ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-الفصل الأول -

بدأ النهار خطواته عصبي المزاج، مغبر الثياب، منفوش الشعر، وجهه كتلة رمادية وصراخه رمال ثائره هوجاء، مع أول خيط نوراني بدأت الرياح غزلها، شيء كالمارد يرتفع، عامود من الرمل والغبار يتصاعد بشكل لولبي وساحة دائرية تتسع وتضيق حسب قوتها واندفاعها، داخلها قوة جذب إلى الأعلى والأمام تدفع ما بطريقها، تصل هذه الهبوب إلى التلة، تندفع قوية على مراحل، العجاج الذي في الأعلى يسير كالسهم ليكون فاتحة العاصفة القادمة المتسلقة التي تنتهي بنسمات حارقة، عند الأبواب يذرف الهبوب دموعه، يدور دورات حلزونية ماداً ذراعه إلى الداخل ساكباً رعافه متلمساً بأنامله الجدران ملقياً بثقله هارباً من النفوذ وسيناء سائراً باتجاه النقب والسبع وغزة، أما البقية الباقية فقد غطت وجهها بستار تاركة الأسوار والحديد متجهة إلى الشرق أو الشمال للانتحار.

لم يتوقف الغبار عند أول هبوب، ما أن انتهت أول عاصفة حتى بدأت غيرها بالطريقة ذاتها، الرياح تعوي والصباح يجفل وتتكسر رموشه تحت أقدامها، يصيب الرماد ذاك الوهج المنبعث كعادته من الشمس، والذي ظن أن اليوم سيكون كغيره من الأيام، وأن الصباح سيلبس حلة النور كالصباحات السابقة.

تناغم نباح أم زوبعة مع اقترابها من السجن، زادت سرعتها، دارت الغرف والأقباء، حاولت بحركتها الحلزونية الخروج من الفخ الذي نصبته لنفسها، انعقد لسانها حين حجزت في إحدى الزنزانات، كل شيء صامت. تذكرت قوتها الآتية من عمق الصحراء، أرسلت رياحها الخماسينية، بهتت ألوانها، وانفجر سعالها الحاد المترافق مع لفحات حارقة، وكما يسف المريض بعض أنواع الدواء، فقد تسللت إلى الفم، تصّر تحت الأسنان، أشبه بطفل يلتهم التراب.

كان ذاك الصباح غير عادي، أفاق السجناء، أضافوا إلى أحزانهم حزناً جديداً، النهار من بدايته يبدو معتماً، يقف سجن بئر السبع في مواجهة الطبيعة، تتجمع بجانبه أكوام الرمل، تمر الزوابع كالغيوم، واحدة تترك كوماً وأخرى تمحوها. تتسلل كمية من الدقيق إلى غرفة السجن الكبيرة، اضطروا في كل مهجع إلى نفض البطانيات والملابس المعلقة على الجدران، ليجمعوا ذلك في دلو.

أمضى عمر القاسم ليلته جالساً في فراشه، عيناه تتنقلان من واحد إلى آخر أشبه بأم تسهر على مريضها. السماء الواسعة أدركت الرياح قبتها، شعر أنها ضيقة، تهبط قليلاً إلى الأسفل، الشمس التي تسلل شعاعها ما هي إلا شمعة تشتعل وتنطفئ أمام هبوب الرياح، أحس بموجة من الكآبة، فرد وجهة علّ الكآبة ترحل، عليه أن يكون مرحاً ليترك انطباعاً حسناً. لا يعرف لم شعر بالضيق ؟

أهو هذا الصباح أم الخبر الذي وصله عن ترحيله إلى سجن جديد؟ أعليه أن يظل حزيناً ويعود إلى ذاته وذكرياته، أم يتابع حديثه عن الكون والثورة والسجن؟

كانت السماء لوحة سريالية، فيها من النجوم والكواكب وما يجعل الإنسان صغيراً أمام الكون الرهيب، نظر إلى الأضواء الخافتة وتلك المشعة، نجوم لها أشكال مختلفة منحنية ومستقيمة ومتعرجة، وبعضها ذات أشكال هندسية دائرية أو خماسية، قضى ليله يدقق في تلك الأشكال، وما ترسمه القبة في نفسه من فرح وتعطيه من الحرية أضعاف ماحلم به، غازل النجوم، إحداها تبتسم بطريقة غريبة وتمد أذرعها وتفتح فاها، اقتربت من نجمة أخرى، فتل رأسه، وضع يديه على جبينه، فركه بأصابعه حتى ذهبت الدوخة. نظر إلى الأمام حيث النهر بمياهه الرقراقة قرب المخاضة، أخذ يرسم طريقه إلى الداخل، إلى جبال القدس ورام الله، إلى تلك الجبال الوعرة المسالك، التي تتناثر فيها الحجارة من حجوم مختلفة حيث تشكل تضاريس قائمة بذاتها، تفضي الارتفاعات إلى ارتفاع آخر أو إلى انحدار فهي مليئة بالمضائق، جبال عرف كتلها، تذكر الممرات التي وصلها والكهوف التي أختبأ فيها. أشعرته إقامته بضعة أيام بلياليها بمسؤولياته، ليل لا نهاية لعتمته، الحلم لم يفارقه، بندقيته إلى جانبه مهيأة للإطلاق، من حوله تفعل الحيوانات فعلها، أصوات دبها وعراكها، أصوات تجعله منحفزاً. اعتاد هذا الجو، لم يعد يثيره أو يخيفه، فكر مرات بمصيره، إذا جاء الجنود وطوقوه، ماذا يفعل ؟

من أجل ذلك خبر الدروب وخرج في الليالي يبحث عن الطرق الوعرة، حتى بات يعرف كل شبر، اطمأن لوهاجمته مجموعة جنود لأمكنة القضاء عليها، ثم الانحدار بسرعة والركض عبر الدروب المحنية والملتوية، التي لم تعد يخشاها يسير فوقها وكأنه يسير على طريق مستقيم آمن. في أحد الأيام جاءت طائرة مروحية، دارات عدة، نزل منها سبعة جنود، ظلوا ست ساعات يبحثون في الجبال، بينما الطائرة مستمرة في مراقبتها، جمد مكانه، أغلق قسماً من باب الكهف بحجر كبير ولطئ في إحدى الزوايا ويده على الزناد، بعد أن وصله حديثهم وصاروا على أمتار منه، مروا وهم يتحدثون عن فدائيين أفلتوا من أيديهم، أطلقوا مخزن رصاص تجاه الجزء المفتوح من الكهف، وتابعوا سيرهم.

ابتعدوا فخرج من المخبأ وأمضى ليلته في العراء. تلك الليلة تشبه هذه الليلة، القمر نصف رغيف، النسيمات تداعب شعره وتحرك بعض الأغصان الطرية، تلألأت النجوم واحدة تهمس في أذنه، أنا بانتظارك!

سيرحل إلى النجمة، سيبحث عن الحلم والأغنية والقمر والليل والصباح، عن الشمس الهاربة يشدها من جديلتها قبل أن تستعيد فتوتها، يتخلص من العذاب اليومي، من بكاء الأغنية والروح، من بكاء الصغار الذين ظنوا بأن المقاومة حالة وجد تعرضهم عن سني مراهقتهم، تكاثرت عليه الهموم، نسي الجو الذي رتبه رفاقه في المهجع، الذين أعلنوا عن رغبتهم في المرح فغنوا:

 

الشمس عالناس تطل

 

وعم تعطينا أنوار

هذه الدنيا فيها علوم

 

فيها جهل وأمية

فيها ظالم ومظلوم

 

فيها النفس البرية

فيها سما وفيها نجوم

 

تضوي الكرة الأرضية

قالوا المي الغريبة

 

ما بتدير الطواحين

أنا وين وأنت وين

 

باب البوابة ببابين

قفل ومفاتيح اثنين

 

عالبوابة في عبدين

 

الليل وعنتر بن شداد

سيف ولمعه وبطارين

 

وبطارين ولمعة وسيف

وسيفين ولمعة وبطارية

استعاد الحلم الذي اخترق جمجمته، نظر إلى وجوه رفاقه، حاول التخلص من أسئلتهم، الوداع مر وربما يغادر غداً أوبعد غد على أبعد احتمال، أدار وجهه نحو اليمين ثم الشمال، لكن ما فعله لم يهزم القلق ولم ينسه واقعه.

احتفظ بشيء من الهدوء، حدق في وجوههم التي أمطرها ابتسامة ومحبة وفرحاً، لا أحد ينكر أنه رجل يحب الناس وقادر على استخلاص محبتهم، ودفعهم للمحبة والـتآلف، بحث عن عبارات يقولها.. الليل مازال في بدايته والجميع ينظرون إليه وعيونهم كلها دموع .

هل يتابع حديثة عن الكون الواسع ومافيه من مجرات، هل سيصدقون كلامه ؟

سأله سليم الدوري :

- ما فائدة اتساع الكون يا رفيق، إذا كان العالم يبدأ من هذا المعتقل وينتهي فيه ؟!

شعر أن الكون ضار بحجم الغرفة، وإن الأيدي التي ترتفع في المظاهرات، ماهي إلا علامات فرح باهت، وربما هي التي تطوقه. اعتدل المدرس علوان في قعدته وردد وهو ينظر إلى سقف البركس :

- هل لنا برج في هذا الكون ؟

ضحك شيخ البركس الذي انتابته حالة وجد، إذ تذكر برجه وواقعه، فأحب أن يدلي بدلوه، وها هو يطالب بمركبة فضائية قادرة على ثقب الكون ونقلهم خارجه، ما دام هذا العالم غير معترف لهم بوطن :

- أريد مركبة تخترق الكون وتنقلنا بعيداً عنه، وهناك نبني دولتنا !

" عظيم ... عظيم جداً " رد عليه سليم وهو يقهقه ويتمايل فلم يعد يتمالك نفسه من شدة الضحك، وكأنه وجدها واحدة للتنذر منه، فعلق:

- أيها الشيخ الوقور مع احترامي الشديد لك، أي مركبة تخترق الكون لم تصنع، ولن تصنع، فأي واحدة ستكون ضمن هذا الكون وليس خارجه، وما حاجتك لبناء دولة .... آه، أيها اللعين تتيمم وأنت على بعد أمتار من نهر الأردن، هذا أنت تريد بناء دولة خارج الزمان والمكان وتترك فلسطين لأبناء الكلبة. لماذا لا تقدم هذا اقتراحاً مكتوباً إلى إدارة السجن ليفكوا وثاقك !؟

علق المدرس علوان مبتسماً :

- وحد الله ياسليم، الرجل لم يقصد هذا التفسير، فهل للكون خارج حتى تجدها قصية تستحق التعليق ؟

قام سليم وقد استبدت به روح التحدي والفكاهة وهو يرتدي منامته القصيرة التي تصل إلى الركبة، بعد أن تمزق نصفها السفلي وتهرّأت جوانبها، فبان أسفل بطنه، ضحكوا، إلا أنه سخر منهم بقوله:

- اضحكوا كما شئتم فأنا ألبس زي أجدادي !

نظر إليه شيخ البركس وبصق على الأرض :

- أجدادك كانوا يعرفون الذوق والخجل والخوف من الله، استر جسدك ولا تتشبه بهم أيها الزنديق!

- طيب يامحترم، أنا زنديق !

إنك لا تعرف عن تاريخك سوى صورة مشوهة تقيس عليها الأخلاق والدين، ألم تسمع ببعل الكنعاني ؟.. الإله بعل الذي يتعهد الأراضي البور ويسقيها بأمطاره، والذي يرتدي زياً إلى الركبة!

تلعثم وهو يردد اسم بعل بقوله :

- بعل ... بعل!

لم يجد رداً مناسباً فأضاف إلى ماقاله :

- بعل أبعد من الجد الذي قصدته، أليس كذلك ؟

- وأنت أبعد ما تكون عن المنطق، لم تفهم العالم بعد ضمن جدليته يا صاحب الحجة البليغة !

فضل الشيخ السكوت، لسان سليم سليط، كما أن رفاقه في المهجع علقوا تعليقات شتى نالت من شخصه. قال أحدهم:

- يعني هو جدجد.. جدك !

ساد جو من الضحك والمرح، لم يمنع الدوري نفسه من القهقهة ولسانه من التعليق، غشي وانقلب على جنبه، وكأن أحداً أمسكه من خاصرته وكركره، الجميع يراقبون، غشي وانقلب على جنبه، وكأن أحداً أمسكه من خاصرته وكركره، الجميع يراقبون حركاته، تطلع إلى وجوههم، اقترب من عمر وهمس في أذنه، ثم أخذ يذرع الغرفة جيئة وذهاباً والكل ينظرون إليه يتهامسون ويبتسمون بخفة ودلال، بحركة هستيرية وقف وسط البركس وقال:

- أيها السجناء وياشيخي البعيد عن المشيخة، أنتم بين جدران سميكة، النقب جنوبكم والبحر غربكم والنهر شرقكم، أينما ذهبتم فالسجن واحد، إخوانكم ما زالوا متخلفين عن الركب، اليوم خمر، ولم يصلوا إلى الغد، وقد يتوقف الزمن عند أقدامهم العارية، ما داموا يشربون " سم الهاري" ويركبون حمير أوروبا، يشوون لحم حيواناتنا!

-آه يا صديقي سليم أراك مصراً على فتح جروحي في لحظات وداعي.....

تدخل أحد السجناء، أوقفه عن الكلام بقوله:

- أنت يا سليم الدوري، أيها المجنون، بالله تعيرنا سكوتك.

قهقه وهو يدندن بكلمات بذيئة ثم قال :

- سأفعل، لكن هل تضمن النتيجة! فأنا إذا أعرتكم سكوتي فلن يبقى سوى الكلام.

ارتفعت الضحكات ثانية ولامست شغاف القلب، بينما صوت من آخر المهجع يتدخل لوقف ذلك:

- بدأت الفلسفة تظهر على أصحابها، وحد الله يا رجل ودعنا نودع عمر.

- تسمي ذلك فلسفة، ليتك قلت " نفنفة " واتكلت على الله.

كانت هذه الكلمات شيخ البركس .

- ما شاء الله، من أي قاموس جلبت هذه الكلمة، بالتأكيد من قاموس " أبي سعيد البسكليتاتي " المحجوز عليه صحياً ... إياك أن ترفع يدك، اكسرها، ولا تقترب، إياك ذلك وإلا " فالغزال يرعى بيننا ".

غنى أحدهم " نفنوفة يا نفنوفة يا أم القذلة المكفوفة"

عند هذا الحد وصلت الأمور نهايتها، الشيخ في هياج، شعر أنه أهين، وقف المعلم علوان وعمر بينهما، وانتهى المزاح عند هذا الحد.

كان الصباح كالمساء سماء مغبرة وغيوم متفرقة تتلاشى وهي تتجه شرقاً، أشبه بقافلة غجر، الرياح الصفراء تزرع السأم على عويلها أفاق سجناء البركس سبعة، كل واحد ألقى تحية الصباح على عمر وعلى شفاههم ابتسامة باهتة.

البارحة وفي مثل هذا الوقت اقترب من باب البركس من نادى على عمر، كلمح البصر ناوله علبة تبغ ومضى، استغرب نزلاء البركس وجود علبة تبغ بيده، إنهم يعرفونه لايدخن وطوال عمره يهاجم التدخين ويكتب عنه مقالات ويناقشهم في مضاره، ويدعوهم لتركه، نظروا إلى وجهه، تحلقوا حوله، تساءلوا، ما سرّ العلبة، قرأ الحيرة على وجوههم، طمأنهم أنه مازال على موقفه، وهي ربما تحمل أمراً هاماً، يعرفون أنه يتلقى بين الحين والآخر رسائل هامة، كل مرة تصله بطريقة مختلفة، فمرة توضع بين أرغفة الخبز أو داخل المنشفة أو ترمى من فتحة الباب، لا أحد يعرف كيف ومتى تصل، حتى عمر لم يكن مطلوباً منه أن يدقق بالأمر، يعرف نتيجة انكشاف ذلك وعقوبته، لذلك كان يثق بالشخص الذي يدفعها إليه، فيعطيه ما لديه من رسائل، أغلبها تمده بمعلومات دقيقة عن تحرك إدارة السجن والوضع وفي السجون الأخرى، رسالة ذلك الصباح تضمنت معلومات عن افتتاح سجن جديد في صحراء النقب .

تحلق الرفاق حوله من جديد، هذه الليلة قرروا الاحتفال بوداعه، مؤشرات ترحيله واضحة، إضافة إلى برنامجهم السابق وهو الاحتفال بالأول من أيار عام ثمانين.

سرت روح المرح وتخلص الجميع من عصبيتهم وتركوا نكتهم التي تثير حميتهم، نفضوا عنهم أحزانهم إلا عمر الذي وضع رأسه بين يديه وتجول في ذاكرته، لا يراوده شك أنه حزين، جابهه المحقق بالواقع الذي كانوا يرصدونه بدقة، قال له " كنا بانتظارك "، ليته لم يفسرها ويعقب بكل ثقة، عد إلى ما نشرتموه في جريدتكم " الحرية "، ألم تقولوا إنكم مقبلون على عمليات نوعية، وإنكم تحضرون للانتقال إلى الداخل ؟! هذا كلامكم، لم نتوقع اصطيادك بهذه السهولة، لتكون كبش الفداء .

أبعدوا الأغطية جانباً ورتبوا الفرشات على شكل بيضوي. ارتفعت أصواتهم وهم يعملون، ثم جلسوا على الأرض، تحرك المفتاح في الباب، أطل الحارس من النافذة وقال :

- إذا سمعت أي صوت سأقطع الكهرباء .

تطلع ثانية إلى الوجوه وصاح، ألم تسمعوا ؟

لم يتلق أي جواب، الوجوه مشدودة إلى نجاح الاحتفال، ومن أجل ذلك لم يجيبوه، ولن يتفوهوا بأي كلام للحارس ولا لغيره، يمكن أن يعكر عليهم برنامجهم. أغلق الكوة الحديدية وحرك المفتاح " تك.. تك " خمس طلقات سُمعت. اطمأن سليم على فقرته التي سيقدمها أولاً بناء على إصراره، وهو لهذا أحضر زوج الحمام الهزّاز ليقدم حركات استعراضية، أعطى أوامره بأن حرك يديه وصفر، ما كان من زوج الحمام إلا البدء بالحركات، رفع الذكر رأسه عالياً داقاً رجليه ومحركاً ذيله، وما كان من الأنثى إلا الرقص، فأخذ يدور حولها بحركات راعشة راقصة دافعاً رأسه بكبرياء، استحوذ الانتباه والتعليقات، واستمر المشهد قرابة ثلث ساعة، بعدها جاء دور الكلام، تحدث عمر عن طبيعة المرحلة والصراع محللاً الوضعين العربي والدولي داعياً إلى المحبة، ثم أجاب عن الأسئلة باقتضاب ليفسح المجال للغناء فترددت أغنية " برهوم يا برهوم يا بو الجديلة " وملأ عبقها جو الغرفة، فأظهر سليم براعة في الرقص ما بعدها براعة.

الاحتفال زاد الجو حرارة داخل الغرفة، خلعوا قمصانهم عن أجسادهم العرقانة، وأخذوا يلوحون بها في فضاء الغرفة المخنوقة بحرارة الاحتفال والأنفاس المبتهجة، مسحوا عرقهم بالبطانيات، انتشرت رائحة واخزة، في حين بدأ الدوري ينهي الفقرات بالعودة إلى المزاح، أخذ يبث نكته بينما ارتفعت أصوات الضحكات .

استمرت سهرتهم إلى مابعد منتصف الليل بساعتين. في هذا الوقت المتأخر، تسللت بعض الرطوبة إلى الغرفة لتطرد الحرارة الملتهبة الخانقة، بدا الجو مقبولاً نام سجناء البركس سبعة باستثناء عمر الذي خاف النوم اقتحام جفنيه وعينينه الساهرتين، وهذه حالة عايشها خاصة في الليلة التي يحل فيها نزيلاً أو مودعاً .

منذ الصغر والنعاس يهرب منه عندما كان يذهب إلى بيت خاله في قرية حبلة قضاء قلقيلية، يسهر ليلة وصوله حتى الصباح، ظلت تلازمه هذه العادة طوال فترة حياته، إن كان في عمان أو في دمشق أو في مدينة القدس أو في أية مدينة يأتيها لأول مرة .

كانت وصال الرغوة تقول له: ألا تتخلص من هذه العادة السيئة! يناقشها في سبب إطلاق صفه سيئة عليها، تبتسم محاولة شرح مضارها على الصحة وعلى الحالة النفسية، ثم تطوقه بذراعيها وهي تطلب منه وعداً بأن يرتاح في ليلة وصوله، لا يسهر ولا يقلق، يعدها لكنه لا يقدر .

أغمض عينيه وأسند رأسه إلى المخدة، الأميرة تقف أمامه بكل شموخها وعنفوانها، طافحة بالأنوثة والصداقة، تبتسم ابتسامتها العذبة الشفافة، تميل بعنقها فيرسم شعرها لوحة راقصة، تشف عن جسد لدن كالعجينة، ونظرة يفوق جمالها نضارة الزهور والزنابق.

ابتسم وهو يستعيد ملامحها وتصرفاتها، ذكرته بدمشق وبدراسته الجامعية وبقاسيون وبردى وبشارع أبي رمانة المفضي إلى بيتها الأنيق، والعادات الدمشقية التي تتمسك بها. منذ اللحظات الأولى لمعرفتها دخل قلبها دون استئذان، بدا اهتمامها به واضحاً، ما فتئت تردد على مسامعه كلماتها الغزلية الرائعة، كلمات جميلة كلها دفء ومودة ولهفة وشوق. في الفترة الأخيرة ترددت كلمة أحبك في سياق حديثها، فظهر الفرح والألق في عينيها، وفار صدرها يفصح عن قلق داخلي وتوجس، سألته إن كان الحب غاية في حد ذاته أم وسيلة؟ هرب من إجابتها أول مرة بانطباق الشفتين وتوحد القلبين، وظل لا يجيب عنه حتى آخر حياته، وعندما ما يخلد إلى ذاته يتشاغل عن الإجابة .

قالت له وهما يمشيان تحت المطر :

هل هناك أروع من المطر والحب، هما لا يغسلان الأبدان فقط بل يطهرانها !

- أنت كالمطر ياوصال قادرة على بعث الحياة من رقادها كلما ابتسمت أو أشارت عيناك إليّ بمودة .

تجرأت وحدثته عن الخطوبة وروعتها، ثم صارت تذكره بمناسبات عدة وما تخلقه هذه الكلمة من تآلف ومودة، جرها ذلك من حيث لا تدري إلى الكلام عن الأسرة والحياة الزوجية. احترم رأيها في البداية، لكن الحديث حول الزواج غير مرة جعله ينتفض ويصرح عن أفكاره، فقد اتهمها بأن تفكيرها لا يتعدى أربعة جدران، حياة صغيرة وزوج وأطفال وبيت مسجل باسمها والظهور بملابس أنيقة بحيث تعطي الأولوية للشكل، ركز على أهمية المضمون والجوهر، حاول أن يقنعها بوجهة نظره التي ترى بأن السعادة غير مفصولة عن الآخرين، فالمجتمع خلية متكاملة، والسعادة في العطاء بلا حدود وبلا ثمن، أما الحب والزواج فقد قال عنهما :

- علينا فصل الحب عن الزواج، الناس يتزوجون لا للحب فقط، بل لحاجتهم إلى المتعة والأطفال، وأنا لا أشعر أن هذه رغبتي الآن ... ربما عملي في حركة القوميين العرب هو الذي ولد لديّ إحساساً بإعطاء الأولوية للقضايا السياسية والاجتماعية وليست للفردية، ربما لا أكون محقاً في ذلك من وجهة نظرك.. اعذريني .

يا صديقتي الزواج لن يهبك وقتاً أكثر مما تأخذينه، إن المسؤوليات وأشياء كثيرة ستقاسمك، وربما لا أجد ما يكفي من الزمن لمداعبتك، إياك أن تدخلي هذه المعادلة، معادلة المحاسبة والأسئلة التي لا تنتهي، أين أنت؟ ولماذا تأخرت. بصراحة أكثر أنا لا أصلح لأن أكون زوجاً، الاحتلال جعلني لا أفكر بمتعة آنية، إن كابوسه أخذ كل ما هو جميل، لم يعد التفكير به إلا ضرباً من الحلم أو الكابوس .

حدقت به، فاضت عيناها واصفرت وجنتاها، ارتجفت أصابعها، تاهت نظراتها، حنت رأسها مطرقة لثوان بدت زمناً طويلاً، حاولت اصطناع ابتسامة، شربت ثم نظرت إليه وبعد طول تحديق قالت :

- مجنون أنت يا عمر، حكمت عليّ وانتهى الأمر، الذي يحب لا يمكنه أن يكون قاسياً! تعلم سر تعلقي وتكابر، انظر أمامك وخلفك، أنت في وسط دمشق، وتصرح بأفكار غير جميلة، المكان الجميل أيها الصديق يفترض روحاً مرهفة تحس به، حتى يتحول كل ما بيننا إلى حب خالد خلود الواحة الرائعة، دعنا نتحدث عنها، كانت محطة العرب، محطة لكل الأمم، أفنت عروشاً وبقيت يحرسها قاسيون بفتوته وشموخه على الرغم من عمره المديد .

- الله ما أروعك! ‍‍أنت دمشق بكل ما فيها من حسن وفتنة، عندما أكون في حضرتك أحس بنداوة قاسيون وربيع الغوطة وتمايل الحور في دمر وهامتها. وتغريد طيورها على الأفنان .

رأق لها حديثه، ابتسمت شفتاها وتناغم هذا مع لمعان كلمح البرق من عينيها المشتعلتين، وحركات خفة جعلت وسطها يتمايل خفة ودلعاً وأنوثة وكبرياء، يحس بعبقها وأريجها وأنوثتها، تفور عواطفها شلالات، تغمر وجهه بشعرها اللاهث وراء النسمات التي تشق طريقها عبر وادي بردى، ينظران إلى التضاريس والكتل المتناثرة من الارتفاعات، مناطق التوت غنجاً فبان جمالها في تنافر وتآلف مناظرها، راقبا المياه وكيف يصير لونها أبيض، فيتشكل الزبد أثناء جريان النهر في أماكن محددة، غابات الحور تتأبط ذراع الوادي وبطنه برق وود، كشلال شعرها الهارب. تنحني الأغصان المتدلية وترشف من مياه النهر في حين أرسلت أخواتها عالية تلامس الأفق البعيد. من الجبل الصخري المتكئ على المجرى تتسلل الصبا حنونة تحرك نهايات الأشجار التي تغازل بحركاتها العشوائية ذاك الجمال المتفرد، الذي يرنو بعينيه إلى الصخور المتفتتة.. تسرح السماء في بحر من الزرقة صافية وعميقة، وهي تحاكي الطبيعة، تنظر إلى عينيه تهيم بهما. الشمس ترتد بفعل القصب المبني والمجدول بخيطان تشده وتجعله قطعة واحدة، ليعطي ظلاً دائماً ... بالقرب منهما عائلات دمشقية أو ريفية تشوي اللحم على العيدان اليابسة، التي تأخذ بالطقطقة والخوار والنشيش مع بعض الفقاعات. حركة الزبد الدائمة في هذا المكان تجعل المياه تتطاير كالرذاذ وتصل إلى ما جاورها .

ابتعدا عن الناس جلسا على صخرة، تناول يدها وأطبق كفه السميكة عليها وأخذ يفركها، حاولت أن تتملص من هذه الحركة، لكنها لم تبذل جهداّ، تركت يدها المطوقة مرتاحة لخدرها، تمشي الشهوة في جسده وتصير غولاً مفترساً، بيده يلامس جسدها ويضغطه ويدفعها إليه، يهمس في أذنها، أحبك.. تسللت يده إلى صدرها، ملابسها تسمح لأنامله بالخربشة، صدرها يصرخ، الشفتان المتقدتان تنفرجان عن ابتسامة، القبل لا تؤدي إلا إلى مزيد من النشوة .

ابتعدا فجسداهما صارا لهيباً. عب كمية من الهواء، شعر بالانتعاش، أمسكها من يدها ودعاها إلى العودة، كانت أن كلثوم تصدح " أطاوع في هواك قلبي وأنسى الكل على شانك " ثم تردد يا ظالمني، أحس أن هذه الأغنية بالذات لها وقع خاص.

مشت إلى جانبه، عرفت أن قوامها رشيق عندما امتدت يده يلامس خصرها، فارق جسدها الحياة كلما اقتربا أكثر من المتنزهين، نظرت إلى عينيه وقالت :

- ما رأيك بالروح ؟

- أنا إنسان علمي .

- وأنا‍

- أنت فتاة رومانسية كمعظم فتيات دمشق .

- تريد أن تقول بأننا مختلفان فكرياً ‍

- أنا لم أقل شيئاً من ذلك.. ما بك تصمتين.

- دعنا الآن من ذلك وحدثني لا تبتعد عني بأفكارك، لنتحدث عن الحياة، عن الفرح الذي يهرب كلما لامس عينيك، عيناك الحزينتان أقادرتان على منحي إياه؟ كيف تهبني ما تفتقده ؟

لماذا لا تظل معي. دمشق جنة الدنيا، لا تصمت، قل أي شيء‍

نظرت إليه تبحث عن ذاتها، عن حبها، تقرأ أفكاره، وعندما لم تجد ما يطفئ حرارة لهفتها أضافت :

- أحلم بك، أحلامي في عينيك، أجبتك بكل جوانحي، لا تدعني أمت حسرة وكمداً ‍

- أنت تدفعينني للتغزل بعينيك اللتين رأيت فيهما سر الخلق وروعته، فأدركت كم هو عظيم ذاك الخالق ‍

كانت وصال عشيقته التي لها مذاق شهي ولروحها انطلاق الحساسين، دائماً تدفعه إلى التغزل بها وتأمل جمالها الخلاب، والتفكير بإجابات محددة حول وضعه، ماذا عليه أن يفعل عندما أخبرته ذات مرة بأنها ستظل وفية لحبه وهي العارفة بأنه لن يتزوجها.

حاول مناقشة كلامها الغريب ورفعها للتريث وعدم اتخاذ القرار. أجابته بأنها في منتهى الذكاء حين اتخذت ذلك مبررة قولها :

- أعلم أنك تحبني وغير قادر على اتخاذ قرارك، أشفق عليك، فالذي لا يحس بالآخرين وبعواطفهم تجاهه، لا شيء في العالم قادر على إعطائه ذلك، الآن ربما تفهمني، أحبك مجنونة حبت مجنون .

رنت في أذنه بقية كلامها، عبارات منداة تفتحت أزهارها في الغوطتين وترتسم الآن بقايا أوراقها وسوقها فوق جدار البركس رقم سبعة، حدق بالسقف وابتسم لبقايا صدى في الروح والقلب وفوق سطح الذاكرة. ظل طوال الليلة يتجول في بستان الذكرى، يستعيد كل لحظة مرت به في دمشق، عندما طلع الفجر نادى رفاقه أن ينهضوا، أفاقوا وهم يعلمون أنه لم ينم، كلهم يعرف عادته ويسميها سليم الدوري ليلة القدر .

سليم الدوري ابن الخليل الذي لم يعرف الحزن طريقاً إلى فؤاده، حتى عندما اعتقل وحققوا معه أجابهم ببرود أعصاب وتهكم :

- هل تظنون أنكم شجعان بانتصاركم، لا والله نحن أعطيناكم البطولة، جيوشنا تحمي الحدود وحكوماتنا ترتبط بمعاهدات رسمية، تصوروا لو لم يكن ذلك ما الذي سيحدث؟

- اخرس يا حقير، أجب بقدر ما يسمح السؤال.

حرك المحقق يده بعصبية، ترك كفه تورداً على خد سليم .

كان في قمة حزنه يمزح ويضحك، أفاق صباحاً عابساً، نظر إليه عمر ملياً وقال :

- ابتسم يا أخي، أنت الظل الخفيف الباقي في البركس، الرفاق بحاجة إلى روحك المرحة، روحك التي تعطيني القوة، دعني أرّ المرح في عينيك وفي حديثك. امنحني في الفكاهة ما يبدد عتمة الطريق .

- أيها الرفيق لا أجد بلا قلب، دعني أحزن بطريقتي وأعدك أن لا بفقد الأمل ولا الفرح.

كما الرذاذ يرش الأرض ويبللها، فقد تبللت وجنتا سليم واغرورقت عيناه بالفائض من الدموع، أشاح وجهه وهرب إلى زاوية المهجع كطفل صغير أغلقت الدروب في وجهه، أو كطفل حرم من مصروفه اليومي، مسح عينيه بطرف كمه عاد وجسده يهتز، حاول أن يبدو طبيعياً، أن لا يشعر الآخرين بتأثره وانفعاله، وكفكف المطر الهاطل على خديه، تخلص وجهه المدي من احمراره، أحس بضعفه، فافتر فمه عن ابتسامة صفراء، بلع حزنه وكتم عواطفه، اصطنع الفرح ليداري ما به من ألم وحزن، لو أطلق العنان لدموعه لسالت كالأردن، لكن مثل ذلك لا يتناسب مع رجولته، حاول أن يحافظ على صفاء وجهه وسريرته، ليخفي ما بداخله، فهو مرآة القلب والمعبر عن عالمه الجواني. حث الرفاق على الاقتراب من عمر. الذي يحاول أن يشغل نفسه بقراءة عواطف زملائه الذين سيفتقدونه، الحزن مطبوع في بؤبؤ عينيه الزرقاوين. عيناه تائهتان وجسده القوي تراخى، موقعه السياسي ونظرة الرفاق إليه هو ما منعه. جفف دموع قلبه التي فاضت على شراينيه وأوردته، وقبل أن تتملكه لحظة الانفعال صافحهم واحداً واحداً. أشاد المطر المزن لوحة على قسماته، بينما خطواته المتثاقلة بانتظار أمر الترحيل.

طال الوقت، تفتت الدقيقة إلى مليون ثانية والثانية إلى أجزاء أصغر منها زمناً، منذ الصباح جهز صرته، في أي لحظة يتوقع من يناديه. خرجوا إلى " الفورة " للتنفس بعيداً عن جدران الغرفة السميكة، لا حظوا الإجراءات الأمنية المتخذة وحالة الاستنفار، مثل هذا يذكره بأيام الإضراب حين تلزم إدارة السجون طاقم السجن بالاستنفار والدوام طوال اليوم.

إجراءات الأمن داخل السجن وخارجه غير عادية، السيارة الزنزانة تقف في نهاية الممر المؤدي إلى الباحة، بحيث لا يستطيع الخارج أن يرى ضوء النهار، من البركس إلى السيارة مباشرة، بينما انتشرت الدوريات في باحة السجن وغير بعيد من هناك وقفت أربع سيارات على شكل رتل وفي المقدمة سيارة شرطة عسكرية، وخلفها واحدة أخرى إضافة إلى حوامة تراقب الطريق ودوريات راجلة مجهزة بعتاد كاف.

رُحل إلى سجن بئر السبع قبل ثلاثة شهور، حين قرروا إغلاق القسم الخاص بالأمنيين في سجن الرملة، والذي يسمى أحياناً بقسم فتح أو الفدائيين، وهي مدة كافية لخلق روح التآلف والمحبة بينه وبين نزلاء سجن بئر السبع .

الذكريات سحابة رذاذ في صيف السجن الخماسيني، يهرب السجين من واقع عذابه ووثاقه ليلوذ بماضيه، يتجاوز آلامه، ينساها، يعيش أحلى لحظاته ، تتوارد إلى ذهنه كمطرقة تدق جدار العقل وشغاف القلب، كأنها حصلت الآن، الماضي جزء من حياة الإنسان، يألف واقعه الجديد، الحياة مع جلاديه، مع المكان الذي يصير جزءاً منه، الغرفة التي تضم جسده، الرفاق الحاضر يحجل حوله، تعريه الثانية، الدقيقة، تعيده إلى الجدران السميكة والرطوبة الخانقة والحر الشديد، تصيبه الرجفة، يقتله الهم بينما يحاول التخلص من الدوار. تهرب الأفكار التي في رأسه عاجزة عن التحول إلى واقع، أما الماضي فهو المعبد الذي يؤدي فيه طقوس العبادة منفرداً .

نقل الثورة إلى الداخل عمل جبار يحتاج إلى مخلصين وقيادة ومتابعة وشعب قادر على الصمود، من أين سيستورد ذلك؟ سيعمل بما هو موجود، سيكون ضحية أفكاره، لن يترك ذلك للزمن، المباشرة بزرع قواعد ثابتة ومتحركة وتنظيم الجماهير والعمل في أوساطها، سيبدأ بنفسه، سيأتيه المستقبل طائعاً مهذباً وواقفاً على قدم واحدة يمد يده لمصافحته، يستأذنه بالدخول، لهذا اجتاز النهر إلى ضفته الغربية، الخطوة الأولى خطاها، لكن المستقبل لم يأته لا طائعاً ولا مهذباً، الجدران تقترب من بعضها .تضغط على صدره، الخطوة الثالثة من يفعلها....ومسيرة آلاف الأميال من يتابعها؟ أيتخلون عن امتيازاتهم بالخطوة الثانية هو من خطاها، سيكون عبئاً على الاحتلال. فأشد حالات الظلمه زمن انبثاق الفجر .

في: الفورة: لم يمارس رياضته المفضلة، عيناه القلقتان تتفحصان، تراقبان تتركان بصماتهما في كل مكان الساحة قبضت على الشمس مع أول خيط من الصباح، لم ترد الأسوار العالية وصولها .

مازالوا في " الفورة " يتناقلون خبر افتتاح سجن جديد في الصحراء، لم يبق سجين في بئر السبع إلا وسمع بهذا الخبر، وبخبر نيتهم نقل عدد من السجناء إليه لتأديبهم، بعض السجناء الذين من غزة والنقب قالول عن نفحة كلاماً لم يرد مثله في الأساطير، قالوا إنها مقر للشياطين التي تفر من الرجم أيام الحج والعمرة، إضافة إلى الحيوانات المفترسة والأفاعي وبعض الحيوانات الأسطورية.

تدخل المدرس علوان لتفسير كلمة نفحة، قال إنها مشتقة من كلمة نفح، ونفح الطيب انتشرت رائحته .

احتج الجميع على هذا الشرح، تدخل سليم مستغلاً ضعف التفسير اقترب ويداه تعبران عن رفضه لما سمع، قال وكله مرح :

- أين الطيب يا أستاذ علوان، قل نفحت الريح اشتدت، والله أعلم ‍‍‍‍!

ضحكات خجولة صدرت من حوله، مما شجعه على الاستمرار بحديثه، فأضاف متهكماً :

- لاتتعمق أيها المدرس النجيب باللغة حتى لا تحولها إلى نفخ، ومنها نفخة البطن والريح غير الطيبة المؤذية للسمع والشم، أو انتفخ البطن بمعنى كبر وهذا أقرب إلى الصحة، لأنها كما علمت تل، ما رأيك؟ ضحك السامعون ووصلت قهقهات بعضهم أسماع المجند " عايزر " المكلف بمراقبة السجناء وقت " الفورة " وبتقديم تقرير يومي، مما دفعه إلى الاقتراب والإصغاء أكثر، فسمع أشياء ظنها مهمة حول الريح ونفحة، أسرع لإبلاغ إدارة السجن بصفته الشاويش المسؤول عن الأمن. غالباً يشاهد وهو يدون معلومات يعتقد بأهميتها، يكتشف عند التحقيق أنها غاية في التفاهة. يقدم تقريره بعد نهاية فترة التنفس وعودة السجناء إلى مهاجعهم. اليوم اضطر إلى تقديم تقريره قبل دخول السجناء إلى البركسات، وهذا لا يتم إلا في الحالات الأمنية الخطرة التي تتطلب إبلاغاً فورياً .

" يتجمع السجناء حول عمر وينفضّون، حركتهم غير عادية، بعضهم يضحك بصوت عالٍ، وآخرون تبدو عليهم علائم الحزن، يتحدثون عن الإجراءات الأمنية والتسفير إلى سجن في قلب الصحراء يطلقون عليه اسم نفحه"

في أسفل هذا التقرير وقع عايزر، قدمه إلى الإدارة وعاد إلى المراقبة والتنصت، ارتفع خلال دقائق إلى مردخاي مدير السجن، فنادى على عايزر، وطلب إليه تفسير ما كتب، وما يقصده بالإجراءات الأمنية، وما مدى معرفته ببعض الأسرار، تبين أنه نقل الكلمات كما سمعها دون معرفته لمعناها. عندها ظهرت صور الغضب على وجه مردخاي فصاح بأعلى صوته " نادِ " هزبوب " عمر، ولد عفريت لن يمضي اليوم على خير ".

تساءل المدير عن سر معرفته بنقله إلى السجن الصحراوي، واستغرب إخباره، السجانون كافة لا يعلمون شيئاً مما يجري، لا أحد يعلم سواه وهو لم يخبر إلا نائبه. اتصلت به إدارة السجون المركزية على رقمه الخاص، وأخبروه بأنه أمر سري للغاية يمنع تداوله.. ربما العطل في شريط الهاتف، بسرعة طلب إلى موظف الهاتف فحص تفرعات الأشرطة، بعد نصف ساعة أخبره أن لا شيء يدعو للقلق .

استدعي، دخل بشموخه المعهود، عيناه واسعتان وجبهته عريضة، وجهه يميل إلى الطول وشارباه كثان وقد حلق ذقنه، وقف مردخاي يحدق إلى عيني عمر ويقرأ ما يرتسم على وجهه، وعند مالم يجد ضالته، لف دورة كاملة كما يفعل الضبع عندما يغافل فريسته، لينثر من بوله شديد الرائحة والنتانة، ليفقدها السيطرة ليكون اصطيادها سهلاً، لم يتحرك القاسم من مكانه. بدا على مدير السجن الغضب الشديد، لم ينطق بكلمة واحدة، صار بمحاذاة خصمه قبل أن يكمل الدورة، أسرع للعودة إلى مكانه، إذ تبين كم هو قصير، تخلص من هذا الهاجس المرعب، بينما ظل عمر رافعاً رأسه كالمارد بانتظار ماسيقوله المدير، الذي حاول استدراجه ليعرف كيف وصلت المعلومات السرية، التي لا يعرفها حتى الضابط في السجن، إضافة إلى تحلق السجناء حوله ومعاملتهم له كزعيم. وابتسامته الدائمة التي تنم عن ثقة بذاته لا حدود لها.

شكلت إجاباته عن الأسئلة صفعة جديدة، غطت الحيرة وجه مردخاي، بدا خاوياً كمغارة مهجورة مغلقة الأبواب، حاول إدانته وحثه على الاعتراف بمعرفته بأمر ترحيله إلى سجن نفحة الصحراوي، سأله وفي رنة صوته الغضب والتحدي:

- أنت تعرف أمر نقلك، من أخبرك ؟

- لست موظفاً عندك حتى أقدم إليك تقريراً خاصاً عما يحدث داخل "البركس" أو أثناء " الفورة " ما أنا إلا سجين يحلم بالحرية ويدفع حياته ثمناً لنورها !

- ستندم على كلماتك، الحرية التي تحلم بها وتدعي أنك تدافع عنها سندفنها وستتحول حياتك إلى جحيم .

- إن شمس الحرية لا تستأذنكم، لها من الضياء بحيث تدخل إلى كوامن نفوسنا وتفرحنا وتنير ظلمات قلوبنا.

- أخرج من هنا ولا تدعني ألحظ وجهك أيها القذر .

أغلق الباب من الداخل، ورمى نفسه على الكرسي، كان رأسه قد نقل دوار الأرض حول ذاتها وحول الشمس إلى داخل جمجمته، رن الجرس لكنه صرف الحاجب بعد أن فتح الباب، جلس وراء الطاولة أدار القرص وقبل أن يتلقى جواباً ألغى المكالمة، ماذا يقول لهم، لدي سجين يعرف كل شيء عن أمر نقله، هل تنتهي الأمور عند هذا الحد؟ إذا قالوا نحن لم نخبر سواك، هذا أمر لا يمكن السكوت عنه، خلال ساعة واحدة عليك أن تعرف كل شيء وتبلغنا به. سيكون السجن مسرحاً لاستجوابات لا نهاية لها، والنتيجة مع هذا البغل ستكون صفر اليدين. وقد تتعقد الأمور ويبعث مدير السجون من ينوب عنه للتحقيق في هذا الموضوع، وربما يحضر بنفسه ومعه كبار الضباط. إذا سألوه كيف تسربت الأخبار ونحن لم نخبر سواكم؟ ماذا يجيب وكيف يدافع عن نفسه؟ خرج إلى الشرفة وراقب السجناء، الشاويش عايزر يقوم بمهمته على خير وجه، يسجل في دفتره تقريره اليومي، السجناء يضحكون وعمر يبادلهم الابتسامة، بينما قلبه يتقطع ومعدته التي تفرز حموضتها تؤلمه، وتجعله منقبضاً. منذ الخروج إلى " الفورة " وهو وسط حلقة من السجناء، لم يمارس هوايته المفضلة الرياضة .

" إن فتح تحقيق معه عمل جنوني " وضع يده على خده الآن تأكد أن كل شيء عن الترحيل مكشوف، ترك الشرفة وعاد إلى غرفته، وضع مجموعة أسئلة على ورقة، تصور نفسه يسأله والإجابات المفترضة. مزق الورقة. الخيارات صعبة وأصعبها هو فتح ملف لهذه القضية، التي ستتحول إلى ورطة، استعاد ما قاله عمر القاسم على مسامعه وهو يرد.

هز رأسه علامة الموافقة على الأفكار التي تواردت إلى ذهنه، نظر من النافذة وبدأ يحدث نفسه عن الإجراءات.. عندما ينقلونه سأنتقم من هؤلاء الأوباش، سأحلق رؤوسهم وأدعهم ثلاثة أيام تحت أشعة القيظ، وأجعل عقولهم تذوب كالدهن وتسيل من آذانهم، سيصيحون من الألم، سيتمزقون من الداخل، سيأتون ويطلبون الصفح وتقبيل الأقدام، سأدعهم كما هم وأذهب كل يوم قبل انتهاء الدوام وأنا مطمئن. بعد ساعة فقط سأتخلص من أعند سجين. الليلة تنتظره " فيرا" سيشعل جسدها ويزهر، سيدعها تحلم وهو يهمس في أذنها أرق الكلمات، سيأخذ ثلاث زجاجات خمر، سيشرب وينسى سجن بئر السبع وذاك الحقير الذي تحداه، الليلة مغامرته، ستسجنه بين ذراعيها البضتين، تنتظره، تدندن بعض الأغنيات الماجنة، تدير آلة التسجيل، يمتشق قوامها وهو يترنح بعد أن تخلصت من كل ما يثقل جسدها، سيذهب أذا لم يحدث جديد، ستستحم وتدهن وجهها وتبقى بملابسها الداخلية. قدها الناحل وشبقها وحرارة أوائل آيارلا تخمدها سوى السهرة حتى الصباح، والولوج إلى عالم المتعة وتغذية الآهات بالقبل، هذه الليلة سيفور كيانها من الداخل وستغلي القدور على وهج النار المستعرة، ترتفع حرارة الزفرات، تكشف مواطن جمالها وأنوثتها وتقف أمام المرآة، ترمي نفسها على السرير، تنتظر حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل. اللعنة عليك يا عمر إذا لم تُنقل بعد ساعة، ذاك الوجه الصبوح سيدفن فتوته في الفراش، سأضطر إلى إطلاق الرصاص عليك وأتهمك بمحاولة هرب.

أربع سيارات مغلقة مكلفة بنقل الدفعة الأولى من السجناء. توقفت في سجن طولكرم ثم تحركت إلى بيت ليد من هناك إلى عسقلان، ومنها إلى بئر السبع حيث ستتطلق القافلة عصراً باتجاه نفحة دار عايزر على البركات نادى على المطلوب ترحيلهم، حمل كل واحد صره كبيرة، قادهم لتسليم ملابس السجن، ظلوا عراة قبل أن يتمكنوا من ارتداء ملابسهم المدنية. شد الأصفاد على أيديهم بينما السيارة الزنزانة تطلق بوقها. جاء عدد من الحراس، دفعوا السجناء بأكعاب بنادقهم وبأحذيتهم إلى خارج الغرف ومن الساحة إلى حيث تقف السيارات، وظلوا كذلك حتى أدخلوهم الزنزانة المتحركة، وهم يكيلون لهم أقذر الألفاظ " هيا يا أولاد القحبات إلى نفحة، هناك سترون غضب الإله كما وصفه قرآنكم " لم يكتفوا بذلك بل تمادوا في ركلهم وضربهم، وعند صعودهم إلى السيارة سددوا إليهم لطمات عدة، ثم أغلقوا الباب بالقفل. كانت السيارات محشوة بالسجناء ومع ذلك أفردوا لهم مكاناً ليجلسوا .

قهقه مدير السجن وأصدر أمره بالعودة إلى الحالة الطبيعية وإلغاء حالة الاستنفار القصوى. استدعى الضباط إلى غرفته وقدم لهم القهوة. أشعرهم أنه سعيد، تعالت الابتسامات والتعليقات التي ركزت على التخلص من أشرس أسير عرفته السجون الإسرائيلية، ليس هذا فقط بل قدرته على الجدل والإقناع مما يدفعهم إلى تفادي نقاشه .

لوحت الأيدي من طاقات " البركسات " العالية، أغلب الظن أنه ركب بعضهم فوق أكتاف بعضهم، أطلق سليم زوج الحمام الهزاز الذي دار دورات عدة قبل أن يتخذ وجهة الجنوب .

في السيارة الزنزانة بلغت درجة الحرارة حداً لا يطاق، فالشمس الحادة تتضاعف درجة حرارتها أكثر فأكثر كلما لا مست الحديد. يتصبب سيل العرق من الأعلى إلى نهاية القدمين مشكلاً ساقية من الحمم، ترافق ذلك مع ألم في العينين، الملوحة والدبق يخففان من الرؤية، تفرز العين دموعها، يختلط الدمع بالعرق. الوجوه تتصافح، تتلمس مواطن القوة في كل فرد. الابتسامة هي الرد على التحية وهي اللغة المشتركة على الرغم من ملوحة الشفتين وتيبسهما .

الزنزانة المتنقلة أشبه بصهريج كنفاني، لاشيء يعملها بالعالم الخارجي سوى فتحتين مستطيلتين متقابلتين عليهما قضبان حديدية... العرق المتصبب جعل ملابسهم رطبة، كطفل فعلها في بنطاله، انتشرت الرائحة الواخزة التي هي مزيج من العفونة والرطوبة والتعرق ورائحة كل منهم .

يكشف الجو والغبار الممتطى صهوة الريح الاختلاف الكبير ما بين بئر السبع وجنوبها، الرؤية قليلة بينما السوافي تلطم حوانب السيارة وترتفع كالمارد إلى الأعلى لتضيع في لجة الصحراء، ولتتولد من جديد هبوبات أخرى .

تحركت السيارة، الشمس تأتي عن يمينه، تأكد عمر أنها تسير جنوباً، السيارات بطيئة لا تتجاوز سرعتها أربعين أو خمسين. الحراسات المرافقة تتحدث بالأجهزة التي تحملها، إذ بقيت على اتصال دائم مع سجن بئر السبع حتى وصل الموكب إلى نفحة. عندها قرر مردخاي إغلاق أجهزة الاتصال اللاسلكية والذهاب إلى فيرا التي تنتظره، رفع سماعة الهاتف وأخبرها قراره ثم توجه شمالاً .

طائرة مروحية تروح وتأتي خلف الموكب وأمامه، تغيب قليلاً لتعود من جديد في حركة طيران دائمة، لا أحد علم إن كان وجودها مرتبطاً بالتنقل أم بمهمة تدريبية أو بمناورات، وظل الأمر مبهماً حتى تلقى القاسم تقريراً تضمن بأن قيادة السجون بالتعاون مع " جيش الدفاع " والشرطة، نشرت خمسين دورية ما بين طولكرم ونفحة مروراً بالسجون الأخرى ومراقبات جوية سرية ومكشوفة، إضافة إلى استنفار السجون قبل يومين.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244