ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني

نفحة تل عال في النقب، نهد على سفوحه منحدرات والتواءات، تصله النسمة نقية بعد أن تترك غبارها عند أقدامه، تتخلص من حملها الثقيل وتتنقى كلما ارتفعت، وصلته الجرافات فخربت حلمته وكبرياءه وأزالت تعرجاته، فلم يعد ثدياً فتياً، بل صار كصدر عجوز أزيل ما فيه من توثب، ليبدو امرأة منسدحة على وجهها.‏

الذين يذكرون هذا التل يحكون قصص عشق سورت التواءاته وجنباته، عند كل منحى جلس شاب وفتاة من البدو يتصارحان، بعد أن أرهقهما ما يحسان به كل تجاه الآخر دون قدرة على البوح، تعاهدا جانب صخرة أو نبتة شيح، وككل محبي البدو لا يصل العاشق إلى حبيبته، التي تكون من نصيب الذي ارتضاه أهلها صهراً. تمر الأيام وتحتفظ الذاكرة الشعبية بقصص الوله والعشق، فيظل المحبون أحياءً في المكان الذي ارتادوه، وتظل قصصهم على كل لسان. وصلت الجرافات هرست في طريقها كل أثر للماضي، لم يعد واضحاً مكان قطشة وعواد وحمدان وغزالة وهذيل وهيلة وعقل وبورة.. ولكل واحد من هؤلاء قصة حب تقطع نياط القلب، وللحجرين المتقابلين قصة مع الشتاء، إذ تواعد عاشقان في ليلة باردة، جاءا والظلام يلف المكان، لم يبصر أحدهما الآخر، ظل كل منهما ينتظر الآخر وهو غير بعيد عنه سوى أمتار قليلة دون أن يعرف بمقدم حبيبه، وعندما جاء الصباح كانا قد تجمدا برداً، وتوقف القلبان. منهم من قال إنهما مارسا الحب بعد لقائهما فمسخهما الله، ومنهم من قال إنهما آدم وحواء حين خرجا من الجنة عراة، ارتاحا أثناء سيرهما الطويل باتجاه الشمال في هذا المكان.‏

تنتصب حول التل الخيام السود مع نهاية الشتاء، في سنوات الخير يستوطنونه وغالباً ما يتذرؤون به من الرياح الغربية والجنوبية، فالبرد في الشتاء " يقص المسمار " ويتسلل إلى العظام جافاً دون مطر، أما بقية فصول السنة فصيف قائظ وعجاج لافح وعواصف رملية .ينتقلون مع الريح ويبنون خيامهم في الطرف المقابل، فيصير مصداً يحميهم. في الصيف تخف درجة الحرارة كلما بلغنا أعاليه، هناك تسمع همهمات قادمة من الأعلى، تبحث عن مصدر ذلك فلا تجده .‏

الخماسين رياح الموت الصفراء تحيل كل شيء إلى رمادي قاتم، يسوّد الجو، يغبرّ، يصير خانقاً وترتفع سحب الزوابع حاملة الدقيق وذرات الرمال، تدخل بعض حبيباته الناعمة إلى العين، فتحد من الرؤية، يضطر إلى فركها، تدمع وتخرج الحبيبات الرملية التي تنحدر إلى الخدين. يقال إن مصدر تقلبات الرياح الشديدة كونها تؤمر من الجان. كلما كانت شديدة فدلالة على أن ملوكهم على رأسها يزفزن عرسانهم. للبدو تقاليدهم الخاصة في مواجهة هبوبها، منها رش الماء والملح والرماد المتبقي من النار وقراءة بعض الآيات وقصار السور والأدعية، ودعوتها أن تتجنب المرور بخيام الكرام بقولهم " هبي على البخيل ".‏

هذه نفحة وسط صحراء واسعة تحاول التمدد والتمرد و السيطرة، إذ غازلت النقب بتلالها ورمالها ماجاورها، حاولت منذ آلاف السنين أن تزحف إلى البحر، فكانت تردها عوامل الطبيعة والتضاريس، إلا أنها استطاعت أن تفرض شيئاً من ذاتها على ما حولها، لتشكل امتداداً طبيعياً لها غرباً وشرقاً وجنوباً.. أمواج المتوسط وحتى الأحمر تصطف منتظمة خلف بعضها، تسحبها الرياح في محاولة لحفظ التوازن، ورد الهبوب القادم من الجنوب والشرق والمحافظة على الذات، وحتى لا تزداد حفرتها الانهدامية. الأمواج تترنح وهي تغيب في غياهب اللجة، لكنها تظهر من جديد أكثر فتوةً وعنفواناً لتبدأ حياتها.‏

من أعلى التل تبدو الدنيا أكوام رمال وأرضاً منبسطة تارة ومحدودية تارة أخرى، لاشيء سوى " متسفي رامون " التي تبدو أطلالها من التل، شرقاً ودياناً سحيقه وجبالاً متفاوته الارتفاع، تتصل بالأردن من ناحية الطفيلة. غرباً هدير الطائرات يتعالى في كل الأوقات، مطار ريمون يقع غيربعيد من هناك. من فتحات السجن تبدو مدرجاته، وترى بعض الطائرات الهابطة والمقلعة في حركة دائمة لا تتوقف .‏

وصلت السيارات بعد مسير ست ساعات لاهثة إلى السجن الصحراوي، مالت الشمس إلى المغيب، مغيبة آخر شعاع نورها في الوقت الذي توقفت فيه السيارات. أول ما سمعوه نباح كلاب مفترسة، تقدمت حتى صارت أمامهم مباشرة، مكشرة عن أنيابها ونباحها يشق سكون المكان.‏

ترجل السائق والمرافقون وهرع من نفحة من فتح باب السجن وأبواب الزنزانات، البناء مؤلف من قسمين منفصلين بينهما ساحة للفورة مجمل مساحتها أقل من مئة وعشرين متراً مربعاً، أما بناء الإدراة فبعد مدخل الشارع مباشرة، يبعد عن السجن تسعين متراً .‏

توجهت السيارات من بئر السبع إلى مثلث ديمونا ثم إلى مستعمرة بن غوريون، واصلت سيرها جنوباً في عمق النقب، وقبل متسفي رامون بعد كيلو مترات اتجهت السيارات يساراً، وصلت نفخة، المكان يتوسط المسافة بين الحدود الأردنية والمصرية .‏

السجن كتلة اسمنت امتدت على مساحة واسعة من التل، ترك بلا سور خارجي استثناء لانراه في بقية السجون. وهذا لايعني أنه غير محصن، حوله صفان من الأسلاك الشائكة على ارتفاع متر ونصف المسافة بينهما أربعة أمتار داخلها كلاب بوليسية تحولت إلى متوحشة عند وصولها إلى هناك، إضافة إلى ثلاثة أبراج مراقبة عدا البرج الأساس الكائن فوق السجن مباشرة والذي يكشف المنطقة بكاملها مجهز بآلات رصد واستكشاف طوال أربع وعشرين ساعة .‏

السجن عامر بطاقمه، في المقدمة مدير السجن عمرام اليمني الذي نفش ريشه وتصور أنه سليمان الذي أخضع الإنس والجن. أعطى أوامره المشددة، الغضب مسيطر عليه وواضح في كل كلمة يتفوه بها. صاح بأعلى صوته فتفرق الإنس والجان. ترك السجناء صررهم على الأرض، لاحقتهم كلماته وأسواط السجانين:‏

- يا أولاد الزناجئتم إلى جهنم، أقسم بيهوه وبأستير أن نحول هذا المكان إلى مقبرة. سندفنكم وأنتم أحياء. إنكم لا تستحقون الحياة وهذا شأن أعدائنا، العرب جميعاً سيأتون إلى هنا ويقبلون أحذيتنا. إن من يقاتل شعب الله المختار حقت عليه اللعنة والمذلة، وأنتم لا تستحقون أكثر من ذلك .‏

قال عمرام ذلك ثم أمر الجنود باستخدام سياطهم. يهرول السجناء في الباحة وطاقم السجن خلفهم، بدأ التعب والإرهاق في هذا الجو المخنوق بالحرارة والغبار يؤثر عليهم. وقع عشرة من شدة الإعياء في حين اقتربت الشمس من رمال الأرض بشكل مذهل ومخيف، فزاد لهيبها المخبوء في طيات جسدها الناري. لم يمنع الظلام ا استمرار التعذيب، أنيرت الساحة بالكهرباء. خمسة آخرون ترعفوا وسبعة انسدحوا على الأرض. توقف السجناء عن الجري يلملمون جراحهم. السياط تفرقع في الجو وعلى أجسادهم، زحف عمر هرباً من الضرب أمامه ثلاثة ينزفون، ابتعد عنهم ثم عاد إليهم وأخ يقودهم واحداً واحداً إلى صنبور الماء. التهب جسده من وقع السياط، رفض تركهم كما طلبوا إليه، تظاهر بالإغماء تركوه، حاول أن ينتهي بأقصى سرعة من إسعافهم، طلب آخرون الماء يرفعون أيديهم، فقرر المضي بعمله مهما كان النتيجة، الضرب ينتهي، يترك أثره، وماذا أكثر من ذلك، إنقاذ رفيق واحد يساوي حياته. طاردتهم الكلمات المنتقاه من أفواه قادة السجن ،‏

- يا أولاد القحبات كيف تفكرون في الوقوف في وجه إسرائيل الجبارة، حكوماتكم انهارت خلال ساعات أمام قوتنا. أنتم ما الذي تستطعون فعله أيها الأرانب المذعورة ‍‍!‏

نظر إلى الأعلى زوج حمام يرفرف فوق رأسه، ابتسم وتذكر روح صديقه المرحة لحظة سمع كلمة الأرانب، قال له مرة :‏

" هرب أرنب فسألوه عن السبب، فقال يمسكون الإبل ويوردونها للذبح .‏

- وما علاقتك ؟‏

أجاب: - يكون وقت مضى حيت يتأكدون بأنني لا أنتمي إلى الفصيلة المطلوب القبض عليها، وحده الله وربما رسوله أيضاً يعلمان، إن كان جلدي سيظل فوق جسدي، بعد أن يطبلوا ويدربكوا عليه، ويزفوا عروسهم على صوت تمزقه ."‏

ضحك سليم الدوري حين أخبرته بأن هذا الأرنب مثقف، قرأ التوراة وفهم ما قالته حين ساوت بينهما واعتبرت الأرنب كالجمل من المجترات .‏

بعد ثلاثة ساعات من العذاب والشتائم، طلب عمرام إلى السجناء خلع ملابسهم، وعندما تأكد من تعريتهم تحدث مع نائبه رحميم وتوجه إلى مكتبه. كان فرحاً بمنظرهم، سعيداً إلى أقصى حدود السعادة قهقه وهو في طريقه إلى مكتبه. جمع اثنان الملابس وكوماها بعيداً، حضر من يلبس معطفاً أبيض بيده مبيد للحشرات. رش ملابسهم، ثم رش السجناء من رأسهم إلى القدمين بمادتي الغوتيك والكبريت .‏

رش الممرض " كوبا" السجناء ثلاث مرات حسب أوامر رحميم، ارتفعت غيوم بيضاء ورمادية وانتشرت في الجو ترافق ذلك مع روائح بترولية وكيميائية. مما جعلهم يتحرقصون ويهرشون أجسادهم، ازدادت حاجتهم للحك مع شعور بالخدر والتنميل. ظهرت بقع ظهرت بقع حمراء وزرقاء في مكاني الحك والضرب.‏

أشبه ما تكون ببقع التحسس أو التهاب الكبد .‏

ضحك نائب المدير وطاقم السجن من حركات السجناء الراعشة، طلبوا إليهم الوقوف في صف طويل. اقترب رحميم من الصف وتفرس في وجوه السجناء، فالذي يبادله النظرة يضعه في الزنزانة، ثم أمر السجانين بتوزيع عهدة السجين، لكل سجين صرة ملابس فيها بنطلونان وقميصان برتقاليان، فتأكد الجميع أن هذا هو اللباس الرسمي للسجين. عند الساعة الحادية عشرة تم توزيع السجناء على الغرف. كان نصيب عمر الغرفة الأولى، غرفة متطاولة ككل الغرف ستة أمتار طولها وعرضها أقل من أربعة أمتار بحيث تكون مساحتها الإجمالية عشرين متراً مربعاً، غير بعيد عن السقف نافذة مستطيلة بعرض فتر وطول ستين سنتمتراً. الباب مصفح ثخنه بحدود ستة ميليمترات في نصفه العلوي طاقة صغيرة تفتح وتغلق من الخارج. فيها خمس خزائن بلاستيكية مقسومة إلى نصفين .‏

اتخذ عمر مكانه القريب من الباب، وكل واحد من التسعة الباقين اختار مكانه. أخذ كل واحد ينظر إلى وجه الآخر ليكتشف إن كان يعرفه أم لا. بعد دقائق بدأ التعارف الذي لابد منه. قدم كل واحد نفسه. علي الجعفري، إسحاق مراغة، الشيخ عباس، حسان فياض.. اكتشف القاسم أن الجميع يعرفونه مباشرة أو من خلال ماسمعوه عنه، أحس بعمق المأساة المتربصة في صدر كل منهم. في داخل كل سجين غصة وقصة وحديث مع الذات لا ينتهي. قبل لحظات سأل نفسه، ماذا فعل الرفاق من أجله، أما زالوا مؤمنين بأن التحرير يأتي عبر الحدود والبلاغات أم من الداخل. إنه يعرف الإجابة وما فعلوه إلا أنه مازال مضطراً للظهور قوياً متماسكاً .‏

" التاريخ أشبه باكذوبة على الطلاب أن يصدقوها، يدرسون عظمة أمتهم ويلمسون تفاهتها، يعيشون على الأمجاد الغابرة، وأمجاد اللحظة تتلاشى، فالقاموس عجز عن ضمها بين دفتيه. ما فائدة قولنا الحضارة ابتدأت من هنا، والتاريخ كتبنا أبجديته، أعطيناها للعالم، هنا أم الحضارات. نظرة واحدة من مدرس التاريخ تشعرك أن المعادلة مقلوبة، نرفع شعارات ونطلب تحيقها فوراً، بعضهم يعتقد أنها تحققت بمجرد رفعها، قلائل يدركون أنها الطريق إلى السلطة. يناضلون لتحقيقها فلا يحصدون سوى الهواء، إن تحقيق الشعارات أشبه بحراثة البحر. الوحدة ليست اجتماع زعيمين يوقعان عليها فتصير نافذة، الوحدة نتيجة وليست مقدمة " .‏

اعترض أحد الطلبة وذكر عمر بأن درسه هو لغة إنكليزية وليس درس تاريخ، لكنه سيجيب عن سؤال حول الأحزاب ثم يبدأ الدرس .‏

سأل علي الجعفري أربعة أسئلة ودخل في نقاش حول مفهوم الحزب والحركة والموقف من الدول العربية، وعندما علق أحدهم بقوله " كيف يتصرف إخوتك في حركة فتح خلف الحدود ".‏

- لن أدافع عن فتح مع أنني مسؤولها أقول بأن الآخرين ليسوا سوى نسخ. كربون عنا، هم ناضلوا الزعامة احزابهم ونحن ناضلنا من أجل فلسطين.‏

علق إسحاق مراغة وردد مقولة السجن للرجال، والذين خلف خطوط ثرثرة النار يتمتعون بنعم لها أول وليس لها آخر .‏

تجادل حسان والشيخ وكادا يتعاركان، الشيخ يرى أن الجهاد فرض عين على كل مسلم قادر على حمل السلاح وتحرير المسجد الأقصى أول مهمة على المسلمين تنفيذها. في حين لم يكن حسان جاداً في نقاشه فعلق :‏

- رحم الله أجدادك أيها الشيخ، أي جهاد تقول، دعنا من الكلام الخيالي الذي لا ينفع ولا تستطيع أن تجمع أحداً حوله، حدثنا عن الواقع ولا تدخلنا في جدل أوله كلام غير حقيقي وآخره كلام بكلام .‏

- أنت تنتقص من كلامي أيها الفاسق، ألم تسمع قول الله تعالى " وأعدوالهم ..."‏

- سمعته وحفظته، لكننا لم نعد شيئاً لمجابهة عدونا، لاتظن ياشيخي أنك أكثر مني إيماناً .‏

- النقاش معك يوجع الرأس، الليلة سأناقشك في كل شيء، فإما أن تقنعني أو أن أقنعك .‏

- لن يقنع أحدنا الآخر.‏

الماضي يتوحد ويتداخل مع الحاضر وهو الأب الشرعي، قبل ساعات مع سليم الدوري ومع شيخ البركس، يمرحون وكأنهم في قهوة أبي جابر الكائنة في وسط القدس، زايلهم شعورهم بأنهم سجناء، أحسوا بمتعة الألفة، إنهم أقوى من إدراة السجن، مدير السجن اختصرها ولم يستطع المواجهة.. الآن هو غريب على الرغم من الألفة التي يبديها السجناء تجاهه، فإذا كان إحساسه هكذا، فكيف بقية السجناء! كان واضحاً من المفردات البسيطة وتعابير المجاملة التي تعاملوا بها، وهذا يوحي بأن على كل واحد أن يعرف من جديد طباع الآخرين، ويتصرف بشكل مقبول. إنه في معتقل جديد. تطلع إلى رفاقه السجناء، قعد على الأرض، مسح وجوههم بابتسامة، ثم عاد إلى ذاته يفكر في مواجهة حملة الإهانة المتعمدة، سيطر الغضب عليه فبدا كقنبلة نزع صمام أمانها، ومع ذلك ظل صامتاً، إنه يشبه طفلاً يحاول بين فترة وأخرى أن يسيطر على انفعالاته ويبدو متماسكاً. قال :‏

- السنابل التي تحني هامتها أمام العاصفة، تفعل ذلك لتحافظ على ذاتها وتعود منتصبة من جديد وتبدأ دورة حياتها وعطائها .‏

الأيام التي تنتظرهم صعبة، وعليه من الآن أن يختار أصلب المناضلين، ليعتمد عليهم في المسيرة الطويلة داخل السجن. اليد وحدهما لا تصفق. أسند رأسه إلى الحائط أغمض عينيه، شعر بارتياح، الجميع يوجهون نظراتهم إليه، تجاهل ذلك عندما التقت عيناه بهم، تلقى ابتسامات كلها غصات عينيه، شعر هرب من الإجابة عن السؤال الموجه إليه، مالعمل ؟‏

انفرد بذاته، شعر بالذنب تجاه المقاتلين، كان عليه أن يرسم خطة الثورة في الداخل ويزج بالقيادة قبل أن يزج بنفسه، عندها سيهز الجبال الراسيات ويتحقق حلم الثورة .‏

ابنة الرغوة تركض أمامه، يلحق بها، يضمها إلى صدره، تلحق به، تضرب عرض الحائط بنصائح أمها، ستصل شعرة ابن سفيان أو تقطعها، أفضل ألف مرة من العذاب الذي تعيشه، فقدته،‏

لم تتوقع أن يبقى معها في الشارع وفي الفراش وفي ذاكرتها المتعبة وعلى المائدة، غير قادرة على التخلص من خياله، جاهدت والدتها لتمنعها من السفر إلى القدس، لكنها كانت قد قررت المغامرة، فإذا لم تسافر فقد تصاب بمرض أو يصيبها مس من الجنون، عيناها متورمتان كل صباح وخداها ذابلان تكاد قوتها لا تساعدها على النهوض ،‏

القدس جميلة بكل ما فيها من آثار وأناس ظن عاشت أربعة أيام دارت فيها ولفتها بصحبة عمر، وخلا كنيسة القيامة من باب صغير غير بعيد عن خان الزيت ومياحة الدباغة، تملأ ساحتها وأعمدتها اللاتي ترفع ناظريها لخالقها، انطلقاً إلى باب الساهرة الذي يقع ضمن برج مربع، وإلى الباب الذهبي الذي يقع جنوبي باب الأسباط، وفي المسجد الأقصى صلت ركعتين طلبت من الله أن يبارك حبها .عادت عصراً، رمت نفسها على الفراش متعبة وهكذا في كل يوم.. ضحكت كما لم تضحك من قبل، شدت على يده خوفاً من ضياعه، الوجوه المبتسمة التي قابلتها ارتاحت إليها. أحبت أم عدنان وقضت معها ساعات طويلة تستمع إليها خاصة عندما تحدثها عن عمر وهن في الفراش.. اشتاقت لدمشق وأخذت تتحدث عنها شوارعها وساحاتها وأبوابها فهي بالنسبة لها وللشاميات شيء آخر ؟، جنة لا تجدها لا في عدن ولا في القاهرة، ولافي أي مدينة في العالم حيث النهر والجبل والغوطة وجمال النفس والروح، في آخر يوم طلبت إليه أن يعود إلى دمشق، رفض بعناد وقال :‏

- منذ متى يترك الإنسان وطنه ليعيش في وطن من يحب ‍‏

- إنها العروبة التي تنادي بها ما الفرق إن كنا هنا أو هناك، لا تنسَ أن دمشق أعطت لبنها وأرضعت كل العرب من قيس وعدنان .‏

- هذا الكلام يصح لو لم يكن وطني محتلاً، مصير الوطن لا يكتبه إلا الشرفاء ..‏

ظلت تحاوره خائفه عليه من نفسه ومن بنات القدس ومن الأردن ومن قادته ومن اسرائيل .لكن رفضه كان نهائياً لا عودة فيه. سكبت دموعها وهي تنظر إلى وجهه وعينيه الزرقاوين، صعدت إلى السيارة، جلس إلى جانبها حتى قبيل تحركها، وضع يدها في يديه، وقال لها :‏

- أنت أنشودة وتاريخ وجرح وفرح، سأظل أحبك، وداعاً .‏

نزل من السيارة ولوح لها ثم اتجه إلى بيته، دفن نفسه في الفراش أياماً عدة قبل أن يتماثل للشفاء .‏

في أول مساء لسفرها ظل القمر راقداً يحلم بعشاق حدد يرافقونه طوال الليل، لم يجد سواه يسهر معه الليل الطويل وليال أخر، يتجول في الزمن يستعيد شيئاً من حيويته، ويلملم كلمات العشق التي قرأها والتي اسمعها لحبيبته، الآن تأكد أن الجرح الذي حاول أن يرتقه قد فتح فاه، وأن الصدر الذي تحترق فيه النيران ستظل مشتعله فأنشد: في القلوب تشتعل النيران، فيولد الحب وتنمو الحرية، لكن النيران تظل متقدة،‏

فيهرب الحب وتحترق الحرية، ويسافران إلى بلاد تعرف الحب وتقديس الحرية.‏

في الليالي التالية توشحت السماء بالغيوم، وهبت رياح السموم، في النهار بكت الشمس واحتجبت، تفرقت الغيوم تاركة لونها الرمادي الذي أخذ بالتبدد، بينما فقد القلب توهجه، وتدثر بالسحب، في حين بدأت الرياح ترتوي من نبضاته، فهدأت في الخارج .‏

هذل الليل ومازالت أصوات تتردد هي مزيج من الهزيز والعواء والفحيح ونباح الكلاب المتواصل، في حين هدأت حركة العساكر والحراس. كانت في داخل كل سجين وحشة بقدر يوم الترحيل.‏

أجسادهم المحطمة ترفض النوم وهي بأمس الحاجة إليه، إنه يوم ثقيل ليله كوابيس. أغلق الحراس الأبواب دون أن يحضروا الطعام والأغطية، لم يكن في نيتهم المطالبة لا بالطعام ولا بالفراش. الإهانات التي استقبلوا بها كافيه لذواء الروح. وباتوا ليلتهم على الأرض أسندوا رؤوسهم إلى الجدار القاسي، ونام منهم من نام، وظل مستيقظاً من ظل محدقاً وتائهاً طوال الليل. ومنهم لم يفرق بين لحظات نومه وصحوه، إذ نام نوماً متقطعاً، ومع أن ليالي السجن طويلة، فقد كانت كل الليالي السالفة قصيرة بالمقارنة مع هذه الليلة، الرياح هدأت قبيل منتصف الليل، لكنها ثارت من جديد قبيل الفجر، أسرعت حاملة ما قل حمله من عجاج ليتسلل تحت الأبواب ويمر عبر النوافذ، أما النجوم فقد كانت زائغة البصر خجلى في ساعات آخر الليل، فضلت الهروب قبل أن يغطي العجاج ضوءها .‏

طاف عمر ربوع دمشق وعمان وفي الإغوار جاءته وصال مهرولة، علمت ما خطط بكت بين يديه، رشح جسدها العرق والدبق فالتصقت ملابسها، نهداها المندفعان اختنقا، حاولت تهوية ملابسها، بيدها حركت الهواء، لكن الجو الخانق لا تنفع معه لا المراوح اليدوية ولا الكهربائية.. كادت تختنق، أصابها الدوار، قعدت على الأرض، من أين لجسدها كل هذه المياه المتسربة ‍ أسراب الناموس دارت حولها دورات عدة قبل أن يقرر الهجوم، ضربت بيدها مكان اللسعة فاحمرت وتحجرت، ثم أخذت تبعده عن وجهها، وعندما لم تفلح ركضت. ظناً منها أنها قاردة على تضليله، سهر معها حتى الصباح، وخاض أشرس المعارك على جسدها البلوري المنتفخ.‏

لم تستطع النوم، خرجا غير بعيدين عن القاعدة، القمر يرافقهما ليمرا على ضوئه الفضي ويشاهد الحياة الجميلة والوادعة، نهضت وحركت شعرها وجففت عرقها .‏

ابتسامتها أشبه بقرنفلة تتفتح، علق العبق في ثيابها، ووهب جسدها رشاقة العصافير، نظر إليها، ابتسم، عيناها تحاكيان القمر، تشعان بريقاً ودفئاً، شعر بنسمة ناعمة، جسدها يتمايل غنجاً في حين ظلت حواسه متحفزة يقظة فرحة، قالت :‏

- أفكارك غير قابلة للتمثيل، ولا أحد غيرك سيجر على نفسه العاقبة الوخيمة، أصح لنفسك وأعرف من حولك، أي تطرف تعيشه!‏

في الصباح رافقها إلى أربد ومن هناك عادت إلى دمشق دامعة العينين،‏

منكسة الرأس، خاوية، قررت أن تصلي كل يوم لينقذه الله. لقد أدركت أن أفكاره ستجره إلى الهاوية، ولاشيء أمامه سوى الموت.‏

لاشيء يجعله يحس بإنسانيته سوى الذكريات، سيعيش على شذا الماضي، سينسى أنه قام بعملية وقبض عليه ومازال في السجن، اثنتا عشرة سنة عد أيامها وساعاتها ودقائقها لحظة بلحظة، ولاشيء سوى التعاسة، مازال يحتفظ بأدق التفاصيل. العذاب الذي تعرض له. تساءل عن الإنسانية والحرية والعدالة وأفكاره حول ذلك. الثورة الفرنسية وما طرحته.‏

هل هو إنسان؟ هل في الدنيا من يتحمل العذاب؟ فكيف إذا كان مسلطاً عليه! السياسي مثقف واع يرسم حدود ذاته وتطلعاته، يخط بيده على جدار الزمن، يسجل اسمه، يحلم بالحاضر والمستقبل، لم يتخلى يوماً عن أحلامه، وهو القائل:‏

- أذا توقفت أحلام الإنسان توقفت حياته .‏

حاولوا أن يقنعوه بأنه يعيش بلا خيال ولا أحلام، تذكر قسمات الذين عذبوه، وجوههم وأنوفهم، أيديهم القاسية وأصابعهم الغليظة، أكفهم التي تشبه خف الجمل، ملامحهم الخشنة وكأنهم قدوا من الصخر .‏

- أنت لا شيء، عليك أن تنسى اسمك وتاريخك وتكف عن الأحلام .‏

- تستطيعون فعل كل شيء إلا ذلك .‏

- هل يفارقني لحظة، حلمي هو حياتي .‏

الدم حار ومالح، خدر، تنميل، فقدان الألم والغيبوبة. بدت قدماه وكأنهما محروقتان، لا يستطيع المشي، حتى إذا وضعهما على الأرض، أحس بالوجع والألم الفظيع الذي ينطلق إلى رأسه. يقف، يكشف عن أعلى قدمه، يمشي ويده على الجدار، بضع خطوات ثم يجلس على الأرض، ليعيدهما إلى دلو الماء البارد .‏

كان شعاره من أفشى بسر، سهل عليه الإفشاء بغيره. اصمد، تحمّل للضرب والعذاب نهاية. الصمود وشرف المقاومة وإثبات الذات، العرق يتصبب من جبين معذبه، يداه تؤلمانه لكثرة الضرب. عيناه لا يظهر سوى بياضهما. النظرات تتحدى، تراقب. عيون الجلادين تشتعل حقداً، عيناه لا ترمشان .‏

ليل مرعب دامس، أوقات حزينة تمر في الذاكرة كل دقيقة، سجلت خلال أيام قليلة عذابات لا يستطيع البشر تحملها، عذابات تمارس ليلاً ونهاراً، الشمس ترسل أشعتها لتكون شاهدة، تلف دورة كاملة من جديد، تجدد لهيبها. الألم ينتقل وينتقل في جسده، عبر دروب تزرعها الضربات والركلات، فما من بقعة في بدنه إلا وصافحت جارتها معلنة خجلها وضيق تنفسها وإزرقاقها وتحجرها أو انفتاحها ساكبة أرجوانها. دفعته هذه الأيام لتجديد حياته واستعادة ماضية، لديه ألف سبب للصمود، خاطب ذاته وهو في قمة ألمه، لا بد من الابتسامة وخلق السعادة وإلا فالحياة تفلت دون رجعة، واليوم الذي يمضي لا يرجع. يكفيه من السعادة أنه مازال صامداً، وأنه قادر على الحركة ومغازلة الشمس واستحضار الزمن، قهقه وهو ينظر إلى معذبيه، ويرثي لحالهم ومستقبلهم. لو عاملوه بشكل جيد واحترموه، لأعاد النظر في المقولات التي تعلمها، لو طبقوا المبادئ التي يتلفظون بها من الحرية والديمقراطية لكان حزيناً! لأن من يتصرف بمثل هذه الثقة يكون واثقاً من ذاته ومبادئه.‏

أمضى أيامه في مركز الاعتقال بعزلة تامة، لا يسمع خبراً ولا يقرأ صحيفة ولا يعرف مالذي حل برفاقه، ولا مع الذي ظلوا وراء النهر، ينتظرون أن يبني تنظيماً أن يحقق شعار حرب الشعب، تساءل، ترى هل سيعملون على طريقه، أم إنهم يختفلون. هذه الكلمات عذبته أكثر من سياط الجلادين، لايجد لها أي جواب، مع أنه قادر على التخمين، إلا أنه لن يترك العنان لفكره يشطح .‏

ردد بينه وبين ذاته بأن الأيام القادمة ستجيب عن هذا السؤال. بصق على الأرض فاذا بقع من الدم تختلط مع لعابه، الجروح لم تلتئم بعد، جسده يئن .‏

أوثقوه إلى الشجرة ثلاثة أيام وهو يراقب ما يحدث، ويسمع صيحات الألم، وتحرشات الجنود، يضربونه على خده، يشمتونه، يبولون. نظرة واحدة تجعلهم يختصرون ما جاؤوا من أجله. ترى أيهما أشد إيلاماً أن يتعذب مباشرة أم يعذبوا غيره أمامه ؟‏

تأكد أنه غير قادر على فعل شيء، لأن الأيام التي مرت من القساوة بحيث يحني الموت رأسه ذليلاً. الشيء الذي لن يقدروا عليه هزيمة مبادئه وروحه .‏

احتضن الشجرة لتكون شاهدة على ممارساتهم ولترسل مع الريح زفراته وغضبه، عليها تصل بصوته إلى البعيد، ربما يسمع بعضها الذين شرقي النهر، لينقموا لتعذيبه .‏

الذين يتلذذون بالتعذيب يضحكون وهم ينفذون أوامر أسيادهم، هل يمكن أن تكون في نفس أي منهم كرامة؟ هؤلاء باعوا أغلى ما عندهم، وهم ليسوا أكثر من بغال تجيد الضرب والرفس وكل صنوف التعذيب.‏

تذكر كل لحظة من لحظات الفرح حتى أدق التفاصيل. نقاشه مع وصال وكيف صرخ في وجهها حين قالت له، تستطيع أن تصير غنياً وصاحب أملاك، أنسيت أنك قائد‍ !‏

- سأدفع ذلك من كرامتي‏

- لا كرامة لفقير .‏

البقاء في قيادة الثورة شرقي النهر يهبه مزايا، لا أحد يشك بأقواله وأفعاله، المؤيدون له يشعرونه بأنهم تحت الأوامر، يرون ما يراه، يدافعون عنه ومستعدون لخوض المعارك لأجله والتضحية بأرواحهم. لكنه رفض هذا حين احتدمت النقاشات والمهاترات حول أولويات الصراع وساحته الرئيسية، والتحرير الذي هو ابن صيحة في وادٍ، شعار افترعوه، صار كبنات الهوى .‏

قدم نفسه إلى الموت حين رفرف في سمائه ورافعه مشواره غربي النهر، لكن الموت رفضه، خاف منه وعفا عنه مرات، حين فشل في الهائه ليقوم. بمهمته. هز رأسه وتمتم بضع كلمات قبل أن يضع رأسه بين يديه ويمسح دمعة تسللت دون إرادته. تململ أحد السجناء بسمل ثم تعوذ من الشيطان الرجيم، توضأ وهو يردد " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي ....." ثم صلى صلاة الصبح، ودعا الله أن يهزم بني اسرائيل ويذلهم ويفك أسر السجناء. دعا في سره دعوات لم يسمعها لأحد، شفتاه تتحركان، وبعد طول دعاء مسح بيديه على وجهه. ابتسم عمر ودارى ضحكة، تذكر سليم الدوري و" مقالبه " يعلق على شيخ البركس سبعة بقوله " بركاتك ياشيخنا " يقترب منه، يمسح بيده على كتفه وظهره، ويمسد على ثيابه، يضج البركس بالضحك. في البداية تماسكا وكادا يتضاربان، لكنهما عدلا عن ذلك في آخر لحظة. آنذره الشيخ بنار جهنم وبئس المصير. تدخل الرفاق وانهوا حالة الخصام.‏

لكن سلمياً لم يتركه، ظل يمازحه ويماحكه حتى أقنعه ذات يوم بأن الإيمان في القلب والدين المعاملة، وهو صلة الوصل بين العبد وربه، فتحول ذلك الشيخ عن التدين، فلم يعد قادراً لا سليم ولا غيره على النيل منه. أما شيخ نفحة فإنه أطال في الصلاة، ظل أكثر من ثلث ساعة وهو يدعو إلى الله كلما مرت إصبعه على حبة من حبات السبحة الطويلة، ينتهي من طوافها فيردد بصوت مسموع " الحمد لله الذي أحياناً بعدما أماتنا وإليه النشور.. اللهم أجعل أول النهار صلاحاً، وأوسطه نجاحاً، وآخره فلاحاً يا أرحم الراحمين "..‏

انكفأت النجوم باهته، وهرب الظلام مقدمه لطلوع الفجر، تناول الشيخ القرآن وأخذ يتلو سورة الفجر والشمس والليل والضحى والنجم والقمر.. ارتفعت الشمس مقدار رمحين، فتقلص الظل شيئاً فشيئاً، سكبت أشعتها على الرمال، الشيء الذي لم تستطع إيقافه أوردعه الريح الصفراء الباهتة، حلقت الطيور وارتفعت زقزقتها في الفضاء. كانت كلما اقتربت من السجن تغرد أكثر، تهبط جماعات على الأرض، ثم تطير أسراباً إلى البعيد تتموج في طيرانها محاكية التضاريس، أصغى لتغريدها فتناهى إلى سمعه شبابة الراعي، أصغى ثانية، لاشيء يأتي سوى صفير الرياح، شبابته وريد يضخ دمه. تراقص فؤاده مع أول خيوط النهار. في نفحة شعر بحاجة إلى البكاء والغناء معاً. الغناء لا شيء يمنعه من ذلك أما البكاء فقد فاضت دموعه تسقي شرايينه، لتصير أكثر نداوة. دمدم بصوت خافت يردد:‏

O, My darling‏

O. My darling climling time‏

you have gone and lost for ever .‏

آه يا ابنة الرغوة، لماذا حكمت عليّ أن أظل بلا زواج؟ الآن فقط أدركت خطورة ذلك، أن يكون الإنسان بلا زوجة ولا ولد. تحسس بيده جروحه، شعر باللذة وهو يمرر يده على فخذها وصدرها والآه تنطلق من ضجرتها ... انتبه إلى رفاقه فكف عن الحلم .‏

في ألامس ناموا جائعين، وها هي الشمس ترتفع خميسن رمحاً ولم يحضروا الإفطار ولا الغداء، عندما فتح الباب توقعوا ذلك، لكن العسكري جاء يحمل أمراً بالنزول إلى الباحة. تعالى الصوت في المكبر يعلن ذلك ويطلب إلى جميع السجناء الاصطفاف مرة حسب سجونهم السابقة، ومرة حسب غرفهم في سجن نفحة وثالثة حسب الطول. في كل مرة يصدر الشاويش إلياهو تعليماته، الجميع ينصت. وقفوا ساعتين تحت الحرارة، استلم كل منهم فرشة إسفنج رقيقة وبطانيتين .‏

الشمس مالت إلى الغروب تناول رواية زوايا اليواناني لكانتزاكي، تأمل الغلاف وملامح وجه بطل الرواية، الفتاة التي تحاول تغطية نهديها، بينما صدرها عار وأعلى فستانها نازل عن كتفيها. من عادته القراءة في مثل هذا الوقت حتى يقتل الفراغ، تساءل إن كانت هذه الرواية ستفيده في اكتشاف الحياة واكتشاف زورباله، فأيهما زوربا الفيلسوف البسيط أم صاحب المنجم. وهل المنجم في الأغوار أم في الضفة؟ ناقش هذه النقطة مع ذاته، فاكتشف أن المنجم مازال مستوراً. افترض مجموعة افتراضات، شعر بغصة في حلقه وحزن دفين وهو يقلب صفحات الرواية، وخلص إلى أن زوربا متهم، والمتهم ستثبت التهمة عليه وينال عقابه حتى لو كان برئياً. صحيح مثل هذا الافتراض، لكن ماذا يعني ظلم عشرة أو ألف أو حتى مليون أو ملايين.‏

فتحت الطاقة بعد الغروب. ناداهم العسكري لتناول طعام العشاء، تناول عمر الطنجرة الأولى، وسكب لكل واحدة كمية من الشوربة، أعاد الكمية إلى الوعاء وصبها ثانية في محاولة لتحريك الرز أو العدس أو البقول المستخدم. لكن بحثه راح سدى، إذا اكتشف أن الشوربة مياه ملونة، لا يستطيع أعظم غواص التقاط حبة أرز أوعدس. أما الخبر فإنه قدير له قساوة الحجر. الطنجرة الثانية وزعها الشيخ عباس، ومع أنه صب بركاته، فلم يسجل حالة غوص واحدة داخل بحيرتها. إذ ادرك أن المياه الملونة لا تصلح سوى فتة، فطلب إلى الجميع الاحتذاء به، وصبّ المرقة فوق القديد .فعل ذلك وهو يهز رأسه وكأنه طرب .أكل وشكر الله على نعمه التي لا تحصى .‏

حسان فياض الذي ولد في عكا المدينة الهادرة، ونزح عنها مع أهله إلى الضفة الغربية تنقل في مدنها ثم استقر قبل سنتين في رام الله. راقب كل حركة قام بها الشيخ عباس فعلق بكلمات فيها الكثير من الهزل والمناكفة ومنها قوله:‏

- وهل السجن نعمة ياشيخي ؟‏

- وحد الله ياولد ولا تدخل الهزل بالجد .‏

كانت لهجة الشيخ حاسمة، نظر إليه بعينين تقدحان غضباً، تدخل بقية الرفاق ومنعوا حسان من الرد، فبلع ريقه واقتدى بالشيخ. فت قطعة الخبز بالشوربة، ثم شرع في الأكل وهو يتطلع إليه .‏

الجميع فتّوا الخبز وبلوا ريقهم، ثم حمدوا الله وشكروه مرددين الكلمات التي سمعوها " الحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه " وضعوا الأواني جانباً، جمعها حسان ووضعها قرب الباب ثم مسح بيده وردد قولهم: " الحمد الله"‏

نظر إلى الشيخ بعين القلق والغضب، توقع الجميع من الشيخ تعليقاً يزيد النار اشتعالاً، لكنه صب الماء على الجمرات .‏

لم يكن حسان والشيخ عباس الوحيدين اللذين تخاصما، فقد انقسم الذي في الغرفة إلى فئات وظهرت المشاحنات، إذ نقلت سلطات السجون إلى نفحة سجناء مختلفي الأمزجة، قامت بدراستهم وصنفتهم إلى ثلاثة أقسام. عصبيوا المزاج وآخرون هادئون ومفكرون، فكانت كل غرفة مسرحاً فوضوياً لفعاليات غير متجانسة. انقسم بعض الذين في الغرفة إلى مؤيدين للشيخ أو لحسان.‏

تدخل علي الجعفري وإسحاق مراغة وعمر القاسم لإنهاء الخلاف وبتره.‏

ظاهرة الخلاف موزعة على الغرف بالتساوي، تخلى عمر عن برنامجه التثقيفي والرياضي في سبيل الوصول إلى حل. راقب وسجل التصرفات والحلول المقترحة، انفرد كل يوم مع واحد، أشعره بأنه يعتمد عليه في حل المشاكل، لم يمض الأسبوع الثاني، إلا وبدأت هذه الظاهرة بالتلاشي من الغرفة رقم واحد، وتلاشت نهائياً من السجن بعد شهر ونصف.‏

كانت إدارة السجن بالمرصاد تراقب مايجري ولا تحرك ساكناً. بعد شهرين تأكدت أن ظاهرة الشغب والعنف بين السجناء قد زالت نهائياً. تدخلت إدارة السجن لتخلق مشكلة من نوع جديد، فقد أخذت تستدعي كل يوم واحداً، تطلبه مرة وقد تطلبه مرات ومرات، مما خلق جواً من عدم الثقة. قال علي الجعفري:‏

- نحن نثق بكم ولن تستطيع سلطات السجن زرع الشكوك .‏

كان هذا رأي عمر الذي طالب بإعادة الثقة إلى نفوسهم، وعدم زرع الفراق وتفسير الأمور على هواهم. ثم شرح الأهداف المتوخاة من وراء ذلك، واستطاع أن يعيد الثقة لكل الذين استدعتهم سلطات السجن .....‏

بدأت تُفقد بعض النقود ثم فقدت بعض الملابس أثناء الفورة، تساءل الجميع ترى من الذي يفعل ذلك وقبل أن يجيبوا عن السؤال، اتفقوا على وضع حراس للغرفة، فعينت كل غرفة اثنين للمراقبة، وذات يوم بينما الشيخ عباس مرابط قرب الباب، شاهد الشرطي يدخل، لوح بيده إلى حسان الذي جاءه راكضاً، راقباه وهو يأخذ الملابس، وتركاه حتى خرج من الغرفة فأمسكا به، وبدأت الزفة.‏

اجتمع كل من في الفورة. وهتفوا بصوت واحد " هذا الحرامي، تعال وشوف يا سلام على اللص السارق " وعندما سئل الشيخ عن حكمه قال: " السارق تقطع يده". بغفلة من إدارة السجن حصل ما حصل في الباحة، وعندما وصل الأمر إلى نائب المدير. كان السارق يصفع ويشتم مما خلق حالة بلبلة وفوضى. ترك رحميم مكتبه وأطلق بوق الخطر فاجتمع السجانون في الباحة. أعطى أوامره باختصار الوقت المخصص للفورة وإعادة السجناء إلى غرفهم. راحت أوامره مع هواء نفحة وكأن أحداً لم يسمعها. واصلوا البقاء في الباحة حتى انتهاء وقت الفورة.‏

لم تكن ربع الساعة الأخيرة التي أمر باختصارها هي المهمة. بل حالة التمرد والموقف الموحد للسجناء، وعندما أدرك صعوبة ضبط الأمر ترك كل شيء على حاله حتى انتهاء وقت التنفس .‏

باشر التحقيق فاستدعى الشيخ عباس وحسان وعلي الجعفري وعمر القاسم.‏

- أيها الشيخ ألا تخجل من شيبتك، تقاد بشعره كما يقود الاعرابي البعير.‏

- البئر ينضح بمافيه .‏

- اخرس ياحقير خذوه ..وأنت من الذي دهى بعقلك للتمرد ؟‏

أجاب حسان: هذا ليس سؤالاً بل إهانة.‏

- لِمَ فعلتم ما فعلتموه مع الشرطي ... اخرس لا تقل ذلك أنتم السارقون خذوه. أما أنت فأنسَ أنك عضو لجنة مركزية في " منظمة تخريبية "، ستنسى هنا ماضيك ومستقبلك .‏

- أنتم تستطيعون فعل كل شيء سيء.‏

- خذوه عشرة أيام في المنفردة .‏

لم يبقوا سوى ساعات. مساءً رفض السجناء طعام العشاء وأعادوه. كان هذا التطور غير موضوع في الحسبان. إنه عصيان وإنذار بموقف صلب ومقدمة لإضراب. تراجعت الإدارة إذ لم يكن في نيتها التصعيد، طلبهم رحميم وتفاوض معهم حاول الحصول على اعتذار، ولكنهم رفضوا ومع ذلك أعادهم إلى الغرفة .‏

بعد نجاح السجناء في فرض إرادتهم، بدأ التخطيط لإضراب طويل الأمد لايقتصر على نفحة، ومن أجل هذا شكلت لجنة ثلاثية ضمت كلاً من راسم حلاوة مسؤول قوات التحرير الشعبية في غزة وعلي الجعفري وعمر القاسم. درست عملية القيام بإضراب للسجون. اتفقت على صيغة رسالة توجه إلى السجون الأخرى خلال الأيام القادمة واتخاذ الترتيبات المناسبة. نصت الرسالة على إعداد مشترك للسجون، وطلبوا الآراء والمقترحات لبدء الإضراب. في أسفل الرسالة دونت عبارة لجنة إضراب سجن نفحة .‏

انتقلت صيغة الرسالة إلى سجون بئر السبع وعسقلان وبيت ليد وجنيد وطولكرم ورام الله وغزة المركزي وجنين والشطة خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من حزيران الثمانين. تألفت على أثرها لجنة مسؤولية عن الإضراب في كل سجن لا تزيد عن خمسة أشخاص .‏

ولىّ أيار برياحه الخماسينية، وأقبل حزيران بشمسه الساطعة ونهاره الطويل، والت درجات الحرارة ارتفاعها حتى وصلت الخمسين، فاختفت المناظر المألوفة لقطعان الإبل التي ترعى وتحوم حول التل . أنتقل البدو مع قطعانهم شمالاً أو غرباً حيث الحرارة أقل والماء أوفر في مكان قريب من الريف والمدينة، إذ على بعد كيلو مترات تبدو كل من مدينتي غزة ورفح. هناك يقضون الصيف داخل خيامهم السود.‏

مع اقتراب الخامس من حزيران استعدت إدارة سجن نفحة للاحتفال بالانتصار الساحق على ثلاث دول قبل سنوات خلت. منذ الصباح لم تتوقف حركة السيارات القادمة. حضر المدعوون الذين عرف منهم حيوت وهايمن مدير سجن عسقلان ونائبه، لفي جونسون مدير سجن الرملة وعاموس مدير قسم فتح في الرملة، مردخاي مدير سجن بئر السبع، مع طاقم سجن نفحة عمرام ورحميم. مساءً حضرت فرقة موسيقية فبدأت الحفلة التي استمرت حتى الثانية صباحاً. قدمت فيها مختلف أنواع المشروبات والمأكولات ،وغنت لإسرائيل الكبرى ومجدت السجون. كان من بين المدعوات زوجات المسؤولين وصديقات مدراء السجون. فيرا التي ترددت على سجن بئر السبع فتاة نحيلة شقراء تسكن تل أبيب ، لبيبة اليمنية ذات القوام الحنطي عشيقة حيوت المراكشي ،وغراسيا التي زارت سجن عسقلان غير مرة، وانجيلا التي جاءت مرة إلى نفحة، وآخريات غير معروفات للإدارة يلبسن الثياب الهفهافة الرقيقة، صدورهن دالعة وشعورهن مرتبة إما على شكل قصة حديثة أو تسريحة مطبقة على شكل هرم، وبعضهن نفشنه وأرخينه على راحته ومنهن من عقصنه على شكل ذنب أو جعدنه كالعبيد.. الغناء يتردد في غرف السجن، تابع السجناء السهرة، الضحكات والنكات المقدمة ضد الجنود العرب، ففي فقرة احزر، قال المذيع من يعرف كيف قبضنا على الجنود الفارين على الرغم من ارتدائهم الثياب المدنية وتخلصهم من سلاحهم؟ تعالت أصوات وارتفعت أيد بقصد السماح بشرح هذا اللغز، فاختار المذيع مردخاي مدير سجن بئر السبع، تعالى التصفيق، قال:‏

" شالوم " ... رفع يديه محيياً ثم واصل حديثه :‏

" كنت مكلفاً بمواصلة الخرق، تجاوزت قواتنا المظلية المنطقة التي لم نحتلها بعد انعدام قوة الخصم وسحبه لجيوشه، هبطت خمس طائرات مروحية، واستلمت الطريق العام، سمحنا للمدنين بالمرور، في حين كنت أدقق على الحلاقة وأثر البوط العسكري والمطاطية على رجليه، كان منظراً رائعاً لن أنساه"‏

عاد المذيع ثانية فوجه سؤالاً آخر :‏

- من يحزر كيف ألقينا القبض على " المخربين " .‏

ساد جو من الامتعاض لدى النطق بهذه الكلمة، تخللته ضحكات ماجنة وتعليقات لاذعة عن الإرهاب، فعاد المذيع ليخفف من وقع جملته وليطمئنهم بأنهم هناك في الأقفاص كالأرانب، وإن شئتم التفرج عليهم فابقوا معنا حتى الصباح، لتروا ذلهم، رفعت فيرايدها واقترحت متابعة الغناء والرقص لأنها جاءت لتفرح وتضحك وتبعد الهموم عنها، أعطت بحركة من يدها إشارة البدء للفرقة الموسيقية لتبدأ عزف الحانها الصاخبة التي رافقتها نقرات الأكعاب وأغان مثل:‏

" سنتحقق حلم العودة، حلم يهوه الجبار، ونسحق الرعاع وتسور المياه دولتنا " خيم الحزن على السجناء وصعدت دموعهم إلى رؤوسهم عصية ولتتوقف هناك راسمة مجموعة غيوم وحزن لا ينتهي. في صباح الخامس من حزيران جاء الشاويش المناوب في السادسة، وعند فتحة الباب صاح " اسفيرا" أخذ التفقد اليومي كعادته، وعد السجناء بطعام لذيذ وطلب إليهم أن يبتهلوا بالبقاء لإسرائيل. صاح السجناء " الفناء لإسرائيل ".‏

في السابعة أحضروا طعام الافطار، لم يكن محسناً كما وعد. الشيء الوحيد الجيد كون الخبز طرياً وملفوفاً بأكياس نايلون كتب عليها بالعبري " البقاء لإسرائيل، مع تحيات جيش الدفاع في يوم الخامس من حزيران " لاشك في أن الخبز جيد وطازج كأنه أحضر للتو من الفرن.. بعد الأكل استمر العمل، فذهب ثلاثة سجناء للخدمة الذاتية، بينما خرجت الدفعة الأولى للتنفس.‏

لاشيء حي في هذه الصحراء الواسعة سوى الصرار وبعض أنواع الفراش الصحراوي، وأسراب قليلة من الطيور تمر من هناك متجهة غرباً، وتلك الأرض المزروعة جانب السجن، والتي يسمونها " جنة عدن" زرعوا فيها أشجار متنوعة بداية بالحمضيات وحتى البلح. الثمار فيها طوال العام. في الشتاء الليمون وفي الربيع الموز وفي الصيف التفاح والإجاص والعنب والتين وفي الخريف الزيتون، مسيجة بصفين من أشجار السرو والصنوبر. أما المطار فهو كخلية النخل. إنه أكثر حيوية من أي شيء آخر يقع غربي السجن. تقلع منه في كل مرة طائرتان " ف 16" لا تتركان الجو لحظة واحدة. تلفان حول النقب ثم تحطان في ريمون بعد إقلاع اثنتين أخريين وتلقّي إشارة العودة. تساءل السجناء عن جدوى وجود معسكر في الصحراء ما بين الحدود الأردنية والمصرية والسعودية!‍‍ والتدريب المستمر وعدم ترك الجو فارغاً من الطيران. وكأنها مهددة بغارة جوية بين لحظة وأخرى، وليس هذا الذي يثير الفضول، بل وجود ضباط أمريكيين يعملون في المراقبة الجوية طوال اليوم. بقيت هذه التساؤلات دون إجابة محددة، كل واحد أجاب بطريقته الخاصة .‏

كان هواء النقب ثقيلاً في ذلك اليوم محملاً بالحرارة الشديدة الخانقة. العرق يتصبب كدموع كانون. كمية الهواء في الغرفة لا تكفي لتنفس عشرة. الطاقة القريبة من السقف تلعب دوراً هاماً في تجديده، ولولاها لا نحبس الهواء تماماً وماتوا، لهيب جهنم يندفع من هذه الغرف، درجة الحرارة نهاراً لا تطاق، الشمس تضرب الحيطان والسقف، تحول الغرف إلى فرن والسجناء إلى أدوات تهوية تحاول التخفيف من عبق الجو وحرارته، ملابسهم كلها عرق يعصرونها، ترتفع الروائح وتنتشر في الغرفة، روائح هي مزيج من رائحة البول والعرق واخزة لدرجة لا تطاق، أما الأكل فكميته لا تكفي إذا استثنينا بعض الأيام كيوم الخامس من حزيران وعيد الفصح وعيد العرش ويوم الغفران. الإنارة غير كافية خاصة في الليل، في كل مهجع مصباح كهربائي يضاء حتى العاشرة وبقية السهرة على الشمعة أو العتمة، النظافة معروفة أدواتها يحتفظ بها المدير، فيتكاثر الذباب وينتشر القمل ويكون عوناً للإسرائيليين. ليس هذا كل ما هو سيء. الأوامر العسكرية يجب أن تطبق بحذافيرها دون تردد أو تذمر، وهذا جعل السجناء يعيشون حالة قلق. يستدعي الضابط أي واحد منهم في أية لحظة دون تبرير، وأحياناً يطلب إليه الانتظار خمس دقائق ثم يعيده إلى غرفته. حتى التجمع لأكثر من ثلاثة ممنوع، وممنوع الاقتراب من الغرف، حتى الزيارة التي يحلم بها السجين ويعيش أيامه على أمل لقاء ذويه واقتناص واقتناص لحظات السعادة معهم، اختصرها، فبعد انقضاء ثلث ساعة يترك الزوار سجينهم ويعودون وفي عيونهم دموع لا ينشفها إلا الزمن. هذا بعض ما يلاقونه، الحنظل طعم حياتهم .‏

أعلى عمرام أوامره عبر جهاز الإرسال من مكتبه، ولم يدخله بل بدأ يراقب، في أثناء الفورة يظل ماداً بصره إلى الباحة، يراقبهم كيف يمشون ،وكيف يتحدثون معاً، وإذا صادف أن ألقى أحد السجناء نكتة أحضره إلى مكتبه نبهه لأنه تجاوز العرف بقوله :‏

- الضحك للنساء، هل أنت امرأة لأسمح لك ؟! إنه لا يليق بسجين قدم روحه فداءً لما يؤمن به من أهداف. إذ رأيتك مبتسماً ثانية سأقتلع أسنانك وأقص لسانك!‏

أصدر أوامره مباشرة إلى الضابط المناوب وإلى شاويش الساحة والعسكري المناوب ليحضروا أي سجين يتطلع إلى " جنة عدن" أو يحاول إدخال السرور إلى قلب رفاقه، وكذلك المشاغبين، لتبدأ حفلة الإهانة والضرب والتعذيب، كل من في الخدمة مستنفرون حتى الحارس والشرطي عيونهم باتجاه باحة التنفس وتصرفات السجناء وقت الفورة، كان عمرام يراهن على إذلالهم وتحطيم معنوياتهم، لايخرجون إلا جثثاً هامدة أو عاهات بحاجة إلى خدمة وهو القائل:‏

- سيحتاج كل واحد إلى اثنين لخدمته .‏

كان الحل ما اقترحه القاسم على رفاقه الذين ناقشهم بالعمل المفيد داخل الغرف وفي فترة التنفس، وقتل الفراغ الذي يجعل الجسد والروح ذاويين، فيشعر الإنسان بأنه رقم زائد في هذه الدنيا فتهون عليه كرامته، الأيام الثقيلة لاشيء يعيدها إلى حيويتها ومرحها إلا بالمطالعة والعمل؟‏

أطفئت الإنارة في تلك الليلة بعد العاشرة، استمروا بسهرتهم، خمسة أحاطوا بالقاسم يسألونه ويناقشونه، وأربعة يلعبون الورق، أصواتهم تنتشر في الجو، أربع ساعات يقضونها بألعاب " الطرنيب، الكونكان، الباصرة ..."‏

يصيح صاحب الدور :‏

- فت الورق أنا طرنيبي ديناري .‏

بنظرة من عيني رفيقه يفهم قوة ورقه عندها إما أن يصمت وإما أن يزيد ثانية، عند إعلان النتيجة يشارك الجميع في الضحك والاستهزاء من المغلوبين الذي يتلقون شروط الغالبين بصدر رحب ويطبقونها، وهي في العادة أشياء بسيطة يقومون بها هدفها التسلية مثل، هيا حكوا مؤخرتكم بالحائط أو انبخوا كالكلاب، وانهقوا كالحمير، يفعلون ذلك وهم في مرح عارم، أما الثأر ورد الاعتبار ففي الليلة نفسها أو الليلة القادمة.‏

الورق جنية تفتل الرؤوس، تريحهم من كل شيء إلا من ذاك الداء، ينسون كل شيء مهماتهم وأعمالهم ومطالعاتهم، يقتل الوقت وهم خاملون .‏

عندما قرر الجميع النوم تناول عمر الشمعة، غداً يوم زيارة، كتب رسالتين إحداهما على ملابسه الداخلية مباشرة والأخرى صغيرة بحجم حبة الفول. قرر أن يضعها في فمه مكان ضرس مخلوع، سيجد اللحظة المناسبة لايصالها، طوال الشهر الماضي حرم من الزيارة ومن مصروفه اليومي والشراء " الكانتينا " والرسائل، ضبطوا واحدة من الرسائل التي ألقاها داخل الغرف المجاورة أثناء فترة التنفس. سلمت إلى الضابط المناوب، الذي طلبه وسأله حول الرموز الموجودة فيها وطلب تفسيراً منطقياً للجمل غير المفهومة، مازال يذكر كلمات الضابط: " أحمل بطانياتك وإلى المنفردة، ستجد على جدرانها لوحات تزينها الرموز، لا تنسى الإكثار من نجمة داود ".‏

بعد سنوات الاعتقال الطويلة، يدفعونه للمنفردة لأتفه الأسباب، الزنزانة شيء فظيع، باب مغلق وجدران تقترب من بعضها حتى تكاد تحطم جسده، لا يستطيع الوقوف، عليه أن يحني رأسه، وغير قادر على التمدد فعرضها أقل من متر وطولها متر، حتى إذا قعد أو قرفص يشعر بالبلل وكأن أرضها تنز ماء، ينسى نفسه ليلاً فتصطدم قدماه بالحائط ويضرب رأسه بالجدار، عاش فيها أياماً طويلة، لكنها الآن نسي كل آلامه، يعيش وكله أمل، يعلم رفاقه الذين يحيطون به ويقول لهم صراحة:‏

- من أجلكم أحتمل عذاب السجن!‏

في الزنزانة يُحرم من المطالعة ومن أي حق آخر، وينتظر تبلد الزمن الذي قرر أن يوقف مسيرة الأيام التي لم ترضخ، فها هي الأرض تدور، وهاهو بأحسن حال ينتظر الزيارة.‏

منذ الصباح ظهر بملابسه النظيفة وقامته الفارعة، وحلق ذقنه ولطف شاربيه، وقرر أن لا يحادث أحداً ولا يجيب عن أي سؤال أو يدخل في نقاش سياسي قبل رؤية أمه، التي تحدثه طوال الزيارة فلا تترك شاردة ولا واردة إلا وتخبره إياها. الذين في الغرفة يعرفونه، عندما يكون مشغولاً بشيء لا يتكلم أي كلمة خارج الموضوع الأساس. الزيادة والرياضة والمطالعة والتثقيف والحوار مع الآخرين مواضيع مقدسة لها أوقاتها، لا يسمع لأحد أن ينال منها.‏

تناول طعامه الصباحي نصف بيضة وقطعة خبز بقدر الكف وكأس شاي، إنه إفطار مقبول إذا قورن مع بقية الأيام، مع أن جسمه بحاجة إلى خمسة أضعاف ذلك. الشيء الذي يفكر به ذاك الشاب الفكاهي الذي تغيّر بسرعة، أشياء كثيرة تتبدل في الكون دون جواب شاف، إلا أن تبدّل حسان شغل فكره. منذ أيام وهو يعيش حالة انطوائية، جدي هجر الهزل، يعيش عالمه الخاص بعيداً عن رفاقه، لا شيء يثيره، دائم الصمت والتأمل، ظهر عليه الهم، ازدادت شكوته من وجع رأسه وقلة نومه، ينسج من أحزانه سمغونية يلحنها وحده، تضاعف هذا الشعور يوم الزيارة بالذات، إذ أحس بانقباض شديد، وكأن أمراً مخيفاً يطارده. كل من في الغرفة يتحدثون عنه، شعر بذلك، ماذا يقول لرفاقه؟ تردد، وازن موضوعه فقرر أنه لا يستحق التصريح. انكمش على ذاته أكثر فأخفى كل شيء جواه. إذا سئل أيكذب أم يعترف بأنه يفكر بفتاة، خجل من نفسه، فمثل هذا الكلام يبقى في القلب، ومع ذلك ظلت الفكرة تطارده حتى عند النوم، ولم يتخلص منها بقية الأيام لافي الفورة ولاداخل الغرفة وأثناء الطعام .‏

حسان فياض الذي ملأ الغرفة بهجة طوال الشهر الماضي يتحول إلى شاب صامت .ذهبت الظنون بهم كل مذهب، فمنهم من ربط ذلك بطول مدته في السجن وسوء المعاملة. لكن الفريقين لم يحزرا فهو وعباس كالعسل كلّ عرف طباع الآخر فأبعد الخلافات، وصارا صديقين اشتركا في القبض على العسكري ودخلا المنفردة. الشيخ عباس لم يجد تفسيراً، بدأ يتودد إليه ويدعو له بعد كل صلاة، وعندما لم يجد دعاؤه نفعاً طلب إلى عمر القاسم التدخل، قال له: " إذا كان حسان يحمل في قلبه شيئاً، سأذهب وأعتذر منه وأقبل رأسه، كلنا يد واحدة، أم أنا غلطان ؟‍‍"‏

- حاشاك من الغلط يا شيخنا، بارك الله في همتك، سأحدثه وأعرف قصته وأخبرك .‏

ناداه وهما في الفورة، تحدثا في البداية في أمور شتى، وعند انتهاء فترة التنفس دخلا الغرفة وتابعا حديثهما، جميع من في الغرفة ينتظرون النتيجة، تجادلوا حول موضوعه وحول قدرة عمر الوصول إلى حقيقة الأمر. تولدت لدى حسان ثقة لا حدود لها من خلال ما سمعه في الفورة والآن، فتح قلبه ونطق بأول جملة طلب فيها أن يكون هذا الأمر سراً داخل صدريهما ،لأنه يعاني من تفاهته وعدم علاقته بالسجن، هذا الذي جعله يعاني الوحدة، ويدفن أحزانه في فؤاده المنكسر. عندما قبض على طرف الموضوع، ربت على كتفه وقال له:‏

- اعتبرني أخاً أكبر .‏

انفرجت شفتاه عن ابتسامة اغتصبها إغتصاباً، ثم حدثه بكل دواخل نفسه ولم يترك شاردة ولا واردة إلا وحكاها. شكره عمر على ثقته وأوضح أنه لو كان عنده مثل ذلك لما حدث به الجميع. " الحب والجنس الآخر مسألة طبيعية يجب أن تفهم ضمن هذا السياق. إنه موضوع طبيعي لشاب لم يبلغ الخامسة والعشرين بعد، والمدة الباقية لسجنه سنتان، سنتان وتكون خارج السجن، تتزوج وتكوّن أسرة. عليك يا حسان أن تصنع قصة حب وأنت هنا، آلا تعرف بنات قبل أن تسجن؟ ألم تتحدث ولو مرة مع إحداهن؟ ألم تتحرش بواحدة ونفرت. ألا يستطيع خيالك الخصب استحضار واحدة؟ إن استطعت فاخبرني لنكمل الطريق".‏

سرح بفكره، اقترب منه، التعابير والخرائط المرتسمة على وجهه تفضحه، هناك مايمكن أن يفضي به، أخرج لفافة وأشعلها، أخذ نفسين متلاحقين، وضعها فوق إناء قصديري خصص لهذا الغرض، نفض بالشاهد على السيجارة فسقط ما احترق، تناولها من جديد، يحتاج إلى وقت لجمع أطراف صورتها وليلملم الموضوع في فكره.‏

تراجع ومسحة حزن تعلو جبينه .‏

لم يقل عمر شيئاً، راقبه، لحق به، حثه على الكلام. وبعد جهد قال حسان:‏

- لا أعرف كيف أبدأ، إنها ليست قصة، كل ما في الأمر أنها تمر يومياً من أمام بيتنا، أعجبت بها. هذا كل شيء، فهل هذا الموضوع يستحق اطلاعك عليه؟‏

- عظيم يارفيق، أنت مرهف الإحساس، علينا إذا لم نجد الحب أن نخلقه.‏

تذكر كيف كانت تنظر إليه وتمضي، على وجهها ابتسامة ذابلة، لحق بها، قفزت وهربت وعندما دخلت المدرسة أشارت بيدها، في المرة الثانية نظرت بغضب وقالت :‏

- لماذا تحدثني؟ هل تعرفني وهل بيننا علاقة؟ امش في طريقك والزم أدبك وإلا ... كادت تهوي بمحفظتها على رأسي. بعد أيام أشارت إلي وهي تحدث رفيقاتها، خجلت وابتعدت، وكأن دورية لحقتني وعندما ابتعدت قليلاً هرولت .‏

بعد شهر واحد اعتقلت، لم تفارق صورتها خيالي، ربما الوحيدة التي أثارت اهتمامي وحاولت بناء علاقة حب معها، تطاردني في اليقظة والنوم، تملأ أفكاري وحواسي، هل هذا هو الحب أم أنها حالة مرضية ؟‏

" لم أفهم ما حدث معي، هل تتذكر فتاة شاباً مشى خلفها مرات، ولم يستطع أن يغتصب منها كلمة جميلة واحدة. وفي كل يوم يمشي خلفها العشرات وتسمع كلمات أحلى، لكن لم يذوب قلبي كقطعة من الزبدة ؟"‏

رأسه طاحونة دورانها بطيء لكنه لا يهدأ، المفاصل نابض تخلى عن مقاومته. يحاول جسده السيطرة على قواه. تقيأ ما في معدته ثم تمدد على فراشه، في اليوم الثاني ناداه عمر وقال له:‏

إنها هي ولا أحد سواها .‏

كانت هدى شعبان في الإعدادية طفلة، أما عندما نجحت إلى الصف العاشر وغادرتها براءة الأطفال، انتفض جسدها وثارت من الداخل. بدت شابة أنيقة، فكر كيف تتحول الأنثى إلى ثمرة، رفعت رأسها مزهوة وعيناها تسبران الطريق وتدققان في القادمين. غيرت بعض طباعها ومشيتها بعد اهتمامه، اعتنت بهندامها ووضعت قليلاً من المساحيق والأصبغة، أشار عليه:‏

- أرسل لها تحية .‏

- تصدني كما فعلت ولن تسمع تحياتي .‏

- يا عزيزي المرأة لا تفكر بطريقتك. إنها عالم سحري يبهرك كلما اقتربت منه، ابتعد تره على حقيقته، صدقني ستكون مسرورة إذا بعثت بتحياتك، ستبني مجدها الوطني بالتقرب إليك. إياك أن تفعل مثلي، تتجاهل نداء قلب المحب بحجة العمل الوطني، فالوطنية تبدأ وتنتهي بأكذوبة أمام الحشد .‏

شجعته هذه الكلمات، عاد إلى مرحه، انتظر قدوم الزيارة كمن ينتظر حبيبته، بدأ يعد الأيام والساعات، عندما جاء اليوم الموعود لبس أفضل ما عنده من ثياب استعداداً، وحلق ذقنه فبدت عليه الأناقة. ظل طوال فترة انتظاره متوتراً. نادره قفز كالأرنب باتجاه الباب، كما توقع أمه ترفع ناظريها وتحدق إلى الساحة، وقد بدا عليها التعب والارهاق. تغيرت تعبيرات وجهها فقد غزا المرح محياها مجرد رؤيته، تقدم وقبّل يديها وسألها عن الجيران، ثم حار وطفح الحزن على محياها، توقف عن الكلام، نظر إلى عينيها وابتسم، خمنت أمه أن لديه ما يقوله فتوقفت عن الأسئلة ،؟ انصتت وعندما لم يبح قالت :‏

- أراك غريباً، شيء ما يشغلك حدثني يافلذة كبدي وادخل السرور إلى قلبي.‏

أجاب بخجل وغنج مصطنعين :‏

- ما أحبار هدى.. هدى جارتنا ابنة إبراهيم شعبان ألا تعرفينها .‏

ضحكت أمه وبان على وجهها الانشراح وبلهجة العارف قالت :‏

- ماذا تريد منها، ولماذا تسألتني عنها ؟‏

- هدى يا أمي ..‏

لم يستطع أن يكمل، التفت جانباً وحنى رأسه إلى الأمام. كانت عيناه تفضحانه، تشعان ببريق، وشفتاه تتراقصان وتفتران عن ابتسامة خجلى، عند هذا الحد فهمت أمه ما لم يستطع قوله فعلقت :‏

- آه مثل يا ولدي، قل بأنك تحبها وأنا آتي بها، لم لم تخبرني من الزيارة الماضية؟ هدى وغيرها تتمنى هذا الموقف، أن يسأل عنها من وهب حياته للوطن. اعتمد عليّ وداعاً .‏

ضمته قبلته وصارت تشمه، حاولت أن تشرك حواسها في لحظة كهذه.‏

آمنة خليل أم حسان محبوبة من الجيران، لطيفة ودود تمازحهم، دائماً ضحكتها شبر كما يقول العامة. نادت على هدى وطلبت إليها أن تقترب وتغلق الباب، وأشارت إلى المكان الذي ستجلس عليه. قبلتها وداعبت شعرها وأخذت تسمعها بعض الكلمات الجميلة. وبعد مداعبة أخبرتها أن حسان يسأل عنها .‏

خجلت تورد وجهها ثم اصفر وصار كالزعفران، أسبلت جفنيها ونظرت إلى الأرض غير قادرة على المواجهة، الكلمات خانتها، فلم تستطع النطق، اقتربت من أم حسان أكثر وقبلتها. بعد فترة هدوء شعرت أن قلبها يقفز ككرة اليد ويلزمها مرمى لتدفعها إليه. تخيلته يلاحقها، تخبئ وجهها خجولة، ترن في أذنها، أنت أجمل فتاة.. أحبك، لم تنم تلك الليلة.. في صباح اليوم الثاني قرعت الباب فأخذتها أم حسان بالأحضان،‏

هيا ادخلي فقهوة الصباح جاهزة .‏

أحضرت الركوة وصبت في فنجانها، ظهر عليها الخجل، شربته على عجل ثم ناولت أم حسان ورقة وانصرفت :‏

" حسان تحياتي، أنا سعيدة لاهتمامك، سأسأل والدتك عن أخبارك، اهتم بنفسك ولا تشغل تفكيرك، فنحن بخير طالما أنتَ صامد ..."‏

فتح حديثه مع حسان جرح في القلب، وقفت أمامه الايام الخوالي بقامتها المديدة، تذكر حبيبته دفعة واحدة، كانت عبلة تراقب شيئاً ما، شدت السماء اهتمامها ونظرها، حدقت بعمقها ورحابتها ونظرت إلى عينيه. تابعت مراقبتها لطائر صغير يتنقل من غصن إلى آخر، يتأمل الفنن الأول جيداً قبل أن يحط على الثاني. أوحت إليها هذه الصور بفكرة عن جمال الطبيعة وروعتها، التي تشدّها كما تشدّ كل الفتيات، وكيف تصير الأرض بستاناً بوجودهما، تساءلت، لِمَ لا يكون هو ذاك العصفور أو الفراشة وهي وردة حمراء أو ثمرة شهية، قادر على قطف الثمار والأزهار؟ غطت مسحة من الحزن ملامحها وقبل أن يقرأ أفكارها، شدته إلى داخل البستان، كان مبتسماً ومحدثاً بارعاً، كل كلمة وإشارة تدل على التوافق العاطفي التام بينهما. ما معنى قوله إن الحياة دون ابتسامة مقيتة، نسيت ذاتها ضمته إلى صدرها وقالت له:‏

ابتعد عني، أنفاسك تحرقني، وشفتاك تدمران كبريائي .‏

في حين كانت وصال الرغوة ذات أنوثة صارخة. جسدها يرقص مع مشيتها مع كل حركة من حركاتها، يرقص وهو داخل ثيابها، يشعر برقصتها عند وضع يدها في يده، ورشاقتها أثناء السير في الشارع، وانحناءات جسدها حين صعودها السيارة أو الصعود إلى قاعة المحاضرات، أما حديثه في كافتريا الجامعة فيشعره بروحها المرحة التي تجعله يحلق في دنيا الخيال. شيء ما يشعره بأنوثتها وجسدها اللدن، عند مرور يده التي تكتشف النعومة اللامتناهية تتملص كالسمكة بحركة بسيطة من جسدها. تفلت منه وهو يحاول إمساكها. ملابسها الناعمة المشدودة تنحني وتتكسر مع مشيتها. تعذبه بغنجها، تلتفت إليه وتقول:‏

- أنت تقتلني برجولتك.‏

لم تهتم لما يقوله عنها، بل اعتبرته غزلاً، ماذا يهمها إذا قال عن حركاتها الراقصة إنها حركات جنسية، فليكن، فهي تتعمد أن يبدي جسدها باللباس الشفاف صفاءه وعريه. يطهو عجينته على نار هادئة، وكلما أحب أن يتأكد من مفعول الخميرة ونضج العجين يشد على يدها، تبتسم دون أن تظهر أسنانها، خطر له أن يسميها ممثلة، ففي دمشق قليلات.‏

وصال لو دخلت مجال الفن لأبدعت وكتبت عنها الصحف. فتنتقل هذه العجينة إلى يد وزير أوضابط. تمتلك بأسبوع واحد سيارة وبيتاً مستقلاً عن أمها ويكون لها كلمة في السياسة العليا للدولة ... مدت يدها وقرصته من فخذه، وضحكت. بينما استمر يراقب حديثها وحركة جسدها وهي تتمايل على أنغام الموسيقا الهادئة. راقب الحركة الناعمة لانحناءتها، تصورها بحراً هادئاً وثنيات ثوبها أمواجاً .‏

لملما كتبهما سيخرجان إلى الطبيعة، أشارت أن يذهبا إلى الغوطة، لأن مرتفعات قدسيا والهامة ودمر ذكرته بالخشونة، سترى إن كان كلامه سيتوافق مع الطبيعة ويعطيها أوصافاً تليق بها وبالغوطة، لكنه قدم عذره قبل الخروج .‏

أنا لست كاتباً كل ما في الأمر أن لغتي الانجليزية قوية.‏

تذكرت كلماته الرقيقة ونظراته الوادعة في حين كانت يده تمر فوق جسدها الغض.‏

حدق إلى عينيها جيداً فرأى طيف قطرة تنحدر .‏

بدأت زيارة ذلك اليوم من الصباح. عمر في الباحة يمارس هوايته المفضلة ويشرف على تدريب فريق لكرة السلة. وبينما كان يدخل الكرة في المرمى ويصيح فرحاً سمع من يناديه مع عبارة هيا إلى الزيارة. غسل وجهه ونشفه على عجل، ثم اترتدى ملابسه بشكل يليق بهذا اليوم، مشد على شعره وعدا إلى مكان الزيارة .‏

لم تنشف أم عدنان الدمعة، تركتها تجري كوديان أواخر الشتاء. لا تعرف لِمَ قلبها منقبض هذه المرة أكثر من أي مرة أخرى؟ مع معرفتها التامة أن ولدها رجل لا يخشى عليه، لكن قلب الأم يهجس بأشياء لها وجود وأشياء يبتدعها تفكيرها خوفاً على ابنها. وعند ذلك لا تستطيع أن تحبس دمعتها أو تداري حزنها. حلم البارحة خير والصلاة على النبي مجرد تهيؤات، هل يعقل أن يكون في بئر عميقة يناديها " انقذيني " تصرخ. أبو عدنان أين أنت يا زوجي، هرع إليها، أفاقت من النوم وهي ترفع يديها في الهواء ولسانها قطعة جافة. تعوذت من الشيطان وأخبرت زوجها بالحلم، أجابها :‏

اغسلي وجهك وصلي على النبي هل نسيت أنك قرأت سورة يوسف قبل نومك، واشفقت عليه، قلت إنك حزينة وتمنيت وجود حبل لإنقاذه .‏

قامت وغسلت وجهها وصلت ركعتين دعت " اللهم أعطنا خير هذا الحلم إن كان خيراً، وأبعد شره عنا إن كان شراً، وامح المقدر باللطف " .‏

لم تنم بل ظلت مستيقظة، استعصى عليها النوم في تلك الليلة على الرغم من محاولاتها سهرت حتى الصباح تسبح بحمد ربها وهي تمرر حبات السبحة بين أصابعها، أبو عدنان كذلك لم ينم، هون عليها ولحظة فاضت دموعها نشفها.‏

كم مرة نشف دموعها وضمها إلى صدره، خاصة في الأيام الأولى لاعتقاله. إذ تعود مساء مرهقة بعد بحث طويل لتقول لزوجها بأنها لم تجده، فكلما ذهبت إلى سجن وسجلت اسمه تنتظر حتى العصر، ثم يقولون بأنه ليس عندهم، فإذا كان هذا صحيحاً فلماذا لا يخبرونها ساعة وصولها ؟!‏

يا زوجتي الذي بيده السلطة يفعل ما يشاء .‏

سكتت أم عدنان قليلاً ثم عادت إلى البكاء ثانية. حاولت أن تبدو طبيعية وأن لا يرى غير زوجها دموعها. إنه مجرد حلم، وكم من الأحلام مرت عليها! وكم من الكوابيس أصابتها. لكن أبا عدنان الذي يراقبها ودموعها تنهمر، اقترب منها وحاول التخفيف من أوهامها .‏

منذ يومين وأنت مهووسة، اتكلي على الله، لو عرف ابنك ذلك ماذا سيقول، عمر شجاع تحدى سجونهم، لو أراد الخروج والتنازل عن مطالب المضربين لفعل، أنسيت يوم حاولوا مساومته على دماء أبطال عملية ترشيحا "معالوت" ولدي لا يخون جماعته زغردت لصموده، الآن سأعمل له حلويات وكبة وفطاير وغداً صباحاً سأذهب لزيارته.‏

لا تتعبي نفسك يا أم عدنان إن ما تفعلينه لن يصله، ألم تشاهديهم كيف يخربون الأكل والحلويات بحثاً عن رسالة أوقصاصة ورق.‏

قررت أم عدنان أن لا تسمع نصيحة زوجها، إنه لا يعرف قلبها كيف ينط ويقفز، أهون عليها أن تشتغل وتتعب على أمل وصول الأكل من أن تقعد بلا عمل وتقول هذا يصل وذاك لا يصل يكفيها شعور النشوة وهي ترق وتقطع العجين وتحشوه. تتصوره كيف يمد يده ليأكل وليوزع على رفاقه وهو يقول لهم " هذا من يد أمي "‏

سيقبل الحلويات التي ستأخذها وهناك ستخبره بأنها سهرت الليل وهي تعد لزيارته، وسيكون جوابه: " لا تتعبي نفسك يمّا"‏

يكفيها كلمات الحنان وهو يستقبلها ويودعها، ويكفيها رؤية عينيه الزرقاوين مشعتين ضوءاً وحياة .‏

أفاقت بينما أبو عدنان يتابع نومه، طوال يومين وهي مشغولة، جاراتها يأتين ويحضرن من المأكولات والحلويات ما تعجز سيارة عن حمله. غداً عليها الذهاب إلى بئر السبع، وتسجيل اسمها في الصليب الأحمر، ومن هناك ستسير ضمن قافلة حتى السحن. تظل خارجه تنتظر دورها حتى يناديها. اقتربت من العسكري سألته، صرخ في وجهها وطالبها بالابتعاد، وصاح آخر بكلمات غير مهذبة وبيده أبعدها. تحسست جيوبها وعدت المبلغ الذي ستدفعه " للكانتينا " غير مرة .‏

تأخر دورها وازدادت دقات قلبها. شعرت بوجع في معدتها ودوار شديد، وضعت يدها على الناحية اليسرى ثم جلست على الأرض. اقتربت لتسأل عن موعد زيارتها. أجابها بأن ابنها انتقل إلى سجن آخر، وعليها أن تتصل بمندوب الصليب الأحمر. ركضت تجاه المندوب وأخبرته، فدخل إلى السجن وقابل مسؤول الإدراة وخرج ليبلغها أنه انتقل إلى سجن نفحة. نظرت إلى الزيارة التي أحضرتها، تحاشت الوقوع إثر دوخة ألمت بها، قعدت على الأرض ونادت النسوة، وزعت الهدية عليهن وهي تصرخ وتبكي :‏

- خذوا كل شيء، إنها للسجناء، عمر قال الهدايا التي تصلنا ملك لكل سجين.‏

ابتعدت عن البوابة. أسندت رأسها إلى الحائط، وبعد وقت غير قصير عادت وعيناها حمراوان كالجمر، سوت ثيابها وشعرها ورسمت على شفتيها ابتسامة. ستراجع الصليب الأحمر الدولي لتعرف موعد زيارة ابنها، ستفعل كل ذلك وستعد لزيارة جديدة منذ الليلة .‏

عادت وهي تحمل كومة عذاب وألم، من يستطيع تقدير مدى حزنها. الأمهات هن الوحيدات القادرات على تخمين مدى ألمها، على الرغم من ابتسامتها الجافة وحديثها، ومع أن كل الناس يتألمون إذا حل بهم موقف مشابه، إلا أن حزن أم عدنان الداخلي من الصعب قياسه أو معرفة ما فعلته عودتها دون زيارة .‏

نساء حارة " الشيخ جراح " استقبلنها وهي عائدة. لم تتكلم مع إحداهن، خفن وتجمعن في بيتها، سألن، هل حدث مكروه لعمر ؟‏

- بّعُد الشر، عمر بخير ويسلم على الجميع. سنعد لزيارة جديدة، هل أنتن جاهزات لمساعدتي ؟‏

- وزيارة اليوم!‏

- إنها للسجناء، عمر نقلوه إلى نفحة .‏

ابتسمن علامة الرضا، عدن مساء ليباشرن عمل الحلويات والفطائر والكبة. لكنهن لم يبدأن. أم عدنان طريحة الفراش. قال الطبيب الذي أُحضّر لمعالجتها، بأنها تحتاج لاستراحة طويلة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244