ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل الخامس -

انفتح باب الغرفة رقم تسعة، ظهر وجه الحارس، تقدم خطوتين، خاطبه بكلمات عبرية فيها الكثير من الفكاهة والدماثة، وألقى ورقة عبر الكوة الصغيرة. من بعيد شاهد إلياهو ذلك فصاح بالحارس :‏

- يا أبله استغفلك وألقى رسالة داخل الغرفة، عقوبتك ستحددها الإدارة .‏

انتفض العسكري وتغيّر لون وجهه.. تقدم الشاويش وأمسك بعمر وجره للتفتيش .‏

" اشلح ملابسك أيها المشاغب ... اخلع حتى ملابسك الداخلية، هيا بسرعة ليس لدينا وقت " نفذ العسكري ماطلب إليه وفتش كل قطعة من الملابس، ثم ألقاها بوجهه ورفع سماعة الهاتف وأبلغ نائب المدير، الذي أمره بوضع عمر في المنفردة عشرة أيام .‏

جدران الزنزانة وحوش ضارية، تنشب مخالبها في جسده، في عقله الذي يكاد يتوقف عن العمل، في هذا الوقت الذي هو بأمس الحاجة إلى الرفاق، ليرعى خطواتهم خطوة خطوة، يبتعد عنهم، نظر إلى حيطان الزنزانة، تأملها، شاهد جدرانها تتصارع، وعليه مصارعة النوم والوقوف ساعات طويلة، عقوبته أن ينام واقفاً بلا فراش ولا غطاء. طلب تنشيف أرضية الزنزانة من الماء، كما طلب فرشة وغطاء، أجابه الشاويش بالرفض. جاد له حول الرطوبة والمرض وسوء وضع الزنزانة، ضحك إلياهو ضحكة صفراوية وأجاب:‏

- كيف تكون العقوبة مجدية إذا لم تكن كذلك، ومثلك كالحديد لا شيء يؤثر به، حتى المرض يبتعد عنك، افترض إنك مرضت، فالممرض " كوبا " وغيره موجود لخدمتك، كل شيء له علاج عندنا، جرب أن تمرض بالروماتيزم أو الشلل أوفقدان العقل، ستجدنا بخدمتك، وستجد لدينا ما يسرك، وسنكون مسرورين منك، وقد نفكر بإطلاق سراحك. أليست هذه مغريات تستحق التجريب ؟!‏

هز عمر رأسه، بدأ شريط التعذيب يرسم صوراً تتحرك أمام مقلتيه، وبين الرؤى والرؤيا تتفتت الأغنية إلى نتف حزينة، ترنم بأهازيج أعطته دفعاً للمقاومة، تذكر كيف يعذبونه، وعندما يمرض يقولون بأنهم في خدمته، نظر إلى إليا هو نظرة فيها الكثير من القوة، مما دفع الشاويش إلى الانسحاب. لقد قرر أن لا يكون ضعيفاً حتى لو أشرف على الموت، لن يظهر ضعفه، بل سيظل يدندن ويسمع شبابة أبي القاسم الشابي التي تعطيه القوة والحياة والتحدي .‏

عاش طوال حياته يحب المغامرات والتصدي. وقف في وجه المعلم الذي منع الطلاب من الخروج والتظاهر " مالك ومالهم، هل ستنصب نفسك رجل شرطة " ابتعد المعلم عن البوابة الخارجية وسمح لهم. خرج الطلاب إلى الشارع نظموا أنفسهم وساروا صفوفاً، هتف عمر بهم، داروا وفي نهاية التظاهرة عادوا إلى المدرسة. في اليوم الثاني أصدرت الإدراة قرار طرده أسبوعاً،‏

كما طلبت إليه الاعتذار، جاء عمر في اليوم الثامن يعتمر كوفية. اعتذر فهز المدرس رأسه قائلاً:‏

- كنت اتمنى الخروج معكم، لكن الواجب الوظيفي يفرض عليّ أن أتصرف بعيداً عن قناعاتي.‏

أما المدير فقد دس عدداً من الطلاب لينقلوا أخباره أولاً بأول، ظل يلاحقه، يحاول الهزء منه ... كان محبوباً يتحلق زملاؤه حوله، بعضهم يعطيه قصاصات فيها أخبار تهمه، مجتهد ومحبوب من المعلمين، الأول في صفه، وهذا مامنعه أن يكون عرضة للسخرية.‏

مضت الأيام بطيئة، التحضير للإضراب هو ما يخطط له ويشغل باله، بعده عن الرفاق قد يوقعهم في الخطأ. المحاولات السابقة لها نجاحاتها واخفاقاتها، أهم نقطة تعلمها عدم تمكن سلطات السجن الاستفراد بالسجناء والتعتيم على الإضراب ومطالبهم .‏

سمع عمر جملة وهو في الفورة لها مغزى كبير عنده. توقف عن اللعب، نظر يمينة ويسرة، حاول أن يعرف مصدرها فلم يتمكن، شاهد عسكرياً من غير المكلفين بمراقبتهم، راقبه حتى اختفى، ترك اللعب وجلس على الأرض، أحاط اللاعبون به وسألوه عن سبب تركه اللعب. فعلل ذلك بأن مزاجه مضطرب، دعاهم إلى متابعة الرياضة، أما هو فلن يتابعها منذ هذه اللحظة، الكلمات بعد أن سمع جملة والمياه تجري في مجاريها" مرتين لا أحد يعرف ما تعنيه هذه إلا علي الجعفري وإسحاق مراغة. وقد لا يعرف العسكري الذي قالها معناها.‏

بعد انتهاء فترة التنفس أخبر زميليه علي وإسحاق باستلامه الإشارة التي تعني وصول الرسائل إلى السجون وإلى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.‏

عقدوا اجتماعاً مطولاً بحثوا فيه الأمور الإجرائية وغير ذلك من الترتيبات، قبل أن يعرضوا الأمر على رفاقهم في المهجع ثم في السجن. خمنوا ما ستفعله قيادة منظمة التحرير من أجل انجاح الإضراب. ستدفع ببعض الصحافيين الغربيين والامريكيين بالسفر إلى " إسرائيل " وطلب مقابلة السجناء وغير ذلك من الأساليب. كما سربت رسالة إلى مجلة " التايم الأمريكية" فبادرت إلى نشر خبر عن الاضراب، مما أدى إلى تنبيه إدارة السجون، وأخذ احتياطاتها من استنفار ومراقبة وتنصت والغاء الإجازات استعداداً لأي طارئ. ليلاً دارت نقاشات حول الإضراب وأهميته وكيفية البدء فيه، انتهت باتفاق سجناء نفحة أن يشاركوا فيه، حتى المرضى الذين لا تحتمل أجسادهم وصحتهم الامتناع عن الطعام، رفضوا أن تكون حالتهم الصحية سبباً في عدم المشاركة، مع أن رفاقهم حاولوا إقناع بعضهم بعدم تعريض حياتهم للخطر، قال راسم حلاوة رداً على محاولاتهم:‏

- إذا كانت حياة الذل أفضل من الشهادة فبئس الحياة، علينا أن لا نتخلف عن أداء واجبنا الوطني، فيد الله فوق يد الجماعة.‏

وقال إسحاق مراغة الذي يشكو من آلام معدته:‏

- كيف أكون في اللجنة العليا للإضراب وتطالبونني الامتناع عنه، إنكم بذلك تحكمون علي بالموت.‏

أبلغت إدارة السجون المركزية ببرقية مستعجلة موجهة إلى إداراتها ضرورة التشديد على السجناء ومنع الإضراب مهما كلف ذلك. فطلب إلى طاقم السجن أن يناوب ليل نهار، ومنعت العناصر من الذهاب إلى بيوتها وأي نوع من الإجازات .‏

تشاور عمر مع راسم والجعفري والشيخ عباس وبقية الرفاق في أمر الإضراب، بعد أن تم تحديد التوقيت مع بقية السجون، عليهم أن يحسموا قضية مشاركة المرضى في الإضراب، فهناك أكثر من سته حالتهم الصحية لا تسمح، بينما حسم راسم حلاوة واسحاق مراغة موقفهما بالمشاركة مهما كانت النتائج، إلا أن هناك أربعة آخرين يجب مناقشتهم ووضعهم أمام تأثير عدم تناول الطعام على صحتهم. مثلاً في الغرفة الأولى خالد بزاوي المريض بالقلب والذي أغمي عليه غير مرة، يشكو ضيق التنفس، يخرج صوتاً كاللهاث ثم يتكوم مكانه، مضاعفاً لهاثه، الغرفة تتحول إلى دائرة، تبتعد وتقترب منه، الجميع يحركون أيديهم والمناشف ليعيدوه إلى حالته الطبيعية. الشيخ عباس يقرأ الفاتحة وآية الكرسي ويدعو الله أن يشفيه.. أما الممرض كوبا فإنه يصل دائماً في الوقت غير المناسب. بعد أن يفيق من غيبوبته وإغماءته. يحرك يديه ويدلك صدره، لا يفعل أكثر من ذلك. مرة قال له عباس:‏

- خاف الله ياكوبا خالد بحاجة إلى علاج وطبيب يراه ليحوله إلى المستشفى .‏

- اسكت أيها الشيخ " العاهر"، هذا الأمر نحن نقرره ولسنا بحاجة لمن يذكرنا بواجبنا الإنساني، قم صل أربع ركعات ولا تتدخل مرة ثانية بما لايعنيك.‏

- واضح ياسيد كوبا أن أمر زميلي ورفيقي لا يعنيني، أتعرف لماذا لأنكم كلكم إنسانية ‍!‏

ضحك الموجودون وعلقوا تعليقات سافرة نالت من كرامة كوبا، فتطلع بعين الحقد والغضب وهو يتمتم بكلمات عبرية: " ستقع في يدي ذات يوم أيها الوقح، وسأعلمك كيف تتفوه بكلام كهذا ".‏

بعد يومين أغمي عليه ثانية، لم يطلبوا هذه المرة الممرض الذي جاء وحده يركض فقد أبلغه الحارس بذلك، دخل الغرفة وحاول أن يتجه إلى خالد، وقف عباس سداً أمامه ومنعه من الوصول إلى المريض .‏

أبلغه أن ما فعلوه، عندها احتد وشتمهم ثم قال بأن ليده سحراً عجيباً ولا يجوز لهم فعل ذلك، وإلا ما فائدة وجوده.‏

حاول أن يمدده ليفحصه، تظاهر بأنه سيفحص ضغطه ويكتب له دواء، أخرج السماعة وميزان حرارة. راقب الجميع ما سيفعله الممرض. مديده ليتناول يد خالد فلم يتمكن، ناوله ميزان الحرارة فلم يتناوله، وعندما حاول أن يكشف عن صدره رفض المريض ذلك.‏

هذا وضع خالد بزاوي أما فادي حسين فيشكو من آلام في الكولون، ولديه آلام وحرقة وقت التبول، حزين لا يكترث بأحد، مازال يذكر أمه العجوز التي تركها نهباً للمرض والقلق، قال لها وقت وداعه:‏

- سأعود بعد يومين .‏

أجابته :‏

- وإذا لم تعد ؟!‏

صمت ولم يجب، سقطت من عينه دمعة جففها دون تشعر بذلك، نظرت إليه وتابعت حديثها: نحن لا أحد لنا في هذه الدنيا. إذا لم تعد يا ولدي سأموت، وصيتك أختك ابتسام وهذا الصغير الذي ستكون أباه وأمه.‏

إشارات إلى باسم ابن السنوات الأربع، انزوى في الغرفة، ثم خرج بعد مدة وهو يمسح عينيه. يوم قام بالعملية مع رفاقه لم يلق القبض إلا عليه، قالوا بأن مسؤول الدورية نجا بنفسه وهو نائبه، وإن صديقه محمود قتل في أرض المعركة. أما هو فقد أصيب، الخامس احتفى لا أحد يعرف عنه شيئاً. أثناء التحقيق واجهوه بحقائق يجهل بعضها قالوا له :‏

- نحن نعرف كل شيء.‏

- ولماذا تسألونني؟‏

- لنعرف مدى صدقك.‏

توالت أسئلتهم عن اسم المسؤول وموقع القاعدة ونوع السلاح الذي تدرب عليه، ثم انتقلوا إلى أسئلة حول وضعه الاقتصادي والاجتماعي، وأسئلة أخرى عن حارته وشبابها، ثم عن القواعد الأخرى التي يعرفها لمنظمته، وأخيراً الدولة التي انطلق منها.‏

بعد انتهاء التحقيق، ندم على إجاباته، لقد أعطاهم معلومات معظمها صحيحة، لأنه لم يستطع تضليهم في أسئلة لا تحتمل إلا إجابة محددة ودقيقة ... الشيء الذي لم يبارحه وضع أمه المريضة وشقيقته وشقيقه الصغير. ذات مرة حدث عمر بكل شيء، قال له والدموع تبلل خديه وثيابه:‏

- لقد أعطيتهم كل ما أعرفه ليتني مت ولم أفعل ذلك، أنا نادم .‏

- هل بإمكانك أن تقول غير ذلك ولم تفعل ؟‍‍!‏

- كلا فهم يعرفون عنا كل شيء!‏

- الذنب ليس ذنبك، البيت من الداخل ليس نظيفاً .‏

وضع عمر يده على جبينه، تذكر كيف يبني مسؤولوا القواعد أمجادهم على مثل هؤلاء. كيف يبعثونه لتنفيذ عملية وهو لم يتجاوز السادسة عشرة، كان الأجدر بمسؤول قاعدته أن يقودها بنفسه ولكنهم يفكرون بالطريقة ذاتها. هؤلاء ليسوا قادة، لأسباب عدة منها ما ذكرته .‏

نظر إلى عيني فادي وخديه المبللين. عيناه حمراوان، ناداه تعال ياأخي اقترب مني، مسح دموعه، ولكي يخفف عنه أبلغه أنه سيسأل عن أحوال أمه وسيتلقى جواباً بعد أسبوعين على أبعد تقدير .‏

ارتسمت ابتسامة على ثغر فادي، صرح بأنها أول ابتسامة منذ سنين، ومع ذلك ظل قلقاً حتى جاء الجواب المطمئن عن وضعها، حمد الله وقال لعمر رداً على ما فعله:‏

دعني أيها الرفيق أنضم إلى تنظيمك‏

سنفعل ذلك أذا اقتنعت .‏

يحمل عقدة الذنب، يصرح علانية أن موته أفضل من حياته كلها آثام وذنوب وخداع، وعندما سمع قرار الإضراب، وطلب إليه أن لا يضرب نظراً لحالته الصحية المتدهورة أجاب: " بأنه لن يحيد عن درب الجماعة ".‏

ردد كل من في الغرفة قول الشيخ عباس:‏

يد الله فوق يد الجماعة .‏

في الغرف الأخرى حاولوا معالجة قضية اشتراك المرضى من الإضراب، فوجدوا الإصرار على المشاركة من المرضى أكثر من الأصحاء، بعد ذلك أعلن أن سجناء نفحة سيشتركون بالإضراب وصار تعبير يد الله ....‎‎ " هو المتداول عند المرضى والأصحاء، الفرحة تشع في العيون، غداً صباحاً سيردون طعام الإفطار ليبدؤوا الإضراب الذي لا عودة عنه.‏

بعد أيام من الإجراءات المشددة التي منعت وقوف أكثر من اثنين أثناء الفورة، اعتقدت إدارة سجن نفحة أنها كسرت قوة السجناء وأن الحديث عن الإضراب أصبح عير وارد، لذلك أمر عمرام تخفيف حالة الاستنفار الكاملة، ليذهب إلى تل أبيب ويعيش حياته، حدث عشيقته انجيلا كيف قضى على إضراب كان سيحدث في السجن المسؤول عنه، عندها قبلته قائلة، ليحيَ جنود الحق والعدل. مم حقه الفخار بذاته. كلمات انجيلا تحييه وتعيد إليه ليالي العشق حيث يقضي إلى جوارها ساعات وربما ليلة بكاملها. ألهبت كلماتها ذهنه المشتت. عليه أن يلغي أي تفكير بالسجن والسجناء وهو في حضرتها، لكنه هل يستطيع ذلك، شيء ما ذكره أن السجناء عربيوا الأطوار، قادرون على التكيف مع الظروف المستجدة. تساءل مالذي يجعله يطمئن إلى هذه الدرجة، ربما يخططون للإضراب .غاب في عالم الزنزانات ورفض الطعام والمناوبة وعدم النزول إلى تل أبيب.‏

كانت انجيلا رقيقة ودودة، قبلته ومازحته، ضحكا معاً، ولكنها عندما رأته شارداً عن عالمها، يفكر بما سيحدث وما يخطط السجناء. تحول جسده اللاهب خلال لحظات إلى لوح ثلج، داعبته بقولها: نحن هنا، بماذا تفكر ؟‏

تغيّر لون وجهه، ألحت عليه بالإجابة وكأن لكلماتها الشفافة قوة تأثير عليه، قال في نفسه: "لماذا لا يشركها في تفكيره ويقول لها كل عذاباته ومعاناته من السجناء. سيدعها تفكر نيابة عنه" ؟‏

تردد قبل أن يصرح بأن السجناء يلاحقونه في كل مكان، ينغصون حياته. سألته ماذا سيفعل إن عادوا وقرروا الإضراب، أو إذا جاءه من يبلغه بأنهم عازمون على تنفيذه، تناولت ملابسها وارتدها قطعة قطعة. تجهم وجهها ومسحت المساحيق الموضوعة عليه، حزن لتصرفها، حاول ملاطفتها، حاول أن يشرح لها ظروفه، أن يتوب فلا يذكر أمامها أي شيء من ذلك، لكنها كانت قد ارتدت كامل ملابسها، نظرت إليه باحتقار، فتحت الباب وقالت:‏

عد إليهم لا أريد أن أرى وجهك ثانية .‏

مد رأسه ليقبل يديها، ليعتذر، أعادت قولها:‏

اخرج الآن، إن كنت تنوي الحفاظ على خيط يربطنا .‏

غطت وجهها بيديها وأجهشت، حاول أن يرفعها عن وجهها المنورد والمنفعل ويعتذر.‏

صوت نشيجها يتصاعد، وقبل أن يخرج تحين الفرصة وقبل يديها. كاد يضمها إلى صدره لولا تراجعها وإصرارها على موقفها. أخبرته بما لا يقبل الشك بأنها لن تمضي الليلة معه وعليه أن يبحث عن غيرها ويدعها مرتاحة. كانت تلك الليلة ثقيلة، أمضاها وهو يلوم نفسه على تصرفه الأرعن، أيعقل أن يكون معها ويفكر بالأوباش، في آخر الليل وقبل أن يغفو قرر أن ينتقم منهم، هم سبب تعاسته وسبب انزعاج عشيقته .‏

حضر في الصباح الباكر، وصل في السابعة صباحاً على غير عادته. وجهه أشبه بالأثافي، لم يسلم على أحد، طلب حضور الشاويش الياهو، الذي جاء على عجل، قرع الباب وأدى التحية، وعندما لم يسمع شيئاً قال :‏

نعم سيدي .‏

ما الأخبار أيها الشاويش .‏

أضرب السجناء ردوا الطعام أرسلوه مذكرة بالمطالب .‏

تناول مذكرتهم وقال له، اخرج وعد ثانية بعد نصف ساعة. عند حضور رحميم أخبرني، قل له: بأنني طلبته ليمر إلى مكتبي قبل أن يفعل أي شيء .‏

شيء فظيع ما حدث، أراد الانتقام فانتقموا منه " تغدوا به قبل أن يتعشى بهم " قال بينه وبين نفسه " هؤلاء الحقراء أين يظنون أنفسهم، إنهم وسط الصحراء، لو قتلناهم جميعاً من يطالبنا بدمهم، وهب أن أحداً فعلها، هل يستطيع مواجهتنا؟ إننا نملك قوة ضاربة تجعل الجميع بلا ألسنة يتفرجون علينا أو يباركون ما نفعل، هؤلاء لو كانوا في سجون عربية لما حصلوا على المميزات التي حصلوا عليها. زيارات الأهل والكانتينا والفورة. في المعتقلات العربية يبقى المعتقل سنوات عدة، لا يعرف أهله عنه شيئاً، ولا يسمع له أن يدلي بكلمة واحدة. التقارير التي تصلنا تقول بأن بعض السجناء أمضوا عشر سنوات دون أن يروا الشمس أو يسمعوا شيئاً عن أهلهم. سجناؤنا يردون الطعام، يتهموننا بالظلم، ما هذه المعادلة ".‏

تناول مذكرتهم وقرأ ما فيها من مطالب " يا سلام المساواة بالجنائيين اليهود وإلغاء التمييز في المعاملة " رمى المذكرة جانباً وبدأ يستعيد أمجاد اليهودي الإنسان العظيم الذي أعطى الإنسانية الحضارة والتعاليم. ورأى أن لا أحد يستطيع الوصول إليه أو التشبه به. دخل في هذا الوقت الشاويش الياهو ليبلغه بأن الصحافيين اتصلوا منذ الصباح يستفسرون عن الإضراب، كأنهم يعلمون موعده بأعلى صوته :‏

كفى لا أريد أن أسمع المزيد.‏

تراجع الشاويش وأصيب بالذهول، تمالك نفسه وتشجع فقال:‏

- مابك سيدي ؟!‏

- لاشيء .‏

نظر إلى الشاويش وحدق به ثم أردف:‏

- إنهم يشتغلون بدقة على الرغم من وجودهم داخل أربعة جدران! وهذا عكس ما توقعته شخصياً، والشيء الأَمَرْ أن الإضراب في السجون كافة وفي وقت واحد! كيف اتصلوا ونسقوا ؟‏

هذا أمر مذهل !‏

كان ذاك اليوم هو الخامس عشر من تموز، الشمس أرسلت أشعتها إلى العالم كافة، ومع تصاعدها إلى أعلى أرسلت خيوطاً دقيقة تسللت إلى داخل الغرف. هذا اليوم مميز في كل ما حمله الجو الرمادي والرياح الخماسينية التي لا ينقطع هبوبها، تراجعت، فبدت النقب أليفة، حملت ساعات النهار الأولى الندى الذي عطر الجو وألقى بعض حمولته وطراوته على السجن، في حين شعر السجانون أنه يوم أغبر. يوم سيذوقون فيه الأمرين، سُيصب الغضب عليهم، وصمود أول يوم معجزة. أمر غريب أن يكون الشعور باليوم مختلفاً. الأشعة تصل إلى صدر كل سجين وقلبه، تنير وجوههم وتترك البسمة على شفاههم. حيطان الغرف السميكة تحولت إلى زرقة أشبه بزرقة البحر أو السماء. زرقة تهب عصافير القلب لغة الكلام، فيسمع التغريد الذي يجاوب في الغرف مع صوت " الله أكبر" الذي انطلق من حنجرة عباس وردده الجعفري ثم ردده الجميع. قال بصوت مسموع " نويت الإضراب لوجه الله والوطن " ثم صلى أربع ركعات وقعد ماداً يديه على ركبتيه، استغرق في الدعاء، فرددوا خلفه أمين، شعر عباس بأنه أشبه ما يكون بقائد وطني، استعد لأي طارئ، وقال بينه وبين نفسه " الإضراب عمل جبار نثاب عليه، وهو يشبه العبادة إلى حد كبير، فالصوم لأجل الوطن تضحية ما بعدها تضخية ".‏

تذكر آراء القديمة، ابتسم في سره وأقر بأن الإنسان يتعلم. كانت أحاسيس السجناء متباينة، أفاقوا باكراً، دخل الشاويش ومعه عسكري صاح بصوت مرتفع " اسفيرا " بعد العد الصباحي، قاما بتفتيش الغرفة، قلبوا كل شيء رموا الأغطية جانباً والأمتعة، ثم ألقوا شتيمة وخرجوا إلى الغرفة الثانية وهكذا حتى أنهوا الغرف.‏

لم يترك عمرام انجيلا دون أن يطيب خاطرها، وعدها بسهرة حمراء قبل أن يغادر مخدعها .‏

ذاك الحقل الذي حرثه غير مرة ولم يرتو، المرأة الأنيقة التي لوجهها جمال الشمس ولفخذيها لهيب الجمر، ولصدرها رحابة الصحراء ودفؤها، خصرها هفهاف وقواها مترنح، يزداد ترنحاً إذا سمعت كلمات غزلية، مسكونة بوجع اللذة ولهفتها . لشعرها رهافة العشب، أما شفتاها فلهما ذاك المزيج الغريب من الطعمة التي أشبه ما تكون بفوران الأرض البكر التي تستقبل شلالاً. عيناها تقول فتظهران التكحل ونعوسة الأنثى التي تنتظر على أحر من الموقد، في سهرتها دمثة.. أما الليلة الماضية فكانت غير ذلك. قبل قدميها وشد بأسنانه كعبها، قالت، أخ وظلت تنهنه بالغنج مرة وبالبكاء أخرى، ما الذي جعله يستحضر صورة أولئك الهمج أمام ملاك الرحمة.‏

في مكتبه وضع رأسه بين يديه، فقد القدرة على التصرف، أدار قرص الهاتف ... انجيلا لقد فعلها الأوغاد وأضربوا حرموني من رؤيتك هذه الليلة أيضاً. تقولين بأنني أعكر مزاجك مرتين ...لا لست أقصد ذلك، أقسم سأنتقم منهم، تطلبين مني أن لا آتي على ذكرهم.. أمرك سيدتي وداعاً وكلي شوق .‏

استحضر جسدها، فرك نهديها ودغدغهما، دفء رقيق يسري في كيانها، أحس بلذة نهديها المندفعين، شعر باختلاجهما. عيناها مجنونتان، عندما تذبلان تبدوان أكثر وداعة. الجرح الذي لم يندمل سبب فوضى في حياته، جاء مساعده رحميم الذي رأى احتقان عينيه وغضبه .ذاك الرعب الذي يعبر عن خوف ووجل، شعر عمرام بوجود نائبه وليصرفه أعطى أوامره:‏

- الجميع إلى الساحة، لن تغرب شمس هذا اليوم قبل أن ينهوا إضرابهم .‏

تجمعت إدارة السجن والحراس في الساحة. خرج من مكتبه وكلمات انجيلا ترن في سمعه، صفوا حسب ما أمرهم، ثم وقفوا باستعداد. أعطاهم الأوامر الجديدة التي تقضي باختصار الفورة، ومراقبتهم، التفتيش اليومي للمهاجع، منع الإجازات والزيارات وإجبار المضربين على تناول الطعام، صرخ بصوت لم يعهدوه وحثهم على العمل.‏

اقترب من نائبه وأشار عليه أن يقوما بجولة إلى الغرف قبل أن يتصل بإدارة السجون. امتدح رحميم هذا الرأي وسار إلى جانبه وخلفهما الشاويش إلياهو. توقفوا مدة طويلة عند الغرفة الأولى، أراد عمرام التحدث إلى السجناء وسماع شكواهم مباشرة، نبههم في بداية حديثه بأن عليهم إذا أرادوا الإضراب أن يبلغوا الإدارة بمذكرة تحدد موعده، ليتقدموا إذا بطلب ذلك، ثم يعرضوا مطالبهم برسالة عادية وينتظروا الرد ثلاثة أسابيع، وبما أنهم لم يفعلوا ذلك فإن ما قاموا به غير قانوني. طالبهم بتحديد موعد آخر ووعدهم بدراسة طلباتهم والرد عليها في أقل من المهلة التي حددها.‏

اقترب عمر منه وقال :‏

- أنت تتغنى بشيء تفقده، قرار الإضراب نابع من وضعنا وليس من أوامركم. لو كان ماقلتموه صحيحاً لما وقفنا هذا الموقف ،على كل نحن تقدمنا بمطالبنا إن شئتم بحثها والرد فهذا يعود إليكم. ننتظر جوابكم، أما الإضراب فلا عودة عنه.‏

أصدر عمرام أوامره إلى الياهو ليمنعهم من الفورة ويغلق عليهم الأبواب، حتى يموتوا جوعاً وعطشاً لأنهم لا يقدرون نعمة وجودهم في سجون اسرائيل، هؤلاء لو قرؤوا ما كتبته منظمة العفو الدولية عن السجون العربية لعادوا عن قرارهم، ولاشتغلوا عندنا خدماً، علينا منذ الآن أن نؤمن وصول هذه التقارير إليهم. من بعيد عسكري يهرول، يتوقف، يؤدي التحية ثم يخبره بأن وفداً صحافياً ينتظر الدخول. عندها همس في أذن رحميم بأن " المصائب لا تأتي منفردة، هيا لاستقبالهم وإعطائهم فكرة جيدة عن السجن والسجناء، الصحافيون إذا لم نحسن معاملتهم يلوثون سمعتنا ويعملون من الحبة قبة تابع عملك في الغرف الأخرى واشرح لهم عن الحرية عندنا وبأننا مستعدون لتنفيذ مطالبهم، ولكنها تحتاج إلى مهلة كافية. أظهروا لهم هذا الجانب وإياكم أن تحدثوهم بلهجة قاسية، دعوهم حتى يذهب هؤلاء الصحافيون، يحلها الرب معهم، سأريهم ليس فقط نجوم السماء بل عورات أمهاتهم، سيصرخون طالبين العفو، لن يجدوا في قلوبنا إلا الشماتة، آه لو كان هذا السجن غير مسجل عند المنظمات الدولية لمنعت عنهم الطعام والماء ".‏

نظر إليه رحميم وكأنه يريد أن يذكره بأنه منع عنهم المياه وجعلها شحيحة، لكنه بدل ذلك طلب المشورة بقوله :‏

- هل نبقي المياه مقطوعة عن الغرف.‏

- خلال وجود الصحافيين دعوهم على حريتهم، يفعلون ويتصرفون ما شاؤوا، افتحوا السكر حتى تتدفق المياه ويراها المراسلون، ويتحدثون عنا بكل خير، اركض أيها العسكري وافعل ذلك، سترون بأن للحديث بقية.‏

عاد عمرام إلى الغرفة واحد ومعه الشاويش إلياهو، تحدث عن العدالة في إسرائيل ثم عن الديمقراطية وحرية التعبير والرأي والانتماء. أخبرهم بأنهم يتمتعون بحرية القرار. بعد ربع ساعة من الحديث والمحاضرة بدا ودياً إلى أبعد الحدود. وقف الشيخ عباس وقال :‏

- غريب كيف تغيرون رأيكم خلال دقائق! إنكم تتمتعون بقدرة فائقة، مرة تلجؤون إلى التهديد والقسوة ومرة إلى اللين والحديث بالمثاليات التي تتغنون بها فقط .‏

- شيخ ماذا تعني مثاليات تتغنون وكلام غير مضبوط!‏

- أنها فقط كلمات تعني أكثر من ذلك، لن تصل إلى درجة التطبيق، ألم تسمع المثل " اسمع كلامك يعجبني أشوف أفعالك اتعجب !"‏

- أيها الشيخ، اسمع جيداً، أنت مشاغب، الحمار ياشيخي هو الذي لا يغير رأيه، نحن إذا وجدنا رأينا يضر بالصحة العامة ومصلحة السجناء نتخلى عنه. أنا قادر على فعل ذلك كما أغير لباسي وربطة عنقي، كل ذلك ضمن المصلحة العليا للدولة.‏

توصلت إدارة السجن إلى أن كل ما فعلته لن يجدي. السجناء مصممون على مواصلة الإضراب، والتحدي، الأمر لم يعد مزحة. ما على مدير السجن إلا إبلاغ إدارة السجون العامة، والاستفسار عن إضراب السجون الأخرى وتلقي الأوامر. كان هذا أول ما قام به بعدها انطلق إلى مقابلة الصحافيين. بعد أن أعطى أوامره بالاستنفار ومنع الإجازات والبقاء مع السجناء، كما أمر أن يظل الطعام طوال النهار عند باب الغرفة الداخلي، لا يعيدونه إلى المطبخ إلا مساء، وذلك لتحقيق هدفين أولهما التفكير المستمر بالطعام من قبل المضربين واحتمال تراجع بعضهم لرؤية الطعام التي تثير فيهم غرائز بدائية، إن تناول بعضهم لشيء منه إسكاتاً لجوعهم يحدث بلبلة، تدفع الآخرين للاحتذاء بهم، أما الهدف الثاني فهو إعطاء انطباع حسن للزائر مفاده أن الإدارة تقوم بواجبها الإنساني، وهي بالتالي غير مسؤولة عن النتائج.‏

أعاد السجانون الطعام إلى داخل الغرف بكمية كبيرة، كما وضعوا أصنافاً لا تتكرر كثيراً ككميات كبيرة من أنواع الجبن والزيتون والحلاوة والمربيات: ومع ذلك لم تمتد يد إليه. لم يشعروا في اليوم الأول بالجوع، ظلت حركتهم عادية، يمزحون ويلعبون والفرحة مرتسمة على وجوههم، وخاصة عندما علموا أن التصميم يزداد، إذ انتهى اليوم ولم تسجل أية حالة تراجع. حسان يزداد مرحاً. تذكر أمه كيف تعد الزيارة وكيف تشاركها هدى، وقالت له في آخر زيارة بأنها سترسل له أكلة، وأبلغته ما حدث بينهما و ترقرقت الدموع في عينيه وتماسك، لن يستطيع رؤيتها، لقد أوقفت الإدارة الزيارات. مازالت ابنة شعبان في رأسه، توطنت شرايينه، لم يعد دماغه قادراً على العمل، فكر في الثمرة الناضجة، ابتسم وقال في نفسه بأن عالم الأنثى غريب عجيب لا يعرفه إلا الذي يقترب منه! أيعقل أن يتبدل شعورها تجاهه، لأنه سأل عنها؟‏

ألم تكن تفكر به؟ من أين له معرفة ذلك، وهو الذي لم يحظَ منها بكلمة واحدة. لقد كان عمر صادقاً عندما أخبره بأنها ستبني أمجادها وسترى نفسها بين زميلاتها، حين تحدثهن عن حبها وتصف لهن الأعمال البطولية التي قام بها وتضيف أشياء كثيرة لا تخطر بالبال إلى تلك الأعمال بحيث يصير فتى أحلام البنات.‏

الشيخ عباس عرف طيبة قلب حسان فأخذ تعليقاته ونكته بصدر رحب على عكس الأيام الأولى في نفحة. بل أكثر من ذلك صار يشاركه إلقاء النكات وأحياناً يتفوق عليه بالفكاهة التي تمس الشيوخ. يبادر إلى الحديث عنهم، ينسى أنه شيخ، فيضحك الجميع من قصصه. ذات مرة مازحه حسان بقوله :‏

- عندما أتذكر بأنك جدي ابتسم لأنها لا تتوفر إلا في طيب القلب. الآن أريد أن أراك متبرم الوجه مرة واحدة، لتذكرني كيف كنت تتصرف في أول أيامك هنا.‏

عبس الشيخ عباس ورد بمرح :‏

- أنت تعتقد بأننا نختلف عن الآخرين، ثق بأن ما يفرحك يفرحني، الصلاة تميزني منكم لأفتح لكم طريق الجنة ... تبتسم، الأفضل أن تصلي ليكون كلانا قدّ تغيير.‏

- على جبل عرفات ‍‏

- دعك الآن من عرفات وجورج ونايف وجبريل وحدثني عن القصص التي تحكي عن الشيوخ لأخبرك إن كانت صحيحة أم لا .‏

- في البداية أرجو ياشيخي أن تدعو الله لغفرلي.‏

- ماذا فعلت أيها الشيطان لتطلب ذلك ‍‍!‏

- ما فعلته كثير. ذات مرة كنت ماراً قرب جامع، كان الوقت ظهراً، المصلون خاشعون يؤدون صلاة الجمعة، الأحذية الجديدة تلمع. وقفت طويلاً أفكر ماذا أفعل؟ لم يطل جمعت عشرين زوجاً وعدت إلى البيت‏

- ماذا فعلت بها؟‏

- هذه قصة تطول ....‏

- استغفر الله وتب توبة نصوحاً، إنه القائل " ادعوني استجب لكم " الآن هيا توضأ وقف خلفي .‏

- التوبة حصلت، لكن من يضمن غفران الله !‏

- اسكت يا ولد، أنا أعرف أن قلبك أبيض كالقطن، فقط عليك أن تغيّر بعض طباعك، ألم تسمع مدير السجن وهو يقول من لا ....‏

لم يكمل جملته حسان قاطعه وطالبه بعدم المشيخة.‏

- دعني اكمل كلامي، قبل مدير السجن قالها آخرون، هل أنت من الذين يثبتون على الكلمة والموقف. آه منك فقط لو تجيب ... لا تمد يدك النجسة إلى ذقني، ابعدها ياولد، إنها مقدسة. ألم تسمع كلام كوبا وهو يقول عن يده بأن لها مفعولاً سحرياً .‏

حسان اسم على مسمى وجوده يبعث على الفكاهة والأمل، لكنه عندما رأى الجميع يتطلعون إليه يمتدحون قوله أردف عباس:‏

- في البداية توقعت أنك عبثي لا يهمك سوى النيل من الآخرين، كنت مخطئاً في هذا التصور، أنت شعلة أيها الأخ تضيء ضحكاتك ظلام قلوبنا، فبقدر ذلك تتوهج. أدامك الله لنا لنطرد الكرب والحزن .‏

في اليوم الثاني كان الصباح باهتاً، استيقظوا على صوت العسكري وهو يصيح "اسفيرا " ويضع الطعام عند الباب. النعاس يملأ الجفون، الوحيد الذي صحا مبكراً حسب عادته الشيخ عباس صلى ودعا الله أن يعينهم على التحمل .تابع دعاءه للسجين الذي طلب أن يعيده الله إلى أهله سالماً والمسافر إلى بلده والحبيب إلى محبوبته، كاد يغفو وهو يردد الجملة الأخيرة التي لها وقع الصاعقة على نفسه، صحا، فتح عينيه، تذكر الماضي الذي أتاه كما جاء الصباح مشرقاً. تظاهر بالنعاس، ليحتفظ بذاك الوهج الآتي مع الذكرى، شفتاه تتحركان، تتمتمان بكلمات غير مسموعة ولا مفهومة، قلبه يقفز، رأسه يؤلمه، أصابعه تمرر حبات السبحة وعقله يستحضر لحظات المتعة مع خطيبته التي أودعها حبه. تغيب عن فكره وتأتيه بكامل عنفوانها وزينتها، تذكر دفء أصابعها وهو يسبّح.‏

قال حسان :‏

- مابك ياشيخي ؟‏

- استغفر الله العظيم !‏

- وهل كفرنا بالعظيم، إذا كنت تفكر في أمر ففي صدري مستودعك .‏

- دعك من ذلك أيها المتطفل .‏

في اليوم الثالث بدؤوا يشعرون بفراغ المعدة من الطعام وفراغ في رؤوسهم، ساد شعور بالخواء ورائحة كريهة، تبين أنها رائحة الفم، خفف دخان التبغ قليلاً من انتشارها، الرأس يكاد ينفجر والمعدة تتقلص مع ألم شديد في الأمعاء، وارتخاء في الجسد وعدم قدرة على الحركة أو عمل أي شيء. زاغت الأبصار، الأرض والناس والأبنية كلها تدور، منهم من شعر بغباشة تغطي عينيه، فركهما فشعر بألم داخلهما، يعود ثانية إلى الاستلقاء، لم يتركه حسان طالبه بأن يصارحه، ما في قلبه. ذات مرة ناداه الشيخ عباس وقال له: " إن الحمل الذي في قلبي يكاد يقتلني، تهللت أساريره. حدثه بصوت منخفض، اقتربا حين بدأ الشيخ يقص حكايته مع زوجته فواحه خالد.‏

أنهى قصته بقوله :‏

- تصور يا صديقي كم أنا تعيس ‍ بعد أشهر من زواجي قبضوا عليّ، وها أنا هنا بعيداً عنها .‏

- آه يا شيخي أنت لم تدوخني فقط، بل جعلتني أذوب وجداً وأتحرق.. ألم تدخ من الإضراب ومن تفكيرك الذي يسير عكس عقارب الساعة ‍‏

وضع يده على خده ولم يجب. ساءت حالتهم كثيراً يوماً عن يوم. مع اليوم السادس ازدادت الدوخة وكادت تتحول إلى نوبات خمول وخمود وإغماء. وعدم القدرة على الوقوف والسير، والجلوس على الأرض منعاً من الوقوع، القعود يساعدهم على التماسك والصمود. كانوا يلجؤون إلى الماء يعبون منه ويخرجونه بولاً له رائحة حمض واخزة. مع نهاية الأسبوع الأول بدأ الدوار يلف الرأس والجسد، بدأ دوره، الدنيا تدور أشبه بأرجوحة لفها غير متوازن. ازداد الضعف ولكن ظلت هناك قدرة على الحركة لمسافة بسيطة، إما مشياً أو حبواً حسب حالة الشخص. غاب حسان عن الوعي، اختفت من ذهنه الصور، عادت ثانية وهي أكثر تشوهاً، خبأ كمية من الملح حرص على تناول القليل منه للمحافظة على المعدة والأمعاء من التعفن.. الشيخ عباس هبط وتشبث بالأرض، أزيز الدوخة أشبه بأزيز الرصاص. الرأس كرة جوفاء مثقوبة يدخلها الهواء. حواسه تالفة لا تسعفه، الرؤية أشبه ما تكون بعلامات متأرجحة تظهر وتغيب دون قدرة على ضب المشهد ورؤيته. استهلك جسده طاقته وبدأ يطحن ذاته. ومع ازدياد الإقبال على شرب الماء فإن ذلك لم يغير شيئاً من الحالة، الوضع الجسدي يزداد سوءاً .‏

إسحاق مراغة استلقى على الأرض، لم يعد قادراًً على القيام بأي نشاط، حتى تناول الماء يحتاج إلى قوة كبيرة، ذوى جسده، ارتمى بعده علي الجعفري وراسم حلاوة، ولم يأت اليوم الثامن إلا وكان الجميع أشبه بحالة موت جماعي، كل استند على كتف رفيقة ثم هوى إلى الأرض. من كان قادراً نصح رفاقه باستنشاق الهواء وشرب الماء ومحاولة السيطرة على الذات، وعدم الانهيار أو الإذعان لمطالب كسر الإضراب .‏

الذين فقدوا وعيهم استعادوه بعد سكب الماء على وجوههم وتناول قليل منه. ومع ذلك ظلت حالة الدوخان والزوغان هي المسيطرة، مساءً استقرت حالتهم عند هذا الحد المخيف.‏

إدارة السجون المركزية والإدارات المحلية مستنفرة. بدأت إدارة نفحة إعطاء الذين غابوا عن الوعي في اليوم السادس غذاء سائلاً، بواسطة أنبوب مطاطي أوبلاستيكي يدخل إلى المعدة، يصب الحليب في قمع، أما الذي فيه نفس وحركة يجبرونه على تناول كأس حليب.‏

أعلنت أقصى حالات الطوارئ. السجناء قطعان مرمية، الغثيان والإقياء والهلوسة والغيبوبة.‏

بعض الأجساد انهارت تماماً. انسدحت على الأرض وغطت في حالة أشبه ما تكون بحالة تحلل كالحبة التي تتلاشى وهي تغذي الساق والأوراق. إنه ذوبان كامل في لجة السجن. طاقم السجن ومعهم الممرض كوبا يشد المغمى من خصلات شعره ليتأكد من غيبوبته، وعندما لا يجد أي تجاوب يدعه، فيضرب رأسه بالأرض يأتي أحياناً على وجهه، يترعف أو ينكسر سنه. عمرام علق على هذا المشهد بتمنياته لو أن الأمر بيده، لتركهم هكذا حتى الموت المحقق، ثم يطلب طائرة مروحية لتلقي جثثهم في غياهب النقب طعاماً للوحوش .‏

تلقى مدير السجن أمرا بتحويل قسم من المضربين إلى سجن الرملة، طلب رحميم إلى الشاويش إلياهو إعداد قائمة بأبرز السجناء الذين إذا تم تحويلهم، يفقد السجناء قادتهم مما يمكنهم من السيطرة على الباقين. حدد العدد بما لا يزيد عن الثلاثين ولا ينقص عن العشرين. خلال ساعة واحدة أعد قائمة احتوت ستة وعشرين، وقعها رحميم نائب مدير السجن وحولها إلى عمرام ليأمر بتنفيذها. لكنه بدل توقيعها أجل تنفيذها إلى صباح اليوم التالي .‏

أعلنت إذاعة السجن في السابعة صباحاً، بأن على السجناء كافة الخروج إلى باحة السجن لأمر هام يتعلق بمصيرهم. لم يخرج أحد. بدأ طاقم السجن يخرج المضربين واحداً واحداً إلى الباحة حتى تم إخراجهم بعد ساعة، عندها قرأ عمرام أسماء ستة وعشرون منهم، عمر القاسم، علي الجعفري، إسحاق مراغة، راسم حلاوة، حسان فياض، الشيخ عباس، خالد بزاوي ... بعد أن تأكد من العدد وحالة كل مضرب، سلم القائمة إلى نائبه، الذي حاول مفاوضتهم، لكن حالة السجناء لا تسمح لا بالتفاوض ولا بالحديث عن أي شيء. أُمر الشاويش أن يستلم ملابس السجن وأن يسلمهم ملابسهم المدنية، ظهراً أعيد السجناء الباقون إلى غرفهم، بينما استمرت عملية الاستلام والتسليم وحالات الإغماء والغيبوبة حتى الثالثة بعد الظهر. صعد السجناء القادرون إلى سيارة " البوكس" مقيدين بالسلاسل، يد تحمل الأمتعة وأخرى موثوقة مع يد سجين آخر، أما غير القادرين فقد حملوا إلى السيارات وجرى تقييدهم داخلها .‏

قبل انطلاق السيارات أعطوا وحبة غذاء إجبارية مكونة من خليط الحليب والبيض والسكر والملح ....بواسطة أنبوب يدخل عن طريق الفم إلى المريء فالمعدة، ينتهي في الأعلى بقمع لصب كمية من الغذاء فيه يحرك الأنبوب للإسراع بنزول الطعام، ثم يسحب بسرعة وكأنه يسحب دلواً من بئر. يسرع العسكري لغسيل الأنبوب قبل وضعه في فم ثانٍ، لكن الممرض يمنعه بقوله :‏

- لا حاجة إلى تضيع الوقت، هؤلاء كالقطط بسبع أرواح. أنا لا أخاف عليهم بل أخاف منهم.‏

الجندي يحدق بكوبا ثم يقول :‏

- هؤلاء لا يخيفون أحداً، حالتهم مأساوية وعلينا مساعدتهم .‏

- جندي في جيس الدفاع وتقول ذلك طيب سترى ما سأفعل.‏

نادى الممرض على الشاويش، وأبلغه برأي العسكري، طلب إليه عقوبة عشرة أيام الشاويش إلياهو نظر إلى وجه العسكري وكأنه يراه لأول مرة. هل يعقل أن يكون لدينا جندي يفكر بمثل ذلك. أشار إليه أن ينتظره هناك ناعتاً إياه بالوقح وعده بعقوبة لا تقل عن شهر. خاف العسكري من العقوبة ركض على وجهه علائم البله، دون الشاويش الحادثة بتقرير، وانتظر رد مدير السجن الذي أمر بنقل العسكري إلى مصح للمعالجة .‏

استمر إعطاء المرحلين كمية من الطعام ساعة كاملة قبيل الساعة الخامسة، تحركت سيارتا الزنزانة المكلفتين بنقلهم مع سيارتي الشرطة العسكرية. الحرارة التي عانوا منها داخل السيارة أخذت تتلاشى مع الانطلاق. الهواء يدخل من فتحة بعرض عشرين سنتمتراً وطول سبعين. دبت روح الحياة من جديد وتنفسوا الهواء بعمق. السيارتان اتجهتا شمالاً كانتا بطيئتين لا تتجاوز سرعتمها أربعين كيلو متراً وعند المطبات تخف، فيشعرون بقلوبهم تقفز إلى حلوقهم ثم تنخفض إلى ركبتهم ترافق ذلك مع ألم شديد في رؤوسهم ووجع في معدهم، إن تخفيف السرعة بشكل مفاجئ واستخدام المكابح باستمرار جعل السجناء يشكون بأن هذا العمل متعمد وهو من نوع العقوبة.‏

السيارات البطيئة بمشيتها تشبه قافلة جرارات عائدة من العمل بعد شغل يوم كامل في أرض وعرة، وهي بارتفاعها وانخفاضها توحي بأنها مجموعة مطبات أوكأرض زراعية محروثة أوسائرة على الرصيف الترابي أو فوق طريق محفر، إذ لم تترك السيارات حفرة صغيرة أو كبيرة إلا ونزلت بها، علماً أن السائق يستطيع تجنبها، فلوا أسرع قليلاً ومشى على الشارع العام بعيداً عن الرصيف الترابي لأمكنه ذلك بسهولة، كل ذلك يمكن تبريره، أما الوقوف المفاجئ وتفحص عجلات السيارات وفتح غطاء المحرك مرات عدة، فأي مسوّغ له في طريق تنعدم فيه السيارات والمارة. سيارة الشرطة العسكرية الأولى هي التي تحدد السرعة وعلى السيارات الأخرى السير خلفها دون ابداء ملاحظات أو انزعاج. الباب الخلفي المغلق يظهر وجود حارسين يطلان من خلف الشبك الحديدي وعند السائق العسكري، يتفقدون السجناء كل نصف ساعة، ويحملون بنادق أمريكية ويرتدون زي الحرب. استغرقت الرحلة حوالي ست ساعات ونصف كانت أشبه برحلة إلى عالم الجحيم، لولا الطبيعة الرائعة التي تجود بنسائمها الحريرية.‏

نسيمات الهواء المتسلل إلى سيارة الزنزالة تصير أكثر طراوة، رائحة التربة تملأ خياشيمهم. بعض السجناء يعرف الأرض وطبيعتها من كمية الهواء المندفع ومن طبيعة الهدوء والصخب، إضافة إلى نور القمر الذي يكشف تضاريس المنطقة التي يمرون بها .‏

الليل البهيمي دق جدران السيارة وفرض عتمته على الطرق، انزلق إلى الداخل عبر القضبان الحديدية، وعندما حاول الهرب إلى الخارج اصطدم بنور القمر الضعيف. فارتد وتصالح مع حوله فأفسحا المجال كل منهما للآخر. يتناوبان الحراسة حتى مدينة الرملة، هنالك ظهرت عليه الشيخوخة فبددت الكهرباء بأنوارها البقية الباقية منه، هارباً إلى الجنوب متتبعاً الطريق نفسه، أبطأت السيارة قبل وصولها إلى السجن، وظلت كذلك حتى دخلت باحته وهناك توقفت في قسم منه يسمى " بيت معتار " أو " المعبار ". نزل السجناء إلى ساحة السجن التي حولها مديره إلى ساحة حرب، لإنهاء الإضراب بالقوة أو الموت. كان بانتظارهم مدير السجن ليفي جونسون ومسؤول الصحة ركلبويم والممرض رافي وعدد من الضباط وحوالي خمسين عسكرياً. أحاط الجنود بالسجناء كما تحيط الكلاب بغريب وتنبح عليه، طلب المدير من الجنود صف المضربين إلى جوانب الحائط رافعي الأيدي.‏

قال ليفي:‏

- السجين غير المضرب أو المتخلي عنه يدير وجهه تجاهي .‏

ظل السجناء على وضعهم، لم يتحرك أحد منهم، عاد وكرر الطلب على الشكل التالي:‏

- السجن غير المضرب أو المتخلي عنه، يمنح نفسه فرصة أخيرة لإعادة محاكمته التي قد تؤدي إلى إخلاء سبيله.‏

أشار إلى وسط الساحة مكاناً لتجمع المتخلين، لم يخرج أحد، غضب ونظر بحقد إلى السجناء، ثم أشار بيده إلى الجنود بقوله " هيا".‏

اندفع الجنود يرفسون السجناء ويضربوهم، مما أدى إلى تساقطهم واحداً أثر الآخر. بدت الساحة مكان وغى دارت فيه المعارك، كان المنظر مؤلماً .‏

الحالة الأكثر مأساوية الوضع الصحي لراسم حلاوة، الذي بدا وجهه أصفر منذ الصباح، فقد أغمي عليه قبل التعذيب، لم يسمع سوى بضع كلمات من نصائح مدير السجن، وعندما اندفع الجنود تجاهه، كان يحاول السيطرة على ذاته وعدم الرضوخ للإغماءات المتوالية، قام بمجهود قبل أن يتلقى ضرباتهم على رأسه، فأنسدح على الأرض والدماء تختلط بالعرق البارد الذي يتصبب منه، فتح عينيه شاهدهم حوله، فابتسم وقرر أن يندفع تجاه صنبور الماء، نظر إلى أشعة الشمس، ثم صاح بصوت ظنه عالياً، الصمود ...‏

نظر ليفي إلى الطبيب الذي يحاول إسعافهم والقيام بواجبه شزراً، ثم اقترب منه وهمس في أذنه جملتين، حاول تركه ليراقب تصرفاته من الإدارة. " عليك بتعذيبهم وإبعادهم عن الماء " شدد على استعمال منتهى العنف، وإخباره بأية حالة تمرد أو موت.‏

استغرب الطبيب كلام مدير السجن، حدق إلى وجهه وقال: " لم أفهم قصدك سيدي !"‏

- قصدي واضح، انسى أنك طبيب لبضع ساعات، تصرف كعسكري ونفذ الأوامر على هذا الأساس، تذكر أنهم هددونا وما زالوا، هؤلاء وحوش يصعب تحويلهم إلى بشر إلا إذا أذلوا بضعة مشاغبين أقلقوا أمن المعتقلات، هل هذا معقول ؟! ترأف بهم، ما الذي يحدث لومات واحد أو عشرة؟ أريد رؤيتهم راكعين ....‏

مشى خطوتين ثم التفت وقال:‏

- من يجرؤ على سؤالنا.. إنك تحزنني عندما تقول ذلك، سأبول فوق رأس أكبر زعيم فيهم، أما الرأي العام فالعالم يعرف أننا بلد ديمقراطي ولنا أصدقاء مستعدون للدفاع عنا في كل مكان، أمريكا وحدها قادرة على فعل الكثير.‏

هز الطبيب رأسه وقصد الساحة العامة، نادى على رافي وطلب إليه تنفيذ تعليمات، مدير السجن، ونقل ما قاله وكرر قوله، عليك أن تنس مهمتك الإنسانية، المهمة الأولى إجبارهم على إنهاء إضرابهم .‏

في البداية تمت تعرية السجناء في الباحة واستلام ملابسهم المدنية، وتسليمهم ملابس السجن البنية، استمرت هذه العملية ثلاث ساعات، غطى عمر عينيه، عبلة أمامه كما خلقها الله بجسدها الخضراوي وشفتيها المرتجفتين وتماوج بصرها، ووقوفها إلى جانب الشجرة ودورانها حولها. غاب عن الوعي معظمهم. لم يبق متماسكاً إلا القليل الذين لا يتجاوزن أصابع اليد الواحدة، وهم غير قادرين لا على إسعاف غيرهم ولا منع أنفسهم من التدهور، الدوار طاحونة في رؤوسهم. الأرض تلف دورات متتّالية، وعندما يشعرون بعدم التوازن يسقطون على الأرض ويفردون أيديهم كجناحين قادرين على التشبث بالساحة وعدم الركون للزوغان،‏

نظر عمر إلى الأجساد الممددة، شعر بالظمأ، زحف إلى الصنبور، ركله أحدهم، تظاهر بالإغماء، يراقب وعندما تسنح الفرصة يتابع الزحف على يديه ورجليه ليصل إلى صنبور الماء ويغسل وجهه ويشرب، تلقى دفعتين بمقدمة حذاء أحد السجانين، حاول أن يتابع سيره وزحفه فسمع أحدهم يعلق " الغيبوبة جماعية "، خاف من دفعة حذاء عسكري آخر، راقب الساحة، وعندما تأكد من أنه غير مراقب، أسرع إلى صنبور الماء فتحة على آخره، شرب وعب الماء، غسل وتخلص من عبق الرطوبة والحرارة ومن ذاك السيل المتدفق من العرق، غسل وجهه ورأسه، شعر بالانتعاش ثم عاد إلى مكانه منبطحاً، تجول الممرض رافي بينهم، فلم يجد غيره قادراً على التحدث، فسأله:‏

- من أي شيء تشكو ؟‏

نظر إليه وتأمل مريوله الأبيض النظيف، وجهاز الضغط الذي بيده، وبعد طول تردد أجابه:‏

- أشكو من الرفاه الذي نعيش فيه، ألم تسمع مدير سجن نفحة يقول ذلك على مسامعنا. هل هناك رفاهية أكثر؟ وهل هناك ديمقراطية أفضل؟ يكفي وجودك إلى جانبي وأنت تحمل الأجهزة الطبية لأشفى!‏

- هل تنهي إضرابك وأقدم لك ما شئت من علاج وطعام؟‏

حرك شاهد يده ففهم رافي إصراره ورفضه، تقدم منه ورفسه بحذائه قائلاً بعبرية مكسرة، اذهب إلى الجحيم ستموت عطشاً أيها الإرهابي، أقسم بأن جهازنا الطبي لن يقدم لكم شيئاً قبل تراجعكم.‏

ذهب رافي على رأس ثلاثة جنود يفاوضهم لإنهاء الإضراب. لم ينجح، فقرر الانتقام، لكن الذي جعله يتريث وصول وفد صحافي في بريطاني. عمم مدير السجن تعليماته الجديدة التي طلب فيها مراعاة وجود وفد صحافي. عليهم السماح للمضربين بشرب الماء وغسل وجوههم. بدأ السجانون ينقلونهم إلى غرفة التمريض. يطلبون إلى كل واحد أن يأكل طعاماً مكوناً من بطاطا مهروسة وبعض الخضار. كان تحريك الأيدي دلالة الرفض. عندها يبدؤون بضربهم وإجبارهم على تناول الغذاء عن طريق أنبوب التغذية، الذي له مهمتان إدخال الطعام ولفه على يده فيصير كالسوط لجلدهم. تتوالى الإغماءات، كل شيء باهت ما عدا شعلة الرفض المتقدة في رؤوس السجناء وقلوبهم. المضربون أشبه بالخرق في مهب الريح، يتقاذفهم السجانون، يطالبونهم فك الإضراب، يفتحون أفواههم بالقوة، يضعون الأنبوب ثم يسكبون في القمع ماء مالحاً. قال عمر: " لا لن أنهي الإضراب ". قالها بعده كل من راسم والجعفري وكراغة والشيخ وحسان فياض .... الجميع قالوا، لا لن ينهوا الإضراب.‏

راسم حلاوة أدخلوا الأنبوب بفمه ومنه إلى القصبة الهوائية فالرئتين، صاح بأعلى صوته " قتلوني" لكن صوته لم يسعفه، خرج كالفحيح. حاول بيده أن يثنيهم عن عملهم أن يقول بأنهم قتلوه، لكنه لم يستطع، ابتسموا بتشف للمحاولات اليائسة التي بذلها، قال له الممرض:‏

- نحن نعرف أنك ميت إذا عاندت، أمامك فرصة للعودة عن الإضراب حتى نسعفك .‏

أما مدير السجن فقد عرض عليه العلاج مقابل إنهاء الإضراب وحدثه بأن حالته لا تحتمل الانتظار، لا شيء ينتظره سوى الموت أو فك الإضراب، وعليه القرار. حرك يديه وتشجع وبعنفوان أجاب:‏

- تساومني وأنا بهذه الحالة، أفعل ما شئت ودعني أمت.‏

شعر بقوة إضافية يحتاجها ليودع رفاقه وأخوته. انتفض لحظة، فاجتمعوا حوله، ابتسم وقال: اصمدوا أيها الرفاق، فلا حياة مع الذل، لا تساوموا على المبادئ.‏

كانت هذه رسالة الوداع التي لم ينطق بعدها بحرف واحد، إذ خفت صوته وهو يحدق إلى عمر، افتر فمه عن ابتسامة ثم لوى رأسه إلى الوراء، نظروا إليه عيناه مفتوحتان، الابتسامة نامت على شفتيه، وتصلب جسده " أيعقل أنه مات ‍‍!" قالها حسان بدهشة وألم عظيمين، نادى وصوته متهدج:‏

- مات راسم أيها الرفاق!‏

لم يستطع قول أكثر من ذلك، أجهش وانهالت دموعه تغسل وجنتيه ملتحمة مع قطرات العرق، التي ملحت جلده ووجهه، لكنها لم تطمس تجعدات الألم والقهر وعذابات الزنازين ووحشية السجانين .تأمله عمر، تسمرت عيناه على الجسد، ركع إلى جانبه، أسبل جفنيه، مسد مقلتيه، عصرهما، فخرجت دمعتان حارقتان، رسم قبلة الوداع لثم وجهه وجبينه، ثم قرأ الفاتحة ومسح وجهه بكفه وقال:‏

- أيها الرفاق لقد استشهد حلاوة، وآخر كلمة قالها لا تساوموا، احفظوها جيداً، إنها وصيته الغالية، أيها الرفيق أنت السابق ونحن اللاحقون، لن يمضي زمن طويل بين موتينا ... إنها القافلة التي تفقد أثناء حركتها أغلى قادتها، أقسم أن نحمل الأمانة ولن نساوم.‏

صاح الجميع: الله أكبر، الله أكبر، الشهيد حبيب الله، يا جنة أفتحي أبوابك وحلاوة من زوارك ...‏

تعالت صيحات تندد بسياسة إدارة السجن، وتحث على الصمود وشعارات متنوعة في الوقت الذي صاح فيه الشيخ عباس: " الله أكبر والنصر لنا ".‏

فاضت عيناه بالدموع، لم يستطع حبسها في مقلتيه، الدموع كما قال الشيخ تعبر عن المحبة والعاطفة الأخوية، ولهذا طلب إلى رفاقه أن يخرجوا ما بمحاجر أعينهم.‏

مازال الشيخ عباس واقفاً كالصخرة إلى جانبه، فتح يديه وطلب إلى الرفاق أن يسامحوه ويقرؤوا الفاتحة على روحه، مسح بيديه على وجهه وهو يقول آمين.‏

الوجوه الصفراء التي لوحها الإضراب وجعلها ذاوية، توهجت للحظات وأنارت بارقة الأمل عيونهم. دمعت فسقطت بعض القطرات الحارقة على الخدين. تضايق علي الجعفري من الضعف الذي بدا على رفاقه، قال:‏

- إياكم والدموع، إنها تعبر عن ذل وخنوع، ليبكه كل واحد بقلبه وعقله، وليخزن عليه بطريقته الخاصة. علينا أن لا نشعرهم بضعفنا، لو كانت الدموع تعيده لفاضت الأنهر على السهول وتحول الكثير منها إلى بحار ومحيطات .‏

دقائق ثقيلة مرت قبل حضور الطبيب، الذي فحصه وأعلن وفاته، لفوه ببطانية بينما سيارة الإسعاف تعوي كالذئاب، حملوا الجثة إليها , وقف رفاقه على الرغم من الألم والدوار دقائق أدوا التحية العسكرية وأنشدوا:‏

بلادي بلادي بلادي لك حبي وفؤادي .‏

حقن كل واحد الدموع في عينيه، ينتظر الفرصة يختلي بنفسه لمسحها. اطلقت سيارة الإسعاف تباحها ثانية وغادرت. قعدوا على الأرض ينظرون إلى وجوه بعضهم بعضاً، تردد صوت راسم لا تساوموا.. لا تساوموا. الوقت يتمدد، تفقد الساعة عقاربها، يتوقف الزمن، ينطفئ كعقب سيجارة ويرمى على قارعة الطريق. حشود الجنود وحركتهم غير الطبيعية تفرض جواً خاصاً من الترقب، وتزيد في خيبتهم وألمهم وكراهيتهم. ينهش الذعر أوصالهم يدب في اللسان، يصير قطعة كبيرة عضلة متحجرة تفقد مرونتها.‏

أما عمر فإن الحزن نسج حوله كتلة من الغيوم الدخانية حجبت الرؤية. في حين انحدرت حبات كبيرة كدموع الثكالى مزاريب على خديه. شعر بقشعريرة، رأسه يكاد يتفجر، لا شيء يزيل وجعه، معدته الخاوية تتقلص بسرعة محدثة احتكاكاً بجدرارها ونوبات تشنج، جسده خائر القوى، العرق البارد يتصبب، عادت الشمس إلى فتوتها كتلة جمر تلهب الجسد، تجعله يحترق، يسرع الخطا، يصب الماء على رأسه ويغسل وجهه، تعود القشعريرة إليه، يأخذ نفساً عميقاً يشعر بالحيوية. يتذكر كلمات رافي إلى حلاوة " لن نعالجك وأنت مضرب، من يتحدانا فإلى الموت والمزبلة ".‏

راسم حلاوة ابن غزة، لوحته شمسها وبحرها ورمالها حتى بات عجينة برونزية تميل إلى السمرة، بنى قوات التحرير الشعبية على المحبة والتفاني والبطولة. قاوم الاحتلال، وعندما اعتقل غطت غيمة القطاع، هبت ريح السموم التي لم تتوقف طوال الأسبوعين. بعد اعتقاله خبأت جماعته أسلحتها وعناصرها بانتظار خروجه لتبدأ وتتابع الثورة. ماذا تفعل إذا سمعت باستشهاده ستتحول غزة إلى برميل بارود.‏

عاد الطاقم الطبي بقيادة الطبيب ركلبويم والممرض رافي لممارسة دورهما، طالبهما المدير بإصلاح الأمر ما أمكن، السجن مقبل على فضيحة بعد تدخل بعض المحامين لدى القضاء. السجانون ينفذون ما يطلب إليهم وكذلك الجنود الاحتياط الذين عززوا بهم أمن السجن. أمر الطبيب بنقل المضربين واحداً بعد آخر إلى غرفة التمريض، وهناك أوكل الممرض بإعطائهم كمية من الطعام عن طريق الأنبوب المطاطي الذي ينتهي بقمع يصب فيه الحليب لينزل عبره إلى المعدة. احتد على علي الجعفري هدده بقوله:‏

- أنا أعرف شغلي معاك.‏

صاح علي الجعفري بأنه لايريد الحليب ولا أي شيء عن طريق الأنبوب المطاطي. لم تساعده قوته على الممانعة، فتح الممرض فمه، أدخله في الفتحة الثانية الخاصة بالتنفس كما فعل مع راسم، حاول تنبيهه إلى ذلك ولكنهم قيدوا يديه ورجليه إلى الحمالة. صب كمية كبيرة من الحليب. تركوه كالشاة المذبوحة يحرك يديه ورجليه يطلب النجدة، انبطح على الأرض، صاح من الألم " لقد فعلوها أولاد الحرام أدخلوا الطعام إلى رئتي ".‏

قال ذلك وهو يلفظ أنفاسه، قبل أن يتركه الممرض قال له " قل تحيا إسرائيل، ولن تموت " .‏

عندما رفض قولها فعل ما فعله، تركه فريسة للموت. أطلق السجناء صوتاً واحداً :‏

- الله أكبر، الله أكبر، القاتل عدو الله ولا إله إلا الله .‏

حضر مدير السجن ومعه بعض الصحافيين ومحامية كبيرة بدا عليها التأثر والانزعاج. قال عمر القاسم مخاطباً المحامية :‏

- إنهم يقتلوننا لقد أدخلوا الحليب إلى رئتي علي الجعفري، لابد من إسعافه الآن، وإلا فإنه سيموت، كما مات قبل قليل راسم حلاوة، أدخلوا الحليب أيضاً إلى رئتيه طلبنا الإسعاف فطالبونا بفك الإضراب، مات وهو ينتظر من يسعفه.‏

اقترب الطبيب من الجعفري، بينما رافي يصطنع ابتسامة ويتمتم بضع كلمات:‏

- جعفري بخير، لن يموت، عمره لم ينته بعد .‏

أمر الطبيب بنقله إلى سيارة الإسعاف. حاول الممانعة في نقله قال:‏

- لقد نفذ سهم الله، أنا ميت ولو نقلتموني إلى الجامعة الأمريكية، صارعت الموت وطلب إسعافي، الآن لا شيء إلا التسليم لقضاء الله .‏

بعد انطلاق السيارة بدقائق قليلة وصل نبأ وفاته: مات علي الجعفري.‏

بعد ذهاب المحامية والصحافيين جاء مدير السجن يبلغهم نبأ الوفاة الذي تلقاه، هددهم باستمرار الوفيات بسبب الجوع، عليهم المحافظة على حياتهم والتفكير، نحن بلد ديمقراطي لا يمنع المضرب من استمرار إضرابه، إنها حرية الرأي وعليكم أن تختاروا.‏

نظر السجناء باحتقار إليه، شتموا الديمقراطية التي يتمسك ويتغنى بها. فاضت دموعهم صلوا عليه صلاة الغائب.. سيء فظيع أن تكون حصيلة الإضراب لهذا اليوم استشهاد اثنين، تساءل عمر مع رفاقه، ما العمل لوقف المجزرة ومنع إدخال الحليب إلى الرئة. تداولوا في مجموعة آراء. ثم تركوا كل شيء يجري على حاله .‏

في صباح اليوم التالي أفاقوا على صوت الممرض يدعوهم لتناول الحليب وإلا فإنه مضطر لاستخدام الأنبوب القاتل. أمضى اسحاق مراغة ليله يصارع سكرات الموت. من رآه وسمع توجعه لم يصدق أن النهار سيطلع وبه بقية.. الألم داخل الغرف، الباب الخارجي للسجن مغلق، ولا أحد يعلم ما يحدث داخله. السجن أسوار عالية، حراسات طوال الصرفان .‏

تصميم إدارة السجن على قهر المضربين والتعتيم على إضرابهم وعدم تحقيق مطالبهم. أمامهم حلان الاستمرار أو التوقف. طرح الشيخ عباس الرأيين، فرفع الجميع أيديهم مؤيدين الإضراب عن الطعام حتى نهاية الحياة. في هذه اللحظة تواردت إلى ذاكرة عمر روايات كنفاني، ابتسم وطلب إلى رفاقه أن يقتربوا منه أكثر، سألهم:‏

- أتعرفون لماذا اعتالت "اسرائيل" غسان كنفاني ؟‏

وردت إجابات عدة حول الإجابة الصحيحة، فمثلاً أكد الشيخ عباس بأن السبب يعود لكونه مسلماً ومؤمناً بقضيته. بينما علل حسان ذلك، لأنه وطني. وقال آخرون كلاماً قريباً من ذلك، عند اكتمال الإجابات والنقاش قال عمر:‏

- اثنان إذا قضى عليهما العدو انتصر، روح التحدي والمواجهة والثقافة، فبعد القائه القبض علينا، خطط لقتل الطرف الآخر الذي نما في الخارج، لأنه بدأ يصنع حياة شعب، ويقرع جدار الخزن مؤكداً أن الإنسان في نهاية الأمر قضية ... غسان عين وهبت نفسها لمقاومة المخرز، عين دلتنا على الطريق.‏

فتح الشيخ عباس يديه وبدأ يبسمل طالباً إلى رفاقه أن يقرؤوا الفاتحة على روح غسان كنفاني رحمه الله.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244