|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
-الفصل السابع - بعد أربعة شهور من التوقيف حوّل عمر القاسم إلى سجن رام الله الواقع على طرف المدينة الشمالي الغربي بانتظار المحاكمة. شعر ببرودة الجو مقارنة مع الرملة التي أمضي فيها أشهر التوقيف، والتي لا تبعد عن البحر سوى كيلومترات عدة، يهبها الدفء في عز الشتاء، ومع ذلك فإن مناخها هو وسط بين الساحل والداخل. أخذت نداوة البحر وبرودة الجبال وحرارة الصحراء، أما رام الله وسجنها فهما بعيدان عن التيارات البحرية وتأثيراتها ولا يصلها دفء البادية أما سجنها فيقع على ربوة " العمارة " مما زاد البرودة التي تتسلل إلى العظام، بردها شبيه ببرد الصحراء أو برد دمشق في كوانين، في حين كانت ملابسه الخريفية التي دخل فيها العملية لا ترد عنه برد السجن القاسي. مع قدوم آذار الذي يسمونه في رام الله " أبو الزلازل والأمطار فيه سبع شتوات " لكل واحدة طقسها، السماء تومض فاغرة فاها قادحة زنادها، السحب تعربد في الأفق الشبيه بوجه أصابه الجدري. توالت الرعود والبروق، في هذا الوقت وقبيل الظهر، تحركت السيارة التي ستنقله إلى سجن رام الله يوم الثاني من آذار. المطر الهاطل دافئ. شعر بكل ذلك على الرغم من العصابة السوداء الموضوعة على عينيه والوثاق المقيد لحركته، يداه استقبلتا الماء المنسكب فأخذ هطول القطرات على الصفد المسور ليديه، ضربات شبيهة بدقات القلب عند الفرح. تبلل شعر رأسه وهو متجه إلى السيارة. تمنى لو كانت يداه حرتين لمسح شعر رأسه، ولو كانت عيناه بلا عصابة لشاهد المنظر الجميل للمطر. تصور كيف تنزل الحبة على الشارع وعلى الرصيف، فتحدث صوت تك خفيف وتترك أثراً دائرياً، يظل يتجدد طوال الهطول. شيء واحد يسمعه بدقة الرعد. تخيل السماء وكمية الغيوم السابحة، وقع أقدامه على الطريق تنبئه بغزارة المطر والمدة التي قضتها في الإمطار. النقاط تأخذ مجراها في الأرض وعلى جسده. صدره يتحول إلى نبع ماء، تنزل النقاط على كتفيه، تتسلل من كتفه الأيمن وتواصل انحدارها. لا أحد يستطيع منعها من مواصلة سيرها. يده التي ستلعب دوراً ما في مصيرها أو كتابة تاريخها مقيدة. نقاط أخرى أكثر قوة تواصل اندفاعها، تبدو أكثر حرأة، تأخذ طريقها في المجرى ذاته الذي اختطته القطرة الأولى . سمع صوت جندي يدعوه إلى رفع رجله للصعود، مديره تحسس جسم السيارة، أمسك بيده اليمنى باب السيارة ووضع قدمه على درجة الصعود، تمسك جيداً قبل أن يدفع جسده إلى الأمام والأعلى. الصوت يلاحق حركاته ويرشده إلى الطريق. يد من خارج السيارة تدفعه وتطالبه بالجلوس. شعر بحركة العسكري ثم دفعه للباب ووضع قفل فيه. سمع أمراً يدعو السائق إلى التحرك، هدير المحرك يتعالى قبل أن تنطلق السيارة، صوت دراجة نارية ترافقها تسبقها تارة ثم تتأخر عنها. لم يشعر بشيء آخر، لكنه يعرف أن نقل أي سجين يتم تحت إجراءات أمن مشددة، وفي مثل هذه الحالة تكون أمام السيارة أو خلفها سيارة شرطة عسكرية. في هذه المرة لم يتأكد من مرافقة هذه السيارة للزنزانة التي ستنقله. الشيء الوحيد المتيقن منه أن الانطلاق لا يتم دون حراسة مشددة. صوت الدراجة النارية واللغط الذي حصل قبل تلقي الأمر دليلان على ذلك يجهل المكان المنقول إليه، لقج خمن أن الاتجاه الذي تسلكه شرقاً بانياً افتراضه هذا على الجهة التي تدخل منها الشمس إلى السيارة، ولأنه توقع خضوعه لمحاكمة، هذه لا يتم إلا في الضفة الغربية . وضع يده على خده، مازال يذكر الاحتياطات التي اتخذت لحظة دخوله العملية، الآن تأكد أنها غير كافية، وأنه والقيادة ينظرون إلى العمليات التي لا تعدو سوى تضحية بعدد من العناصر وإصدار بيان حول ذلك. " أنت يا عمر لست أكثر من بيان، صارعت الريح ومن يصارعها خاسر، لأنه لا يملك القدرة لا على ايقافها ولا على تهييجها أكثر، تبحث عن إبرة سقطت في بحيرة طبريا. رجل لا يعرف الدهاء، يعيش على فطرته، تكذب عليه القيادة ويستغل العناصر عواطفه النبيلة، أنت ياعمر لا تعرف في حياتك إلا الصدق والإخلاص مع قيادة همها ترقيم البيانات ". صباح العملية نظر غرباً حيث الأردن يبدو كولد مؤدب، مياهه رقراقة، انخفض مستواها إلى النصف حتى بات الوصول إلى الضفة الأخرى أمراً سهلاً. خلفه تقبع مجموعة من المدن والقرى التي بنى فيها تنظيمه. هاجس العودة وبناء قواعد عسكرية في جبال الضفة الغربية لا يفارقه، قال له المحقق " شروط العودة نحن نحددها، وكذلك جمع الشمل يتم إن كان لك أهل أو لتصفية أملاكك وهذا يتطلب تسليم نفسك إلى سلطات الأمن، تسليم نفسك إلى أقرب مخفر تمر به وأنت رافع اليدين ". تجاهل عمر أقواله، فصاح في وجهه مكرراً عبارة، هل عرفت شروطنا للعودة ؟! أجابه عمر: لكنك لا تعرف شروطنا! عنفه المحقق وقال: اخرس أيها الحقير من أنت ليكون لك شروط؟ توقفت السيارة وتلقى الأمر بالنزول، لم يمض وقت طويل ما بين الانطلاق والوصول، المسافة قريبة قد لا تتجاوز ثلاثين كيلو متراً، وحسب معرفته لا يوجد سجن بهذا القرب والاتجاه إلا سجن رام الله. صدق ظنه إذ سمع هذه العبارة من الحارس الذي يجلس خلف الباب ويمسك بيده بندقية ملقمة للإطلاق . نزل فشعر بالبرودة، توجه كما طلبوا إليه، فكوا العصابة عن عينيه، نظر فإذا به فوق تلة، السجن أمامه، وغير بعيد عنه مدينة رام الله وقراها، ألقى نظرة، دفعوه إلى داخل السجن وهناك استلموا ملابسه المدينة وسلموه لباس السجن، إلى الغرفة رقم خمسة أُدخل بانتظار محاكمته. قريباً من السجن المحكمة العسكرية التي ستحاكمه وتصدر قرارها وحكمها. جاء في لائحة الاتهام الموجهة ضده. إن " المخرب " عمر محمد محمود قاسم المكنى بأبي عباية والدته فاطمة الشلبي تولد مدينة القدس عام 1941 تسلل ليلة الثامن والعشرين من شهر تشرين الأول من عام ثمانية وستين وتسعمائة وألف، اجتاز نهر الأردن ليتمركز قريباً من هنا في الجبال والمغاور لبناء خلايا مسلحة، وقبلها دخل " يهوذا والسامرة " للغرض ذاته. اليوم المشار إليه اجتاز النهر على رأس دورية من ثمانية أشخاص تحمل أسلحة وذخيرة ومتفجرات، تابعة لمنظمة " تتخريبية " يقودها " ارهابيون "، له نشاط في المجالين السياسي والعسكري، يحمل إجازة جامعية، اشتبك مع دورية لجيش الدفاع الإسرائيلي قرب قرية كفر مالك. لم يسم نفسه إلا بعد أن نفذت ذخيرته وجرح، ولدى التحقيق معه تبين أنه عضو لجنة مركزية في منظمته، هذه أول مرة تدخل قيادات على رأس عمليات عسكرية، جاءه وزير الدفاع موشي ديان، الذي أمر بنقله إلى المستشفى، واستدعاه مدير الشرطة حاييم بارليف مد يده لمصافحته، لكن " الإرهابي " عمر رفض مصافحته علماً أنه قدم له جميع المغريات كالإفراج ودفع جميع رواتبه والسماح له بالعودة إلى الأردن أو الهجرة إلى أمريكا أو استمراره في التدريس مقابل تصريحه بالقول إن العمل الفدائي لا يجدي في تحرير فلسطين وإن الأعمال التي يقومون بها أعمال تخريبية. إن هذا الموقف بما يسببه من تهديد لأمن إسرائيل، وإهانة لبعض قادتها، وعدم تخليه عن الأعمال التخريبية، لذا توصي المحكمة بالحكم عليه بالسجن المؤبد لتجاوز المادة سبعين الخاصة بالأمن في " يهودا و السامرة "، كونها منطقة غير مسموح دخولها ... بحكم القوانين المرعية نطالب تجريم المتهم لكونه : - يعمل في منظمة تخريبية غير مصرح لها. - التسلل دون إذن من السلطات العسكرية لبناء تنظيم معاد. - حمل سلاح وذخيرة غير مرخصة وتهديد الأمن والاشتباك مع دورية مما أدى إلى قتل جندي وجرح أربعة . - عدم إظهار ندمه وإهانته لبعض قادة إسرائيل، واستمراره العمل في منظمته التخريبية . إن أي واحدة من الأربع يحكم بسببها حكماً مؤبداً، فكيف إذا اجتمعت كلها في شخص يصرح علانية بأنه دخل يقاتل ويبني خلايا إرهابية. بعد قراءة لائحة الاتّهام وقبل صدور الحكم، سئل إن كان يطلب الرأفة من المحكمة، أجابهم: أطلب الرحمة ممن احتلوا بيتي وأرضي، من محكمة تجرمني لأنني عائد إلى مدينتي القدس! ... من حقي حمل السلاح، شرائع الأمم المتحدة لم تعترف بالاحتلال وتطالبكم بالانسحاب. إذا كان العالم ينظر إليكم على هذا الأساس، فكيف تطلبون مني أن أقر بما تفعلون ! تدخل القاضي وطلب إليه أن يسكت، فالمحكمة درست القضية وأجلت إصدار الحكم ثلاث جلسات، سمعت أقواله وإفادة الشهود ومرافعة النيابة و مرافعة المحامية وهي ليست بحاجة إلى محاضرة. طلبت المحامية فليسيا لانغر الإذن بالكلام، كما طلبت الرأفة بموكلها. أجاب القاضي بصلف : - إذا كان موكلك غير معترف بصلاحية المحكمة، وغير مقر بذنبه ولا يطلب الشفقة، فأي كلام تقولينه غير معترف به من وجهة نظره. أنت أيتها الزميلة تدافعين عن مجرم خارج عن القانون، يحمل لواء إفناء دولة إسرائيل، ويستطيع عمل الكثير ضدنا من موقعه القيادي وفكره المادي الجدلي وقدرته على الإقناع. ليعترف أنه مذنب وأنا أعيد محاكمته. أجابت بجرأة: أنت تكرر وجهة نظره، هل تأخذون بها.. إذا فعلتم ذلك سأوقف دفاعي. - أنتِ تتلاعبين بالألفاظ ... إن كان لديك ما تقولينه فنحن آذان صاغية. - أنا أرى بأن موكلي لم يفعل شيئاً يستحق عليه العقاب، بيته في القدس، أهله مازالوا يعيشون فيه، وكما خرج يحق له العودة بالطريقة التي تراها مناسبة ودون العودة للسلطات العسكرية. - ولكنه لم يدخل وهو يحمل ورود و أكاليل السلام، حمل سلاحاً بقصد قتل شعبنا، إنه قاتل قتل جندياً وجرح أربعة - ماذا تتوقع من قيادي مثله، هل يقول، بارك الله لكم في بيتي وأرضي. إذا كان مجلس الأمن لم يعطكم هذا الحق، فكيف سيمنحكم إياه، إن المواثيق الدولية تكفل لموكلي العودة إلى بيته، علماً أن شروط العودة وكيفيتها مرتبطان بقرار منه وبالوجود الفعلي على الأرض . - أيتها المحامية أنتِ مواطنة يهودية صالحة، ذات سمعة جيدة، تدافعين عن المظلومين وليس " المخربين " كلامك هذا يضر بالمصلحة العامة للدولة، فهل هذا هو رأيك أم رأيه ؟ أحتج على صيغة السؤال فأنا لست في محضر استجواب . دق القاضي بيده على الطاولة ثم رفع الجلسة ساعة كاملة للتداول والنطق بالحكم. ترك بعض الحضور القاعة ودخلوا إلى غرفة داخلية، صاروا قريبين من عمر القاسم، حيث تقدم منه بعض الصحافيين ومراسلي وكالات الأنباء، سألوه عن رأيه في المحاكمة وتصوره للحكم الذي سيصدر بحقه. - الحكم معروف، إنه السجن المؤبد، فإذا كان هذا هو الحكم فلِمَ المحاكمة ؟! أنتم تعرفون الجواب، الهدف ليس أن ندافع عن أنفسنا أو إظهار الحق بل الظهور أمامكم وأمام دولكم بأنها الدولة الديمقراطية التي تقدس الحرية وتسمح لا عدائها بأن يدافعوا عن أنفسهم ويوكلوا المحامين لهذا الغرض . تتالت عليه الأسئلة بلغات مختلفة، فكان يجيب حسب لغة السؤال بالإنجليزية أو الفرنسية أو العبرية وأحياناً بالعربية، رد على أسئلتهم كافة، وطلب إلى أحد المراسلين الأجانب أن يكتب عن المعاملة السيئة داخل السجن وأساليب التعذيب في الصرفند وغيرها . عاد القاضي بعد ساعة ليعلن حكمه الوجاهي بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، حكماً وجاهياً يعمل به ويطبق اعتباراً من تاريخ صدروه . دخل ثلاثة جنود سحبوه وشدوا وثاقه، بينما عدسات المصورين تلاحقه وهو يرفع إصبعيه. رموه في السيارة الزنزانة بانتظار إعادته إلى السجن.. بعد أيام يكمل شهره الثاني في معتقل رام الله. بعد صدور الحكم برزت تساؤلات حول بقائه في هذا المعتقل أو نقله إلى سجن آخر، أبلغه السجناء الذين معه في الغرفة، بأنه سيرحل إلى سجن آخر، فهذه حال الذين تصدر بحقهم أحكام طويلة، لأن سحن رام الله مخصص للتوقيف والأحكام الخفيفة التي لا تتعدى عامين. عاد عمر إلى الغرفة خمسة التي كان بها قبل ذهابه للمحاكمة، أبلغ رفاقه بالحكم الذي صدر بحقه، بلغت كل غرفة التي بجانبها، خمسة مهاجع هي غرف السجن، علم معتقلوها بتفاصيل المحاكمة. دفاع المحامية وقوله في عدم صلاحية المحكمة لمحاكمته، أثاروا حماساً وهياجاً لدى الموقوفين. أدى إلى قطع الكهرباء طوال الليل، ومع ذلك استمرت حالة من الهيجان حتى الصباح اليوم التالي . في الصباح فتحت كوة الباب، صاح العسكري " عمر محمود القاسم الإدارة تطلبك جهز نفسك " عرف الجميع بأنه سينتقل. تمنوا أن يعيدوه إلى سجن " فتح " في الرملة أو أي سجن آخر عدا عسقلان، الذي افتتحوه قبل شهرين لسمعته السيئة جداً. له نظام خاص بمقتضاه يصير السجين عبداً، لا ينطق سوى كلمة " أدوناي" سيدي، التي يخاطب بها حتى أصغر عسكري هناك. السيارة الزنزانة جاهزة للتحرك بعد تسليمه ملابس السجن واستلامه لملابسه المدنية. اقتيد إليها دون عصابة على عينيه. لحظات الانتقال خارج المعتقل تساوي فرح أحلى وأجمل مغامرة! كيف لا وهو يكتشف أن الكرة الأرضية مازالت تدور ومازال فوقها بشر! وأن الدنيا لم تتغير، تلك هي قرى رام الله ترتدي ثوبها الرائع، الشوارع، البيوت، الناس، " يا إلهي كل شيء على حاله! بل تبدو أكثر نضارة وكأنها قد غسلت للتو! هل لهذه اللحظة ثمن ؟" في هذه اللحظات المعدودة شعر بنشوة الحرية، نشوة الإفراج عن السجين، هذه النشوة التي أخذت تتلاشى مع دفع الجنود له، ينطفئ بريقها عند صعوده إلى السيارة وإغلاق الباب الخلفي وقفله. الآن عاد إليه الشعور بالقهر، فتذكر لحظة الحياة التي مرت به. وازن بينهما وأدرك أن هناك بقية قليلة قادرة على فعل الكثير، ابتسم ورفع رأسه عالياً، رأى السماء مسوّرة بلون أحمر ووجهاً مدوراً مصبوغاً بالاصفرار، وببقع أرجوانية كوجه حبيبته، تطلّ من الشرق وترسم قوساً، يمتد على طول أفق الجهات الثلاث الأخرى. تطلع ورودّ حمرٌ من الشرق وتمتد شمالاً ثم جنوباً وغرباً، لتشكل باقة دائرية لا أحد يدرك كبرها. افتر فمه عندما تصوّر أنها إكليل عروسه التي لم تبارح عيناها وجهه طوال مدة المحاكمة. عبلة منذ الآن هي عروسه، رفعت يدها وشبكت كفيها علامة اتحادهما الروحي. منذ هذه اللحظة سيزورها ويقبلها، وعندما تفيق ستقبض يداها على بقية الحم، ستضمه إلى صدرها وتقبل أنفاسه التي لا تبارحها. نظر إلى الوراء إن كانت مكانها، فرآها مطراً يهطل دموعاً قرمزية، إنها دموع أمه التي ركضت إليه صاحت بأعلى صوتها : - (لا تخاف يمّا )، الله أكبر، الله معك ياحبيبي . عيناها الماطرتان بللتا خضرة وسهول وجنتيها، تسللت القطرات إلى عتمة جسدها، فاختلطت بملابسها، تمنى أن يصرخ " سامحيني يمّا " أن يتوقف الزمن وتلتصق روحه بها، أحس بأن رأسه قد ثقل وأن دموعه ستخونه فأشاح بوجهه . والده الذي ابتسم ابتسامة لا تقهر، رفع قبضة يده ولوح لولده وصاح: - السجن للرجال، ارفع رأسك عالياً يا ولدي ! هذه الكلمات الجياشة لم تفارق مسامعه، بقيت زاده في الليالي الحالكة، وظلت نديه ترطب روحه. الغيوم الكثيفة تغطي الفضاء ... اختفت صورة السماء العميقة وبدت واطئة تلتصق بالطبيعة، ضغطت على صدره. المطر ينهمر خصباً كأنه امرأة، ينسكب حبالاً غزيرة كجدائل عبلة. مازالت أذناه تنقلان صدى أصواته، ووقائع احتفاله الأنثوي. من الشمال لمعت عينا وصال فاختلطتا بالبروق، مشيتها الدمشقية المتأنية وكلماتها المقتضبة المؤثرة، تخلصت من رياح قاسيون، احتضن الأفق شعرها، برزت أنوثتها وهي تفتح قميصها للريح، نهداها يندفعان ويتوحدان مع عصير الأشجار وثمارها، يصيران خمرة، صدر كالملعب تهتم عليه الفراشات تطير بالظلمة، تشرب من النبع، تدب النشوة في جسدها، تمتزج الخمرة بدمها، عيناها العميقتان تستظلان بأشجار الجوز الحور تشعان النور، فتسبح الورود والزنابق بجمالها، شفتاها نديتان على الرغم من الشمس المحرقة اللاهثة وراء نقطة ماء، حركت يدها، جددت الهواء وزفرت زفرات متواصلة وهي تسفح الدمع الغزير، إنه أمامها وهاهي تقف كالصنم تتأمله، تتذكر ما قالته في آخر زيارة للأردن، تردده وكلها حسرة، هذا مصيره يقع في السياج، غيره يتفرج، لم يسمع كلامها يوم عرضت عليه الزواج، وأخبرته بأن جسدها قادر على إطفاء لهيب ثورته. " آه يا إلهة الحب، كبر الطفل ولم يعد يسمع نصائحك، ملهوفاً يرتد إليك، مشتاقاً لحنانك، وما أحوجه الآن إليك، إلى صدرك، مازال طفلاً ومازال جسدك يزقزق للذكرى . دعيني لثوان معك، أمارس الرياضة لعبتي المفضلة، وأنا أسمع أغنية تطهرني وتعيدني إلى عالم هجرته، عالم ينبض بالحياة، هيا إلى حياة الجامعة والعشق وبردى والحور المغناج الذي تلبي حركاته الراقصة تغريد البلابل، يتمايل طرباً كلما كنت معي ! آه أيتها الحورة، يانبع بردى، ياقُبلة مازال مذاقها رائعاً! صوتك الرنان يزفني للحياة، يزف لذاكرتي ما قلته عن مستقبلنا، لنتمتع بالحياة فالنضال كشرب سيجارة بلوى لا يستطيع المرء الفكاك منه، معك حقك أيتها المغردة في نخيل أبي رمانة الذي كتب الله عليه أن لا يثمر . مع الذاكرة الداكنة يرشح الماضي، الذي يقذف بجمه! آه ما أجملك وأنت تقولين بأن للشهوة ثلاثة أوجه، رعبها وظلاميتها ونشوتها. أضيف إليها بعداً جديداً ذكراها! الماضي بيننا، يفرقنا، يجمعنا، الحنان الذي في صدرك دعيه يسافر جنوباً، عله يصطدم بجدار السجن، يتسلقه ويصلني ؟!" ظل المشهد ملتصقاً بذاكرته وبقي غارقاً في الأحلام، يفكر بها ويستعيد بعض كلماتها " المرأة تجعل الرجل يعود إلى وطنه، فإذا كانت بعيدة فكيف يعود؟ وكيف يشعرها بحنانها و أنوثتها ؟" تحركت نسمات حركت ما أمامها، شعر الناس بالبرد، الشوارع مزدحمة بالمارة، منهم الذاهبون إلى أعمالهم اليومية، وآخرون جاؤوا لحضور محاكمة عمر القاسم وسماع دفاعه . - كم تشبهين يارام الله دمشق! تلك الأبنية ألا تشبه حي القنوات ؟ وذاك الشارع ألا يشبه شارع النصر؟ وتلك القهوة أليست أخت قهوة الحجاز؟ وذاك الوجه ألا يشبه وجه وصال ؟ رن صوتها في أذنه، حركت فنجانه وقلبته على فمه ثم إعادته كما كان فوق صحنه لتقرأ بخته، جاءت نبوءتها التي طاردته: " إذا لم تتزوجني، ستبقى طوال حياتك بلا زوجة و بلا حضن يضمك ". عندما أغلق الشرطي باب السيارة، رفع عمر رأسه ليجد ذاته وحيداً موثق اليدين معصوب العينين جالساً على كرسي طويل من الخشب. اتجهت السيارة غرباً، تخلصت من التلة ثم من رام الله، السيارة بطيئة وأغلب الظن أنها ستصل الرملة بعد ساعة أو أكثر بقليل. استطاع أن يتخلص من العصابة، برفعها قليلاً عن عينه اليمنى. عاد يتأمل صورة الله في البساتين، فتنقله أفكاره إلى معالم وعوالم منسية . توقفت السيارة وصعد الشرطي يتفحص الغطاء الذي على العينين، شده جيداً وحذره عدم محاولة رفعه ثانية، لطمه على وجهه وشتمه ونعته بأوسخ الألقاب . انقطعت المناظر، تخيلها وتخيل الطريق والسماء، لو لم يكن معصوباً لعرف كل المنطقة وتمتع بالمناظر الرائعة، لكنه ظل يتمتع بذلك على الرغم من الغطاء الأسود السميك، إنه الآن يرى بكل حواسه. يشعر بالأشجار من زقزقة عصافيرها، والتلال والمرتفعات نتيجة تعرج الطريق، لا أحد منعه من رسم أشجار الحمضيات وهي تلوح بأوراقها العريضة، ترد على تحية نسيمات البحر. أنفة ازدادت حاسة شمه، يشم كل شيء التراب والأزاهير والأشجار. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |