|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع لبست عبلة ثوباً كثوب أم عدنان فبدت واحة فيها الأشجار والورود والخطوط الهندسية، وقف يتأملها من رأسها إلى أسفل قدميها، نظر إلى زخارفه ولمس بيده القماش، طلب إليها أن تمشي أمامه ليرى جماله ومدى ملاءمته لجسدها وليتأمل التطريزات الجميلة. مشت بتمهل ودلال وجدتها فرصة لتبدي رشاقة جسدها، دارت حوله دورات عدة، في حين أضاءت أشعة الشمس التطريزات، فبدت كتموجات الطبيعة، تفحص الخطوط المطرزة بالطول، ثلاثة خطوط من الأبط إلى الشليل، والزخارف التي تتراقص على صدرها مربع تطريزاته تمثل التقاطع واشكال شبيهة بالطيور والزهور. ربما طائر البشارة! الكمّان عليهما عروق عليه طائر ... قالت : - هل كثير عليّ أن أرتدي ثوباً كثوب أمك ! - إنه عظيم! شيء رائع! الثوب ياصديقي يصير أكثر روعة وجمالاً عندما ترتدينه، إن جسدك الملفوف وقوامك الممشوق يناسبه هذا الثوب. ابتسمت مدت يدها ووضعتها في يده. كان مهموماً لم ينم الليل، ظهرت عليه آثاء التعب والسهر، أحداث الأيام الماضية خطيرة جداً، لقد سحبت الأمم المتحدة قواتها عن الحدود المصرية، وباتت الحرب مؤكدة سألته عبلة وهي تحدق علها تكتشف سر الغمام الذي ظهر على محياه: - أحس أن شيئاً يشغلك - الحرب واقعة . - أنعود إلى فلسطين؟ - لا يا عزيزي الظروف الدولية والمحلية لا تساعدنا، منطقتنا مازالت منطقة نفوذ قرارات دولية، ذلك منذ محمد علي باشا.. تطلبين توضيح ذلك، هذا حقك باختصار الدول التي انتصرت في الحرب الكونية لا تسمح لبلادنا أن يكون لها فعل، لوعدتِ بذهنك إلى انتصار الجيوش المصرية بقيادة ابراهيم باشا ووصوله الأناضول، لادركت لِمَ تدخلت أوربا وانسحبت الجيوش الجرارة التي أولها في كوتاهية وآخرها في مصر إلى الحدود الدولية؟ ودعها وقال نلتقي عند الشجرة، لم يكن يعلم أن الغد قد يفرقه ويأتي بجديد، وأن الصباح الذي زحف مرتدياً وجهاً غربياً مغبراً، لن يكون كبقية الأيام، مازالت الظلمة والعتمة على الرغم من صفاء الجو، الصباح زاحف على قدم واحدة غير قادرة على تثبيت نوره، الأشعة الباهتة تتسلق التلال ببطء تتعثر في مشيتها وتتدحرج فتقع على رأسها فاقدة وعيها . قرر أن يفتش عنها رغم ما حدث، سيقول لها كلمة خبأها بين جوانحه منذ فترة طويلة، سار وركض لم ينتبه بأن قدميه تجرحتا وبلي حذاؤه، الأشواك دمت قدميه، تنز أزهاراً تاركة خلفه سكة، عاد يبحث عن مداسٍ نمرته أربع وأربعون، جاب المناطق التي أرتادها مع عبلة السمراء ذات القوام الأهيف والتي ارتدت ثوباً يصل إلى قدميها، دائمة الابتسامة، مرحة تسأل عن الماضي والمستقبل، وتتلقى أجوبة، تهز رأسها ... اليوم تأكد أن ما فعله وقاله غير صحيح، وأن كلمات عبد الناصر مجردة من الفعل، ليس فقط غير قادر على التحرير، بل غير قادر على حماية حدوده والدفاع عن أرضه، هذا الصوت الذي ملأ الشرق والغرب ضجيجاً، يسكت اليوم إلى الأبد. واصل بحثه آملاً العثور على حبيبته، لم ينس كلماتها الدافئة، وهي لم تنس ما قاله في غفلة. مازالت تذكرها كلمة كلمة ... لاذت واختبأت وربما انتحرت، لكن ما هون عليه أن أمه أكدت رؤيتها في السوق. كانا يلتقيان عند الشجرة في أوقات معينة ، ومع الأيام شعرا أنها صارت جزءاً منهما، لاحظا جو الألفة والبهجة، الأطيار تستقلهما مزقزقة ، الأرض تطرح عشبها بركة، أحبا ذاك المكان وعشقاه أكثر حين اكتشفا أن قطرات العرق التي تهرب منهما خلسه تروي خضرة الأرض. في المكان ذاته اختطلت نقطتان، سمعا همهمة، تكورت الأرض وكأن خطراً قد دهمها، بعد قليل شقت الأرض نبتة، بدأت تطول وتكبر، راقباها، في آخر مرة وقفا قبالتها، فاقتربت عبلة منه فتسلل عطرها إلى روحه، قرب شفتيه واختلس قبلة منهما، شدها فتمايلت تركها فعادت الشجرة إلى حالتها: - الشجرة تبارك حبنا !.... ماذا نسميها ؟ ابتسمت وحركت رأسها بالايجاب - شجرة الحب! - ألا ترين أنها سنديانة، أوراقها لا معة مسننة وثمرتها قاسية، وتحتاج إلى نار هادئة ليصير مذاقها مقبولاً، إنها شجرة الحياة، خربشاتنا صمدت أمام الرياح والأمطار، لم تكن إلا لرعشتينا، لكلماتك، وضحكتك، أيدينا قلادة وأناملك ممهورة فوق ساقها، آلا ترين أفنانها وارفة وممتدة كاتساع حبنا . صمتت للحظة وتساءلت : - كيف للسنديانة هذه الرقة والليونة تتمايل كأنها تقوم بحركات بهلوانية، لم أر في حياتي سنديانه تتخلى عن صلابتها! مدت يدها واحتضنتها، قبلاها فشعر كل منهما بلذة لم يشعرا بها حتى في عناقهما. وضعت يدها بيده وتعاهدا، مساء غادرت مهرولة فرحة، تغني وهي في طريقها إلى بيتها، لوحت بيدها وقالت مع النسيمات عبارات فهم منها: " أيها الحبيب اتبعني.. إن لم أر النور في عينيك، فأي شمس تهبني إياه، وجهك صباحي، إن لم يدلني إلى الطريق فكل الطرق مسدودة.. أيتها السنديانة كوني قوية كحبنا، واشهدي كم أحببته " تحسس أذنيه فتوقف الإنشاد، اختلط الأمر عليه، هل هذه كلماتها أم نشيد قلبه، أم نشيد قيل منذ آلاف السنين عند هذه الشجرة أو في المكان ذاته ؟ سمع تأوهات نظر إلى الشجرة أصابته الدهشة. بطن الشجرة ينتفخ.. مسح عينيه غير مرة، شيء غير عادي يحدث، نادى بصوته على عبلة ودعاها للعودة، لكنها ابتعدت لدرجة أن صوته لن يصل إلى ربع المسافة. مازال يسمع لحناً قادماً من جهتها يحكي قصة عشق، غنى بعض أغاني دلعونة وظريف الطول ثم دمدم بكلمات عشق: " اجتمعت الريح والغيوم والبروق في جسدها فغنى أغنيته ومضى لأول مرة يسافر جسدها مختضناً أغنيتها تاركاً بقية اللحن في عينيها " أغمض عينيه وهو يتكمس جذعها، غفا على جذعها، سمع أصواتاً عذبة، فتح عينيه وشنف أذنيه، نظر إلى الأعلى، الأوراق تكبر، حاول أن يهزها فلم يقدر، عبلة مرمية مكان وقوفهما، تناولها وفتحها، فيها بعض النقود وهويتها، جرى خلفها، تاه .قرر العودة إلى بيته، طوال الطريق فكر بما حدث، الحقيبة التي معه تثبت أنها كانت معه. إنه الجنون، ابتلع غصته، استعاد ما حدث، أيعقل أن شخصاً مثله يصدق ذلك! لكن لم لايصدقه شيء عايشه! لف حول الشجرة، تأملها، حاول كتابة اسمه واسمها، شاهدهما منقوشين بعناية وبخط أنيق، إضافة إلى أسماء لا حصر لها مكتوبة على الجذع والساق والأغصان والأوراق . أفاق باكراً، نظر إلى حيث وضع المحفظة، لم يجدها، فتش عنها، قلب الأغراض، نبش، في هذه اللحظة دخلت أمه : - ما بك يا ولدي عم تبحث ؟ - وضعت حقيبة نسائية هنا ولم أجدها! - لا، لم تترك شيئاً هنا . وضعت يدها على جبينه ومضت إلى المطبخ ... انتظر قدوم عبلة، شوقه إليها كشوقه لمعرفة الحقيقة، لكنها لم تأت. كل شيء يتغير بسرعة حزن كثيراً فالأخبار التي نقلها المذياع لا تسر، لم يغادر غرفته وظل السؤال يلاحقه، أيعقل أن بفقد حبيبته وأمله في اليوم ذاته؟ لم يستطع الاستمرار في النوم، فرك عينيه، فإذا كل شيء على حاله لا شيء سوى الشخير، الشريط يعيد الصور المشوّهة، يمر كدائرة حول الذاكرة والفؤاد ينقل بقايا رائحة مخزونة في قشور السنديانة المزروعة في مقلتيه. وضع يده على جبينه، لم ينس ما سمع من أخبار. أيعقل أن لدى إسرائيل كل القوة. البارحة حُطمت الطائرات ونهبت بيادقها عرض الشمس، ظلت تمشي حتى واجهها بحر حاولت ابتلاعه فتبين أن ماءه مر أجاج، دقت الأوتار هناك ثم طارت إلى الشمال، تسلقت جبالاً وهضاباً كلها عيون ماء ومراع، فيها دور وزرع وخلق كثيرون، الناس فروا يطلبون السلامة، اتجهت القوات شرقاً في حين صلى الجنود للرب ألف ركعة. أثناء بحث عمر قادته قدماه إلى معسكر للجيش، استوقفه الجند وطلبوا هويته، ناولهم جواز سفره فقاده رئيس الحرس لمقابلة المسؤول. الجيش مستنفر، الوجوه كالحة أضناها التعب من حفر الخنادق والسهر، أبصارهم معلقة بالسماء. عند كل جماعة مذياع صغير، طائرات في الجو تروح ذهاباً وإياباً، يلتصق الجنود بحفرهم، يعفر التراب وجوهم، قلوبهم تسقط هلعاً وعند عودة الطيران غرباً يستردون شيئاً من أنفاسهم، لا شيء في أيديهم سوى البنادق الأتوماتيكية. كان أثناء سيره يراقب حالة الجنود والقلق المرتسم في عيونهم. دخل غرفة القيادة. رأى فيها مقدماً في حالة ذهول، سلم عليه وقال: - أنا عمر القاسم ممثلاً عن المقاومة الشعبية جئت أطلب إمدادنا بالسلاح والذخيرة أجاب المقدم عايد : - من الذي حولك. وهل أنت مزود بكتاب يحدد نوع السلاح وكميته ؟ - إن حرصنا على سلامة الوطن هو الدافع لذلك ! - اذهب يا سيد عمر ودع ما لقيصر لقيصر وادعُ لنا بالنصر، إنه سميع مجيب الدعوات . - الدعوات لن تنفع، الكلمة الآن للسلاح . - هذه مهمتنا سندافع عن الوطن، لسنا وحدنا معنا تجمعات الطلبة القريبة منا في معسكرات الحسين . - ونحن أنجلس في بيوتنا ونقول لكم قاتلوا أنتم وربكم إنا ها هنا قاعدون. لا أيها المقدم باسمي وباسم التنظيمات السياسية نطلب السلاح لندافع عن أنفسنا.. لن أخرج من هنا إلا ومعي كمية كافية . - أنتَ عنيد يا سيد عمر، سأعطيك السلاح، ولكن ثق تماماً إذا انكسر الجيش لا سمح الله فسيكون عبئاً عليكم . بلع المقدم عايد ريقه، تخلص من الجفاف الذي في حلقه، نادى الملازم حازم وأعطاه أمراً بصرف وتسليم أربعين بندقية إنكليزية لقاء وصل نظامي، أما الذخيرة فحوالي عشرة صناديق . - سيدي مخزن الذخيرة مغلق وأمين المستودع غير موجود، أما السلاح فسيكون جاهزاً خلال ربع ساعة . - ما شاء الله المستودع مقفل ونحن في حرب، هل ينتظر عدونا حتى نفتحه ونلقم بنادقنا ورشاشاتنا، منذ اللحظة تمنع الإجازات أو مغادرة أي عنصر، ارفع درجة الاستنفار إلى الحالة القصوى. أدى التحية وانصرف هو وعمر، مر على الشاويش فأمره الملازم أن يحضر أربعين بندقية إنكليزية ويسلمها لعمر . قبل أن يمضي الملازم همس في أذن عمر، إن كان مقتنعاً بدور الجماهير. لم يتلق جواباً، تريث قليلاً وأجاب بنفسه عن سؤاله الذي طرحه، استفاض في الحديث، ومع أن عمر مقتنع بما قاله وما سمعه من الملازم ومن المقدم، إلا أنه لا يستطيع الوقوف مكتوف اليدين، قال بينه وبين نفسه " إنها حقيقة يراد بها الباطل، إن الجماهير لن تفعل شيئاً، ليس لأنها لا تريد ذلك، بل لأنها مهمشة طوال الماضي... العسكر هم الأساس، هؤلاء الذين يفكرون يوماً بأنهم سيشتبكون مع العدو ". من جولته الصغيرة في المعسكر شاهد الارتباك في كل شيء، في أخذ المواقع وتجهيزها وفي السلاح. هناك نقص في الدبابات والمضادات الأرضية، أما الطيران فيكاد يكون معدوماً، إذ لا يجرؤ على التحليق في الجو. تلقت قيادة القوات المحمولة على الإبل برقية تنص على وجوب تدخلهم في الضفة الغربية وإقرار النظام والأمن خلال ساعات. كان عمر على رأس التظاهرة، جاء من يخبره بضرورة التنكر، عيون قوات البادية ترصده، ومعها أوامر بإطلاق النار، ولديها قائمة ولن تنسحب قبل اعتقال المطلوبين. استأخر سيارة غير لباسه ولف رأسه بكوفية حمراء، تفنن في لباسها، مشى خلف المظاهرة، اقترب منه أحد عساكر الهجانة: - من أين الأخ ؟ أجاب عمر بلهجة بدوية متقنة: - من عرب حويطات الطفيلة وأسكن في القدس لأسباب قد لا تجهلها. ابتسم في وجهه وتابع حديثه بقوله، أي خدمة . عانقه السائل وعرف بنفسه : - أنا جاسم علالين ملازم من بني صخر مأدبا، أسكن في عمان قرب دوار مكسيم، اسأل عني من شئت هناك، ستجد من يدلك على البيت. الآن وبعد هذا التعارف أريد خدمة بسيطة، سأطلعك على قائمة المطلوبين أحياءً أو أمواتاً، اقرأها وإذا عرفت واحداً ومنهم دلني عليه، وأنا لن أنسى فضلك . أخرج من جيبه قائمة ناوله إياها، أبطأا في السير، قرأ الأسماء فكان من بينها الدكتور جورج حبش، عصام عبد اللطيف، عمر محمود القاسم، سمير غوشة، أبو اصطيف، نبيل قبلاني ....... ابتسم وقال: نعم سأدلك على بعضهم، من أشير عليه فهو منهم لاتدعوه يفلت من أيديكم حتى ولو ادعى أنه من الأمن وأبرز ما يثبت ذلك، هؤلاء جميعاً لديهم هويات مزورة زودوا بها لمثل هذه المواقف. أشار إلى تسعة من كبار المخبرين بينهم ضابط كبير، أبقى القائمة معه، ابتعد إلى الوراء واتخذ مكاناً يسمح له بمراقبة ما يحدث. وضع يده على فمه خوفاً من سماع ضحكاته. حدث شيء مخيف وفظيع إذ تبادل أمن مدينة القدس مع رجال البادية إطلاق النار. استطاعت القوات المحمولة أن تعتقل ما يزيد عن عشرين من أبرز رجال الأمن في حين أصيب أربعة من الهجانة بجراح خطيرة، نقلوا على أثرها إلى المستشفى. وقع عمر وصل استلام أربعين بندقية نصف آلية يتسع مخزن الواحدة لخمس طلقات، ذكره هذا الموقف بيوم استلمت مصر الذخيرة الفاسدة، حين كان الفلسطينيون في عام ثمانية وأربعين بحاجة إلى طلقة، استخدموا بواريد الصيد والعصي والمقاليع والبنادق التي تسخن وتتعطل بعد كل طلقة، ينسحب المقاتل إلى الظل يفك الأقسام ويركبها . وضع البنادق في سيارة جيب عسكرية وقال للسائق إلى منطقة " الشيخ جراح " شاهد الجيران السلاح، فهرعوا وخلال دقائق اجتمع أناس كثيرون يستطلعون الأمر، شاهدوا الأسلحة فدبكوا، زغردت النسوة وسمع صوت الطبلة و " المجوز " في الطرف الآخر من المدينة.
وضعت النسوة أبهامهن في مجرى السمع، وانطلق اللسان مرتعشاً أشبه بصوت رشاش سريع الطلقات، عبلة تزقزق فرحة مشغولة تحدث أم عدنان وبقية النسوة وتعطي أوامرها. علمت أن الشحم الملتصق بالسلاح من الصعب إزالته دون تسخين ماء. وكما تولم الولائم في الأفراح أوقدت النار تحت القدور، ضحكات النساء وبياض أسنانهن يلمع على وهج الألسنة المتصاعدة، ارتفعت النيران، وصار كل شيء واضحاً، ثياب النسوة المطرزة بعناية فائقة، جدائلهن المرخاة وذاك الإشعاع المنطلق من عيونهن، شاهدت نساء الشيخ جراح النار فحضرن مسرعات، وبدأن الغناء والزغاريد، غردن فرحات ورقصن بمرح كما يفعلن أمام العروس . وصل الخبر إلى الحارات القريبة التي شاهدت ألسنة النيران المتقدة، قالوا إنها توهجت في المدن والقرى المجاورة وكان لها ما يشبه لمعان البرق، قيل إنه بريق البنادق حين وضعت في الماء المغلي، ومنهم من قال إنه لسان نار وحد الأرض مع السماء، البارقة التي انطلقت من الشيخ جراح، شاهدها كل مبصر على بعد كيلومترات. منهم من التزم الصمت يراقب البنادق باندهاش وهي ترسل لمعانها. استمر توافد الناس إلى الفرح وكأنهم جاؤوا للمشاركة بالحناء والليالي التي تسبق يوم الزفاف، حضروا جماعات يرددون الأهازيج والأغاني , رحب أبو عدنان بضيوفه، عمل القهوة أولم الذبائح، كان وجهه متهلاً صب القهوة، ودار كعادته من اليمين ثم صب للنساء. سمع كلمة بالأفراح ودايمه وغيرها من مئة شخص وربما أكثر. أكل الموجودون ومسحوا أيديهم بذقونهم دعوا " إن شاء الله بهزيمة الصهاينة الخنازير " ومنهم من قال " نأتيك بالأفراح (وعقبال) زواج أولادك " . التقت عيناهما وخوفاً من أن تفضحها نظراتها اختبأت وراء أم عدنان، فأطلقت الفتيات الزغاريد والمهاهاة، فازدادت خجلاً، شاهدتها أم عدنان تنظر إلى عيني ابنها، فراق لها ذلك، فتحت كفيها وقرأت الفاتحة، ثم نظرت إلى الأعلى، وأبعدت وجهها عنهما. في ذاك النهار أشرقت عيناها، بدتا قنديلين يشعان بهجة وألفة، يلتقي نورهما بالبريق الساطع من القدور تومضان " كانتا جميلتين في المساء الأرجواني، أبحرتا في زرقته وغاصتا في أعماقه، سمعت في داخلها كل الكلام غير المباح فانتعشت فرحة . وقفا خارج الدار، نسمة الهواء تشتبك مع شعرها، السماء قناديل مضاءة، القمر ثمرة شاحبة طارت من الشجرة والتصقت في طرف القبة، سارا ببطء حول الدار، خطواتهما مضطربة يفكران بالأيام القادمة وما ستفعله الحرب، أدخل يدها في يده، نظرت إلى وجهه، حارت في نظراته، ابتسمت بخجل وقالت: لنعد . كانا على مقربة من الدار، شعر أن بعض العيون تحوم حولهما، قال: بل لنبتعد قليلاً فلدي ما أقوله . شدها من يدها، مانعت قليلاً وقالت : لنؤجل الكلام للغد ولنعد . لا تهربي أيتها الجبانة، اسمعيني ولا تدعي الكلام يضيع . انتبه إليها مترددة، وقع خطاها، شد على يدها، مازالت باردة كقطعة ثلج، فركها فبدأ الدفء يتسلل إليها . تأكدت من أنه لن يطاوعها ولن يعود بسرعة إلى البيت، فقد يكون لديه ما يقوله كما صرح! مشت إلى جانبه، وصلا إلى أرض محروثة، قفزت كراعية ماعز وأخذت تمشي خبباً، أسرعت لتجتاز وعورتها، سبقته، أسرع خطواته، كاد يهرول، انتبه إلى ثدييها اللذين يرتفعان وينخفضان بحرية، يمارسان طقوس الرقص بعفوية تامة، أغلب الظن أنها لم تؤطرهما بحمالة الثديين، فكانت رياضتهما أشبه ما تكون بحركة غجرية راعشة . ارتدت ثوبها على عجل حين دب الخبر في القدس، النيران متصاعدة عند بيت أبي عدنان، سألت عن سر توافد الناس إلى " الشيخ جراح " وبالتحديد إلى بيت أبي عدنان، خافت، الناس لا يأتون إلا في حالتين الفرح أو الترح، وبما أن الفرح قد غادر القدس وكل المدن العربية بعد إجراءات الحرب، فالشيء الذي فكرت فيه جعلها تركض. قبل أيام أفرج عن عمر بكفالة نقدية، وقع والده تعهداً، نص على أنه المسؤول عن أي تصرف لأبنه يخل بالأمن والنظام . تجاوزا الأرض المحروثة، حيث الأشجار والبساتين تمتد على مساحة واسعة، وقفا إلى جانب شجرة خضراء سامقة كالنخلة، النسمة تبعث في أغصانها الموسيقى ، حفيفها نغم أشبه ما يكون بصوت كناري، عليها طيور لا تبدو ألوانها بسبب العتمة، تخيل حفيف أوراقها وزقزقة عصافيرها، ابتعدت عبلة عنه، ناداها، ركض خلفها، ابتعدت، أعادها إلى الشجرة، دارا دورات حولها ثم ركضا في أرجاء الغابة . مالت الشمس إلى المغيب قبل ساعة، وأخذت بقايا الألوان الأرجوانية بالانسحاب، بينما أخذت النجوم تركض لتشعل قناديلها، أما القمر فقد بدأ يثبت في محاولة لأخذ مكانة الشمس . أمران يشغلان فكره، الحرب وعبلة، الحرب لن يكون له الكلمة الأولى فيها ولا حتى الأخيرة. الدول تتصارع، وربما تقع بين لحظة وأخرى أنا عبلة فعلى الرغم من تجاهله لنداءات قلبه المتكررة، فقد وصل إلى درجة لا يستطيع معها البقاء بعيداً عنها. لقد صارت كل حياته، يخرجان قبيل الظهر ولا يعودان إلا مساء. تذهب إلى بيتها وهو يلف على أصدقائه . لم تعد قصة حبه خافية، القدس المدينة الكبيرة، توزع أسرار أبنائها فتصير صغيرة كقرية يعرف سكانها بعضهم بعضاً، لاشيء يخفى، تناقلوا قصة حيه من شخص لآخر، وعندما وصلت إلى أمها لن تفاجأ ولم تعلق. سألت ابنتها عرفت أنها مولعة به فدعت من كل قلبها: " الله يبعث الخير، عمر جيد وكل الفتيات يتمنين الارتباط به، تكونين صاحبة حظ يفلق الصخر إذا تقدم لخطوبتك " . حاول أن يلمس غصناً قريباً، فإذا مجموعة كتب تهوي إلى الأرض ومن بينها رواية " وداع للسلاح " تأمل الرواية ووضعها تحت المخدة، لكنه لم يستطع مواصلة نومه. أفاق يبحث عن الطيور البيض والحمر والصفر، يبحث عن الشجرة السامقة والأرض المحروثة. قعد في سريره، وضع يده على قلبه، ظن أنه قادر على الهرب، قادر على العيش وحيداً، منذ زمن وهو يكابر، الوطنية دم يجري في عروقه تغذي عقله، يحلم بأمة حدودها الماء ورجالها أشداء على الأعداء يحلم بالقومية العربية وفلسطين والتحرير. الآن أدرك أن كل شيء يصير جميلاً، يمكنه أن يقرب الأحلام ويجعلها وردية سعيدة. ناداها اقترب من الشجرة أخبرها : سنجعل أحلامنا حقيقة. سنكون سعداء، سعداء جداً. أنت جزء مني، قلبي يدق باسمك، لا أتصور حياتي دونك، حياتي خاوية ولا معنى لها، ولم أشعر بأهميتها إلا عندما دهمني هذا الإحساس، سنعيش معاً ونناضل معاً، وتكونين اليد التي تدفعني إلى الأمام، فالرحل يبقى في مكانه حتى تأتي امرأة وتشده. تسير معه وتنير له الدرب. فكرت كثيراً قبل أن أقول هذا الكلام. قبل أن أصارحك بحقيقة مشاعري التي تحسين بها، تحسين بكل لحظة. أحبك يا عبلة، لقد ملأت حياتي فرحاً، قلبي ينبض، تأكدت بأن حياتي ناقصة وأنت القادرة على إكمالها، تحدثي إنها حياتك. الخجل في مثل هذه المواقف غير وارد، قولي رأيك بصراحة، رأيك أحترمه مهما يكن. تسلل الخجل إليها، أحست بأن حديها توردا، لم يلاحظ الفرحة التي ارتسمت على محياها، انهالت عليه أمواج العتمة، غيمة سوداء تتحرك خلفه، تلفه، تهرب عبله منها. الوقت يمر بسرعة، طلب عمر إلى أخيه مصطفى أن يركب دراجته ويبلغ رفاقه في حركة القوميين العرب وأصدقاءه المقربين بضرورة حضور اجتماع استثنائي قبيل منتصف الليلة، وصل عدد الحاضرين حوالي الثلاثين، افتتح الاجتماع كعادته " باسم العروبة " ثم ردد شعار " دمنا حديد ونار فرددوا خلفه وحدة تحرر ثأر تحدث عن الأوضاع العسكرية وأخبرهم بضرورة تنظيم المقاومة الشعبية، سنذهب غداً ويحضر ذخيرة كافية للأربعين بندقية. مابين هرج ومرح ومزاح ونكات، مضت الساعات الأخيرة من الليل وتسللوا إلى بيوتهم بعد الثالثة صباحاً على أمل اللقاء عصراً، أما عبلة، فبعد أن تركت عمر في العاشرة ليلاً، دارت على عدد من بيوت رفيقاتها وصديقاتها وطلبت منهن الاجتماع في بيتها غداً، قالت إحداهن: أنت تتعبين نفسك يا عبلة ! أجابت: الحرب وقعت وعلينا أن نفكر بما نفعله . وماذا نفعل إذا انهزم الجيش لا سمح الله ؟ نفعل الكثير، هل نسيت أن الواجبات الإنسانية تحتم علينا أن نعالج جرحانا ونقدم لهم العناية حتى ولو كنا نساء عاديات غير ملتزمات بأي حركة سياسية، فكيف ونحن رائدات المجتمع المقدسي. لو كل واحدة تحدثت بطريقتك لماتت الشهامة والنخوة من رؤوسنا . صباحاً أحضر عمر صناديق الذخيرة وعند الظهيرة توافد الرفاق إلى بيته، قبيل العصر قرر الاجتماع. بعد مناقشة بنود الاجتماع بند بنداً، وزع السلاح والذخيرة ثم قسمهم إلى مجموعات كل واحدة مؤلفة من خمسة. حدد مهمتها والمنطقة المسؤولة عنها، لم يبق في بيته سوى بندقيتين واحدة له والأخرى لأخيه مصطفى الصغير. وفي هذا الوقت بدأت الإذاعة الأردنية تصدر بياناتها حول القتال، إذ قررت حكومة الأردن القتال إلى جانب سورية ومصر . في اليومين التاليين تقدم المتطوعون والرفاق يرمون السلاح مع كامل الذخيرة أمام بيته، ينادونه ويطلبون منه أن يستلم البنادق التي وصل عدد المسلم منها أربع عشرة ومسدسين صادرهما شقيقه من شرطيين هاربين . كان عمر مشغولاً بجمع عدد من الرفاق حوله وتأطيرهم فيما يسمى المقاومة الشعبية، تنقل من حارة إلى حارة ومن مدينة إلى أخرى، زار لهذا الغرض بيت لحم والبيرة ورام الله ونابلس وطولكرم وجنين وفي طريق عودته مر على طوباس وأريحا. أعاد للتنظيم شبابه فعقدت الاجتماعات، وعادت الخلايا للعمل السري والعمل في أوساط الجماهير. عند وصوله القدس كانت جيوش الاحتلال تزحف لتلتهم المدينة. أخبر أخاه مصطفى بضرورة لف البنادق والذخيرة بالنايلون ودفنها بعيداً عن البيت. أما باقي البنادق غير المسلمة فلكل واحد حرية التصرف، إما الاحتفاظ بها وإما دفنها وإما تسليمها على أنها من بقايا الجيش الأردني . أعلنت مكبرات الصوت استكمال جيش الدفاع الإسرائيلي " احتلاله للقدس " على كل من لديه أي سلاح أو ذخيرة أن يضعها أمام بيته ويغلق الباب " دارت الدوريات في الشوارع تعلن ذلك: " إلى أهالي القدس " أورشليم " سلموا السلاح الذي بحوذتكم، إنها فرصتكم الأخيرة التي لن تعاقبوا عليها، ضعوا السلاح والذخيرة أمام بيوتكم وأغلقوا الأبواب، جيش الدفاع سيقوم بالتفتيش، من لا يمتثل لهذه الأوامر نفسه لعقوبة اقتناء السلاح وسيعاقب وفق الأحكام العسكرية النافذة الآن " بقي بعض الرفاق يترددون على بيت أبي عدنان، قرر عمر وبعض رفاقه مداهمة إدارة المخابرات الأردنية في القدس وإتلاف الأرشيف المركزي. تسلل مع أثنين من رفاقه إلى المبنى. على الباب الخارجي مدنيان يبدو عليهما الخوف والهلع، تقدم من أحدهم وهمس في أذنه بأن لديه موعداً مع السيد حنا جلحم. أجاب بأنه غير موجود، لكن لابأس من انتظاره . لفوا في أقسام المبنى الخالي إلا من المناوبين، ثم توجهوا إلى قسم الأرشيف وهناك عبثوا بمحتوياته، قلبوا بعض الملفات كإضبارة الدكتور جورج حبش وتيسير قبعة ومحمد النايف.. وملفه الذي يحتوي ما يزيد على ألف ورقة، منذ كان عمره ثلاث عشرة سنة حتى قبل يومين، حيث وردت إلى الأرشيف ثلاثة تقارير إحدها يتحدث عن استلامه لأربعين بندقية دون الرجوع إلى السلطات المركزية أو أخذ موافقة المخابرات وإقامة حفل تنظيفها والثاني يتحدث بأسهاب عن علاقته مع عبلة، والتقرير الثالث يتضمن عمل اجتماع لثلاثين شاباً في بيته، قلب الأوراق والتقارير المرفوعة، استعاد شهادة دراسته الثانوية وصورة عن إجازته الجامعية، وصور شخصية بمناسبات مختلفة تزيد عن أربعمئة صورة. ابتسم وقال: - تنفع أن تكون سيرة ذاتية، وأظن أنني غير قادر على الإلمام بمحتوياتها، لكن لا وقت لدي لتسجيلها، لاشيء ينفعها سوى عود الثقاب . أضرم رفيقاه النار في غرف الأرشيف الأخرى، فتصاعدت ألسنة اللهب، أما حناجلحم فقد تأخرت هو وبعض العناصر لمدة يومين لشحن الأرشيف أو التخلص منه، يقال بأنه فرح لحرقه وصار يرقص للنيران المنطلقة. في اليوم الثاني جمع ماتبقى من رجال المخابرات وغادر سراً إلى عمان. بدأت الدوريات الإسرائيلية البحث عن عمر القاسم، استدلت على بيته، وكلفت سيارة دورية فيها ثلاثة عناصر لمراقبته. ذات مرة التقى أخوه بإحداها مواجهة، سألوه عن أخيه فأجابهم : - الذي تسألون عنه لم أره منذ ستة أيام، وأغلب الظن أنه غادر إلى عمان. أكد الضابط بأنهم سيلقون القبض عليه. ظلت الدورية مكانها تراقب وتستطلع، لفت حول المكان ثم غابت عن نظره، عادت مساء تسأل عنه ثانية، إذ أبلغ مسؤول الدورية أم عدنان بأن ابنها يمارس نشاطه في القدس ويعمل اجتماعات يوميه في داره . - ولماذا لم تقبضوا عليه ما دمتم تملكون هذه المعلومات ؟ - سنقبض عليه . قال ذلك وأعطى الأمر لعناصره بالتفتيش، تحدث باللاسلكي فتقدمت سيارتان وطوقتا المنزل، فتحوا الخزانة، رموا الأثاث والفراش أرضاً، فتشوا حتى خزان الماء، وعندما لم يجدوه عادوا أدراجهم، بينما رابطت دورية قريباً من بيته . علم وهو عائد إلى منزله بذلك، فقرر المبيت في إحدى مغاور جبال القدس، أرسل من يخبر أخاه مصطفى بمكان وجوده، وبنيته التسلل إلى مكان قريب لأخذ ما يحتاجه. في الحادية عشرة ليلاً حمل ثلاث بطانيات وعدة أكل وإبريق شاي حملها على دفعتين، ساعده في المرة الثانية أخوه، قصدا مغارة السلطان، التي كانت وكراً للصوص في عصور خلت، ونسبة تسميتها تعود إلى اختطافهم أحد الأمراء الذي مكث فيها شهوراً عدة ينسج سجادة، قدمها للسلطان، عرفت زوجة ابنه أن السجادة هي من صنع الأمير.. المغارة واسعة رطبة وكأنها مجرى لهواء بارد، لا يشعر الداخل إليها بأية حرارة، وصلاها اشعلا القنديل، سترا بابها ببطانية، فرشا البطانيتين ورتبا بقية الحاجيات التي حملاها. جلسا داخلها حتى الفجر. في الصباح عاد مصطفى ليحضر لشقيقه الإفطار وبعض الخضار ودبة ماء. في اليوم الثالث قرر أن يستدعي بعض رفاقه للإقامة مع أسلحتهم وذخائرهم، ورسم خطة لتصير مغارة السلطان أول قاعدة في جيل الزيتون ستكون شرارة المقاومة الشعبية طويلة الأمد، التي ستنطلق في صراع طويل مع العدو الصهيوني. كان مصطفى على رأس مجموعة شبان، قامت بذفن البنادق، ودفن شهداء الجيش الأردني، ومنهم الضابط الذي مات على السفح، نظروا في هويته إنه خالد الخطيب، بعد دفنه هناك صعد ثلاثة ودحرجوا صخرة كبيرة استقرت على مقربة منه، كتبوا عليها هنا يرقد النقيب خالد، بعد أيام دهنوا الصخرة بطلاء وزرعوا حولها الأزهار والورود التي يسقونها الماء كل يوم. لم يستطع المقاومة الشعبية أن تقول للاحتلال كلمة واحدة، احتلال الضفة الغربية كاملة وبأيام قليلة أضاع فرصة المقاومة. عاد عمر إلى بيته، ألقى البندقية جانباً فقد انتهى دورها قبل أن يبدأ. وليس أمامه سوى العمل السياسي، يخرج من بيته صباحاً ويعود مساءً يسهر حتى منتصف الليل وهو يعد بعض التقارير ... ذات مساء نادى أخاه وطلب إليه أن يؤمن آلة كاتبة. سأله مصطفى: - لِمَ الآلة الكاتبة ومن أين سأحضرها . - إن كنت لا تريد إحضارها فلك ذلك، وإن شئت فمن مدرسة من مدارس وكالة الغوث ضعها في أي مكان تختاره، والأفضل هناك في مسيل الماء واترك البقية عليّ . فرح مصطفى لأمرين، ثقة أخيه فيه تتزايد يوماً بعد يوم، ولأن طلبه هذا يعني أنه سيستخدمها لطبع البيانات والمنشورات، ابتسم في سره، فكر من يصطحب، قال بينه وبين نفسه الذي يصلح لمثل هذه المهمة هو صديقه محمود جاد الله، الذي يسكن في حارة السعدية. ماذا يقول له؟ قد لا يوافقه على السرقة، عندها لابد من توضيح الأمر . انطلق إلى محمود عصراً، رفض في البداية المساهمة، لكنه عاد وواقف كما توقع، وقع اختيارهما على مدرسة خليل سكاكيني، استطلعاها وقررا تنفيذ العملية، سورها الواطئ وزجاج نوافذها المكسور يساعدان على ذلك . قفزا من فوق السور، واجهتهما شجرة كينا عالية، أغصانها وأوراقها تسدّ النافذة. تسلقاها وعلى المستوى المطلوب، انحدر من غصن أعلى بقليل، انزلق محمود وكاد ينزل دفعة واحدة من الشجرة إلى داخل الغرفة. تمسك بالنافذة، أحدث صوتاً قطع السكون. قعد على أرض الغرفة، راقب الطريق ونظر إلى البعيد من النافذة المفتوحة ... تأكدا بعد فترة ترقب، أن هذا الصوت لم يثر أحداً، سيقولون، ربما هو صوت إطلاق أوانفجار. الناس لا يجرؤون على الخروج. عندما اطمأنا إلى تحليلهما وأيقنا من خلو المنطقة. استعدا لتنفيذ القسم الأهم من هذه العملية وهو إنزال الآلتين ووضعهما في المكان المتفق عليه، تعاونا على انزال أول واحدة. بعد أن صارت خارج النافذة، قفز مصطفى إلى السور وتناولها، قفز محمود إلى السور ثم أرضا وتناولها ووضعها في مكان مستور من المسيل. أعادا المحاولة بثقة أكبر وأنزلا الآلة الثانية بالطريقة ذاتها، ووضعاها في حفرة إلى جانب أختها. قعد مصطفى إلى جانبهما بينما عاد محمود إلى السور تسلق وأغلق النافذة، نفضا ملابسهما، أسرعا بالعودة للتخلص من رائحة مسيل المجارير. افترقا قبل أن يصلا إلى حي الشيخ جراح. في صباح اليوم الثاني غير عمر ملابسه، أحضر عربة خضار دفعها أمامه، ذهب إلى السوق، اشترى بعض الخضار والفواكه، وبدأ ينادي كبقية البائعين المتجولين. قصد مدرسة خليل سكاكيني، أوصل العربة قريباً من هناك، فتح الدّرج الأسفل ووضع الآلتين، وتابع نداءه على الخضار والفواكه. غاب طوال النهار وقبيل منتصف الليل عاد دون العربة ودون الآلتين. سأله مصطفى فلم يتلقَ منه جواباً مقنعاً. فهم أن الأمور تجري على ما يرام، عمر دائم الحركة يغيب عن المنزل أياماً عدة، ليال يبيت خارج غرفته . توالت الاجتماعات السرية مع رفاقه واصدقائه الذين يخططون لإقامة جبهة نضال شعبي ضد الاسرائيليين، تتألف من بقايا التنظيمات السياسية، من هؤلاء صبحي غوشة وفايز حمدان وتيسير قبعة ومحمد النايف وأبو اصطيف ووليم وكمال... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |