|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل السادس - الثاني والعشرون من تموز يوم مشهود ليس فقط بحرارته إنما بما حدث للسجناء في " المعبار". في ذلك اليوم الحار أخذت فيه الحرارة حقها من الحجر. التجأ الناس إلى الظل، قصدوا محلات المرطبات، ومنهم من سافر إلى البحر، فوران الأشعة جعلت المياه تسخن، أما رمال الشاطئ فجمرات تبادل الشمس ذلك الوهج. وعند الرملة سلطت نارها ظانة أن عشرات الخراف ستقدم قرباناً لنورها. كان مشهد السجناء وهم مستلقون مرة على ظهورهم ومرة على بطونهم، بينما الأشعة تحيل ألوان أجسادهم إلى لون داكن، هو المنظر المألوف في باحة السجن. السجناء تمددوا وفقدوا قوتهم، ساقية تبلل البلاط لكنها قبل أن تأخذ طريقها للجريان تدغدغها الحرارة وتجذبها إلى الأعلى. الجنود يهربون من الحر ويلوذون بالظلال، السماء تبدو أقل زرقة وأكثر بعداً، الوهج يتوزع سراباً لا تدركه العين. سكبت الشمس ما عندها من حرارة، فلم يبق من حرارة كرتها إلا القليل من الرطوبة التي وفرتها حتى لا تشوي ذاتها وتفقد نورها . في الوقت الذي حمت الشمس ذاتها من لهيبها المستعر، ارتفعت أصوات في سجن الرملة وقررت الصمود. خجلت السماء من فعلتها، استحمت الشمس على عجل بمياه غيمة مسافرة غرباً تكفر عن ذنوبها، وتستعد للصلاة، دعت الله أن يمحو عنها آثام هذا اليوم. بعد لحظات تغير الجو هبت رياح رطبة في الجهات كافة، ونزل المطر غزيراً، لكنه تبخر وهو في طريقة إلى الثرى، شكل غيمة جديدة في حركة سفرلولبية لاتنتهي . راقب السجناء ذلك، هتف عباس :" إنها المعجزة، يانار كوني برداً وسلاماً علينا، الله معنا، أقسم إنه معنا " . نهص وهو يهتف " الله أكبر " ركض عشرون عسكرياً وتناوبوا ضربه حتى أغمي عليه، شعر أن جسده أكثر فتوة وأن المطر يغسله. قرر الاحتفاظ بالرؤيا التي أحس بها، زحف باتجاه عمر مديره فإذا الندى يبلله، صاح " الله الأكبر" في وقت كان الجنود ينشفون عرقهم، ويحاولون تحريك الهواء بأيديهم . الطبيب ركلبويم والممرض رافي على خلاف دائم. أعطى الطبيب أوامره بالكف عن إيذاء المضربين .أما رافي فإنه تصرف كمن لم يسمع شيئاً، تعمد إدخال أنبوب الطعام إلى مجرى التنفس لعمر القاسم ولولا وجود الطبيب لقتله. يتلذذ بفعلته يضحك ملء شدقيه ويصرح لطبيبه بما يود فعله، لكنه عندما عرف أنه لا يوافقه على أفعاله، تصرف دون العودة إلى أحد، وأخذ يتعمد القيام بما يريده بمعاونة العسكريين. مر ليفي جونسون فوقف السجانون احتراماً، طالبهم جمع السجناء. بعد جولة له على أقسام السجن، عاد ليخاطب المضربين، قال: - اطلبوا ما شئتم، سنتفاوض على إنهاء الإضراب وسنقدم لكم جزءاً من مطالبكم ووجبات دسمةً . أجابه الشيخ عباس: - الوجبات الدسمة إذا قدمت بعد الإضراب تضر ... ما الأشياء التي وافقتم عليها وما نسبة ما تحقق من مطالبنا حتى نتفاوض . صاح في وجهه قائلاً : - ما قلة الأدب هذه، إن ما سألته من اختصاص لجنة السجون في الوزارة. الآن المطلوب إنهاء الإضراب مع وعد منا ببحث كافة طلباتكم، دعوا ما لقيصر لقيصر، ولا تخلطوا الأمور حتى لا تضيعوا بين الأرجل، أقدم نصيحتي وأترك لكم الخيار ! صمت الجميع ولم يردوا عليه، أخذ كل واحد منهم ينظر إلى وجه رفيقه، لم يجرؤ أحد منهم على قول كلمة قد تسيء إلى تصميمهم على المواصلة . صاح :" ما الجواب؟" لم يتلق أي رد فتأكد أنهم مصممون على المضي في الإضراب حتى نهايته، تمتم ببضع كلمات فهم منها أن عليهم أن يتحملوا النتيجة، عند خروجه أشار بيده إلى رافي للعودة إلى التعذيب ...بدأ فريق من السجانين والممرضين عملهم. تعاونوا في نقل المضربين فوق نقالة ورميهم إلى رافي الذي يجبرهم على فتح أفواههم ووضع كمية من الطعام والشراب... معظمهم في غيبوبة، العرق البارد يتصبب من جبينهم، نبضهم يخف أو يكاد يتلاشى. الوحيد الذي حافظ على اتزانه عمر ، سمع كلماتهم وتعليقاتهم واستهتارهم وفرحتهم حين يسمعون الأنين والتوجع. رآهم يركلون راسم حلاوة وغيره، وعندما علموا بموت الجعفري، نقلوا عن مدير السجن قوله: - " أنها البداية ليمت هؤلاء الكلاب ولنرمهم إلى الوحوش المفترسة" رأى رافي والسجانون يلطمون خد أحد السجناء كما لو كانوا يصارعونه. يضحكون لكن عندما تبدو عليه شبه إفاقة تدل على أنه لم يمت بعد، يصابون بخيبة أمل ويبدو الشحوب على وجوههم، حتى هو لم من اللطم فظهرت الكدمات والجروح في جسده وحين رموه إلى الطبيب علق رافي: - مازال هذا الغول ومحتفظاً بتوازنه ؟! يحتاج إلى ألف ضربة على رأسه وجسده ليصير مثل زملائه . بجمع يده بادره بلكمات على رأسه وبطنه، غاب على أثرها وعيه، أما بقية المضربين فكانوا في حالة غيبوبة شبه دائمة، أجسادهم تيبست أصيب الجلد بالجفاف، بدا مجعداً وخشناً ومترهلاً قليلاً، جلد وعظم على حد تعبير حسان. الأجساد خرائط فيها ارخبيلات ورؤوس وهضاب ووديان شبيهة بأرض وعرة، إضافة إلى تلوينات التعذيب التي صارت شامات ثابتة. غارت العروق وأصيب الجلد بقساوة وكأنه مفصول عن العظم . المضربون خرق مرمية لا شيء سوى تنفسهم الوحيد الذي يدل على استمرار حياتهم. الضعف باد على الجميع، سحنتهم تميل إلى السواد والإصفرار، الفم جمرة موقدة حافظ على توهجها وصلابتها على الرغم ومن المياه التي تصلها. تتبخر قبل أن تلامسها، يظل جافاً يطلب المزيد من ماء الصنبور المندفع إلى الجوف. الثياب المبتلة بالعرق والبول تفوح منها رائحة واخزة، تبعد الجنود عنهم. نار المعدة الموقدة تجعل القلب يقفز وينبض مرة على شكل ضربات متوالية ذات ضغط عال، ومرات يكاد يتوقف عن العمل. صباح يوم الثاني والعشرين نظر إليهم الطبيب. أدار وجهه قليلاً وأخبرهم أن أجسادهم لا تقاوم، وعليهم أن يفكروا. الإدارة قررت تجاهل مطالبهم. قال بصوت واهن كلمته المشهورة. - أيها الرب هؤلاء جبابرة ينحني الإنسان تواضعاً لقوتهم وصلابتهم، اللهم أشهد إنني قمت بواجبي وأديت الأمانة، فلا تؤاخذني على ما نفذته بحقهم أدوناي موسى أنا عبدك المأمور فاشفع للمستجير بك! انسحب ركلبويم وذهب إلى غرفته وقرر عدم مغادرتها، فهو لا يستطيع عمل شيء، الإدارة مصممة على قتل المضربين، وهذا يتنافى مع مهنته. قرر أن يظل بعيداً، يسمع أخبار المضربين وموتهم أفضل ألف مرة من أن ينفذها، يكفي أنه لا يرى الصور المؤذية التي تجعل القلب ينفطر. استغرب كيف تفكر إدارة السجن، وكيف تستطيع أن ترى منظر السجناء وموت أحدهم ولا تتحرك أفئدتهم. ترى لو كانوا قطيع غنم افترسته الذئاب آلا يحزنون ؟ الصور التي تجعل شعر الرأس يقف، تثير الضحك والتنذر لدى الطاقم الطبي و السجانين، وتكرس أكثر فأكثر حالة العداء المستحكمة بينهما. عمر بمقدرته أن يدفع الأذى ليس فقط عن نفسه بل عن عشرة من زملائه. حادثتان تدقان جدار زنزانته، وصل الدم نقيأ إلى رأسه يوم كان في " قهوة الحسين " في مدينة القدس. شخص يكنى بالعتال، فارع الطول قوي لدرجة أنه قادر على مسح الكتابة عن العملة المعدنية، يأتي إلى القهوة يشرب ويأخذ خرجيته من صاحبها وبعض الموجودين. ومن لا يروق له يضربه أو يطرده. ذات مرة كان جالساً إلى الطاولة المجاورة لعمر، وضع قدمه اليمنى ولفها فوق اليسرى، خلع حذاءه ففاحت رائحة نتنة كريهة جداً. طلب من صاحب القهوة ماء ليغسل قدميه. تأخر العامل فناداه ثانية وعندما حضر صفعه وأراده أرضاً، عندها لم يتمالك عمر أعصابه، نادى على صاحب القهوة وقال له : - إياك أن تلبي طلبات الزبائن الوقحين ! - من تعني يا أستاذ ؟ - أنت أيها الوقح الذي نسي أهلك أن يربوك، تماديت ونسيت أنني جالس هنا، لن أسمح لك ولا لغيرك بمثل هذه التصرفات . صاح العتال على صاحب القهوة يهدده بحرقها إن لم يخرج الشخص الذي تطاول عليه. حار في أمره فلم يجب، بينما هجم بكرسيّ على عمر، رده بلطف بعد أن خلص الكرسي من بين يديه، وهدده بالخروج بقوله: - كفى أيها العتال أنت لا تعرفني، غادر قبل أن أهينك، لقد فعلت ما فعلته، يكفيك وقاحة، الحل الوحيد الآن مغادرتك . جن جنونه ثانية فتقدم بكرسي تلقاه عمر بيده، ثم دفعه بلكمة من يده الأخرى، وقع بين الكراسي، ارتفع التصفيق ووقف كل من في القهوة ينظرون إلى ذاك المشهد الغريب وهم غير مصدقي من بأن العتال قد اندحر، لأول مرة يتجرأ أحد رواد القهوة ويمنعه من ممارسة جنونه وغلاظته ولأول مرة يقع بين الكراسي. تناوله من ياقة قميصه وشده إليه ثم دفعه إلى الخلف وتكوم هذه المرة فوقه، وهو يكيل له الضربات. وعندما حاول الوقوف على قدميه ورد الضربات عاجله بواحدة من يده اليسرى على بطنه، ثم لوى ذراعه ودفعه إلى خارج القهوة. من يومها لم يدخلها العتال، ويقال إنه غادر على إثرها مدينة القدس إلى الخليل . أغمي عليه قبل أن يتذكر تفاصيل الحادثة الثانية التي جرت في قهوة الحجاز في مدينة دمشق وهي مشابهة لتلك. نشرت مقالات في صحف أوربية وأمريكية حول الإضراب، وجاءت بعثات صحفية إلى سجن الرملة رأت حالة المضربين، والتقى بعض المراسلين وجه لوجه مع عدد من المضربين، في حين تدخل مدير السجن وأمر بنقل إسحاق مراغة إلى المستشفى . دارت معارك بين السجناء والسجانين، فقد الشيخ عباس أحد أسنانه الأمامية. وصف قول أحد السجانين " السجناء مدللون لدينا، عليهم فك الإضراب والتفاوض مع إدارة السجن " بالكذب، وقال : - عندما يتساوى الموت والحياة، على الإنسان اختيار طريق العزة والإباء. همس أحد الصحافيين في أذن الشيخ: " استمروا في الطريق الذي ترونه مناسباً، إن ما تفعلونه منتهى العطاء.. أن يستمر السجين ممتنعاً عن الطعام وهو سائر إلى حتفه، تضحية رائعة، لن ندعكم بعد اليوم بين أنياب الوحوش، سنغطي كل شيء وسنقيم الدنيا ومنظمة حقوق الإنسان على السفلة " تظاهرت إدارة السجن بالانزعاج لموت اثنين من المضربين ونقل الثالث إلى المستشفى. حاولوا تهدئه الجو العام خاصة عندما علموا بخروج مظاهرة نسائية في القدس، تقودها أم عدنان، تندد بالسجون وتطالب بتحسين معاملة السجناء، نصت اللافتات المحمولة على ذلك أيضاً . مدير السجن يمثل السلطة، يتحمل مسؤولية الفضائح التي تسربت من سجنه، تساءل لِمَ لا يحاول استرضاء هذه البعثة وغيرها، يعرف أن التعليمات المشددة ضد السجناء تنص على ذلك، الوزراء شهدوا بحنكته. ذات مرة قال له وزير الداخلية " اعمل ماشئت دون ضجة، دون أن يعلم أحد، إياك أن تفعل شيئاً يكشفه الآخرون، عندها لن أرحمك ". وقال وزير الدفاع " أي شكوى ضدكم تعرضكم لعقوبة شديدة، عليكم أن تنفذوا الديمقراطية التي نتفق في تفسيرها، أقسم بالرب لن اسمح لأحد أن يشوهنا، صورتنا في الغرب يجب أن لا تهتز، إن من يفعل ذلك لا ينتظر منا سوى لفظه، اعملوا كل شيء بالسر" . إن ما حصل عند باب السجن معركة رهيبة بين البعثة الصحفية والحراس والإدراة، الممرض رافي وبعض العناصر حاولوا تأجيل اللقاء إلى الغد ليكون منظماً، ليشكلوا انطباعاً جيداً عن المعاملة داخل السجن، وليصلحوا ما أفسدوه. سأل أحد الصحافيين اليهود مدير السجن على انفراد عن حقيقة المعاملة، فأجاب: - أيها الصحافي أنت يهودي تؤمن بالتوراة التي أعطتنا التفوق، خصنا الرب بحمل المهام الجسيمة للعالم كافة، أيمكن لليهودي أن يظلم الآخرين ؟! احتدّ النقاش بينهما وفند الصحافي بعض المقولات ووقف إلى جانب إدارة السجن في بعضها الآخر . اخنقت مظاهر العنف واختلفت لغة التخاطب. استدعى ليفي طاقماً إضافياً وأدوية. حدث المضربين حديثاً ودياً. أخبرهم بأنه أمر بعقوبة السجانين، وإنهم منذ الآن يستطيعون الإخلاد للراحة. في هذا الوقت وزع ركلبويم الأدوية كل حسب حالته، أما رافي فلم يظهر بسبب منعه من الإشراف على المرضى، استبدل الطبيب به أهارون الذي دعاه السجناء بأبي هارون. ليلاً استحم المضربون وبدلوا ملابسهم الداخلية، شعروا بشيء من الحيوية. كانت هذه أول ليلة هادئة ينامون فيها نوماً عميقاً. لا أحد دخل غرفهم سوى الطبيب ومساعده الجديد. الضعف الجسدي شل حركتهم. غطوا في النوم بعد الحمام مباشرة. اختلفت المعاملة، اختفت مظاهر العنف والإزعاج، كانوا لا يدعونهم ينامون، يمضون الليل وهم ينقلونهم من وإلى غرفة التمريض، أصوات الأنين هي التي تسمع في الليل وبعض الشتائم. حتى فرصتهم الأخيرة في النوم قبيل شروق الشمس حرموا منها، إذ يأتيهم الحارس في الوقت الذي يستسلمون فيه لإغفاءة. يدق الباب، تتوالى الطرقات على الحديد، وبصوته الخشن يأمرهم بالنهوض، فيحاول كل واحد أن يستمر في إغفاءته ولو لثوان قليلة. فلذة النوم في هذا الوقت لا تعادلها لذة. لا أحد يستطيع التلكؤ، لأن عدم الامتثال للأوامر جريمة يعاقب عليها السجين. كان للمدير رهبة وسطوة حتى على السجناء والمجرمين اليهود. لا يوفر أحداً. الجميع يرتعدون خوفاً ويتحينون الفرصة للانتقام. إذ أقسم أكثر من عشرة جنائيين يهود على قتله، والذي يقتله أولاً يخبر زملاءه، ترصدوه على الطريق الواصل بين الرملة وتل أبيب، أطلق أحدهم النار عليه فأرداه قتيلاً، لم يدعه بل اقترب منه ليتأكد من موته، فألقت الشرطة القبض عليه، ولدى الكشف عن سوابقه وجدوه أحد الجنائيين الذين سجنوا في الرملة. استغربوا عمله. حققوا معه حول الأسباب التي دفعته إلى القتل فأجاب القاتل بنيامين : - تعاهدنا عشرة على قتله، أنا كنت السباق، لم أقتل إنساناً بل خنزيراً. إن ليفي جونسون مدير سجني السابق لا يعرف شيئاً من الرحمة بل العنف و القسوة. بدا أن الإدارة ستعود إلى لعبتها ثانية، أخرجوا إلى الساحة. أعطيت للطبيب ومساعده أهارون إجازة، كما غاب بعض المسؤولين مدة أربع ساعات، لكن الطبيب رفض مغادرة السجن هو ومساعده اعتكفا الساعات، ثم عاد لممارسة عملهما. كانت حرارة ذلك اليوم تجعل الماء يغلي في القدور، غلت شرايين رؤوسهم. لاشيء يتقون به الحرارة. العرق يسيل سواقي وقبل أن يجري مشكلاً نهراً صغيراً يجف وتبتلعه الحرارة. احتملوا هذا الموقف لمدة ساعتين. بعدها بدؤوا ينسدحون لايشعرون بشيء من عذاب الكون، يغطون في إغماءة فيهرب منهم الإحساس بالحياة. عادت أحذية الجند إلى ركلهم. كان خوفهم من الإصابة بضربة الشمس يدفعهم إلى الهرب إلى الظل، فكانوا كمن يهرب من الرمضاء إلى النار . لطخ الغبار وجوههم وملابسهم والتصقت بعض الأتربة على أطراف فمهم، وتجعد خليط من الطعام في كل مكان من ثيابهم، فبدت ذات ألوان وعلامات وبقع مقرفة، تصبب العرق قناة على الخدين ونزل الأرض، تبخر بعضه وهو في طريقه إلى الباحة، فنتج عن ذلك بعض الرطوبة واللزوجة والملوحة ورغبة في حك أجسادهم، تمنى الكثيرون أن تصل يدهم إلى منتصف ظهرهم لحك أضلاعه ويدغدغ الوثاب والكتفين، لكنهم لا يستطيعون تحقيق أي شيء من ذلك، فيحاول بعضهم حك ظهورهم بالحائط أو التمرغ على الأرض مرة على ظهره ومرة على بطنه . مرت المدة الماضية كشبح، سأل الشيخ عباس عمر عن موقفه من اليهود، أجاب : - لن أتحدث عن اليهود المنزرعين في أوطانهم الأصلية، بل عن القادمين، إن كل يهودي قادم للاستيطان عدواني، ينتزع حق الحرية والحياة من غيره، فكيف بعد هذا نسميه حراً وديمقراطياً ؟ كيف سيضمن حقوق غيره؟ إنها مسألة خاطئة حريتهم مقابل عبوديتنا وديقراطيتهم مقابل طردنا من أرضنا وسجننا! أربع ساعات مرت احتضنت عذاب سنين، لاشيء سوى الأنين والجلد، فتتالت حالات الإغماء وفقدان الوعي التي تجعلهم غير قادرين على التركيز. شعروا بألم فظيع وجروح وفقدان للذاكرة، ولأن ساعات الألم طويلة، خمن حسان بأنهم في هذا المكان منذ أسبوع، وبعضهم قال أكثر، تحسس الشيخ عباس سنه المكسورة، بل نحن هنا منذ خلق الله الأرض، تلقينا عذاب العالم في الأيام الماضية ؟ قال عمر: لا أيها الرفاق مازلنا في بداية المشوار: إننا هنا فقط منذ ثلاثة أيام. عقب الشيخ عباس : - لا أظن ذلك، أيعقل أن كل هذا العذاب الذي يساوي عذاب العمر بكامله، قضيناه في المدة القصيرة التي حددتها بثلاثة أيام! ترى ما الذي يحدث بعد ثلاثة أيام أخر؟ الله يقف معنا، وإلا فإننا سنهلك! بعد العصر انبطح الجميع على الأرض، يتضورون جوعاً وعطشاً. التعب تسلل إلى كل قطرة دم، الأقدام تركلهم دون إحساس بذلك. مازالوا مابين الإغماء والموت. عاد رافي إلى ممارسة دوره، أشهر الأنبوب المطاطي في حين عادت حالة السبات مما جعلهم لا يفرقون بين الأوقات والجهات، إذ عندما يتطلع أحدهم إلى السماء لا يستطيع التفريق أن كان الضوء المنبعث والذي ينير المكان من الشمس أم القمر أم ضوء كهرباء، لا يميزون الليل من النهار خاصة في يلك الأيام، القمر بدر، والكهرباء مضيئة ليل نهار، والتعذيب مستمر، فكيف سيعرفون الأوقات ؟! علق حسان على ذلك بقوله : - ماذا يهمنا إذا كان الوقت ظهراً أو ليلاً، صباحاً أو عصراً، لم تعد تهمنا الأوقات شيء واحد ننتظره أن يطلع الفجر ونصلي له. صاح الشيخ عباس: الله أكبر ،ماذا أسمع ؟! اقترب عمر من حسان، ابتسم في وجهه واستحسن كلامه الجميل، الذي يومي بموهبة شعرية أو بعاشق " المواهب تفصح عن ذاتها بمثل هذه الإشارات " هذا ما قاله عمر . ظن حسان أن حديث رفاقه عن شعره، رفع يده لتصل إلى شعره، ليبرهن لهم عن فهمه لقصدهم، خانته يداه وارتدتا أمامه، تمتم بكلمات غير مفهومة وعاد إلى حالة السكون واللاوعي . لم يكن ثمة مجال للتدقيق في الوقت، مادامت المعاناة لم تتوقف. صحيح أن الإنسان يفضل الصباح ونور الشمس، حتى عند موته لو خير الموت في النور أم في العتمة، لاختاره مع بواكير الإشعاع الصباحي، وبعضهم سيختار ذلك وقت الظهيرة. أما الذي لا هو مع الأحياء ولا مع الأموات فإنه لا يفكر بذلك، كما لا يخطر بباله إن أشرقت الشمس أم غابت أو أن الذي يرفسه مجند ممرض أم ضابط! المضرب نفسه الذي يتقلب على الأرض قد لا يعلم شيئاً مما يفعله الآخرون، ولا يعلم إن كان صيت إضرابه قد وصل إلى آخر الدنيا وكتبت عنه الصحافة أم أن أحداً لا يعلم به . المضربون فكروا بذلك قبل هذه الحالة التي يتنازعهم فيها الموت من ثغر الحياة، مازالوا مطروحين على وجوههم، يصافحون التراب ويلثمونه. استند عمر إلى الجدار، الغبش على عينيه، فركهما وحاول التحديق ليرى ما يحدث حوله. شعر بضعف في التركيز ومع ذلك رأى رفاقه بلا حركة. أفزعه هاجس الموت. أنصت ليسمع ما يقال من قبل مسؤولي السجن، سمع أن السجون كافة مضربة وأن الصحافة العالمية في أوروبا وأمريكا غطت هذا الخبر. مازال يذكر ما عدده الطبيب ركلبويم عن السجون المضربة، فبدأ بعسقلان وصفه أخطر سجن بعد نفحة، سجن البنات في الرملة، نفي ترتيا، بئر السبع، جنيد، طولكرم، الشاطئ ... عند سماع المضربين بذلك، شعروا أن قوة خفية جعلتهم أقوياء قادرين على تحريك الجبال. نقل كل من سمع الخبر إلى زميله الذي بجانبه، شيء واحد تمناه حسان أن ينقلوا هذه الأخبار إلى الرفاق في عمان ودمشق. لمس مدير السجن تعاطف الطبيب، فهمس في أذنه كلمات منها: - أنسى عواطفك الإنسانية، لا أحد يمنعك القيام بها في عيادتك . تحفر الذكرى مداً في رأسه، كيف ينسى ذلك المشهد لحظة اندفع أحد السجانين وهو يهيء نفسه لملاكمة المضربين، في حين كانوا منهكين أشبه بأوراق الخريف الصفراء، هرول باتجاههم وبدأ يلاكمهم واحداً واحداً، وعندما انتصر عليهم جميعاً رفع رفيقه يده إلى الأعلى وصفق السجانون عندما نظر باحتقار إلى السجناء المضربين وقال: - ليبق الله القوة فينا، فهي التي تحمينا وتردعكم . كان المنظر باهتاً حين تقدم مدير السجن وربت على كتفه، تعالى التصفيق. عندما لم يتمالك الطبيب دموعه، انصرف بهدوء دون أن يزعج أحداً أو يبدي رأياً، وعندما سألوه عنه ليشاركهم فرحة نصر عسكري واحد على " مجموعة المخربين "، رد بقسوة . أدار وجهه وحدق إلى الحيطان وتأملها جيداً، ثم غادر الغرفة. مازالت الغرفة تلف الجميع في الباحة . شبك كل اثنين أيديهما وبدأ حركات تقديم وتأخير، أمر المدير تشغيل الإذاعة ووضع شريط راقص احتفاء بنصر عسكري واحد على ستة وعشرين. انطلق الممرض رافي ووضع شريطاً راقصاً وفي يده الأنبوب المطاطي الذي استخدمه كسوط. ضرب الجميع به، رفع يده هو الآخر وقال: " أرأيتم لا أحد استطاع قول كلمة واحدة أوشد السوط من يدي، هؤلاء كلما دسنا عليهم، يصيرون أكثر طواعية، هؤلاء لا يعرفون الحرية ولا الديمقراطية " صاح بأعلى صوته عاشت القوة والديمقراطية رمز دولتنا وعنوان وجودنا ظل طوال ساعات يرقص ويحرك الأنبوب المطاطي، ويجلد به كل الذين أمامه. تدخل ضابط وقال: أتعرفون ما معنى الحرية والديمقراطية عند هؤلاء العرب وعند غيرهم من الحكام، إنها شيء واحد وحيد، أن تحكموا الشعب ويمارسوا الجنس والدعارة ويفرغوا كتبهم. وضعت جوقة السجن المضربين في الوسط وبدؤوا يبصقون عليهم، ثم داروا حولهم دورات عدة، في حين كان الطبيب ركلبويم يبصق على كل من في المكان. قرر المغادرة وعدم المشاركة في الاحتفال التاريخي مهما كلفه ذلك من ثمن، طلب إذناً بالخروج، ألح في ذلك حتى تحقق، خرج من السجن مديديه يصافح الهواء والريح والشمس، في حين كان كل شيء هادئاً تماماً، مسح عرقه ونظر صوب الغرب. الكون صغير جداً، كاد يختنق، ركض صوب الشرق والشمال والجنوب. بعيداً عن السجن وتحت ظلال شجيرات الحمضيات، جلس يتذكر أهله، فقرر كتابة رسالة، فتش جيوبه فلم يعثر على أي شيء. كانت جيوبه خالية، طارت الكلمات من ذاكرته، فقرر الانطلاق إلى بيته . في صبيحة اليوم الرابع لوجودهم في الرملة، أرسلت السماء رياحها وغيومها. هبت رياح حارة تحمل معها بعض الرمال المسحوبة من النقب وجنوبي غزة. الحرارة تكاد تميع الرمال، ومع ذلك هطل مطر لخمس دقائق أو أقل. اقتربت غيوم داكنة متفرقة آتية من الغرب، التقت مع المرتفع الجوي فالقت حمولتها وغابت الشيء الذي بقي هو العجاج والرمال الناعمة والطقس الخماسيني الذي عاد للظهور فجأة. الشمس راعها ماحدث زادت حرارتها، فبخرت خلال ثوان حبات المطر الفضية لتعود فرحة بقوتها . لم ير السجناء ركلبويم ولا أهارون. رافي هو الموجود دائماً ينط أمامهم ويقفز ويلوح بالأنبوب المطاطي يعلن بأن الذي لا ينهي إضرابه سينتهي من الحياة. تبين إنه بلا شفقة ولا رحمة وثقيل إن وجوده في المعبار عقوبة له، لقد ضبط وهو يعطي عن طريق الوريد بعض الأبر المخدرة، وتعامل ببيع مسحوق أبيض يشبه بودرة الأطفال للاستنشاق، منهم من قال إنه الهيروين ومنهم من قال، لابل إنه نوع أشد فتكاً. سجن في الرملة ثلاث سنوات، أفرج عنه ليمارس عمله داخل السجون. قيل إنه شاذ في ممارسة الجنس مع الممرضات الإسرائيليات. قبض عليه مرة يمارس الدعارة بهذه الطريقة دافع عن نفسه بقوله: - إن ما ترونه شذوذاً في الممارسة، هو طبيعي أمارسه وأتلذذ به، لا يوجد نص في القانون يمنعني من ذلك. بعد إطلاق سراحه، صرح علانية بأن لديه بيتاً، يجتمع فيه فتيان وفتيات، يطلقون العنان لحرياتهم ورغباتهم، حتى ليفي يتردد كثيراً، وهو صديق حميم له، وصديق للكثيرات، يعتمد عليه في كل شيء وهو مطمئن لتصرفاته، خاصة عندما يمنع المضربين من شرب الماء، ويقرن هذا مع تناول قليل من الطعام وفك الإضراب. الطبيب ركلبويم حضهم على غب الماء وشرب ستة ليترات يومياً حتى يتجنبوا الإصابة بالجفاف القاتل. ومن يقدر على شرب أكثر من ذلك فليفعل. الماء يحرك الدم ويجعله أكثر سرعة ويمنع تخثره، ويقي من الإصابة بالجلطة، ويساعد في إدرار البول ومنع تشكل الرمال والحصى في الكلية. في الأيام الأخيرة للإضراب عانى المضربون من أمراض شتى، كل أصيب بمرض أو أكثر. أمراض المعدة، الأمعاء، الكبد، الظهر، الكلى، الجلد، الرأس. ولم ينج من ذلك أحد، حتى عمر الرياضي الذي لم ير المرض طريقاً إلى جسده، عانى من التهاب المجاري البولية، طلب الطبيب لمعالجته، لكن رافي رفض إخباره بذلك، قال: - تعلن أسفك وندمك لننظر في أمر مداواتك ونحضر لك من تريد من أطباء قادرين على معالجتك بالسرعة القصوى، وإذا استدعى الأمر نبعثك إلى المستشفى، وهناك تشفى وتعود صحتك، هل أكلم مدير السجن بشأنك؟ تذكر كلمات رفيقه، لا تساوم، نظر إلى الممرض ولم يجبه! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |