|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل العاشر - السماء ترقص بما تحمل في جعبتها من كتل سميكة تتجه شرقاً ،غيوم تنسج خلفها مجموعة مراع، أغلب سحب شباط تنقشع بسرعة وبعضها يختلط بهبوب الصحراء، فتحمل معها إبريقين أحدهما تتصل فوهته بالبحر والآخر بالمد الرملي القادم من سيناء والنقب، هذه عسقلان التي تحتويها المدّان، مدّ من الغيوم ترتفع حتى تتلاشى ومد من الرمال التي تستوعب ما أمهامها. تتوحد فيها متناقضات الطبيعة الماء والغبار، ويجتمع في هذا الشهر فصلا الشتاء والصيف، وكما تختصر المعادلة الرياضية بقسمة حديها على عدد واحد، فقد اختصرت المسافة مابين البحر والرمل في جسدها. من بعيد تتجه السحب الرملية غرباً وشمالاً، مدّ لا نهائي من البحر الرمل الخالي من الارتفاعات والانخفاضات في ظل شروط سيئة، ترقص الرمال عطشى وهي تقترب من المتوسط، تفرد حباتها المكتوية بحرارة الشمس فراشاً ولحافاً، الشمس التي استيقظت قبل كل الناس، أخذت بعض أشعتها من تلك الرمال المتوهجة . تلك كانت طبيعة المدينة البرمائية، طبيعة خلقت بشراً أخضعوا البحر والصحراء. ركبوا المدّ البحري حتى وصلوا إلى شواطئ أفريقية وأوروبة، وركبوا مدّ الصحراء حتى وصلوا إلى ايجبت. أشكلون تلة غازلتها الذكرى، كما غازلها البحر ملايين السنين، تقع بين قلبي أشدود وغزة، وفيها سجن كان مركزاً بريطانياً أيام الانتداب، مساحته الداخلية حوالي تسعمائة متر مربع، فيه ملعباً سلة وطائرة، وبداخله نحلة غير مثمرة يقال إن الانجليز قطعوا أحد جذورها القوية، فطار ثمرها منذ ذلك اليوم. ساحته المربعة مسورة بقناة ورصيف حيث توجد أقسام السجن، وهناك ساحة ثانية فيها غرفة للضباط وأخرى للحراسات والمخزن وغرفة العار، فيه ركن خاص بالتحقيق تحت إدارة المخابرات. سجناؤه من غزة والشريط الساحلي الجنوبي، باستثناء الدفعات الأولى من افتتاحه، التي أحضرت للتأديب. أُ فتتح في الثاني من شباط عام تسعة وستين وتسعمائة وألف بقرار من الكنيست. في الدفعة الثانية من العام ذاته حل عمر القاسم على عسقلان مقيماً. انعطفت السيارة الزنزانة يساراً واستمرت سائرة، العصابة السوداء على عينيه إلا أنه خمن الطريق السائر عليها. لأن انعطافها وتحول الجهة التي تدخل الشمس منها يعني تخطيها لمدينة الرملة واقترابها من البحر، الرطوبة والحرارة تدهمه، والنسمات اللطيفة التي تتحرك بفعل سير السيارة تتسلل من النافذة الغربية، ضوء الشمس يدخل عبر القضبان، العرق يتصبب منه، إذا كانت هذه حرارة بدايات الربيع فكيف ستكون في تموز وآب ! السيارة تتابع طريقها بطيئة لا تتجاوز سرعتها الأربعين، بعد أربع ساعات ونصف وربما أكثر توقفت الزنزانة المتحركة. لم يخطئ ظنه حين تخيل أنها تسير محاذية للبحر، فعلى الرغم من ثقل الشريطة العمياء، إلا أنه أحس برطوبة البحر وشدة الحرارة مترافقة بهبوب ريح غربية خفيفة وهدير الأمواج. خلعوا العصابة عن عينيه، دنيا جديدة تتفتح أمامه، البحر بكامل جسده وفتوته وعظمته ورعونته، بكل مافيه من حياة ومرح، الشمس تلقي بكل ثقلها، يستعد لضمها ومضاجعتها لتذوب فيه. شمس داخت من سفر السيارة والطويل، انهزمت إلا أن جاذبية الأرض هي التي أبقتها ملتصقة مابين الهواء والماء لحظة العناق. البحر جسد ينزف، يصبغ شفتيه بالأرجوان، شعره كتلة تتراخى على الشاطئ، ذرا نهوده زبد حارق، الرذاذ المتساقط دموع سحابة ولود، هبت ريح حاره، مسح عرقه بكتفيه وترك النقاط الهاربة تجد طريقها عبر خطين من الجبهة إلى الرقبة فالصدر مادة سكة قطار عبر بنطاله تاركة بقعة ماء عند كل قدم . البحر نسيج أسطوري ملأ جيوبه ماء وفمه رغوة، جدف بيديه ورجليه ليصل الشاطئ، وعند بلغ الرمال توسخت ثيابه، تراجع إلى الخلف ليسغلها، لم ير نفسه إلا وسط هديره، بينما الساحل بعيد عنه كيلو مترات. قرع دماغه فنبه قواه الحسية، التي جاهدت ثانية للوصول إلى الرمال. هناك تبلل وتوسخ ونسي ذاته فعادت دورة الزمن. أصابه الدوار، ومازال كذلك يشكو آلامه منذ ملايين السنين، تمدد على فرشة كبيرة تلف جسده بعد الغروب، ظل مستيقظاً يساهر القمر. كان يمكن أن يقول شعراً، لو استمر ينظر إلى البحر ويستقرئه، أصوات تناديه، لم يرد، دفعه جنديان، تسمر مكانه، فكواقيده. مازال يعيش لحظة العشق، يراقب البحر وغياب الشمس والسماء وبعض الطيور الهادئة. ناداه الشاويش تريدانوا، تقدم منه ولطمه على خده، فما كان منه إلا ردها بقوة. فتكوم الشاويش عند قدميه. أدرك أنه اقترف غلطة سيدفع ثمنها غالياً، لم يتركوه إلا عندما وقع على الأرض. الدماء تنزف من أنفه وفمه، عندها تركوه ينام ليله في العراء مقيداً. صباحاً جاءه تريدانوا ومعه جنديان، لكزه ثم بطرف قدمه رفسه قائلاً : - قم اخلع ملابسك أيها المجنون الذي تطاول على أسياده . أشار عمر إلى القيد الذي في يده، تقدم جندي وفكه، نظر إليه تريدانوا وأردف: - سنرى بطولتك الخرقاء إلى أين توصلك. ثلاثة أسابيع مع طلب الزيادة في المنفردة، مع ثلاث وجبات دسمه لجسدك. أنتَ أول من فعلها، سأقطع يدك التي امتدت حتى تصير عبرة. أعطاه العسكري ملابس السجن الصيفية ذات اللون البني الفاتح، مازالت أثار الضرب تؤلمه الكدمات تملأ جسده، عاد النزف ثانية، دفعوه إلى الزنزانة ثم أغلقوا الباب خلفه. الزنزانة عرضها ثمانون سنتمتراً وطولها متر وستون سنتمتراً، جدرانها صفراء وارتفاعها متر وسبعون سنتمتراً، أقل من طوله بثمانية سنتمترات. لا يستطيع الوقوف فيها دون إحناء رأسه، ولا التمدد دون لف القدمين الواحدة على الأخرى. يمكن القرفصة أو القعود ومدّ رجليه، لكنه كان متألماً. انبطح على بطنه الذي كان أقل جروحاً من سائر جسده، راقب المارة وحركتهم من أسفل الباب حيث ترك سنتمتر أو أكثر بقليل ما بين أرض المنفردة وبابها، ظل كذلك مدة يجهلها بسبب نومه المتقطع. شعر بحاجته إلى التبول، دق على الباب: - أريد أن أبول . - خذ هذا " الكردل "و إبقه عندك لقضاء حاجتك . قرع الباب ثانية، فتحه العسكري، فطلب ماء ليشرب. أجابه العسكري . - أفتح فمك . - أطلب ماء وأنتَ تقول افتح فمك، هل هناك طريقة جديدة للشرب! - سترى! أسرع إلى الحنفية فتحها ومن مسافة متر قذفه بالماء فدخل جزء منه في منخرية. عطس وكاد يختنق، مسح بيده الماء، فشعر بلذته على الرغم من عدم شربه، بعد ساعة أو أكثر قليلاً دق الباب من جديد وطلب الماء. أجابه العسكري: - لقد شربت قبل ساعة. بعد ثلاثات ساعات مسموح لك طلب الماء من جديد . - هل تسمي رشي بالماء شرباً ؟ - غير مسموح بالاحتجاج، إياك والرد ثانية. وظيفتك الإجابة بأدوناي . ثلاثة وعشرون يوماً بالمنفردة، يغازل الحيطان، يتلمسها، يقرأ ماهو محفور عليها " ثورة حتى النصر. دمنا حديد ونار، وحدة تحرر ثأر. بسم الله الرحمن الرحيم وباسم العروبة " في الأيام الثلاثة الأولى ضرب حتى أغمي عليه، وظل هذا المسلسل حتى نهاية الأسابيع الثلاثة. عندما يذكر الأيام يتذكر شروط السجن القاسية. ثلاثة أسابيع ويومان معادلة لسجن ثلاث سنوات، غير مسموح له بالخروج ولا بالأكل والشرب إلا وقت يريدون، لم يستحم ولم يغسل وجهه ويديه، رائحة البول والبراز الواخزة تسدّ شرايين تفكيره، وعندما يدق على الباب للتخلص من القاذورات، يأتيه الجواب، نحن الذين نقرر عليك الطاعة العمياء. كانت كريات وفتائل العرق تتكور بمجرد مرور يده على جسده. حيوانات غريبة ترعى في هضاب جسده وتفرعاته، يضع يده على رأسه فتصبغ باللون الأحمر والرائحة الكريهة. أهو البق أم القمل أم البراغيث؟ أم كل هذه المخلوقات وغيرها، منها الزاحفة التي تنتشر في كل مكان تعشش في الشعر وتحت الأبط، ومنها صغيرة سريعة القفز، ونوع لا يهاجم إلا ليلاً كريه الرائحة. كان عليه أن يتسلي بقتلها، يفتش ملابسه يقصع ويلاحق ويهرس ثم يفرك يديه، فتنتشر رائحة كالغائط، عند الأكل يفرك يديه ببعضهما ثم بملابسه، وعندما يتأكد من صلاحيتهما للأكل، يتناول طعامه خلال دقائق معدودة. بعد أن انتهت مدة السجن الانفرادي وأخذ يتمتع بحقوقه كسجين، يستعد لزيارة أهله بين لحظة وأخرى، فكل شهر يحق لأهله زيارته، وقد أمضى شهر ولم تأتي أمه، التي رآها آخر مرة تهتف في نهاية المحاكمة وتندفع تجاهه، ترفع إصبعيها وتصيح " فلسطين عربية "، تصورها وهي بكامل صحتها تبتسم وتقول له " يمّا عمر السجن للرجال وأنت أولهم"، يكفي أن يرها مبتسمة، أمه تهبه قوة وشجاعة، سيراها مدة عشر دقائق، هل تأتي عبلة معها، وإذا أتت فبأي اسم من أسماء شقيقاته، لم يرهق تفكيره، أمه قادرة على فعل الكثير. بعد أربعة أيام من الترقب جاءته للزيارة، طلب إلى غرفة الإدارة، خلع ملابسه كاملة. بعد تفتيشها عاد وارتدها ثانية، ثم قاده اثنان إلى غرقة مستطيلة، كانت بانتظاره، وقفت عندما رأته داخلاً قبلته على الرغم من الطاولة التي تفصل بينهما. نظر إلى وجه أمه الملائكي، سألها عن أبيه وأخوته وعن عبلة. أجابت بأنها في الخارج الزيارة فقط للأهل. طلبوا هويتها وأبقوها عندهم، وعدته أن تسوي الأمر مستقبلاً. دقق النظر إلى عينيها فاكتشف حزنهما والماء الهاطل منهما، إلى ثغرها والابتسامة الميتة المحنطة عليه، إلى حزنها الدفين في قلبها وارتجاف جسدها. فجأة امتدت يد إليه واقتلعته من مكانه، بينما الشاويش زيتون يعلن انتهاء وقت الزيارة . عاد إلى واقع السجن، يعيشه، يتكيف معه، يحطم المعتقل عنفوانهم ويذلهم، يدفعهم لفقد عقولهم، ومن أجل ذلك هيأت إدارة السجون إدارة اختيرت كما أغاني ما يطلبه المستمعون من كل قطر أغنية . مدير السجن حيوت مراكشي يعتبر اليهود متفوقين، لديه عقدة الأنا. عندما ترك المغرب لم يودع أحداً، وعندما طلبت إليه أمه أن يودع جيرانه وأصدقاءه وزملاءه الذين درس معهم، أجابها: - أودع من يا أمي، هؤلاء العرب والبربر الذين لا يستحقون الحياة ! عند آخر درجة نظر حوله ثم أشاح ببصره بعيداً، بصق في الهواء، ووعد نفسه آلا يعود إلا فاتحاً . نائبه هايمن من المانيا يجمع عقدتي التفوق الألمانية واليهودية، يكره العرب ولا يطيق سماع لفظة عربية، وجهه أحمر، أصلع، عيناه مفترستان تظهران خلف نظارة سميكة. ضابط الإدارة موشي بن مؤام مصري يتكلم العربية بطلاقة طويل عريض المنكبين يلقبونه "حمار شغل" لبقائه في العمل وحبه له. أما طاقم الحرس والشرطة، فعلى رأسيهما الشاويشان زيتون وتريدانوا اللذان أعطيا الأمر الدائم بإهانة السجناء وضربهم . في السجن حالة سكون مخيفة، نظام يجعل كل سجين يلملم ذاته، لا مجال للظهور بغير مظهر الذل والمهانة، في الفورة يخرجون وأيديهم خلف ظهورهم، كل اثنين يمشيان دون أن يحدث أحدهما الآخر، يمشيان خطوة خطوة يلفان الساحة، يعيدان الكرة مرات ومرات، البنادق مسلطة عليهم، السجانون والشرطة يراقبون كل تصرف، أشبه بثيران الحراثة التي عليها أن تعمل بصمت. يرتدي السجناء اللباس البني الفاتح، الأزرار واضحة، حتى الزر العلوي الذي يكاد يخنق الرقبة، وزرار الأكمام . لباسهم الموحد إن كانت له ميزة فهو إشعار الجميع أنهم في مرتبة ذل واحدة، أبناء أم وأب واحد، لا فرق بينهم لولا التباين في لون البشرة والعنين وطريقة الحديث، السجين مفروض عليه أن يتكيف مع حياته الجديدة وأن يخلق نوعاً من العلاقة مع الحيطان المفروضة عليه ومنظرها الذي لا يتغير طوال سنوات، فعلى كل سجين أن يهيء نفسه ليعيش حياة طويلة مع موجودات المعتقل، حتى الحارس مضطر أن يتفاهم معه ويحاول أن يغيير نظرته بالتعامل الجيد، فيجد لغة تفاهم. وعندما تسد الطرق أمامه يظل طريق لابد منه، تعاضد السجناء وفرض احترامهم. لكن هذا يكلف كثيراً، لاشيء يمكن انتزاعه بسهولة، إذا أراد أن يشرب ماء، فإن الحصول عليه يكلفه جهداً كبيراً في الأيام الأولى. إذ يحاولون تخليص السجين من فتيل التمرد الذي في داخله، يخلصونه من كل شيء جميل ورائع. يروضونه لقبول الذل. يحولونه إلى آله، فلا يعود يفكر إلا بذاته يفكر بأنه رقم، والأرقام لا تتحدث إلا عن ذاتها حانية ظهرها مطيعة . السجين أمامه وخلفه وجانبه أسوار عالية وغرف رطبة وموت يرقبه كل لحظة، وعلى الرغم من ذلك عليه أن يتفاءل. أن يخترق خياله سماكة الجدران وارتفاعها ويحلق عالياً وبعيداً، يخلق لنفسه حياة، وإذا لم يجدها ينبشها من مخزونه. غنوا : ياظلام السجن تبدد إننا نهوى النهارَ غنى عمر أغني شتى، منها أغانٍ وأشعارٌ بالانجليزية والفرنسية وبعض قصائد شكسبير، المقطع الذي حفظه رفاقه : O. my darling والمقطع الذي بدايته: I love a sun burnt contry A land of sweeping plains رفع رأسه مازال يدندن، توقف عن الغناء، تذكر الاحتفالات التي شهدها في صغره لأيام الخميس من شهر نيسان، إنه الخميس الثالث خميس البنات حيث تخرج الفتيات يجمعن الأزاهير البرية ويضعنها في الماء حتى صباح اليوم التالي ليغسلن شعرهن. أمه كانت تفعل ذ لك وهو صغير، تصحبه إلى الاحتفالات حيث ينضم بيرق القدس إلى بيارق المدن الأخرى. تذكر كيف كان يلعب كسر البيض مع إخواته طوال شهر الخمسان، تسلق أمه البيض، تضيف له قشر البصل فيصير لونه أصفر وردياً. يحمل البيض المسلوق ويخرج إلى السوق يصيح من"يطاقش". أنفاس نيسان هجرت الكرى، أيقظت النائمين، غنت الأطيار، ودقت الموسيقى، سهر الناس، شهر الخمسان شهر حب وطيب وسمر. وزع أريجه ثم ضحك ملء فمه مودعاً البرد، فاتحاً صفحة جديدة في سجل الاحتفالات والمواسم. حيث تدب الحياة في الموجودات، ها هي السماء حضن عذراء، والأرض تاركة عريها وأنوثتها مسرحاً للناظرين. أما البحر فأحس بالدفء بحب الآخرين، بدا قطعة مستوية بلا خيول ولا معارك، رافعاً يديه والزبد في فمه علامة استسلام للحب والمرح، عرضت ابتسامته ليحتوي بحبه الساحل، بينما خفت تيارات المد والجزر وصارت أكثر حناناً ووداعة ورقة، الشمس كغيرها أحست بالحياة وشبقها للموجودات، فانسلت تمطر أشعتها الدافئة وجه اليابسة. الربيع يمد بصره يوزع عطاءه. الحياة صدر ناهد نهض على حين غرة ليتخطى مرحلة الطفولة. زهور برية بيضاء وصفراء ونارية وليلكية، أرخت جفونها وجنونها على الروابي والساحل، أزاهير تعيش بضعة أيام ثم تختفي ضامة بين جناحيها جمال الأرض وفتنتها فتخبئها لسفر سنوات قادمة. من بين الطلائع البرية تلك التي يسمونها شقائق النعمان التي تحكي قصة حب خالدة و عشتار بكل ألوهيتها وأنوثتها بحثت كالبلهاء عن حبيبها، فتشت عنه، تجرحت قدماها، نزا نوراً لطخ هذه الطلائع التي أخذت على عاتقها إنهاء حالة الموت . مازالت أفكاره تدور، تهيم كالريح كالموجة السابحة التي تناغيها السماء والكواكب والمياه، لا تعرف عن مصيرها شيئاً، ولأنها ظنت نفسها خالدة، فقد صارت رشيقة. الأفكار كالجسد تحتاج إلى السباحة وإلى حمام على البخار. أيوب الجد الذي أصيب بأعفن الأمراض الجلدية وأسوئها، رمى نفسه في البحر ليتخلص من قذارته. حملته شفاه الموج وقبلت كل موضع في جسده، فخرج معافى من قذارته وأمراضه . قال أبو عروبة: ما أسهل صنع النصر يا جدنا أيوب، لقد أرادوا رمي " اسرائيل" في البحر فخلصوها من كل آثامها وعيوبها. تذكروا صدر البحر الرحب، فقرروا الاستحمام، قالوا للإدارة هذه تقاليدنا إن شئتم منعنا من الاستحمام، خذونا إلى البحر وارمونا فيه. الابتسامة تتحول إلى تجاعيد على الجبهة، يتذكر العشق وأيامه وسنواته، يتصوركم هو بحاجة إلى كل لحظة من الماضي ليبتسم , فلا أحد مثله يعيش مع هواجسه وهمومه. الجدران مرتفعة، عبلة تزوره كل يوم مرات، وإذا غابت عنه ساعات تعود أكثر إشراقاً وفتوة، تتخطى الأسوار، ينطلق معها، يتذكر حديثها وحبها للمستقبل، تذكر جوابها يوم قال لها، المستقبل نحن نصنعه، لكن مادته ليست طيعة. نحن نعيش ذاك المخزون الذي يمدنا بمعين لا ينضب من اليأس، بكت وصفت حبيبها بالمتشائم، وكادت تفضحها بعض الكلمات لولا قدرتها على التريث، قالت: - ألم تقل نحن نصنع المستقبل - أمل أن أحقق الحلم الجميل لك ولفتيات الوطن بلا استثناء، المستقبل ياحبيبي ليس كلاماً، ما أسهل التنظير وما أصعب الحقيقة ! - أسمع منك كلاماً غريباً، لا أحد مثلك ضحى من أجل حركة القوميين العرب، الوحيد بين المعتقلين الذي لم يوقع صك التنازل. الوحيد الذي تأخر ستة أشهر دون أن يحني هامته، أنسيت أنهم انسحبوا من الحركة عام ستة وستين إلاك. - الحقيقة مرة، سامحك الله يا عبلة، ستعرفين أنك مخطئة، لكن ما فائدة ذلك أذا كنت شهيداً أو في إحدى الجبلية أو ميتاً، أما الأسر فلن أمكنهم من نفسي! بكت ورددت: " لا تقل هذا ياحبيبي " الزمن قال كلمته ورسم خطوط الطول والعرض ودوائرهما حول عينيه وفي شعره، هذه الدوائر التي تنهي مرحلة لتبدأ واحدة أسوأ. الزمن في الأشكال اللاهندسية وفي الشرايين التي تصلبت، وفي القلب الذي بكى ولم يجد من يضمده. شريط الماضي يعرض صوراً كأنه مغناطيس، تزدحم فوقه وتلتصق به، يمتلئ خزان الذاكرة دفعة واحدة تأتي النظرات والكلمات، أمكنه مرسومة بطرقاتها وأشجارها وفرحها تسيطر على فكره، لا تصمد هذه السلسلة، تتقطع وتتناثر لحظة اقتراب أبو عروبة منه وهمس في أذنه: -أراك اليوم منطوياً على ذلك ! - بل الفرح فهذا نيسان يحمل احتفالاته ويوزعها في كل مكان .... - إذن أنت على استعداد لمباركة ما سأفعله ... غداً سترى، إنه كما قلت نيسان فصل الحب والربيع والتمرد. الفصل الذي يهبني القوة والصبر والفرح لتحدي هؤلاء الخنازير . تذكر أبو عروبة أعراس الأكراد في السليمانية واستقبالهم لهذا الشهر. الأشجار خضراء والطبيعة تتنفس روح الإله وتبثها في كل مكان ريحاناً ووروداً وأزاهير برية، قريته " كردمري " تخرج ذات صباح شامخة قبل شروق الشمس، فتتلقى الشعاع، يسرح الناس ويمرحون ساعات عدة وعند الظهيرة يتناولون الغداء، ثم يبدؤون عرس الربيع احتفالاً بالحداد " كاوا " الذي انتصر ." كاوا الذي شلح قميصه وأخذ نصيبه من الشمس. شعر بقوته فليّن الحديد بين يديه وشعر بحريته فقاد الناس إلى النور. سافعل مثله وآخذ نصيبي من الشعاع، وإذا احتج أحدهم فليفعل ما يريد. أنت تعرف أن الكردي يفعل ما يقول، وليقولوا ما شاؤوا ". - سلمت يداك ياحفيد صلاح الدين الأيوبي . عانق أبو عروبة عمر وقال: " نحن وأنتم مصير واحد " . وجاء الشاويش زيتون وأمره : - أنت يا حمار البس ثيابك - حمار بعينك، ماذا حدث حتى تقول كلامك البذيء ؟! - أنت لازم تلبس قميصك ؟ - لا، أنا لازم أخذ شمس . - أنتَ سجين وممنوع حتى فك الأزرار أو طي الكم . - أنا أعلم، لكن ماذا يحصل أذا أخذت شيئاً من حرارة الشمس !؟ - القانون لا يسمح. - الله أعطانا الشمس، النور والحرارة للناس جميعاً، وهذا قانون الله، قانونكم غير إنساني، غيروه ! - قانوننا إنساني أيها الكلب، إنساني لأن إسرائيل وضعته، أما الشمس والفلسفات الأخرى فنحن قادرون على تعويضك عنها . - كيف ؟ - بالحبوب والأدوية .... تجيب لا، هيا إلى الضابط هايمن. كان يستمع إلى نشرة الأخبار، عندما تقدم منه الشاويش زيتون وقدم له التحية، اعتدل في جلسته، أخفض صوت المذياع واستمع إلى ما قاله الشاويش، أغلقه ولم يتم سماع الأخبار. سأل أبا عروبة : - ما القصة ؟ حدثه أبو عروبة عن جده " كاوا " وعن رأيه بالشمس وتطرق إلى فصل نيسان واحتفالات العراقيين في هذا الفصل ... تدارك هايمن ذلك بقوله : - من أين أنت ؟ - أنا من أكراد العراق . - ما الذي دفعك إلى المصير البائس ! - قضيتنا واحدة. - بل قل إنه الجوع والرعونة اللذان دفعاك إلى هذا المصير . دافع عن إيمانه بالكفاح المسلح والجهاد طريقاً للتحرير . - طيب وخلعك قميصك أمن أجل التحرير؟ أنت كردي بحاجة إلينا، أنتم ونحن أقلية هل قاتلناكم لتقاتلنا، ستكتشف مستقبلاً بأننا أصدقاء، خذه من وجهي يكفيه أربع أيام بالمنفردة . جلس السجناء جميعاً على الأرض، تعروا من قمصانهم تضامناً مع أبي عروبة، نظر الشاويش إليهم بعين الغضب. تحدث بالهاتف وطلب الإذن باختصار الفورة. فجاءه الرد أفعل ماتراه مناسباً لإنهاء حالة الشغب. لكن هذه الحالة استمرت يومياً. على الرغم من استمرار العقوبات والتعذيب لم يتم السيطرة عليها. فما كان من إدارة السجن إلا رفع توصية للسماح للسجناء بخلع بعض ملابسهم أثناء الفورة. بعد عشرين يوماً جاء الجواب من إدارة السجون بمنح هذا الحق للسجناء كافة. أحتفل في اليوم الذي تبلغوا فيه بهذه المناسبة قبل ثلاثة أيام من نهاية نيسان، وصار يحتفل فيها كل عام، فتحول الخمسان إلى شهر احتفالات ليس فقط خارج السجن بل وفي السجن وخاصة يومي الخميس والجمعة. والذي يعرف عن مواسم الاحتفالات شيئاً بدأ يتحدث به، وكأنه يكشف عن كنز. كان لا بد لهذه التحولات من الاستمرار، بدأها أبو عروبة وسيتابعها رفاقه، فها هو عمر العسكري بتحد: " تعال" نظر العسكري حوله كالأبله فلم يجد أحداً غيره، قال في نفسه " أيعقل أن أنادى بهذه الكلمة دون اللقب المتعارف عليه، الكلمة التي تنادى بها أي شخص غير يهودي، لا غير معقول، أنا الذي ينادونني " أدوناي "، سأدمره إن كان يقصدني، فقد صوابه إن كان يريدني " . سمعها للمرة الثالثة مع تأكيد لا لبس فيه: - أنتَ أيها الشرطي أناديك، فلم لا تجيب ؟! شعر بالإهانة والاحتقار، فأراد أن يتأكد من القائل قبل أن يقدم على أي تصرف: هل تقصدني ؟ قال الشرطي وهو ينظر إلى عيني عمر الزرقاوين، فتلقى جواباً بالتأكيد. طار عقله، وأدخل يده بين القضبان ليفعل أي شيء، لينتقم لاهانته فيصفع القاسم. خاب ظنه فقد كان له بالمرصاد، أمسك يده ولواها حتى كادت تنكسر وشده أكثر حتى صار صدره على القضبان، ناوله ضربة على أنفه وكفاً على وجهه، صاح من الألم وراح يهرول وهو يولول. بعد دقائق عاد ومعه الشاويش تريدانوا. نظر الشاويش إلى وجه الحارس وسأل بشيء من الاستغراب، إن كان سمع ذلك بأذنه أم تهيأ له ذلك فصدقه، فوجئ العسكري بهذه الشكوك، حتى كاد يشك في نفسه، فالذي حدث يصعب تصديقه. لكنه حدث معه قبل دقائق. مازال يذكر كيف ناداه ثم تلقيه لصفعة كادت تخترق طبلة أذنه، بعرفه جيداً طويل عريض المنكبين أزرق العينين، كادت قبضته التي شده بها أن تطبق صدره على الباب، يقولون إنه دائم التحدث بالسياسة، يحب النقاش، يقرأ الكتب ويلتهمها. عند الباب أشار الحارس بيده، ابتسم تريدانوا ابتسامة صفراوية ونادى بقوله: - أنت أيها المشاكس. تعال يابغل ... أنت ياحمار.. يارياضي ...أنتَ أنتَ. أعادها مرات ولم يتلق أي جواب، مما اضطره إلى مناداته باسمه. اقترب عمر من الباب وقال: - سمعتك تنادي حيوانات غير موجودة بيننا ! - أنتَ الحيوان وأنت تعرف من أقصد، ولا يخفى على بغل مثلك أن الذي ينادي العسكري باسمه أو بأية لفظة غير " أدوناي " يعرض نفسه لعقوبة شديدة . - كيف أناديه بأدوناي وهو ليس أكثر من سجان يعتقل حرية الآخرين ! - إذن جهز نفسك لعقوبة المنفردة. يعرف أن ذلك سيكلفه البقاء بالزنزانة مدة أسبوعين على الأقل. كان سعيداً بذلك، فقد فتح باب التمرد على تلك الكلمة وغيرها، هذا الباب الذي سيلغيها ويجعلها تختفي من قاموس السجن تماماً، إذ بعد هذا اليوم لم يناد السجان إلا باسمه. مازال الكثير أمام السجناء لفعله، أول شيء فكر به عمر إلغاء حالة الخوف المفروضة من إدارة السجن قبل أن يفكر بأي تخطيط للإضراب، حالة الذل تمزقه من الداخل، تجعله يذوي، يقرأ ما يرتسم على وجوه رفاقه. تأمل وجوههم واحداً واحداً قبل أن ينطق بكلمة. ذاك حسان فياض ابن عكا الذي يهدر كبحرها، والذي رفض أن يقف باستعداد أمام العسكري الذي جاء ذات صباح يصيح " أخشيف " ... انتبه .... لم يرد وبدأ يشاغب ويناكفه، صفر واضعاً إصبعيه في فمه ثم جلس على الأرض. عُوقب خمسة أيام في بالمنفردة، هذه الظاهرة تكررت كل يوم حتى بات ضبطها أمراً صعباً. حسان مجبول من تراب عكا وبحرها، فيه ظرافة البحر ورحابته وفيه خصب الأرض وقوة الأسوار. هزيل إلى أبعد حد، من يراه يظن أنه لم يذق طعاماً منذ عام، فكاه بارزان، فخور بمدينته، يصرح بأنه ابن التي هزمت نابليون وأفشلت مشروعه، هذا الذي حمل معه مجموعة مشاريع، بينها مشروع لليهود. عكا روضته، ظل بحرها هادراً، وأهلها رافعي رؤوسهم، تواردت إلى ذهنه صورها صورة تلو الأخرى. ينظر إلى وجوههم، يمسها ثم يبد أحديثه : " في عام ثمانية وأربعين كان عمري سنوات، لكنني مازلت أذكر البحر والميناء وجامع الجرار المربع ومئذنته الطويلة المحيطة به والأشجار، اصطحبني أبي إليه للصلاة. النقوش المرسومة غاية في الفن والجمال، أعجبت بجوه وزخارفه سألته: لماذا لا تزين بيتنا مثله ؟ أجابني بلغة الواثق: إن شاء الله من الأماكن التي قصدتها السوق الأبيض المسقوف الذي يتألف من صفين من الحوانيت، السوق الطويل الشبيه بسوق دمشق الطويل الموصل من باب الجابية إلى البزورية، محلات على الجانبين وطريق مرصوفة بالحجارة ومحلات سمانة وحلويات وبيع سمك طازج. أما المحاذي للبحر فهو شارع الفاخورة فيه عدد من الأبراج، مازلت أذكر جلسات والدي في قهوة البحر ساعات طويلة، أمّلُ فأعود إلى بيتنا القريب من الابراشية، الشيء الذي انطبع في ذاكرتي ومازال يسورها، السور القوي الشبيه بسور صور وبأبنيته ذات الطابع القريب من قلعة صيد أو بيوت جزيرة إرواد . عكا عقدة طرق تنطلق شمالاً إلى بيروت والزيب وأم الفرج وترشيحا وشرقاً إلى صفد والشام وجنوباً إلى حيفا وصفورية، لقد عدد والدي غير مرة أكثر من ثلاثة عشر برجاً تحيطها، هي مجموعة أسواق وجوامع وأديرة وخانات. كنت أتمشى باتجاه الجمرك والميناء وباب البحر وصولاً إلى الرصيف القديم وخان العمران وقهوة البحر، أتابع شمالاً بمحاذاة البحر وبعدها شرقاً إلى حمام الباشا ومن هناك إلى جامع الزيتون ثم جامع الرمل. عندها يكون قد مضى من الوقت ثلاث ساعات أو أكثر، وتكون أمي في حالة هيجان وجنون، ترسل أخي ليبحث عني ويعيدني، فينطلق عكسي تجاهي إلى خان الشواردة ثم شمالاً إلى السوق الأبيض والسرايا القديمة، ويعود جنوباً قريباً من زاوية الشا ذلية، وهناك يقف تائهاً لا يعرف إلى أين يذهب ليجدني، فيتابع غرباً إلى البحر فبرج الحديد، حيث يلهو ويلعب أحياناً يسبح فأعود قبل رجوعه، فأجد أمي على نار، ولو لا خوفها من تأخري لبعثتني خلفه. تظل على غاية الشوق والترقب حتى يعود أخي الكبير. فإذا صادفت عودة أبي قبلنا حوّل حياتها إلى جحيم. تتتالى أسئلة دون كلمة إجابة منها؟ لا شيء سوى دموعها " ترقرقت الدموع في عينيه توقف عن سرد قصته. نشف القطرات المتهاكلة على وجنتيه، الجميع منصت إليه، لا مجال أمامه سوى المتابعة، فتح جرح من الحنين للماضي : " بحر عكا لا يتوقف هديره حتى في الصيف، يسمع صوت عبابه في أي وقت ليل نهار، صيفاً وشتاء ومابينهما. لم أنسَ طفولتي على شاطئه الرملي، أبني تلاً من الرمال، أبني بيوتاً يحولها المد إلى رمال مستوية . كانت شوارعها مرصوفة بالحجارة وبعضها ترابي. الناس تأوي إلى بيوتها ساعة الغروب وقلّ من يتأخر حتى العشاء خاصة في الشتاء، أما الشباب فغالباً ما يسهرون في القهوة . مازلت أذكر ذهابي للعرس، أمسكت طرف ثوب أمي، قصدن عصراً حارة أخرى إلى الشمال، لبست ثيابها ودهنت وجهها بالبودرة ورشت عطر الياسمين، ارتدت عباءة سوداء فوق ملابسها، وشدت أعلاها على وجهها، شدت يدي وأمسكت بيدها اليسرى أعلى العباءة التي تغطي الجزء الأكبر من وجهها. سارت حتى وصلت قريباً من برج الكومندار حيث بيت الفرح المدعوة إليه. الباب الخارجي يستقبل القادمات، أصوات الدف والغناء يتردد في فنائه، وفي باحته أمسكت عدة فتيات أيديهن ودبكن. قالت أم العروس بعد ترحيبها، كان الأفضل أن تأتي وحدك وتتركيه عند أخيه الأكبر، أنت تعرفين بأننا سنرقص شبه عاريات! أجابت أمي بخجل وكادت تتعثر بقدمها: جئت به لأنني سأتأخر . عبقت الروائح العطرة في أنفي، مزيج عدة عطور، لم يكن طفل سواي، النسوة شلحن عباءتهن والثوب الخارجي، فتلألأت الصدور وتدافعت النهود، نهود مكورة، أفخاذ تتراقص ككهرباء الميناء. همست أمي تدعوني لعدم الشغب واللعب مع الأطفال خارج البيت. ألعب معهم وأعود أختلس النظرات لتلك الإلهة المسماة بالعروس فوق عرشها العائم على السجاد والحرير. الفتيات والنسوة يتبارين في إظهار جمال أجسادهن ومفاتنها ورشاقتها بتعرية الصدر والساقين . بينما العروس مشغولة بتبديل ثيابها على أنغام أغنية " تمخطري " وعند انتهاء الأغنية ترتفع الزغاريد والتراويد وأغاني الصمدة، فتعود ثانية لخلع القديم واستبدال آخر به، معلنة عن جمالها وألوهيتها، فتبدو بعريها أشبه بحورية خارجة من البحر. تلف دورتين، بينما أم العروس ترش الملح والشعير قبل أن تعود ابنتها لعرشها تاركة جدائلها تسيح على ثوبها الحريري، فتسمعمها النسوة أغنية :
تبادرها النسوة قرصاً بذراعها وفخذها، ولثماً لخدها أو الرقص معها ." قام حسان يغني ويرقص بينما رفاقه يردون خلفه، نظروا إلى وجهه ابتسموا وشكروه. إنهم يسمعون هذه المعلومات للمرة الأولى. لاحظ حبهم لمعرفة المزيد . قال: سأحدثكم عن المشروع الفرنسي، هل تعرفون شيئاً عنه. كان متأكداً أن لا أحد يعرفه إلا عمر بدأ كلامه عن ذاك الأشقر نابليون الذي جاء من الغرب حاملاً مشروع إقامة وطن قومي للهيود في فلسطين، حاول أن يحقق ذلك، لكن عكا أسمعته هديرها، جفل ولم يطق سماعه فهرب، وقبل ذلك خاطب المصريين محاولاً استغفالهم: " قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون " تساءل حسان: إذا كان الفرنساوية مسلمين فماذا نكون؟ .... ابن الشقراء يريد أن يضحك علينا " فشر "، فقد وقفت له عكا بالمرصاد، عاد يمسح دموعه المتهاطلة . تعالت الضحكات، عمر الذي كان أكثرهم ضحكاً أحب توضيح المشروع النابليوني اليهودي فقال: - الذي عطل مشروع إقامة وطن قومي لليهود الهستدروت التي جاءت نتائج مجلسها معاكسة لطموحات نابليون. وكذلك عدم استجابة يهود آسيا وأفريقيا، لأن استيطان فلسطين لم يكن وارداً عندهم، أما في أوروبا فإن الحريات السياسية أدت إلى تحررهم. ولم تكن البوجوازية قد وصلت إلى الظروف الاقتصادية والسياسية التي دفعت إمبريالية القرن العشرين لتأييد قرار إقامة كيان لليهود . في هذا الوقت الذي يتجادلون فيه حول دور نابليون. طلب عمر إلى الإدارة، أوصله الشاويش زيتون إلى مدير السجن، غرفة واسعة لها شباكان كبيران، جلس حيوت على كرسي خلف طاولة خشب جيدة وخلفه على الحائط شعار نجمة داوود. أدى الشاويش التحية ثم خرج : قال حيوت : - أليست هذه رسالتك، لقد أعيدت ولن نرسلها؟ إن شئت معرفة السبب فلأنك لم تكتب عليها العنوان بدقة ! - كل مرة ترسلونها، ما الخطأ في هذه الرسالة ؟ نظر إلى عمر وأشار بيده إلى مكان الذي سيكتب فيه اسم دولة " اسرائيل " ثم أردف : - خذ اكتب ذلك، و إياك أن تنسى ذلك في المرات القادمة . لم يجب بينما حيوت يتفحص التعابير التي ظهرت على وجه عمر، وقد بات واضحاً أن إلزام السجين الماثل بين يديه ضروري، فإذا فعلها فلن يتجرأ آخر على ذلك، بعد أن سادت لحظات الدهشة والصمت. سأله سؤالاً ركيكاً بتركيبة عربية : - لماذا لا تجيب، أنت لا تريد، رأسك ناشفة، أنا أفهمك، لازم تكتب اسم دولتنا، أنت تعيش من خيرها، وفي ظل حضارتها، وترفض كتابة اسم دولتنا أي ملعون أنت! - لقد عشتم على هامش حضارتنا، ليست الحضارة في امتلاك السلاح وقهر الآخرين، بل عطاء. أي صرح حضاري تركتم؟ كل شيء بالإقناع، أنا أكتب كما أريد، لا كما تريدون، إن شئت قناعتي فسأكتبها . تناول الرسالة وبدأ يخط حرف الفاء، أعاد المدير الرسالة وقال بتحدٍ : - أليست اسرائيل دولة معترفاً بها وعضواً في هيئة الأمم المتحدة ولها سيادة على أرضها ! - السيادة على أرضنا والذين يعترف بكم يكتب ذلك . - كفى.. كفى أنا هنا أطلب وأنت تجيب أدوناي، أطلب أن تكتب وبخطك اسم " إسرائيل " هنا، هيا أفعل ذلك.. أنتم رؤوسكم يابسة، لا ينفع معكم إلا الضرب والإكراه . - لاشيء يجبرني على كتابة ذلك . - ستعاقب ! - وليكن . - سنحرمك من " الفورة " . - أفعل ما شئت . - ومن " الكانتينا " - لايهم . - سنمنعك من التحدث إلى الآخرين . - ليس السجين بحاجة إلى ذلك. نحن كالعاشقين الذين يتفاهمون بالنظرات والإشارات . - تكلم باسمك ولا تقل نحن، ممنوع أي واحد يقول نحن، مسموح قولك أنا. - إنها معادلة الكل والجزء، الجزء الذي يمثل رأي الكل ويتبناه . - أنت لا تنفعك سوى المنفردة، هيا أغرب عن وجهي، أنت تغيظني بطريقة فظة، أذهب إلى الجحيم . حضر الشاويش زيتون الذي تلقى أمراً بإبقاء عمر في المنفردة عشرة أيام وحرمانه المراسلة ستة أشهر، ومنعه من الزيارة شهر آخر . أجبا الشاويش: " أمرك سيدي " قال في نفسه عشرة أيام مقابل أن لا أكتب اسم " اسرائيل " إنها عقوبة بسيطة والحرمان من الرسائل والكانتينا والفورة كلها أمور عادية، مقابل أن أثبت موقف الصمود في أذهان السجناء . خطوة مهمة، والأهم أن تضطر سلطات السجن إلى الرضوخ. في المنفردة صمم أن يبدأ التحضير لإضراب يهز إدارة السجن. يجبرها على تقديم تنازلات. يحطم عنفوانها يجعلها تفاوض المضربين على إنهاء إضرابهم. صمم أن يكون عسقلان معتقلاً يدرس المبتدئين في العمل السياسي ليخرجهم قادة، ويعطي العدو دروساً لن ينساها. قرر أن يبدأ المشاورات في غرفته ثم في الفورة خول الوسيلة الأفضل للبدء . بعد خروجه من المنفردة زف في الغرفة، أقيمت الأفراح وارتفع اسمه عالياً رددوا وهم على شكل عراضة :
بعد ثلاث ساعات من الغناء والفرح، بدا الكون أكثر إشراقاً. قرروا أنهم إن لم يدفعوا ثمن فرحهم وعزتهم بإرادتهم، سيدفعونها أضعافاً على مذبح الذل. الأمر يتطلب الاتفاق بين السجناء على المطالب ثم إنذار إدارة السجن فالإضراب. الجميع رددوا بصوت واحد: الإضراب ... الإضراب ولابديل عنه، هيا فنحن جاهزون . قال عبد العزيز شاهين : - الإضراب يعني التحدي وإثبات الذات ونجاحه يستلزم التنظيم والإخلاص والجد، وهو يعني على المستوى الفردي توقف الهضم والإفراز وقد يؤدي إلى توقف الحياة. كان لابد من شرح كل شيء ليقرر الفرد وبمحض إرادته ذلك بدافع التوق إلى الحياة وتغييرها، وليكون كل شيء واضحاً. الإضراب في حال نجاحه سيدفع لتغييرات نوعية داخل السجن، دار الجدل في المهاجع وفي الفورة، كيف ومتى يعلن ومن هم الذين أقدر على تمثيل السجناء أمام الإدارة. كان لابد من اختيار ثلاثة يفضل أن يكونوا من مسؤولي التنظيمات، حتى لا تنعكس النتائج إن كانت سلباً أو إيجاباً على تنظيم واحد أو على الوحدة الوطنية. تم اختيار اللجنة من عمر القاسم وعبد الله العجرمي وعبد العزيز شاهين لتمثيل السجناء والتحدث باسمهم. وضح عمر مفهومه للإضراب وشرح معانيه بنقاط عدة أبرز ما ركز عليه: " الإضراب إلغاء للمشي ويداك خلف ظهرك، حتى ولو مشيت مع رفيقك، تسيران كأنكما في صف عسكري، دون أن يحدث أحدكم الآخر، حتى حركات الأرجل متوافقة، أليس هذا منتهى الذل؟ علينا أن لا ننسى أهمية أن يكون الإنسان نظيفاً، فدخول الحمام كل دفعة عشرة وخروجهم بالعد، وبعد دقائق قليلة من الدخول بحيث لا يستطيع أي واحد أن يستحم بشكل جيد. المدة التي يقضيها العشرة في الاستحمام لا تكفي من أجل واحد. النضال ضد العمل الإنتاجي، فهل يعقل أن شخصاً مثلنا، دخل السجن لأنه قاوم الاحتلال أو قام بعمليات بطولية يعمل في المصانع العسكرية أو شبه العسكرية، كصناعة شبكات تمويه للسيارات والدبابات، أو يخيط بدلات عسكرية ويكويها، فوقف العمل يمثل هذه المعامل لاعودة عنه. تحطيم حاجز الخوف النفسي وإلغاء المعاملة القاسية وبعض التعابير وإطالة مدة الزيارة، والسماح بإدخال الفواكه، بدل دفع ثمنها للصليب الأحمر الدولي، الذي تعامل مع متعهد، يجلب أسوأ أنواعها ويحسبها كصنف أول. في صباح الخامس من تموز عام سبعين أعلن الإضراب، أعيدت أواني الطعام، والتزم كل سجين مكانه، أبرق الشاويشان المناوبان زيتون وتريدانوا إلى مدير السجن يخبرانه بالإضراب، ثم أخبرا هايمن. بسرعة جمع الحراس ورجال الشرطة وأبلغهم بحالة الاستنفار القصوى في السجن، أمر بإغلاق الأبواب الخارجية، ومنع الخروج أو استقبال الزائرين، ممنوع التحدث بالهاتف إلا بعد تقديم طلب إليه. ارتدى الجميع البستهم، كما ارتدى السجناء لباسهم الرسمي. عند الساعة التاسعة صباحاً وصل المدير، استدعى نائبه وسمع منه تقريراً عن الإضراب. عندها أمر السجناء الموجودين في الغرف والممر وساحة التنفس الاصطفاف في الباحة حسب الغرف . قال حيوت: المضرب يرفع يده . رفع الجميع أيديهم. - من يريد العودة عن الإضراب يرفع يده. لم يرفع أحد يده. - ستموتون من الجوع والعطش، سنغلق عليكم الأبواب، إنها آخر محاولة للعودة عنه. لم يردوا، ترك الباحة وعاد إلى مكتبة، استدعى الشاويشين زيتون وتريدانوا، وكلفهما بمهام إضافية وطلب إليهما السهر والمواظبة وعدم إعطاء أي إجازة مهما يكن السبب، ومراقبتهم وإجبارهم على فك الإضراب . نظر حيوت إلى مكتبه فوجد قائمة بالمطالب مقدمة من السجناء دون توقيع، نادى على نائبه ثم على الشاويش زيتون وسأله : - من وضع هذه هنا ؟ - لا أعلم سيدي! - من فتح باب الغرفة ؟ - الشرطي عما ينوئيل. - احضره فوراً. - حضر الشرطي، أدى التحية وقال بصوت مرتجف نعم " أدوناي " - من أحضر هذه القائمة بالمطالب ووضعها هنا ؟ - لا أعلم ! - من فتح الباب ؟ - أنا سيدي . _ ألم تلاحظ شيئاً على الطاولة . لم تكن موجودة . ناد زيتون بسرعة، كان المدير عصبياً وظل كذلك وهو يستجوب مرة زيتون ومرة الشرطي وآخرين حتى صارت الساعة الواحدة دون أن يستفيد شيئاً، مما أدى إلى حسم ربع راتبهما وتأخير ترفيعهما. ومع ذلك ظل المدير منزعجاً واستمر عصبياً . تضمنت قائمة المطالبة تحسين المعاملة ونوعية الطعام وإلغاء العمل الإنتاجي والسماح بمذياع لكل مهجع والاعتراف بالفدائي كسجين سياسي ومساواته مع السجناء الإسرائيليين. لف على الغرف بصحبة نائبه والشاويش تريدانوا في محاولة للالتفاف على الإضراب أو تفاديه، وكما لم يجد أي تجازب هتف إلى إدارة السجون المركزية وأخبرها. الوحيد الذي ساءت صحته منذ اليوم الثاني عبد القادر أبو الفحم، جسمه مصاب برصاصات ولم يعالج، مازالت إصاباته تنزف، ناشدوه عدم المشاركة، لم يستجب إذ تعامل مع الموضوع بعقليته العسكرية القيادية كان في طليعة قوات التحرير الشعبية في غزة. اليوم لايستطيع البقاء إلا في المقدمة، حتى ولو كلفه ذلك حياته، ذوى في اليوم الثالث ومع ذلك لم يذق طعاماً. تجاهلت سلطات السجن وضعه وحالته المتدهورة، وربطوا نقله إلى المستشفى بعودته عن الإضراب. كان واضحاً أنه لن يستطيع الاستمرار، ففي اليوم الخامس رفع رأسه ونظر إلى رفاقه، رفع يده اليمنى، ثم رفع الشاهدين وسلم روحه، فانطلق الأذان من كل الغرف. الله أكبر ... الله أكبر.. وظل الأذان ساعة كاملة وقفها السجناء حداداً على موته. استمرت صلاة الغائب على روحه ساعة في الليل وساعة في الصباح . صمّت الأصوات أذنيه لا يريد أن يسمع الأذان الديني، أعطى أوامره ليسكتوا هذه الأصوات. تذكر أنه سمعها في المغرب مازال يكرهها، توقظه صباحاً، أمه تحاول تلطيف الجو فيزداد سباً وشتماً. اعتبر ارتفاعها وتردادها في السجن المسؤول عنه حدثاً كبيراً. لكنه عندما سمع بموت أحد السجناء، خرس ولم ينطق حرفاً. طلب إلى هايمن إبلاغ إدارة السجون ونقل الميت إلى مستشفى غزة. أما هو فلم ينته بعد من التقرير الذي طلب منه عن الإضراب . |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |