحل، و الاستغماية. أو نصنع
طائرات الورق الملونة، أو في تلبية طلبات أمي التي
لا تنتهي. ولقد عجبت كيف كانت تؤديها كلها بنفسها
أثناء وجودنا في المدرسة. فهي توفدني إلى الجارة
" أم ماهر" لأحضر لها مقلاة، أو إلى "أم
على" كيما أنقل إليها رسالة شفوية، أو إلى دكان
" ابو العبد" لشراء رطل ملح أو علبة كبريت أو
استعارة قدر من بيت الحاجة خضرة ..! ظل الحال هكذا
إلى أن وقع لي حادث غيَّر مجرى تلك الحياة الرتيبة
.
لا بد
لي - بهذه المناسبة - أن أسجل أن ترتيبي في المدرسة
كان الثاني، قريباً مما أراد أبي. فملأني الزهو،
وأحسست أنه (أي أبي) يبتسم لي من عالم الأبدية. وزادت
نسبة مشاجراتي مع أبناء الحي بعد أن شعرت - أو شعروا
هم - بتفوقي عليهم ..! وحين تذكرت أبي ذلك المساء
وفرحه بنجاحي لو كان حياً. بكيت بحرقة، وغطيت رأسي
بالفراش كيلا تلحظ ذلك أمي جاءني من بعيد، وئيد
الخطا مشرق المحيا، ابتسم لي وهو يضمني إلى صدره.
ربت على ظهري، مسح رأسي بكلتا يديه، أمعن النظر في
وجهي. قبلني. ثم استدار ليمضي عني، أصيح بصوت لايخرج
من حنجرتي ضارعاً اليه أن يعود. لكنه يمضي متوارياً
بين أشجار كثيفة عالية تلامس صفحة السماء ... !
خرجت
يومئذ لقضاء شأن من تلك الشؤون التي كانت تكلفني
بها والدتي. وبدلاً من أن أعود في غضون خمس دقائق،
هي الوقت الذي يقتضيه ذلك الشأن، عدت بعد انقضاء
خمس ساعات كاملة. لم تدع مكاناً دون أن تبحث عني فيه.
سألت كل الجارات، والمارة. أرسلت في أثري رفيقي
"صالح" الذي لم يمنعه من القيام بذلك الواجب
مشاجرتي معه البارحة. ذهبت بنفسها إلى محل "ابو
درويش" الحلواني. لعل سعيداً يعرف شيئاً عني. بل
أوشكت - حين بلغ بها القلق مداه - أن تبحث عن
(المنادي) كيما يعلن في الحارات القريبة والبعيدة
عن (الولد الضائع). غير أنها فكرت - كآخر سهم في
جعبتها - بأن تذهب إلى منزل خالتي نعمة عند " سوق
الجميزة". وما أن رأتها شقيقتها حتى أقسمت عليها
أن تتناول الغداء عندها، مطمئنة إياها بأن "
الولد " لن يلبث طويلاً حتى يعود من تلقاء نفسه.
ولكن أمي الملتاعة ردت بحنق ظاهر :
-(بالك
فاضي وعيشك راضي يا نعمة.. أقعد عندك أتغدى والولد
ضايع؟)
ردت
خالتي بصوت ممطوط، لا يوحي بعظيم أكتراثها - كما
ينبغي - لغياب ابن شقيقتها الأثير، مما أثار المزيد
من حنق أمي حين قالت :
- لا
بد أنه يلعب الآن مع أمثاله الشياطين، وأنت هنا
تتقلبين على جمر ..! استهدي بالله يا شيخه ..! صدق من
قال قلبي على ولدي وقلب ولدي على حجر..!
- لا
إله إلا الله. يا حبيبتي يمكن يغيب الولد ساعة زمن
أما خمس ساعات.. تصوري يا نعمة خمس ساعات. لا بد أنه
صار له شي...!).
استبد
بها القلق إلى حد أنها لم تتمالك نفسها من البكاء،
ثم راحت تغلظ الأيمان بأنها سوف (تأكلني بأسنانها)
حين أعود -كان هذا هو قسمها المفضل - ولكن المهم أن
يعود أولاً..!
كانت
المهمة التي خرجت من أجلها صبيحة ذلك اليوم ولم أعد
حتى العشاء، هي شراء بطيخة أولاً. ثم أمر ببيت خالتي
أطلب إليها موافاة أمي في الغد، كي تساعدها على صنع
((المفتول)). رأيت الباعة وراء أكياس البصل، واكداس
من سلال العنب، وسلال التين، (وسحاحير) البندورة
والفلفل والباذنجان، وأكوام البطيخ الأخضر،
والأصفر .
وعلى
الرغم من أن بضاعتهم جميعاً كانت بادية للعيان،
ملفتة لكل الأنظار، وبوضوح تام، إلا أنهم كانوا
يملأون المكان صياحاً بنداءاتهم، التي بدا لي أنه
يغلب عليها طابع التضليل، فالكوسا تتحول - بقدرة
قادر - إلى أصابع موز ريحاوي ..! و العنب إلى حبات ماس
نادر، والبندورة إلى تفاح أمريكي أو شامي. مع أن
أحداً لم يقل أن التفاح أكثر ضرورة من البندورة أو
الخيار البلدي..!
جمهور
كبير يتجمع تحت الجميزة العتيقة التي قيل أنها
عاصرت (سيدنا عيسى) عليه السلام. كان ظلها يمتد على
مساحة شاسعة من الأرض، أتخذ منها الباعة مكاناً
لسوقهم. اقتربت من ذلك الجمع. أحدهم يتحدث منفعلاً.
أخذ صوته يعلو ثم يعلو حتى تحول إلى صراخ، ما لبث أن
أعقبه هياج بين الحاضرين، الذين انطلقوا بغتة
متجهين جنوباً على طريق الاسفلت، وهم يرددون
هتافات وشعارات تندد بالاستعمار، والانتداب،
واليهود، والهجرة اليهودية، ووعد بلفور، والمستر
(دل)، ولجنة (بل) ..! لم أشعر إلا وقد وجدتني بينهم،
وسط سهل فسيح يمتد حتى الأفق. عندئذ فقط أدركت أننا
مشينا طويلاً حتى بلغنا هذا المكان .
بدأ
الخوف بنتابني. بيد أني أنشغلت عن خوفي حين رأيتهم
يتعرضون لقافلة من الجمال، يوقفونها، ثم ينزلون
حمولتها من سلال العنب، فيما صيحاتهم الغاضبة
تتردد في جنبات السهل، أخذوا يدوسون محتويات
السلال بالأقدام، في حين عمدت أنا وأمثالي من
الغلمان إلى تخاطف عناقيد العنب الماسية، كحبات
الكهرمان في السبحة التي كان يداعب جدي حباتها كلما
أتى لزيارتنا...!
طفق
أصحاب الجمال يتوسلون، مقسمين بانهم كانوا في
طريقهم إلى قرية (اسدود)، وليس إلى مستعمرة يهودية
كما حسبوا. ولكن الجمهور الغاضب واصل تحطيم السلال،
دون أن يلقي بالاً إلى توسلاتهم. بل إن بعضهم راح
يكيل لهم اللكمات والصفعات، مندداً بهم، متهماً
إياهم بخيانة الوطن والقضية، ما داموا لم ينصاعوا
لقرارات اللجنة الوطنية القاضية بالامتناع عن
التعامل مع اليهود، منذ أوائل الثورة عام 1936.
مذكِّرين إياهم بالإضراب العظيم الذي امتد شهوراً
ستة آنذاك، وأن إنهاء الاضراب لا يعني العودة الآن
إلى التعامل مع اليهود .
استغرق
ذلك بعض الوقت. ولم أنتبه إلى حقيقة وضعي، وإلى مدى
ابتعادي عن القرية، وأمي التي لا بد أنها أقامت
الدنيا وأقعدتها إلا حين انتهت المعركة. أخذت أجيل
بصري فيما حولي فلا أرى إلا سهولاً شاسعة ممتدة حتى
الأفق في كل اتجاه، والشمس تسطع مرسلة شواظاً من
نار، بعد أن انحدرت نحو المغيب، وطيوراً تحوم فوق
رؤوسنا فرادى ورفوفاً، أو فوق عناقيد العنب
المتناثرة على رقعة واسعة من الأرض، تنقض عليها ثم
تطير محلقة في البعيد. خوف شديد يعتريني.. أين أنا ..؟
أين القرية؟ ما من أثر يبدو لها على مرمى البصر.
وحشة قاتلة تكتنفني تماماً. وفجأة انتابني البكاء،
لمحني أحدهم. اقترب مني. كان شاباً طويل القامة،
مهدل الشعر، محتقن الوجه إثر الجهد الذي بذله
مشاركاً في العملية التي تمت للتو. توسمت في عينيه
عطفاً، وهو يربت على كتفي برفق قبل أن يسألني :
- مالك
يا شاطر ..؟
قلت
بلهفة و وجل :
أين
نحن يا عم ؟
لا
تخف.. نحن لسنا بعيدين جداً عن البلد. ولكن قل لي
لماذا أتيت إلى هنا؟
- لا
أعرف ..!
-
لابأس.. لابأس.. سوف أوصلك إلى أهلك.. ابن من أنت ؟
- ابن
سليم جابر .
- سليم
جابر ..؟ رحمة الله عليه.. أعرف المرحوم والدك.. قتله
الملاعين.. الله يجازيهم..
شعرت
باطمئنان لذلك الشاب، وكأني نجوت من الهلاك.. بدت
الشمس من بعيد أكثر اصفراراً فيما هي تنحدر نحو
المغيب، حتى لامست أطراف الرمال الممتدة تلالاً
وكثباناً في شريط يحاذي الأفق. ثم انكسرت حافة
قرصها وهي تغوص إلى الأعماق، وبسرعة متلاحقة راحت
تختفي إلى أن توارت تماماً، مخلفة في السماء شفقاً
وردياً ما لبث أن استحال إلى دكنة خفيفة، ثم إلى
ظلام يزحف على الكون، فيما كان صدري يزداد انقباضاً
كلما تكاتف الظلام .
مضينا
نغذ السير في جماعات متفرقة، والشاب لايني يحاول
التسرية عني، إلى أن لاحت عن بعد أضواء خافتة،
فبشرني صاحبي بأنها أضواء القرية.
كغريق
تلامس الشاطئ قدماه، غمرني إحساس بالارتياح. رائحة
أشجار البرتقال الأليفة، تعبق الجو من حولنا، في
طريق خلال البيارات، وسياج أشجار الغيلان الذي بدا
في الظلمة فاحماً .
الأضواء
تكبر، رغم خفوتها، فيما نحن نقترب. معالم القرية
تتبدى أكثر وضوحاً. بلغنا مشارفها حين تناهى إلينا
صوت المؤذن لصلاة العشاء يتردد في الأرجاء جميعاً،
موحياً إليَّ بالطمأنينة والسكينه ..، ومشيعاً في
نفسي السلام .
- 7 -
رأت
أمي - إثر تلك الحادثة التاريخية - أن تجد لي عملاً
مناسباً، أقضي فيه ما تبقى من عطلة الصيف. وبعد جهد
غير يسير، تمكنت من أن توفر لي ذلك العمل، بتوسط من
الحاجة سكينة، لدى زوج شقيقتها أحمد الجمل، صاحب
دكان الحلاقة قريباً من ساحة سوق الثلاثاء .
ابتهجت
والدتي لنجاح مسعاها إذ كانت تأمل أن يتحقق لها، من
وراء ذلك، هدف آخر، هو أن أكتسب (صنعة في اليد) تكون
لي وللأسرة جميعاً (أماناً من الفقر) في مقبل الأيام
..! ولربما حالفني الحظ فغدوت حلاقاً مرموقاً. (وما
ذلك على الله بكثير..!)
كان
عملاً شيقاً لصبي مثلي. فعلي أن أكنس الدكان، وأرش
الرصيف، ومساحة لابأس بها من الشارع أمام المحل، كل
صباح وعند العصر، كيما يلطف الجو إذا ما هبت
النسمات الغربية الآتية من البحر، عبر الكروم
والرمال وبساتين البرتقال. ولاشيء - عدا ذلك - سوى
مراقبة (العم أحمد) وهو منهمك في قص شعر زبون، أو
تلطيخ وجه آخر بالصابون، فيما هو لا يكف عن الكلام
أثناء ذلك. ولربما كلفني بطلب فنجان من القهوة أو
كوب من الشاي الثقيل، للمعلم - وللزبون أحياناُ إذا
كان يستحق ذلك - من مقهى عم ياسين (ابو داود) المجاور.
وحين لا يكون لدي ما أعمله أجلس فوق ذلك الكرسي
العتيق، ذي الصرير المثير، على الرصيف، أمام
الدكان أرقب السابلة، والسيارات العابرة، مفاضلاً
بين ألوانها، أو محاولاً تخمين ماركاتها، وهي تتجه
جنوباً إلى المجدل، وغزة، أو شمالاً نحو يافا واللد
والرملة، فيما يساورني شعور بالحسد إزاء ركابها
الذين سوف يرون تلك البلاد. كان العم أحمد الجمل
يباهي بأنه الأمهر وأنه لذلك يجمع ما يزيد على
القنطار من القمح والذرة في كل موسم. إذ يتقاضى
صاعاً أو أكثر حسب اريحية الزبون لقاء قيامه
بالحلاقة للرجل الواحد وأولاده في العام هذا فضلاً
عما يتقاضاه لقاء خلع ضرس لزبون، أو فصدجبين، أو
أخذ (كاسات هوا) لآخر..! حتى الدواب يأتونه بها لكي
يعالجها من أمراضها ..!
لم
ألبث طويلاً حتى أكتسبت ثقة عم أحمد الجمل الحلاق
الذي أخذ يكل إليَّ مهمة وضع الصابون على وجه
الزبون، مؤكداً لي أن هذا الامتياز لم يمنح لصبي
قبلي من أولئك الذين عملوا عنده، الأمر الذي كان
يفعم قلبي - فضلاً عن قلب والدتي - غبطة وحبوراً.
ابتهج لمرأى الصابون، وهو يشكل فقاعات شفافة
أرقبها في شغف وهي تننتفخ ثم تنطفئ تماماً هنا
وهناك على سطح وجه الرجل. بل إن طموحي أخذ يمتد إلى
أبعد من ذلك. أن أغدو قادراً، في وقت ليس ببعيد، على
القيام بتلك الحركات العديدة، التي أجمل ما فيها
أنها لا لزوم لها البتة، فأطقطق بالمقص حول الرأس
والعنق، وأجري النصل اللامع على وجه الرجل، دون أن
أثخنه بالجراح تماماً كما يفعل العم أحمد الجمل،
حتى دون أن يعيقه ذلك عن مواصلة الكلام طوال الوقت
عن الانكليز والأفراح والمآتم وموسم البرتقال .
كان
العم أحمد الحلاق يمنحني (شلناً) كاملاً كل أسبوع.
وهو أمر آخر أعلن إزاءه أن أحداً غيري لم يحظ به من
قبل. وفي يوم الثلاثاء تحديداً - وهو يوم السوق
الأسبوعي لقريتنا وما جاورها - يدفع لي أجري،
فأبادر للتو، وقبل عمل أي شيء آخر إلى شراء
(شوكولاته بحليب) بتعريفة من دكان عثمان أبو حسين
المجاورة. انصرفت في ذلك المساء قبل الغروب بقليل،
نزولاً عند إرادة والدتي التي أوصت العم أحمد بألا
يعمل على تأخيري إلى ما بعد حلول الظلام. عرجت في
طريقي على ساحة سيدنا وهب المفضلة للعب في حيِّنا،
والتي يقع في زاويتها الجنوبية ضريح ولي الله،
محوطاً بسور من الحجارة المزينة بزخارف عربية
قديمة. وتكتنف الساحة بيوت عتيقة ذات أقواس مشرعة.
وأمام الأبواب مصاطب مرتفعة يتخذ منها أصحابها
مجالس لهم منذ العصر إلى ما قبيل آذان العشاء. حيث
يتبادلون الحديث عن شؤونهم من زواج، ومواليد،
ومواسم زرع، غزارة الامطار أو شحها في ذلك العام،
الحصاد وخصب المواسم، البرتقال وأوان قطفه،
الثورة، والمهاجرين اليهود، ووعود الانكليز بحل
القضية، الكتاب الأبيض واللجان البريطانية،
والراديو ذلك الاختراع العجيب ..! إبان ذلك تدور
عليهم فناجين القهوة المرة، و أكواب الشاي بالقرفة
والزنجبيل، فيما صخب الصبية يرافق ذلك كله كإيقاع
موسيقي لا ينقطع. لم يكن في الساحة غير عدد قليل من
الغلمان، من بينهم (نعيم ابو جلالة) الذي ما إن رآني
حتى انطلق يعدو نحوي هاتفاً:
- أين
أنت يا أمين ..؟ حمداً لله على السلامة ..
فرحت
بلقائه إذ اعتزمت أن أنقل إليه أنباء عملي لدى أحمد
الحلاق، فقلت متباهياً :
- ها
أنذا عائد للتو من الدكان ..
- وهل
اصبحت حلاقاً ماهراً ؟
-
طبعاً ..
-
وتحلق للرجل ذقنه بالموس دون أن تجرحه ؟
- حتى
دون أن أخدشه ..
- وهل
تستطيع أن تقص لي شعري ..؟
-
ولسانك أيضا ..!
ضحك،
وانقض علي يضربني على صدري، ثم يجذبني من يدي،
فنعدو معاً، وهو يقول :
-
تعال، انظر ماذا صنعنا.. لقد أصبحنا من كبار
المخترعين ..!
وحين
اقتربنا من الرفاق، ألفيتهم متحلقين حول شيء وضعوه
على الأرض والدخان يتصاعد من حوله. لقد قاموا فعلاً
بصنع القاطرة البخارية، التي قررنا ذات مرة، أن
نقوم بصنعها - على غرار ما قرأه أولئك الرفاق الذين
يسبقوننا بصفين أو ثلاثة عن كيفية اكتشاف البخار -
قائلين : ولماذا يكون هذا ال (جيمس واط) أذكى أو أبرع
منا.. !؟) خامرني شعور بالأسف، إذ لم اشارك، منذ
البداية، في هذا العمل الجليل ..! ساد الصمت حين
رأينا العلبة المعدنية التي ملأوها ماء، وأحكموا
إغلاقها، وثبتوا بها عدداً من العجلات الصغيرة،
تأخذ في الاهتزاز، ثم تتحرك قليلاً، إلى الخلف
وقليلاً إلى الأمام، وصوت الماء يغلي بداخلها،
بفعل النار المتأججة من حولها. ارتسمت الفرحة على
وجوه الأطفال والغلمان وتبادلت أعينهم النظرات
القلقة المتسائلة، ولكن في سعادة طاغية. وفي اللحظة
التي انطلقنا نهتف احتفالاً بالنجاح الذي تحقق،
فها نحن قد تمكنا من صنع قاطرة حقيقية - تماماً كذلك
الانكليزي اللعين - في تلك اللحظة تماماً دوى
انفجار، وتطاير في الجو رذاذ الماء، ثم تساقط ليغمر
وجوهنا، فيما تحول الهتاف إلى صيحات فزع واستنكار،
ولعنات تنصب على رأس (جيمس واط) وآله أجمعين ..!
كنت
أشعر بالحرج أمام رفاقي، إذ لم أكن قادراً على
مجاراتهم. أولاد الهمص، اسماعيل العطار، أولاد
الجمل، أهلهم أغنياء، يلبون لهم حاجاتهم. يرتدون
ملابس جديدة في المناسبات، ولديهم أحذية جديدة
أيضاً، وثياب مختلفة في ألوانها وأنواعها. كما أنهم
لا يفتأون يشترون الشوكلاته والملبس من الدكاكين،
أو يحضرونها معهم. كانوا يعرضون عليَّ شيئاً منها
فأمتنع، حين أتذكر وصايا أمي. كانت تدعوني إلى
الظهور أمامهم مكتفياً لا أفتقر إلى شيء، رغم أن
ملابسي لا تكاد تتغير من بداية العام الدراسي حتى
نهايته. وحين يبلى حذائي أصلحه عند الكندرجي (أبو
مصطفى) بقرش .(يركِّب) للحذاء نصف نعل،. ثم يلمِّعه
قبل أن يناولنيه مؤكداً لي أنه قد عــاد جـديداً
..! |