|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-الفصل الثالث - عجاج نفحة يلتصق بالجسد، ويحوّل الملابس التي ارتوت عرقاً حتى الثمالة إلى شلال أثري. لم ير الماء إلا من فم جاروشة طحنت قمح بلدة ومازالت في بداية علمها . ثلاثة أسابيع والرياح تهب وفي داخل كل سجين معدة ضمرت حتى كادت تتوقف عن العمل. الكلاب في الخارج لم تتعود هذا الجو القاتل. فنبحت وعوت حتى وصل صوتها إلى متسفي جنوباً وإلى المطار غرباً. ابتعد البدو عن هذا المكان منذ عام حين جاء ضابط كبير ومعه عشرة جنود مدججين بالسلاح، أخبرهم بأن عليهم عدم الاقتراب من نفحة، فصاروا ينظرون إلى التل من بعيد يذكرون الأيام الجميلة حوله شتاء وربيعاً. ومع ذلك لم ينقطع مرورهم واقترابهم منه. خاصة بعد أن سمعوا الكثير عن السجن في تلك التلة، صاروا يمرون مزودين بروح التحدي. كيف يهجرون طرقهم القديمة التي ورثوها عن أجدادهم والتي يصعب تغييرها. قال أحد البدو ملوحاً بعصاه: - ليفعل اليهود ماشاؤوا ولترسل كلابهم نباحها المتوحش الذي يفتت صمت الصحراء، فهذا لن يثني عزمنا على ارتيادها والمرور بها وإن لزم الأمر الإقامة فيها. ثلاثة أسابيع خنقت الأمل والحياة، تحول السجناء إلى أشباه رجال، مرضى يسعلون ويبصقون اللعاب والغبار والدم. تحولت الجبوب الصغيرة في أجسادهم إلى قروح يزداد عددها وانتشارها مع كشط الأظافر، مولدة لديهم عادة الحك التي تجعل ثيابهم تبلى . التزم السجناء الهدوء، لا يريدون الإقدام على عمل دون تخطيط مسبق. عانوا من شح المياه وهي وفيرة في صنابير الإدارة وحنة عدن المخصصة لرفاه الضباط ... ذات عصر تدفقت المياه دون سابق إنذار، قيل إن عاملاً فتحها دون قصد، ومنهم من أكد أن أبا الشوق الذي عمل بالتمديدات الصحية قبل سجنه هو الذي فعل ذلك. كل ذلك وإدارة السجن لا تعلم شيئاً عن ذلك . في ذلك المساء الوردي الضاحك، شطفت الغرف وغسل السجناء ملابسهم ونشروها على خيوط معدة داخل الغرف . كمية المياه المتدفقة عبر الأنابيب والحنفيات غزيرة، وكأن الأردن فاض على نفحة. استحموا فاختفت الروائح الواخزة، كما اختفى الذباب والحشرات، بينما انتشرت في الغرف روائح طيبة هي مزيج من رائحة النظافة وأنفاسهم . ظلت المياه بهذا التدفق أربعة أيام وفي اليوم الخامس استنفرت الإدارة، وأمرت بإعادة برمجة توزيعها. بررت ذلك بهبوط مستواها في البئر الأرتوازي وخوفها من نصوبه. استمر التقنين كاشفاً معركة بين السجناء والإدارة، كل فريق يترصد الآخر ويتحين الفرص. أصرت الإدراة على رأيها بضرورة التقنين وقطع المياه ليلاً. أبو الشوق عرف تفرعات تمديدات المياه، يتسلل للوصول إليها وإدارة المعسكر قبل أن يراه أحد من طاقم السجن. لكن الإدارة المصرة على التقنين عينت حارساً على الشبكة طوال فترة التنفس . مشكلة المياه ظلت تقلقهم خاصة في أشهر الصيف، تخف قليلاً في فصلي الخريف والربيع وتختفي تماماً في الشتاء، حيث يقل الاستحمام وطلب المياه. صيت نفحة السيء وصل إلى سجون فلسطين المحتلة عام ثمانية وأربعين، كعتليت جنوبي حيفا وسجن عكا. هددوا السجناء بالنفي إلى هناك، فصار اسمه سيفاً مسلطاً على رقابهم دون استثناء. جاءت بعد أيام من افتتاحه بعثة صحفية، ومع أن مدير السجن أعطى المحررين فكرة كافية، إلا أن محرر " هارتس " أصر أن يقابل السجناء دون وسيط، فكانت هذه فرصتهم لشرح وضعهم، وحالتهم في السجون. لم يدع عمر الفرصة تفوت دون تبين ظروفهم. تحدث عن نوعية الطعام السيئة والحرمان من " الكانتينا " و" الفورة " لأتفه الأسباب، الضرب أحياناً والحجز بالمنفردة دون مبرر، وربط ذلك بالتمييز المتبع ليس فقط داخل السجون بل داخل المجتمع الإسرائيلي، وهذا ما دفعه إلى اعتبار كيانهم أكثر عنصرية من " جنوب أفريقيا". هناك يكفي إذا تغير نظام الحكم، أما في فلسطين فإن المهاجرين طردوا السكان الأصليين، فأي النظامين أكثر عنصرية وهمجية ؟! همس عمرام في أذن المراسل، لكن الأخير سره أن يسمع نقاشاً ساخناً، ليكوّن مادة غنية حول موضوعه. قال مدير السجن : - هؤلاء عنصريون وهمجيون دخلوا بلادنا لقتل أطفالنا، فهذا الذي تحدث إليكم إرهابي دخل على رأس مجموعة مسلحة، أصيب في المعركة ونحن عالجناه في مستشفياتنا، أسأله لماذا تجاوز الحدود وأطلق النار؟! نظر عمر إليه بعينين ملؤهما الغضب، لم يتمالك نفسه فقال : - من حق الإنسان العودة إلى وطنه متى شاء، وأنا لم أفعل أكثر من ذلك. - كذاب.. كنت تحمل " كلاشن ". - وهل تطلب مني أن أرشكم بالعطر والملح لأنكم احتللتم مدينتي وبلدي . - هل هناك أي مطالب ؟ تقدم علي الجعفري ولخصها بعبارة واحدة " عاملونا كما تعاملون السجناء الاسرائيليين ." استدرك توقفه عن المتابعة عند مشاهدته المراسل يستحثه على الكلام، وكذلك زملاؤه فتابع حديثه: - الإسرائيلي الذي يرتكب أبشع الجنايات تعامل أفضل منا بمئة مرة، يحق له امتلاك مذياع وتلفاز وأجهزة تكييف، يخرج إلى ذويه كل ستة أشهر إذا أنهى نصف مدة سجنه ثم كل ثلاثة أشهر. أثناء الزيارة يجلس مع أهله وكأنه في بيته. إدارة السجن مكرسة لخدمته، فلا يحق لها حرمانه من " الكانتينا " أو حجزة بالمنفردة دون قرار محكمة يستند إلى وقائع وجلسات. أما نحن فكل شيء جائز. بعد أن أنهى مراسل " هارتس " مقابلته بتوجيه مجموعة أسئلة أجيب عنها، وعدهم نشرها وإرسال نسخة إليهم وذلك في أقرب فرصة ... لم تنشر خلال أسبوع فتأكدوا أنها أهملت، لأن نشرها كما هي سابقة خطيرة في الصحافة الإسرائيلية، لن تقدم هارتس ولا غيرها من الصحف على نشر النص كاملاً دون تدخل. لمس السجناء حيرة الصحفي والردود والنقاشات التي سمعها. هذه الإجابات تخضع لدراسة محللين نفسين وسياسين، ولرئيس التحرير رأيه الذي ينفذ أن كل الآراء أو ضدها، مع النشر دون تدخل أو بتدخل. وهذا ما حدث فبعد ثلاثة أسابيع نشرت الجريدة على صفحتها الرابعة نص المقابلة تحت عناوين عريضة: المخربون نمور كاسرة يصعب ترويضها إلا ضمن أقفاص حديدية. مدير سجن نفحة يتهم السجناء بالإساءة إلى سمعة إسرائيل . سجن نفحة يقدم للسجناء طلباتهم، يقدم مالم يحلموا به في أي سجن عربي . وفي نهاية المقابلة كتب المراسل العبارة التالية: هذا حديثهم فاحكم أيها القارئ. في الأيام الأولى من شهر حزيران احتدم النقاش بين سجناء نفحة حول الطريقة المثلى لمواجهة ظلم إدارة السجن. برزت أثناء النقاش مجموعة وجهات نظر. أهمها مشروعية الإضراب في الاسلام، كاد النقاش الحاد يفسد ما اتفقوا عليه، كاد يتحول إلى ضرب بالأيدي وشتائم لها أول وليس لها آخر، اتسمت النقاشات بالتهكم والمزاح حيناً والعودة إلى الموقف الجدي خوفاً من تفاقم الأمور. قال الشيخ عباس: الطعام نعمة من الله والإضراب عنه نقمة. فكروا بطريقة أخرى للمواجهة أو هاتوا نصاً دينياً يبيحه وأنا التزم به . علق حسان :يا سلام! هل نحن في دار إفتاء وليس بيننا من هو خريج الأزهر؟ يا أخي الإسلام دين عزة للنفس والإنسان، عدونا يذلنا وليس في اليد حيلة، لا نستطيع مواجهته إلا بالإضراب. وضعنا مهان ولابد من إيقاف تصرفات إدارة السجن والطريقة الوحيدة لإسماع صوتنا ما اتفقنا عليه، بعيداً عن الفتاوي والنصوص الدينية . رد الشيخ عباس: المسلم لا يضع قدمه في موطئ إذا لم يعرفه، وأنا كعابد لله ومصلٍ لا أمانع، أطلب نصاً حتى لا أخالف روح الشرع، هذا النص الذي لا يهمك، يهبني القوة والاندفاع في هذا الاتجاه . حسان: عدت تتحدث عن العبادة، ما فائدتها يا شيخي إ ذا لم تحول صاحبها إلى ممارس للأخلاق وقدوة حسنة . أنت ولد غير مهذب تتمنى في وطنيتي يا بن التي ... لم يكمل الشيخ كلامه، وحد ربه واستغفره، نادى أبو الشوق بقية الرفاق للانضمام إلى النقاش الدائر، قال : في التمديدات نضع أكرة أو شد وصل لماسورتين، هنا أي شد وصل يلزم للمقارنة بين الآراء! تدخل عمر طالب بالاتفاق على حد أدنى من العمل الوطني، بعيداً عن التهكم والاتهامات الجاهزة، وبعيداً عن التلويح باستخدام القوة أو المفردات النابية. فالذي يستخدم هذه الأساليب ضد رفاقه كمن يقتل ابنه فلذة كبده أو يطعن ذاته بالسكين. نحن نتشاور ونتحاور من أجل المصلحة العامة. نختلف لنتفق من جديد.. أنت يا شيخ تبحث عن نص ديني، ألم تسمع قوله تعالى " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ....." الإضراب ليس قوة بل موقف ضعف . الضعف يا شيخي لا يواجه، أنت تظن أن قضية الإضراب عن الطعام سهلة، ويمكن أن تمر بسلام، لا ياصديقي، سنرى! استغفر ربه وقرر أن يكون مع الجماعة فقال كلمته المشهورة: " والله لن أحيد عن كلمة اتفقتم عليها ولو على قطع رأسي " وبهذه الطريقة تمت مواجهة مواقف متناقضة، موقف يدعو إلى التريث بانتظار أوامر القيادة في الخارج. ونقيضه الذي يطالب البدء بالإضراب وفرض الأمر الواقع . قال علي الجعفري : لنكن بقدر المسؤوليات الملقاة على عاتقنا، نحن سنقرر ولن نطلب المشورة من أحد. الذين في الخارج قنوات اتصالنا بهم تكاد تكون مقطوعة. لن ننتظر الأوامر، دعونا من قضية الداخل في خدمة الخارج، وهي قضية مغلوطة وواقفة على رأسها . كان هذا رأي إسحاق مراغة، أما أبو الشوق فقد علق على ذلك: من المفيد إعطاء القيادة علماً والاستئناس برأيها . تدخل عمر وقد ظهر الانفعال على تقاطيعه، قال: ناقشوا أوضاعكم ولا تزجوا القيادات في أمرلا تفهمه، وليس مهماً لها، أنتم أصحاب المصلحة الحقيقية بالإضراب وغيره، ونحن جميعاً قادته. إن ما قاله أخي اسحاق في قضية خدمة الخارج صحيحة وثقوا بأن ما حك جلدك غير ظفرك، هيا قولوا اتفقنا وعلى بركة الله، مدوا أيديكم . قبل السجناء بعضهم بعضاً ووضعوا أيديهم في يد عمر، فتعالت الفرحة، خلد مع ذاته، تذكر يوم وضع سجناء عسقلان أيديهم في يده، حلق في عالم من الذكرى، أتته تلك الأيام طازجة. الإضراب فرض لسوء المعاملة . مسد الشيخ عباس بيديه على وجهه بعد أن أنهى قراءة الفاتحة وردد على بركة الله. ثلاثة قرؤوا الفاتحة وفعلوا ما فعله الشيخ . الذكرى تدق زنزانة رأسه، نسيج نصفه هي والآخر ميت، تقبع في دائرة محكمة الإغلاق تسبل عينيها الناعستين، فلا تعرف متى تبرقان، تتوقد جمرة الأيام الخالية لحظة وتتبخر كالدخان الأبيض الذي يتلاشى بسرعة على الرغم من كمية تصاعده. السجن موسم كالجني والحصاد، له طقسه الخاص بعيداً عن مساحات الزمن الرحبة. تدق جدران الشرايين في حركة عكسية، تدفع إلى العيش معها ساعات طويلة من ليل نفحة الحزيراني، حاول أن يبعد شبح السجن، أن يعيش للحظات مع ماضيه البعيد. رأى خضرة الحياة في كل شيء، فذاك بردى يغرد متجاوباً مع الطيور وزقزقتها المرحة، وخفقان الأفنان وكأنها تبحث عن عشيقها، وحركة الوريقات الراقصة المتلاعبة مع النسمة الوادعة. قرر أن يمضي يومه في السيران على الطريقة الدمشقية مع ابنة أبي رمانة، كان على درجة عالية من الفرح والحبور. أخذها من يدها قرب شفتيه من أذنها وقال: هيا في بلاد الله الواسعة نمضي هذا اليوم. والجامعة ؟ أنا سأعطيك الدرس . نظرت إلى عينيه وقالت : ما شاء الله لم أعرفك بمثل هذه الجرأة، ماذا تخبئ من أسرار. نحن أصدقاء ولا أسرار بيننا، إن لم نفعل ذلك ستفلت الأيام منا، ستضيع أجمل أيام حياتنا، ألا ترين أن اليوم غير عادي.. يكفي أن تكوني معي لأقول كلاماً نثرياً. نظرت إلى بحر عينيه ومضت، مازال يذكر قول رفيقه الشامي عنها: اسمع يا عمر العثور على مثلها أمر " صعب " وفي قاموس الشاميات مستحيل. استطعت أن تعيد تكوين شخصيتها حتى بدت متمردة على مفاهيمنا، يجدر بل المبادرة وخطوبتها أو إفهامها وضعك حتى لاتتعلق أكثر، وعليك في هذا أن تعطيها الفرصة لتنساك . ومع ذلك تظل ابنة أبي رمانة رابحة، مرات عدة قالت لأمها عمر يفيدني يا ماما، أنا ضعيفة في مادة تخصصي. وعندما أبدت أمها استعدادها لإحضار مدرس قالت، " اعتبريه كذلك ". وعلاقتك هل ستضعين حداً لها ؟ هل تظنين أنني قادرة بهذه البساطة ! الأمواج المتجعدة تتراقص، لقد صففت شعرها بطريقة عجيبة، كيف استغنت عن نعومته واسترساله وفضلت الخشونة؟ ارتدت فستاناً ناعماً لدرجة أنه يشف عن جسدها، خاصة إذا سلط عليه نور، أشعلت الأضواء ومشت أمامه فظهرت تفاصيل ملكات أنوثتها كما خلقها الله شهية طازجة. في ذاك المساء أشعرته بأنها مازالت تفكر بالبيت والمستقبل والأسرة. تحاول جره إلى طريق واحد، هو درب الحب وإبعاده عن النضال، لكنها لم تفلح. أجاب عمر صديقه الشامي : -نحن لا يصلح أحدنا للآخر، سأعذبها في حياتها، نمط حياتنا مختلف، صحيح هي في تنظيمي، قناعتها فيّ، أنا متأكد بأنها ستنتهي علاقتها بالحركة، أنا بالنسبة لها التنظيم والزميل والصديق والحبيب. - تخل عنها إذن قولاً وعملاً.. ربما غيرك مستعد أن يدخل حياتها ويدفع ثروته لتكون أميرة في بيتها ... - افعل ذلك إن استطعت ! قال ذلك وقد غطت مساحات من السحاب محياه، بدا وجهه ثقيلاً وتعابيره خشنة، ردد بينه وبين نفسه حتى أنت أيها الصديق ساعة تحدثني اتضحت مصلحتك. أظن أنها ستجد من يحني هامته أكثر ويدفع أمواله فداء لجسدها وأنوثتها الرائعة . جاءته الفرصة المناسبة للتجوال في بستان الماضي، الجميع غارقون في نقاش، بينما حسان يبث نكته.. الحب امرأة تدفع محبها للجنون، وعندما تجده تعلق بحبالها تقول له : " لماذا لا تخطبني؟ رفضت لأجلك عشرة، أنا أريدك " تذكر عبلة التي صارحته بهذه العبارات وغيرها، همست في أذنه بأنها لن تتزوج غيره، ولم تكتف بذلك بل تغزلت به: - كل شيء يذكرني بك. البحر الذي يغار من عينيك اللتين تغازلني بهما، لهما من الدفء والحنان مالم أره في غيرهما، الثمار التي لها طعم شفتيك الرطبتين، وتلك الوهاد التي تذكرني بقامتك، له جسم يتبادر إلى الذهن لأول وهله بأنه من أولئك الجبابرة، الذين قاتلوا اليهود، لم يكن جده سوى واحد منهم، طويل عريض المنكبين، رياضي مرح، إنه من العماليق، يكره التكبر متواضع لدرجة أنك تظنه خادماً، لكن عندما يتحدث تتأكد أنه سيد الجميع، قال له أبو الشوق ذات مرة: - معيب أن نجعلك تخدم مثلنا، دع ذلك وأخرج للفورة. - عيب أن لا أكون مثلكم، نعيش حياتنا بين هذه الجدران، بأي حق استثنى، راحتي أحسها عندما أؤدي ما عليّ وأخدمكم جميعاً، إن السجن إذا افتقد التعاون والمساواة يغيب نهاره، مصيرنا واحد، فلم لا نتوزع الأعمال ؟! عادوا إلى مناقشة إجراءات الإضراب، الماضي يقف على رجل واحدة، تأتيه الذكرى فتجعله قلقاً، جهل الإنسان بما حدث يجعل الانتظار مملاً. تغزوه الذكريات وكأنها حصلت البارحة، ذكريات مؤلمه، تورمت قدماه، مشى داخل الغرفة ليحافظ على بقايا قوته ورشاقته اللتين افتقدهما، إنه يجر نفسه جراً، زحف على مؤخرته. حبا على يديه. ازدادت رشاقته عندما توالت الركلات، التصق بالأرض، جروه ووضعوه في الزنزانة. صحا بعد ساعات الآلام لم تفارقه، تورمت أجزاء من جسده، بدا محطماً، بنطاله تمزق .لم يعد هناك ما يستره. بعض الجروح تنز، الخدر. سمع اسم صرفند فعرف أنه التحقيق الذي مازال مستمراً منذ عشرة أيام. ذاكرته المشتتة غير قادرة على العمل. الصورة تذهب بعيداً، يستحضر التفاصيل الصغيرة، لم يدعوا شتيمة إلا أسمعوه إياها،.. أمك .....، لو كان فيها شرف ما انجبت بغلاً، بالتأكيد هي عاهرة، وإلا لما ارتضت واحداً مثلك ابناً لها. نظر إليهم بعينين ذابلتين، فتحهما على وسعهما، ليشعرهما بنظرة التحدي الثاقبة . كالوا له الركلات وبدوا مستعدين لقتله، واصل تحديهم كجبل، حاولوا دفع حجارته وتسويته بالأرض واستلاب كبريائه. تهامسوا، أدرك أنهم باتوا على قناعة بأن السد الواقف في وجههم مازال قوياً، مازال محتفظاً بكبريائه. ابتسم لأن قطيع الجلادين والمحققين قد وصلوا إلى حافة الياس. حاول النهوض، تكوم على الأرض، السجان يراقبه دفعه إلى المنفردة وتركه. تحسس ظهره الذي يؤلمه، رفع ليروا آثار التعذيب، مدّ حسان يده وقال: أترون خط بارليف ! عقب الشيخ عباس بقوله، بل أنه خندق المدينة المنورة! اقترب السجناء ونظروا، مازال هناك خط يميل إلى السواد من أعلى الكتف الأيمن إلى وسط الظهر. منذ عشر سنوات وفي عسقلان وقع في الساحة كما ينوخ الجمل. غاب عن وعيه. ضربوه بأسلاك كهربائية مجدولة وبهراوات بلاستيكية في رأسها دبابيس. تمدد على بطنه وشخب الدم، لقد حفرت الضربة مكاناً أشبه ما يكون بخندق دفاع، إضافة إلى كسر ضلعين. تحول السجناء في الفورة إلى الشغب والتظاهر، استدعوا الممرض " يودا " حضر بعد ربع ساعة بعد أن أفاق، الجريح، لم يفعل شيئاً قالوا بتهكم: - هو أنت أيها الرياضي، جاء اليوم الذي أراك فيه ضعيفاً، قم يكفيك دلالاً، أنصحك البقاء في الغرفة وعدم الخروج عشرة أيام، وإنهاء الإضراب . نظر إليه شزراً وأجاب : لم تعالجني وهذا شأنك أما أن تمنعني من الخروج إلى الفورة والتعرض للشمس، فهذا شأني، اغرب إن وجهي أيها الممرض القذر. اصفر وجه عمر ومال إلى الزرقة، عليه أن ينسى آلامه، أن يتجاوز التفكير بالذات ويشارك الجميع في الإعداد للإضراب. قال والحزن يسكنه ويبدو على ملامحه: لم يبق أمامنا إلا الإضراب، ما الذي نخسره. إن كان علينا أن نضحي فبجزء من عبوديتنا، فلتذهب إلى الجحيم.. مطالبنا بسيطه أن يعاملونا كبشر. أن يوقفوا عمليات الضرب والتعذيب. لا عمل إجباري بعد اليوم، كلنا يجب أن يتوقف عنه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |