|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الثامن - خرجا من المحاضرة الساعة الحادية عشرة إلى حديقة الجامعة حيث الورود البكر التي نشرت رائحتها، بينما ورود أخرى تتنفس عطرها لتضمه إلى البرعم، فقررت حجب أريجها وإبقاء الباب مرتجاً. دارا دورتين. كانت فرصة نضرة مرتدية ثياباً صيفية، فبدت كالزنابق خلابة وجذاية. داعبها بقوله: - فيك من الرقة والدماثة ما يجعلك أميرة الربيع - أشكرك لهذا المديح، لاتنسى دعوتي للغداء في بيتنا . - اتركي هذا لمرة أخرى، هيا نمضي يومنا بين أحضان الطبيعة، لعل أحد طيورها يقلدك تاجه، أو يرمي بريشة ملونة إكراماً لك - أمعجب بي إلى هذا الحد ؟ - سامحك الله ألا تعرفين ذلك أيتها الأميرة؟ أقليل عليّ أن أكون معجباً بأرق فتاة كلها دماثة وأنوثة ! نظر إليها وقرأ المرح في عينيها فأضاف: وأكثر البنات شغباً ! قرصته بذراعه، وهي تردد بعض الكلمات ...ابتسمت ونظرت إلى الأفق تتأمل السماء الصافية والطيور المغردة التي تطير من فنن إلى آخر. قال : - لم تردي على دعوتي آراك تشدينني تجاه الباب الخارجي! اقتربا كثيراً من " كافتيريا" الجامعة، خلاها وتنازلا كوبين من الشاي، كانت مزدحمة فلم يستطع التحدث، صخب الطلبة وزاحهم وضحكاتهم ملأ الصالة، بطرف عينيه أعطاها إشارة، لبت طلبه وخرجا إلى الشارع وهما يضحكان. أوقف تكسي، انطلق بهما إلى الجمارك ومن هناك اتجه يميناً إلى دوار ساحة الأمويين، توقف قليلاً عند الدوار، إذ امتدت يد الشرطي ليفسح المجال للسيارات الذاهبة إلى شارع بيروت. غير الشرطي الإشارة فتابع السائق سيره إلى الربوة. سألهما عن المكان الذي يقصدانه، فطلب منه أن يتوقف عند أول مقصف يصادفهما . نزلا وقطعا الشارع إلى المكان الذي سيجلسان فيه، اختاروا طاولة تشرف على التلال وصفّ الأشجار التي تعانق الضفة اليمنى لبردى بعد دقائق جاء النادل ومعه قائمة بالمأكولات، وضعها أمامهما : - لا حاجة لها، جئنا لتناول الشواء، سمعت أنكم تجيدونه - ستجد مايسرك، هل تطلب أي مشروب؟ نظر إلى وصال فأشارت بيدها بالنفي. انسحب الخادم وتركهما يتمتعان بالحديث ومنظر الطبيعة الأخاذة، الوادي يحمل على كتفيه مرتفعات تجعله يبدو منخفضاً، إنه وسط بين تلين، خلف كل منهما مجموعة تلال متصلة، الأشجار تتمايل وتتعانق لارتفاعها ولأقل نسمة هواء فتجدد هواء المنخفض الذي يتمتع بمناخ جيد في أوائل نيسان إذ يعتبر الوادي مجرى للهواء المنعش أكثر منه منطقة حارة، المرتفعات المجاورة من الرقة بحيث يسبح هواءها فيه، تبدو وكأنها انكسار حدث منذ آلاف السنين، خلّف منطقة ضغط تستقدم الرياح التي تنحني تواضعاً وهي على اندفاعها، فيأتيه الهواء من جانبيه وخلفه. بدت وصال أنيقة وجذابة بثوبها الزهري وشفتيها القرمزيتين، وباكورة النهوض الذي يشهده صدرها، نظر إلى عينيها المشعتين، فتاهت أمواج عينيه واختلطت في بحر عينيها، بحر من الألفة والمرح والمحبة. قرب كرسيه منها وضع يداً على كتفها وداعبت الأخرى نهايات شعرها برقة وهدوء، ثم أنزلها لتحتضن يدها، سرت الرغبة وحشاً في جسدها، نظرت حولها ثم غيرت كرسيها فصارت بمواجهته، قالت بهمس: - أخجل أنهى الخدم إحضار الصحون والشواء . تناول بعض المقبلات وهو يتأملها، حثها على الأكل، ناولها قطعة لحم وأخرى، وفعلت الشيء ذاته، كانت مرحة لدرجة أنها فقدت السيطرة على كلماتها، حدقت بعينيه، شعرت بالنعاس. هدأت تقاسيمها الثائرة، روادها شعور غريب لا تعرف من أين جاءها، بدأت تتخيل ماضيه البعيد، انتفضت وبدت قلقة، تخلصت من هذا الهاجس بمراقبتها للطبيعة، لكن هذا الإحساس عاد إليها مجدداً ، سألته : - ألم تلفت انتباهك فتاة غيري َ - ربما لفتُ انتباههن، مابك أراك قد غيرت الموضوع ظهر عليها الانزعاج، أغمضت عينيها، حاولت التقليل من وقع كلماته والسيطرة على مشاعرها، لكنها لم تقدر، فطلبت أن يحدثها عنهن . - عن أي شيء أحدثك؟ عرفت فتيات من خلال التنظيم والدارسة، أيتها المجنونة صدقيني أنت التي دق لها قلبي، أنت الحب الأول يا وصال - لو شعرت بأنك تخدعني سيكون هذا حداً فاصلاً بيننا . ارتاحت يدها التي لوحت بها وهي ترتجف، ولم تعد تقضم أظافرها بحركة راعشة، نظرت إلى أصابعها ووضعت كفها على الطاولة فتناغمت حركاتها مع عودتها إلى طبيعتها المرحة.. صحيح أن الخوف ملأ قلبها، وأنه ربما كذب، لكنها كذبة بيضاء، ماذا لو قال لها عرفت الكثيرات وبدأ يعددهن، لكانت صراحته الحد الفاصل، مع أنها تصرح بأن الماضي لايعنيها. ما بها ترتد إلى العشائرية وهي أبنه أفضل حي في دمشق؟ هل هو الجنون ؟ نسيت أفكارها السوداء، وتخلصت من عصبيتها التي جاءتها في غير محلها، حين أيقنت أنه رجل .... تسع فتيات في القسم يتحدثن عنه، كل واحدة تطلب وده، دعونه لمرافقتهن، قدمن عروضاً مغرية ليدرّسهن، لكنه لم يكب دعوة واحدة، وهذا مازاد في إعجابها. نظر إلى عينيها الثائرتين، فتاة قلبه في سمائها، وضاعت نبضاته بين الغمامات البيض التي اكسبت شاطئ عينيها ذلك التألق. أما هي فكانت تُنقل بصرها بين وجه عمر والمناظر الخلابة، فاستهواها الحوار الذي يغذ سيره إلى الأعلى. تاهت في عمق الاخضرار والزرقة مابين عينيه والطبيعة وأسراب الطيور التي تحوم فيهما مرحة، اقتربت من زجاج النافذة لتتأمل الانحدار الذي احتضن دفتي بردى، وترفع بصرها قليلاً قليلاً ليتعانق مع رؤوس الأشجار التي ترقص طرباً، تاهت في بحر الجمال، فتناغمت كلمات الحب مع رقرقة المياه وغنائها وهشاشة الصخور التي فتّتها الطبيعة. الطبيعة في الخارج بهية وجميلة، العصافير تحط على الغصون ثم تطير مغردة فاردة أجنحتها، تغادر جماعات مزقزقة كأنها في عرس أمير، فتحت النافذة فدخلت النسمة حنونة وادعة نشرت عبق الربوة الندي والروائح الذكية. نهر بردى الذي استجمع مياهه صار أكثر تدفقاً وجرياناً، مياهه تكاد تكون صافية . الربوة التي تبدل ثيابها حسب الفصول والأوقات بدت بهية لكل فصل ثوب جديد ولون، الأنوار المنسكبة على جسدها تتراقص، تتكسر الأشعة فوق الزبد والصخور، فتهرب عبر الدروب الملتوية التي تضم إلى صدرها الأشجار، أعلاها الحور ذو الأوراق الراقصة والمتلاعبة مع النسمة ثم الجوز الذي يبدو أكثر خشونة ورصانة، أما الصفصاف الغض فينحني ويتمايل كغجرية أمضت خياتها تبحث عن رزقها بنفسها وبهز جسدها، تذكر أنه قبلها قبل يومين عند شجرة جوز عالية، ونقش اسميهما على جذعها، ساعة كاملة وهو يتفنن بكتابة اسمها، يومها شعر بمرح غريب فبثها أفراحه، قال: - أشعر أن القبلة بغفلة عن الناس وبمباركة الطبيعة شهية ولذيذة إلى درجة أن حلاوتها ونداوتها تغذيني بدفء وشعور عارم بالحب والحنان . قرعت الطاولة بإصبعها وقدمت له الطعام بشوكتها، ابتسم وطلب المزيد، وعندما شعر أن عليه أن يفعل مثلها قرب كرسيه بحيث صارا متلاصقين . - ابتعد، أنفاسك تحرقني، هذا مكان عام . لم يذعن لحديثها وربما لم يسمعه، تغزل بها فقال: - أنتِ جذابة ! - وكيف تسافر دوني ! - أنتِ في قلبي حتى ولو كنت بعيداً عنكِ آلاف الأميال . بان حرجها فعاد إلى مكانه، شعر أن التقابل يجعل كل منهما في حضرة الآخر . عيناه البراقتان تتلمسان مواطن الجمال والرقة والأنوثة، يراقب مضغها للطعام، تعبيرات وجهها، ابتسامتها ونظراتها، شعرها الذي انحنى وتطاير مع النسمة، يستحم بندى الغيوم ورذاذ الماء المتطاير من بردى، شعرها منطاد فبقدر سروره لارتفاعه يخاف اختفاءه، الشعر يتمايل ويتطاير على أنغام أغاني فيروز، تصوّر أن الرحباني ربما استلهم بعض ألحانه وهو يراقب شعر محبوبته الذي طيره ريح الموج . بأطراف أصابعها تجمعه لتعيده إلى سيرته الأولى، لكن الريح لم تبارحه كخيمة بدوي واقعتها العواصف. أذهلته فوضويته وتمرده، دارت في ذهنه أفكار حول العلاقة بين الشِعر والشَعر وكيف تلحن القصيدة على أوتاره ... شعرها المعانق للأفق هو ما أشعل خياله، جعله يشكل لوحة سريالية، فيهيم في عالم روحي قلما يأتيه : - بماذا تفكر ياحبيبي ؟ - بشعرك واللحن الجميل . مدت أطراف أناملها ضمته ثم قالت : - وما علاقتهما ؟ - عندما تمشطين شعرك ماذا تغنين ؟ - لقد ذهبت أفكارك بعيداً . - دعيني أحلق، لقد أوحى بصور جميلة، بقصيدة، هل نسمعها ؟ ابتسمت وهي لا تصدق أذنيها، نظرت إلى عينيه ولم تقل شيئاً، أصابتها حالة وجد لم تشعر بها قبل الآن. أمالت رأسها وأراحته على كفها وقالت: هيا " تولد القصيدة وتطلق ساقيها الريح، بعد أن تمشطي شعرك تصل بثوان إلى الشمس . تلثمها تردها مسرورة تكحل مقلتيها من نهايات شعرك الخصب، قبل أن تقول كلمة !" صفقت بقوة وكأنهما جالسان وحدهما، حدقت به وقالت: - إنه شيء رائع، لكن هل هذا شعر ؟! - سمه ما شئت فأنا لست شاعراً بل محباً ! في هذا الوقت أراد أن يعبر عن صورة شعرها والريح، أن يقول بأن الريح تغزل من الأغصان أجمل الألحان، ومن شعرها أحلى الأوتار، لكنه سكت، تطلعت إليه وقالت : - ما بعد ؟ - سأحتفظ بذاكرتي وبقلبي بباقي الصور، هل تريدين سلبي حتى آخر ما احتفظ به من صور للأفق المرسوم أمامي ؟ هدأت النسمة، فعاد شعرها يرسم اكتمال صورة وجهها وجمال عينيها، نظر إليهما، أبحر، تاهت المراكب، النشوى تلبسته، ما به هذا اليوم يصرح بكل ما في قلبه. كم قعد معها! وكم مشيّا! وكم ابتسمت له وغازلته! ما الذي جعله يمد يده يداعبها ويسمعها أحلى الكلام ويهيم بشعرها! يتأمل مواطن إغرائها، حتى هي وجدته غريباً، لم تستطع السكوت فعبرت عن ذلك . - أنت رائع يا عمر! صدقني إن في عينيك من الحب ما يكفي لبنات الجامعة، إياك أن تهبه لغيري، أغار منك وعليك! احفظ هذه الجملة ولا تدعني أندم على حبك يوماً. - ستظل ذكرى هذا اليوم لسنوات، أنا سعيد فأنت شمسي وأفقي وكل دنياي! بعد سنوات ذكرته بقعدة الربوة وبكل الأماكن التي ذهبا إليها معاً، ذكرته بالحب والإخلاص. لبست عقد الفضة الذي أهداه إياه زينت رقبتها، ونظرت في المرآة، مازالت تحتفظ بالفستان الذي امتدحه. نبشت ماضيها عندما جاء يخطبها تاجر من " الحريقة " جلست في غرفتها خمسة أيام كاملة لا تأكل ولا تشرب، تقرأ رسائله، وتعيد كلماته. جاء يخطبها يوم علمت بأسره، لبست فستاناً أسود، بكت كما لم تبك من قبل ومن بعد، فسالت مياه بردى رقراقة، وغطت الغيوم السماء، تجمعت وتفرقت، ثم هبت ريح عاصفة، الجو الرمادي أعطاها حزناً فوق أحزانها، لم تسمع كلمة واحدة من كلام أمها، وضعت إصبعها في أذنيها، ودموعها تغذي ذاك النهر غير البعيد عن بيتها . ألحت أمها فأجابتها والتحدي ظاهر على ملامحها : - دعيني أبك سنة كاملة ثم أسأليني مابك، لقد فقدت أغلى إنسان في الدنيا.. إنه عمر القاسم تلك السنديانة التي نبتت بعيداً ... ألا تذكرينه، إنه من دأب على مناداتك في الأيام الأخيرة بكلمات شفافة رقيقة، ألم تسمعيه يناديك " ماما " . - يا بنتي، فكري، أنت غلطانة هل هو أخوك أم عمك أم خالك حتى تلبسي ثياب الحداد، ماذا نقول للجيران ؟ - هذا شأني ومنذ الآن لن أكلم أحد وأرجوك أن تنسي هذا الموضوع، اتركيني، المصيبة كبيرة ! - أنتِ مجنونة، تضربي أنتِ وعمرك . - أنت تهرب يا عمر، ما أتعس أفكارك ! - سامحك الله، إياك أن تنقمي عليّ ! سأل نفسه، ماذا حدث لو تزوجنا، أأنت قادرة على تخليصي من السياسة، إنها في دمي ؟! وهل أنتِ قادرة على السير بتاريخ العرب قدماً إلى الأمام؟ كيف أوفر القرش على القرش لشراء بيت؟ وكيف سأحني هامتي لمعلمي وأطيعه بلا حدود؟ أقبل العطاء، أنتِ تطلقين عليه أسماً آخر وأنا أسميه الرشوة، ومن هذه المبالغ وتلك أحضر لك غداء وعشاء ونخرج نتفسح وتقولين لرفيقاتك، كم من المبالغ وفرت واشتركت في جمعيات! بعد سنة أو سنوات تقترحين أن نضع القرشين مع تاجر ليتضاعف المبلغ وبعدها تبحثين عن شقة وأوقع الكمبياليات، تكتبين البيت باسمك وتدعين صديقاتك، وتقدمينني على أنني المغفل الذي كتب لك كل ما يملك! بعد هذا ماذا بقي من الحب يا أبنة الرغوة! كنت ستقبضين عليّ كما تقبض الشرطة على لص . فتح عمر عينيه فوجد نفسه مازال مقيداً والسيارة الزنزانة لم تصل بعد. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |