|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل التاسع - لم يكن عمر يفكر بامرأة يوماً، كان من النوع الذي رمى شبابه خلف ظهره، ومش للحياة بخطى مديدة، يقتص من الماضي ويشيد الحاضر لبنة لبنة، المستقبل شغله الشاغل، يسعى ليكون مفصلاً بمقاسات معينة، وعليه لهذا أن يشغل وقته، أن ينسى أن للحياة لذة التمتع، وأن للحياة دعابتها وللمرأة مكانتها، نسي الجنس ومتعته، نسي ذلك حتى جاء يوم قابلته وصال وأصرت على صداقته. قال في نفسه إذا انتظمت في حركة القوميين العرب فهي صديقة ورفيقة درب النضال. عرفت مفتاحه فسايرته، عرفت كيف تذيب الثلج الذي تراكم على قلبه، أذا بته قطرة قطرة وعندما تبخرت آخر نقطة عرف أن له قلباً. وجل وبدأ يفكر، لكن الدقات المتزايدة أوقفت ضخ الدم إلى الأعلى، ارتجف أمامها هرب من عينيها الواسعتين، من كلماتها، كان تصرفه غريباً .لم تدعه وحيداً، ركضت إليه، وقف أمامها مسلوب القوى تائهاً، تحاشى النظر إلى عينيها، إلى جسدها المعجون بالحليب، إلى شفتيها، وعندما حانت منه التقاته، أصفر وجهه، أخبرها أنه مريض. عرف أن شيئاً ما في داخله قد تغيّر، وهو لا يريد لهذا أن يأخذ مكانه، عرف أنه فقد جزءاً من رجولته. جاءته مساءً وعندما وجدته في فراشه، عادت وأحضرت الطبيب، ناداها فلم ترد، ترك الغرفة وذهب إلى الحديقة المجاورة. شعر بارتياح، لكن هذا لم يدم فقد طاردته أثناء النوم، وكلما أراد التخلص من ذكراها، تذكر مواقف أخرى، فسهر طوال الليل. وفي الصباح كان رأسه بحجم بناء الجامعة يؤلمه فلم يستطيع الخروج، قبيل الظهر غط في النوم ولم يفق إلا منتصف الليل . ظل بعيداً عنها أياماً، حاول الابتعاد حتى في قاعة الدرس، وأثناء الخروج وفي الحديقة الجامعة وحتى عند خروجه. بعد أربعة أيام تقدمت وسلمت عليه، سألته بشيء من العتب، عادت إليه الرجفة. في الطريق حاولت دفعه إلى الكلام لتفهم سبب بعده عنها، وعندما عجزت اضطرت إلى مصارحته : - هناك حياة يعيشها الإنسان غير العمل السياسي ! - ما مبرر كلامك . نظرت إليه وأجابت : - إنها الدعابة . ابتسم وقرر من تلك اللحظة أن لا يقاوم رغبته الداخلية في إقامة علاقة مع الدمشقية، التي أصابته شباكها. هروبه منها يجعله يفكر يقربه أكثر، إذ تمضي عليه أيام دون نوم ولا دراسة. إنها الحقيقة التي عليه الاعتراف بها. الوجه الأنثوي الدمشقي يطارده، جسدها النحيل يعطيها رشاقة تضاف إلى خفة دمها، أغمض عينيه وبعد طول تفكير أقر بنوع من الهزيمة، لابد مما ليس منه بد، سألها بعد نقاش سياسي ساخن دار بينهما : - أفكارنا متقاربة، لماذا لايوحدنا عمل تنظيمي ؟ - أنا لم أرفض لك طلباً . طار من الفرح، بدأ يشرح تاريخ تأسيس حركة القوميين العرب وتطلعاتها وشعاراتها وامتدادتها من الغرب حتى الخليج وجنوب اليمن مروراً بالأقطار العربية الأخرى، وإعلامها في الخارج، بعد أن أنهى حديثه قالت بدلال: - أنا أفهم أن الحركة أنت، وأنا أقبل بها على هذا الأساس . - بعد أسبوع ستنضمين إلى خلية حزبية . - خلية نحل! ضحكا، وبدأت كلمات العشق تتدفق كمياه بردى ومواعيد الغرام تأخذ طريقها، وجلسات السمر في الربوة والغوطة ومشاوير الدروب ومذاق الكرز الذي أنساه همومه الصغيرة، قال فيها أحلى الكلام . يا بردى لا تثرثر، لا تتطاول، لن تخاصر جسدها فما بين مياهك وقدميها عناق . قال عن شفتيها بأنهما ثمرتا عناب وعن عينيها الحزينتين بأنهما بوابة " مندلبوم " في القدس، هذه البوابة التي يقف خلفها الأحباب أو الأهل عندما يكون أحدهما داخل فلسطين المحتلة وبقية أهله خارجها . بعد سنوات العشق، عندما تحول الحب إلى ماض، يوم أنهى دراسته الجامعية في دمشق، قرر أن لا يكرر التجربة وأن تبقى ابنة الرغوة الوردة الوحيدة في قلبه التي تهب الشرايين والأوردة الأكسجين لتنقي الدم أثناء دورته العادية، شمعة تضيء الدرب المعتمة، المحبوبة التي لن تجرؤ أي فتاة أن تأخذ مكانها. لكنه لم يكن صادقاً، العواطف تنتشر دون استئذان وكذلك القلوب، فكما وقع في حب، الشامية البيضاء، استهوته عبلة ابنة التنظيم. فشعر بعد سنوات من عمله أن قلبه يدق فجأة وعلى حين غرة الشرايين والأوردة الأكسجين لتنقي الدم أثناء دورته العادية، شمعة تضيء الدروب المعتمة، المحبوبة التي كما دق في دمشق، خاف قرع الطبول في داخله، صوت دقاته تجاوزت رصيف المشاة ليسمعها عابر السبيل. وكما حاول مع وصال سد نوافذ العشق، حاول ثانية، لكن محاولته هذه المرة جاءت متأخرة، إذ لم يصح إلا بعد أن تسلل الحب إلى كل قطرة دم في جسده . وحين صارحته :"بأن على النسوة إقامة منظمتهن الخاصة بهن، لِمَ دمج الجنسين مادمتم لا تراعون مشاعر الأنوثة ؟" أشاحت بوجهها حتى لاتقرأ الانفعالات التي اختلجت داخلها، قال لها : - انظري إليّ وحدثيني ،" فالعين مغرافة الكلام " . نظرت إليه وحدثته عيناها بكل الكلام الجميل الأسير في حنجتها، وعندما أدركت أنه فهم قصدها لملمت ذاتها، فضحتها تصرفاتها، وبدا عليها الحزن، ابتسمت ثم وارت وجهها ومضت . قلبه ينط كرة قدم تتقاذفها الأرجل، استند إلى الجدار، أعاد الموقف في ذاكرته، بدأ يسأل " ماذا تريد؟ ولماذا انسحبت وكأنها مهزومة ؟" حلل كل تصرف من أفعالها، وكل كلمة قالتها. ما المقصود بمشاعر الأنوثة، ولماذا التحديق إليه؟ مشت مرتبكة دون أن تودعه، ما معنى ذلك، ولماذا اهتمامها به واهتمامه بتصرفاتها ؟ عقارب الزمن تمشي إلى الخلف، تذكر كيف افتعلت وصال حوادث وهمية وخاصمته متبرمة لتبادره في اليوم التالي باشة وكأن شيئاً لم يكن، بل الأكثر من ذلك فضحتها كلماتها ومواقفها وأنوثتها. جالت في فكره هذه المواقف وغيرها، فاستخلص بأنها شيء وعبلة شيء أخر. تلك فتاة خلقت لتتمتع بالمشاوير وبالحياة ورهافتها، أما عبلة خلقت للتنظيم والعمل، قلبها قطعة حجر. تراجع عندما أكمل كلمة حجر، تذكر خجلها وحياءها، وكيف تغيّر لونها ووقفت الكلمات في حلقها ثم انسحابها، هي كوصال هذا ما توصل إليه، لكن ذلك لم يصمد طويلاً، بدأ فكره يحلل ... عاد إلى ذاته، تذكر كيف تحدثوا أمامه عن الشامية بما فيه الكفاية، وهو ليس بحاجة إلى حديث آخر. إنها مهرة تركض في الميدان لتكسب الرهان والحب من أول جولة، فتضمن بقية الجولات، قالوا له: " لا تنفعك ابنة أبي رمانة، هل أنت قادر على المحافظة على مستوى معيشتها؟ وهل أنت قادر على التكيّف مع مواقفها الغريبة وبروتوكولاتها العجيبة ؟". وصال لم تسلم كل أسلحتها، عليها تتبين مدى صدقه، وأن لا تتعجل الأمور، كانت تناطح جبلاً، تكسرت على سفوحه طموحاتها، مادامت لم تستطع أن تجر الحصان إلى عربتها، تذكرت أقوال أمها: " المرأة التي تركض خلف الرجل تخسر حبها، عليها أن تكتم مشاعرها جواها، لا تقول أحبك إلا بعد الخطوبة، تعلمي يا بنتي، عمر تتمناه أي فتاة، لكنه من غير ثوبنا، همومه كبيرة، لا ينفعك " بكت وهي تسمع نصائح أمها. امتنعت عن الطعام مدة يومين. جاءت أمها ولاطفتها ثم أقسمت أن تدعها تقرر ما تريده، ولن تقول ما يزعجها بعد اليوم . اقتربت من أمها ضمتها وعانقتها ثم قالت : - سامحيني إنه الحب . لم ينفعها دخولها التنظيم، ظلت علاقة الصداقة والحب في حدود خربشات الشباب، ظل مستقبلهما غير مطروق، بعد التخرج وقبل سفره بأيام قالت بأنها مستعدة أن تذهب معه إلى آخر الدنيا، شريكطة ارتباطهما بشكل رسمي . تجاهل كلامها، خاف منها وعليها، على يديها الطريتين وعلى جسدها الناعم أن يخدش. خاف أن تسوّد الأيام في وجهها، الظلم بشع، تأمل تقاطيع وجهها وحدق بعينها، قال: " الليلة سهرتنا حتى الصباح ". قبّل كل موضع في جسدها، وعندما تسلل الصباح، شعر أنه لم يرتو، فأجل سفره يوماً كاملاً، وهي إلى جانبه لم تبارحه، وعندما ودعها أحس بشوق للبقاء معها، حدثها بأحاسيسه فأجابت : - مر يومان كدقائق لا تتجاوز أصابع اليد، لن ترتوي يا عمر لو بقيت إلى جانبي العمر كله، فالذي يرتوي من المرأة لا يصلح أن يكون لا صديقاً ولا حبيباً ولا زوجاً . عاد بخياله إلى ما قاله رفاقه بأن ماء دمشق لا يروي الظمآن، يغب منه ويظل عطشاً، مياهها أنثى، نساؤها خفيفات الظل، لوحملتهن في قلبك العمر كله، فإن حملهن خفيف. مع تباشير يوم جديد مازالت فيه الشمس تدفع برأسها إلى الأعلى، قال: " أين أنتَ يا صبح، برودتك تزيد شفتيها نداوة ة ونورك يزيد عينيها اتساعاً " بَعُدَ جسد وصال وتوسدت عيناها حافة الحزن، بينما روحها لم تبارحه لحظة واحدة، لن تجد أمواجه بجراً أو شاطئاً تسكن إليه، الفرح الذي خبأه في طيات ثيابه وملأ به جيوبه يرحل إلى غيره، والنور الذي لازم ثغره يندحر، تكفهر سيماؤه، من الصعب أن ينسى سفره في عينيها وتوحد خضرته مع هالة الضياء. نوبات الحزن التي تأتيه لا يعرف سببها ولا مصدر عويل قلبه، ولا أمواج التيه والشرود التي تلازمه . وصال رعت حقل الحب وسهرت حتى أورق الشجر وأعطى الثمرة، ولم تستطع أن تقطف الكروم، مازالت العناقيد حامضة، وسيظل حصرماً، هذه الحقيقة أدركتها في وقت متأخر وبعد سفره. ظلت حياتها حالمة، بقيت آثار ارتعاشها للمسات يده وذكرياتها مع كلماته وحديثه عن حركة القوميين العرب، التي ستفتح عذرية المستقبل، لتصل إلى الفرح والغمامات الماطرة، ماثلة: - عندما ترسم السماء أشكال الفرح وتدق نواقيس الحب، فاعلمي أن المستقبل في يدينا، نستطيع أن نتحدث عن الحب، وأن أعدك بما لم استطعه الآن، أما إذا امتدت الغيمة كالأخطبوط، اعلمي أنني هالك لا محالة، وأن الحياة هزمتنا . - لا تقل ذلك، سأبحث عنك كما فعلت عشتار التي وجدت حبيبها، فأعادت الخضرة والحياة. سأسافر إلى الأردن إلى أي بلد يمكن أن أجدك فيه، يصعب عليّ أن أنساك أو أتزوج غيرك. ستظل جسدي أرضاً بوراً يستعصي حرثها، سأعيش بلا قلب وسأدفن ذاتي بين أربعة جدران أشبه بشامية تقصي عدتها بعد وفاة بعلها . بعد أيام الحب العارمة والأشواق الملتهبة التي عاشها في دمشق، ظل يعيش على ذكراها ردحاً من الزمن، ما كان لواحدة عادية أن تعيد أمواجه الساكنة إلى سالف حركتها، الوحيدة التي لها قدرة الإعجاز " عبلة "، تلك المخلوقة العجيبة التي استحوذت على احترامه، رأى فيها سحابة ماطرة تحمل بين جناحيها المياه للبراري العطشى. مجدة مثابرة استطاعت تحريك أحاسيسه. في البداية قارن بين الوجه الأبيض والشعر الأشقر وحمرة الشفاه وكل أساليب التفنن والمكياج ووجه عبلة فرأى الأخير باهتاً .لكن هذا الرأي لم يصمد طويلاً، غزته من الداخل وتغللت في مسامات جسده. أبدى إعجابه بقدراتها السياسية والاجتماعية، كلفها بمهمات الاتصال حين كان مراقباً، تأتيه تخب كالفرس الأصيلة، عيناها ضاحكتان شاردتان، تمتلئان خصوبة وندى. تقف أمامه تشرح له كل ما مر معها. ذات مرة كان متضايقاً وحائراً، شعرت بذلك، قادته من يده. سار إلى جانبها كطفل وديع، ابتعدا عن مدينة القدس كثيراً. استحثته على الحديث ليعبر عن موقفه وآماله وخططه بعد حزيران سبعة وستين أجاب: - أنتِ ما بقي لي بعد الهزيمة، وأرجوا ألا أفقدك، تعرفين أنني مطارد من سلطات الاحتلال! لن أحملك فوق طاقتك، أنا أفكر بالخروج والالتحاق بالمقاومة. أنشد : "إن حب الأوطان عدل، وحلم، وثبات، وعزة، ووفاء . وأصطبار على الزمان، وتأليف قلوب، وغيرة وإباء . وجهاد في كل فضل، وحرية قول، وأنفس شماء ." رحمك الله أيها الأديب اللبناني الشيخ نجيب الحداد، هل تعرفين مطلع القصيدة.. إنه : ليس حب الأوطان في لبس خز، واختيال تغار منه النساء أسبلت جفنيها وضعت يدها في يده، دعته للركض حتى الشارع المؤدي إلى بيتها , قفزت أمامه قفزات عدة، شدته لتستحثه على الهرولة، ركضا مسافة طويلة، أخرج منديله وجفف عرقها. مسح وجهها ورقبتها وخلف أذنيها وصدرها ثم قبل شعرها الندي وقبلت خديه. شعر بشفتيها الرطبتين المكتنزتين. شعرت برشاقتها فشمرت عن ساقيها وركضت أكثر. تعبت وتكومت على الأرض. قعد إلى جانبها. طلبت يده لم تستطع النهوض، أحست بألم بسيط يسري في قدمها اليمنى، حاولت النهوض ثانية، صرخت من الألم وقالت : - دعني أرتح، قدمي لا تساعدني على المشي . حاول دفعها إلى الوقوف والمشي ولكنها عادت وقعدت، قالت آخ ممطوطة وطويلة وكررتها مرات عدة ثم قبضت على قدمها : - إنها تؤلمني، كاحلي التوّى، شد قدمي قليلاً . الألم يتضاعف وحبات العرق تتسرب إلى جسدها، نظر إليها وهي ملقاة على الأرض، مد يده وحاول إنهاضها فلم تقدر. حملها بين ذراعيه، شعر أنها خفيفة، تسلل إليه دفء جسدها ونعومته، حرك يده فاكتشف أنها ترتدي فستانها على الجلد مباشرة. أحس بروحها و اختلاجاتها، إنه يحتضن جزءاً غالياً عليه، عاطفته الرقيقة حاول إبعادها، الموقف الإنساني لا يسمح له بأكثر من حملها وإسعافها إن أمكن، قارن بين سمرة وجهها والأرض، رفع رأسه مزهواً، فتحت عينيها على سهول الحنطة التي تنبت في كل مكان، البحر يغمرها بأمواجه ويهبها شعاعاً ودفئاً، تحرك النسمات فستانها، ونغمات مفعمة بالموسيقى تأتيها، نظرت إلى وجهه فإذا الأفق يعطيها دفعة حياة وأمل . كانت الصورة بالنسبة له مختلفة فتاة أمام عالم أسود شرس، السماء صفراء والنجوم زرقاء وسوداء أما الجبال فذات لغة بكماء، الأرض كتلة تراب متناثرة أو متحجرة، تخلص من هذه الصورة ومن هذا الهاجس، حرك رأسه، فإذا بها تحدق إليه . أغمضت عينيها، هي الآن أقوى من أي وقت مضى، تمنت أن يظل حاملها لتسعده طوال حياته، فتحت عينيها، الأفنان تتماثل بينما آخر خيط من نور الشمس يبتسم لهما. بدأت تتحسس جسدها، قدمها التي تؤلمها ستوصلها إلى أماكن بعيدة، ستنفذ مهمات خطيرة، ستسافر إلى الأردن كما طلب وتحمل رسالة إلى قيادة المقاومة وتأتيه بواحدة. ارتفعت يداها ثانية، لكن هذه المرة إلى صدرها، تحسست برتقالتي يافا، توثب نهداها وصارا أكثر قساوة، ابتسمت. نظرت إلى وجهه فوجدته سارحاً، وحد المساء ما بين جسدها وغياب الشمس، تأمل انحناءته وتضاريسه، ذكرته بوصال والماضي، لكنه استبعد تداعياته لحظة كادت تسقط من يده. شدها أكثر إلى صدره. فشعر بأنوثتها وحرارة ملابسها . قعد على الأرض يتخلص من انفعالاته وهواجسه، ارتاح قليلاً، شبكت يديها وهمست في أذنه، أحبك! أسند رأسه إلى شجرة قريبة، فتحركت غيوم الخصب في رأسه، وشعر أنه يقبل الأرض السمراء لحظة قبل شفتيها، هطل مطر غزير لحظة العناق وغرد عصفور، تمنت أن تظل الخضرة والزرقة تسورها وتحملها إلى فضاءات رحبة لا أعداء فيها، أحست أنها قريبة منه أكثر من أي وقت مضى، بعد مدة ليست طويلة شعرت أن ألمها يتلاشى. فقالت : - دعني هنا سأعود وحدي . - هل تخجلين ؟ - لا أريد أن أتعبك أكثر . تركها تمشي فأشارت بيدها إليه، مازالت تتألم. لا بد من بقائه معها وإصالها إلى بيتها، تحسست قدمها فشعرت أنها كبرت وانتفخت، كما شعرت أن نهديها كبرا أيضاً، وأن حبها كبر. دهمها شعور بالعزة تأملت الطبيعة وسرحت بفكرها في عالم خيالي، أحست باختلاجاتها وبدفقة فرح أتتها مع الريح التي أخذت تداعب نسيماتها شعرها. ضغط على يدها ليعيدها إلى الواقع، رفعت رأسها وحدقت به وقالت : - هل رأيت فرح الطيور وسمعت زقزقتها ؟ - ليس هذا بل زقزقة أشياء أخرى . نظر إلى الأفق، ليسمع ويرى حبور العصافير وشدو البلابل، أما في البعيد فقد استعد الفلاحون للعودة إلى بيوتهم فرحين، حركت النسائم التي اشتدت قليلاً أوراق الأغصان وجففت جبات العرق، كما ذكرتهما الشمس المختبئة بين الأغصان بالوقت. - الطبيعة تضحك لنا، الآن عرفت أن لك قلباً ! -وهل هناك عاشق يعيش دونه ؟ - أنت قبل هذا المساء . أصبت نصف الحقيقة، لقد غيرت رحلة العودة الكثير، رمقها بنظرة فضحت أسراره، رفعها عالياً قرب شفتيه وقبل شعرها الداكن. شعر أنه سيحملها بين أضلاعه، ستصير جزءاً منه، تتوحد به، وربما تنسيه قصة حبه مع وصال أو يتناساها، وربما يكملان بعضهما بعضاً. لقد زرعت له قلباً بصمامات جديدة وبدم جديد، قلباً يرفرف كالطائر ويخفق كالعلم، لكنه غير قادر على الطيران بدونها. سيحملها في فكره، رفعها بين يديه وتأمل وجهها الباش، تأمله وهو يقطر عرقاً، نشف عرقها هذه المرة بطرف كم قميصه ونشفت عرقه بمنديلها. لحظة واحدة أدرك أنه يحمل الحياة، يحمل حبه وسعادته، وأن عبلة ملهمته وعشيقته وكل ما بقي له في هذه الدنيا ،هي نصيبه من حواء، خمنت ما يدور بخلده، عرفت أنه حملها ليس بين ذراعيه فقط. بل في فكره ودمه. البسمة لا تفارقها على الرغم من ألم قدمها. ظلت طوال الطريق تدقق النظر إلى وجهه وعينيه، فاكتشفت أن فيهما حناناً ومحبة تكفيان بنات القدس، فكيف إذا كان ذلك لها وحدها، أفلتت الكلمات منه، قال : - أحبك ياعبلة كما أحب هذه الأرض كما أحب النسمة التي تهب علينا، وكما أحب آخر خيط من الشعاع، وكما أحب بيتي وأمي وأبي وأخوتي، أحبك لأنك الإنسانة التي استطاعت إعادة تكويني . انطبقت شفتاه على شفتيها في قبلة طويلة، لم يعرفا كيف تخلصا منها، دهمها حرج مسحت فمها بيدها اليمنى ولم تعلق شيئاً بل واصلت النظر إليه . - تصورت أنك لن تحب أبداً وأنك قاس كالصخر، لاتقل شيئاً. دعني أرَ ابتسامتك، احملني كما تحمل الكتاب، كما تحمل الأفكار التي نناضل من أجلها، أحملني فأنا خفيفة كقشة، كم حلمت بلحظة كهذه! لو أعرف أن حادثة كهذه لها كل ذلك، لفعلتها منذ زمن، وكسرت قدميّ . كاد ينسحب، لولا أنها عجلت قرع الباب، فتحت أمها : - هذا عمر القاسم " ياما " حدثتك عنه، التوت قدمي وحملني مسافة طويلة، ولا يريد مما لحتنا! - أهلاً يا ولدي. تفضل البيت بيتك . دخلت تحجل على قدم واحدة وتكومت على الكرسي، قدمت الأم الشاي وسألته عن سكنه وعمله. تدخلت عبله وقالت : - تصوري، سيترك القدس ويذهب إلى الأردن للالتحاق بالعمل الفدائي! - " يا شحاري "، ما عاد عرفنا الصحيح، شددنا ظهر بالعرب، طلعوا بعيد عنك تنك! - والله يا أم عبلة إذا لم نحمل قضيتنا دائرة في أعناقنا، فلن يحملها أحد نيابة عنا، ادعى لنا بالتوفيق . رفعت أم عبلة يديها وتمتمت " الله يقدم الصحيح " . عاد إلى بيته مشياً، لقد تملكت تفكيره، صارت زاده وماءه وهواءه، حبها جعل قلبه ينهص من سباته، مواعيده الغرامية تعارضت مع اجتماعاته وعمله، تأخر مرات عن البيت وعن رفاقه، لم يسألوه عن السبب، فقد تذرع بأن ذلك حصل لأسباب خارجة عن إرادته. حاصره حبها وغيرتها. يدعوها أن لا تغادر حتى لا تفسد كل شيء، ناسياً أن المرأة تفارقها الحياة لحظة تتخلى عن غيرتها . ذات يوم جاءته عابسة، نسيت ابتسامتها خلفها، بدت شاحبة الوجه، حاول ملاطفتها ففشل. وعندما هم لتركها نادته قائلة : - مع من كنت البارحة ؟ تذكر أنه ذهب إلى المسجد الأقصى، وجد سياحاً، اصطحب بعضهم إلى بيته وهناك قدم لهم وجبة وشرح لهم شيئاً عن القضية الفلسطينية وأخذ عناوينهم. سألها: - ماذا تقصدين ؟ - رأيتك مع فتاة شقراء، تقترب منك، تبتسم كعصفورة تستظل بدوحك! - كم حاولت أن تكوني مميزة ... خطوت خطوات لكن مازالت الغيره المقاتلة تطاردك، هل هذه أول مرة آتي بالأجانب إلى بيتي؟ إنهم سفراؤنا في الخارج إذا اقتنعوا بشيء يدافعون عنه. في بلادهم كل شيء جائز، هناك الحرية الصحفية، يستطيع الإنسان التعبير عن رأيه والإدلاء بوجهة نظره . - اطلب مني ماشئت، إلا أن أنسى أنني أنثى، والأنثى التي لا تغار بلغت الشيخوخة واليأس حتى ولو كانت في العشرين ! - إنها فلسفة التخلف. من لا يمد بصره إلى الأمام والأعلى، لن يعرف قيمة الفكر، المرأة التي لا تفكر إلا بجسدها رحمها الله . مد ذراعه ليقربها إليه، أبعدت رأسها وقاومت. مسحت دموعها، فاقتنص الفرصة واغتصب قبلة لها مذاق السفرجل. أقلقه ما حصل قبل لحظات، فكر كيف سيقترن بواحدة تعد نبضات قلبه وتحاسبه. إنه لا يريد أن يدافع عن نفسه حتى لا يخضع لدائرة الاتهام. مازال في بداية الطريق. عيناها ترصدان الضوء لتأخذا كفايتهما من الدفء والنور والحب . كان عليه أن ينسى فعبلة إنسانة حتى لو أخطأت، أنها فضاؤه وأحلامه، الجبل الذي يحلم بالصعود إليه كما صعد قاسيون، الأرض الخصبة التي تنبت الورود والرياحين، البرعم الذي يولد الأمل ويجعل القلب يدق أكثر، حاول أن يكون صديقها، أن تكون كغيرها من الفتيات، لكنها تمردت على تفكيره، قرأ في عينيها سفر العذاب، هل يمكن أن تحمل فتاة مثلها آلام شعب على ظهرها ولا تتعب ؟! صبّاره طعّمها بعود كرمة، فتحولت إلى دالية يتلذذ بتذوق عنبها، سنديانة يعلق عليها مستقبله، زهرة تعطر حياته كنبته " الكالونيا " التي رآها في بيت وصال، يومها قالت له، بأن واحدة منها تكفي، تعطي رائحتها مع اقتراب المساء، هل تشم عبيرها . في الأيام الأخيرة نزل وزنها ستة كيلو غرامات، فبدا.. خصرها كالعنق، نهداها تراجعا حتى باتا بيضتي حمام، تشققت شفتاها واحمّر أنفها أصيبت بالزكام وصامت عن الطعام. مديده فهرت أزهار الكالونيا على الأرض، تطلع إلى الأزهار المتبقية التي تشبه العناقيد فرآها وقد أغلقت فمها، أنه يعرف سر ذلك، أبلغته بأنها تحجب عطرها في النهار. تعلم أن المحبين يسهرون ويتوجعون ومع السهد تهب عليهم نسائم تجعل أفئدتهم تشع. كانت إلى جانبها على الشرفة التي تستقبل نسائم قاسيون نبتة مليسا صغيرة مزهرة زهراً رباعي الأوراق، يأخذ اللونين النيلي أو الأبيض وما بينهما، لأغصانها تفرعات ثلاثية وعلى كل فرع أفنان أخرى، قارن بين أوراقهما فرأى أنهما متشابهتان في الشكل، وإن كانت ورقة الكالونيا أعرض قليلاً. في ذاك المساء المعطر قطفت وصال بعض أزهار الياسمين البيض، وضعتها بيده، تذكر أنه عمل عقداً من الياسمين وضعه في أحد كتب ساطع الحصري التي تحكي عن القومية العربية . ذكرته عبلة بأيام دمشق حين حدثته عن الورود الشهرية والنباتات الشوكية ذات الأشعار والأوبار والإبر التي تقبع في أصص، كان على شرفة بيت أبي رمانة أربع نبتات موضوعات في أقصاها، لإحداهن نوارة حمراء تتفتح في الأسابيع الأولى من شهر أيار، من يراها يظن أنها خارجة من الجنة، تظل ترسل أنوارها طوال الصيف بمعدل كل يوم ثلاث نواوير. النوع الثاني كروي مقسم إلى ثلاثة عشر قسماً خرج منها أربع زهرات مدت أعناقها إلى الأمام والأعلى أشبه بطائر يرتفع ليصل إلى الأشعة الدافئة. يومها علق عمر على ذلك : - أزهار الشوكيات تمثل بروعتها أجمل منظر يراه الإنسان في عالم صحراوي قاحل من الأفكار. أحضرت عبلة بعض الأصص لتزرع بها نباتات الزينة، طلبت مشورته حول النبات التي ستزرعها، فعدد الياسمين بنوعيه البلدي والعراتلي، الدادأ، الخباز، الشمعة، الشاشان، الوردة الدمشقية. نظرت إليه فاستمر يعدد أسماء النباتات التي عرفها في دمشق، الشمشير، قلب عبد الوهاب، حُسن يوسف، - ماهذا لم أعرف أنك مثقف في الورود وأنواعها! - الثقافة كل متكامل، لم تعرفي بعد حدود ثقافتي. إذا تركت الكتاب يتبلد فكري، الإنسان بلاثقافة كالمرأة بال زينة، إذا ظهرت شخصيتها على ما هي عليه تخجل وتفقد جاذبيتها . أخبرها بأن أمامها مهمة إلى الأردن سيدثها بتفصيلاتها فيما بعد أم المهام الصعبة كم مرة سافرت وعادت وهي تحمل معها في الذهاب والإياب المحرمات السياسية! إن لها قلب عنترة في مثل هذه الموقف، ولها قلب من الشمع يذوب لأقل كلمة عشق، ولعل سبب عدم اكتشافها على الحدود بقاء المهمة سراً بينهما، لم يصرح باسمها ليضمن سلامتها واستمرار ذهابها. يعلم بأن للدولة عيوناً وآذاناً لا تغفل، تراقب وتسمع وتندس، وفي اللحظة المناسبة تنقض . بعد الاحتلال لم يجد بديلاً لسفرها عبر مخاضة نهر الأردن، أو الطريق العام حسب المهمة، لأنه لا يستطيع السفر براً. مطلوب على جانبي الحدود. دهمت السلطات العسكرية الإسرائيلية بيته ولم يجدوه، وعندما ملت التفتيش، أبلغوا أهله بأن عليه أن يسلم نفسه في أقرب وقت، ولأقرب مخفر، سألته عبلة مازحة: - هل تنوي تسليم نفسك ؟! - هل هناك عاقل يدخل السجن بإرادته، لا شيء يمكن أن يقدموه سوى المعتقل، حتى لو تركوني سيحاولون إهانتي، بطلبهم كتابة تعهد عدم العمل في السياسة، وأنت تعرفين بأنني لا أستطيع فعل ذلك ولو على سبيل التكتيك . عمر مشغول هاجسه بناء تنظيم مناهض للاحتلال، يستطيع تحريك الجماهير، التي دفنت أفراحها، وهي مشغولة معه اتصلت برفيقاتها والوجوه الوطنية للسبب ذاته. حقق الاتصال مع القوى الوطنية وحوارها قفزة نوعية بإعلان ولادة جبهة النضال الشعبي التي ضمت إلى جانب القوميين العرب كلاً من البعثيين والشيوعيين. مهماتها بعد الاحتلال كبيرة وكثيرة، والأعمال التي تقوم بها لا تحصى. تتأخر عن بيتها، تتعرض لأسئلة أمها، أين ومتى وكيف؟ خائفة عليها من الشبان الذين لا يخافون الله، أكثر من مرة عبرت عن ذلك بكلمات مقتضبة خجولة : - " ديري بالك خليكِ قد حالك " وعندما صرحت في إحدى المرات علانية ،أقامت الدنيا، بكت كثيراً، أما أمها فاضطرت إلى تهدئة انفعالاتها: - أنا أم يا بنتي وعندما تصيرين مثلي، لن تسمحي لابنتك بالتأخّر، وإذا تأخرت ذوى قلبك وشغلت فكرك . - لا يا أمي العظيمة، لست أنت التي تقولين هذا، اقفلي الباب وخذي المفتاح، ودعيني أمت وحيدة . عادت الثقة عندما صرحت لأمها بأنها أخت الرجال، ولم يمسها أحد بسوء، وإنها تحضّر لعمل ضد الاحتلال . في ذاك المساء الذي سيسافر فيه، مر على بيت عبلة ووعد أمها أن يخطب ابنتها في أقرب فرصة. رافقته حتى نقطة الحدود وقريباً من المخاضة ودعها، قال لها : - أنت إنسانة رائعة، صنوبرة، أوصيك بأمك وأمي . بكت وطلبت منه أن يدعها تعبر معه، عبرت عن ذلك بقولها : - خذني صديقة، حبيبة، زوجة إن شئت، لا تدعني، سأموت وأذوي كما تذوي الزنابق والأزهار البرية في أرض عطش .أنا نبتة بحاجة إلى الماء والهواء والتربة، كيف تتركني وحيدة؟! قبلها بعد أن تأكد من خلو المكان " هذه زادي، عودي أيتها الصديقة الحبيبة عودي وقولي لهم، لقد بدأنا النضال، سأعود لأبني القواعد، سأعود إليك، أنت روحي، عودي وقولي، لن نركع" لوح لها بيده وعندما صار على الجانب الآخر من النهر، دعاها إلى العودة، قعدت على الأرض وبكت، فاضت عيناها بالدموع فرفدت الأردن. بعد ساعتين من البكاء المتواصل، شعرت بالدوخة وآلام الرأس. نهضت وهي تجفف دموعها الهاطلة دون إرادتها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |