ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل الحادي عشر -

صار الجو أكثر طراوة، وبدا أن فصل الصيف يهرول بعيداً، خاصة بعد أن استضافت عسقلان أياماً من تشرين. بدت الطيور تتجمع وتتفرق جماعات، غيوم تندفع من البحر تتآلف وتتبدد كـأسراب البجع. صباحاً أنفاس النهار ندية مع لسعات باردة لها لون الفرح وطعم الفواكه، الشعيرات التي تأثرت ببرودة الجو رفعت رأسها لتشم عبق الصباح. بعد العصر مالت السحابات إلى الانطفاء مع تضاؤل أشعة الشمس، هربت شرقاً حيث تلاشت. الابتسامة مزروعة على الشفاه مع تدفق أمواج البحر وعطوره. الليل فضي بعد أن أثبت السجناء قدرتهم على فرض إرادتهم. الظلمة تبتلع ليل البحر وتحوله إلى أنيس. الأمواج تعبر ثنايا الرأس ترسم صوراً مختلفة. لقد ذكرته هذه الأيام بالرحلة إلى اللاذقية وطرطوس وجزيرة أرواد وتلك القبلة الطويلة التي طبعها على شفتي وصال، حيث أمضت الرحلة واضعة نصب عينيها الفرح. أطلقت أسراب الحرية من مخبئها، ووضعت يدها في يده، رقصت مع زميلاتها وتمايلت صوبه بغنج، ثم أمسكت بيده وهو يدبك، قفزت فرحة وقالت:‏

- هذه أول مرة أدبك فيها .‏

يرد عليها: وهل تسمين حركاتك أثناء خبط الأرجل والقفز والمشي دبكة ؟‏

تضحك وتجيبه: إذن ماذا تسميها ؟‏

فيرد: أنا عاجز عن تسميتها وتسميتك !‏

يشدها ويدخلان سراديب آثار أرواد، تقترب منه وتهمس في أذنه: أحبك.... أحبك!‏

تدفع جسدها للالتصاق به وارتشاف الرغبة في العشق. خميرة الشهوة فعلت فعلها منذ جلست حانة، جسدها يفوح أنوثة ورقة، أظهرت خفة دم ودمائة لم تظهرهما من قبل، حتى كادت تطير وتسابق الباخرة. كاد ثوبها لسرعة طيرانها أن يحترق، فقد غلت المياه في المراجل ولا شيء يقف أمامها. أشعرتها أرواد بالحرية، بحر من الورود والأغاريد، أسراب النورس المحملة بآهات العشاق ورغباتهم. قال لها وعيناه تبحران في الأفق الذي ذاب مع الزرقة والمد اللامتناهي من الأمواج :‏

مابين البحر وشعرك لفتان‏

واحدة ذات نبض وأخرى تطلق ساقيها‏

ما الذي يحدث لوسبحت في البحر ؟‏

- ربما غرقت !‏

- أو ربما غرق البحر وفقد رشاقته وفنونه وجنونه، وربما هيجته، عندها سيتبعك ويدخل إحدى غرف " قصير عذراً "، ليتخلص من اللوثة التي سببتها لعقله، وربما أشعلت فتيل البرق فتتصاعد المياه، ويتحول المتوسط إلى حفرة انهدامية تتراكم فيها المياه والأملاح !‏

- في كل يوم اكتشف فيك جديداً !‏

قبلها فارتج النهدان وكادا يمزقان ثوبها الذي ارتفعت حرارته حتى أوشك أن يحترق ويشعل ذرات الأوكسجين، ولا يعلم إلا الله ما الذي سيحدث.‏

فهم كل لغة وإشارة، كل كلمة وما ترمي إليه، كلها أسئلة وإشارات استفهام وعلامات تعجب طويلة. نظراتها والأسئلة والألق والقلق في عينيها العالق على رموشها. تمزقت من الداخل. تعبت، نامت في طريق العودة على ذراعه، فتحت أعلى فستانها حتى بان رأس الفرخين القابعين في دجى صدرها الثلجي الناري، سكنهما البرق فرسم لحظة تحفر الحلمتين أرادت كسر الصخرة التي تطبق على أنفاسه وما ينتظره من اجتماعات تنظيمية، أرادته كالخريف بلا ظلال ولا ورق ولا ثمر هائماً يغني ويرخي العنان لجنونه. طلبت منه أن يرقص معها أمام الجميع. كانا على الشاطئ كطائرين غريبين مهاجرين التقيا دون أن يعرفا الدروب الموصلة إلى النهاية.‏

ناداه الشاويش زيتون، لم يسمعه ناداه ثانية و جره إلى ضابط الإدارة المصري بن مؤام.‏

وقف موشي وسلم عليه. وطلب منه أن يجلس. لهجته واضحة وكأنه جاء البارحة من القاهرة، نظر إلى وجه عمر وقال:‏

- أنا أحترمك حتى ولو اختلفنا في الآراء، لقد أثبت أنك رجل وقائد، وأنا حزين لأنك سترحل إلى سجن الرملة .... أنتَ محظوظ لأنك مولود في القدس. يمكنني القول بأنك مواطن، القوانين الإسرائيلية ستطبق عليك وستنعم بالراحة، وإذا تخليت عن مزاعمك وأعلنت ندمك يمكنك أن تعيش مثلي وربما أفضل. سيكون لك شأن، لماذا لا تستغل مواهبك هذه وتشكل حزوب معارضة من العرب واليهود. إذا فكرت بذلك لا تنسَ دعوتي .‏

- لقد كلمتني بثقة ومودة، أشكرك على شعورك النبيل، لكن ما الداعي لمثل ذلك وأنت تعرف وضعي؟‏

- كلفوني أن أحدثك بأمرين تمتعك بحقوقك المدنية لأنك من مدينة القدس عاصمة دولة "إسرائيل "، وترحيلك إلى سجن آخر، سننظرون في أمر إطلاق سراحك إذا تعاونت معهم !‏

- مسكين سيد موشي لقد حكموا عليّ بثلاثة مؤبدات، هل تظن أنهم يفكرون بما قلته. حتى ولو كان هذا وارداً فلا تنس أنني قائد وطني وعضو في جبهة معادية، إنه الروتين الذي يجعلك تفكر بذلك أم هي الأحلام الوردية. أنا وهبت حياتي ومستقبلي من أجل فلسطين. ستظل ابتسامتك التي قابلتني بها زادي طوال الطريق الساحلي الرائع ،سأذكرك كثيراً ولن أنساك .‏

عاد لينام ليلته، ارتفعت الحرارة في صدره، وتسلل العرق ليُغطِيه، شعر بضيق شديد، توجه إلى دورة المياه وسكب على جسده إبريقي ماء وارتدى ملابسه. شعر بالانتعاش، سهر مع رفاقه حتى ساعة متأخرة من الليل، وعند الصباح جهز نفسه للسفر. في العاشرة نادوه ليذهب إلى الشاويش زيتون، هناك لقنه درساً في الأخلاق والتعامل ، إذ كان وغيره من طاقم السجن مستائين من النتائج التي آلت لصالح المضربين. في الحادية عشرة انطلقت السيارة المغلقة، بعد أن فتشوا جسمه وملابسه واستلموا ملابس السجن. أوثقوه ووضعوا العصابة على عينيه، تحركت السيارة الزنزانة واتجهت شمالاً. الشمس تأتي من النافذة اليمنى فتية. أغلب الظن أنها مرت بالمدن والبلدان التالية المجدل، أسدود، ويبنه ومنها إلى الشرق ثم الشمال، وعلى الرغم من المسافة القريبة التي لا تتعدى ستين كيلومتراً، سارت مايزيد على المئة كيلو متر متجهة مرة شمالاً ومرات إلى الشرق حتى حطت بعد ساعتين ونصف في سجن الرملة .‏

شعر بالتواصل بينه وبين الرملة التي تهرول إلى البحر مبتعدة عن بطن رام الله وسفوح جبالها، هذا المد المائي الذي يغازلها من الغرب. غازل أيضاً وعلى مر آلاف السنين السماء والنجوم والكواكب، وقبل مضاجعة الريح وعراكها، لتظل حركته الأولية مستمرة، قريباً منه نهر روبين التي تسابق مياهه الشمس إلى البحر، يحتضن مياهه ويبتلعها، لكنه قادر على تجديد ذاته بدفقات ينابيعه الكائنة في خاصرة جبال القدس تعطيه دفعاً فينحدر مسافة ثلاث ساعات من مدينة الرمل والينابيع. تلك المدينة التي وهبها الله قلب فلسطين، فالمسافة بين الناقورة وأقصى نقطة في الجنوب تتوسطها هذه المدينة. في السبعة وستين دار عمر حولها دورتين، وكأنه اكتشف رغم معرفته بالجغرافية، بأنها المدينة الوحيدة في فلسطين التي تحدها ستة أقضية، قضاءان من الشمال، واثنان من الغرب، واثنان من الجنوب، وذات مرة تجرأ ودخلها ولف فيها. وقف معجباً ومبهوراً أمام الجامع الأبيض ومأذنته الشبيهة بأبراج بابل وحدائقها المعلقة، تصور أن علوها ربما يكون نصف علو الزقورات أو علوا ثلاثة أرباعها. شده ذاك المنظر الجميل للطوابق الستة التي تمثلها. كان في تجواله هذا يستهدف دراسة المناطق من الناحية العسكرية. لكن عدم وجود سكان عرب فيها جعله يتراجع، ويضع أهميتها العسكرية في المرتبة الثامنة، إذ قرر أن أفضل منطقة للمقاومة تتمثل في الشريط المرتفع بداية من الخليل جنوباً ونهاية بنابلس، هذه المنطقة التي تمثل مرتفعاتها ومقاورها وأناسها الشروط المطلوبة لتحدي السلطات المعادية، إضافة إلى وجود عوامل مساعدة كالأنهار والوديان التي عرف عدداً منها، وادي السرار والوادي الكبير ووادي النطوف، وكذلك وجود عدد من الينابيع والأحراش وبعض الأشجار البرية المثمرة، وشجيرات القندول الشائكة والتي تشكل سياجاً ودرعاً يحصنها ،هذه الشجيرات التي تمتلك ثلاث صفات. قوتها المتمثلة في جذورها والأشواك المخاطية التي تنبت على سوقها وأفنانها ورائحة زهرها الأصفر التي تملأ الجو عبقاً وطيباً. ابتسم وهو يتذكر القندولة التي أحبها، إذ ظل هو وعبلة جالسين بجانبها والزهر الأصفر ماداً فمه ولسانه كالعصفور المغرد مرحباً بهما. وقدر أن هذه المنطقة حتى تتحول إلى منطقة عمليات عسكرية تحتاج إلى ألف مقاتل ينزرعون هناك، إضافة إلى ثورة شعبية تجعل العدو غير قادر على القضاء عليهم.‏

آماله انهارت الثورة لن ينقلها القادة إلى الداخل، هذا ما أصروا عليه بعد السبعة وستين، يوم تباينت وجهات النظر داخل حركته وكان هو من الفريق الذي تبنى وثيقة آب، التي حللت نتائج حرب الأيام الستة وأسباب فشل الأنظمة. الآن يرى أن الوثيقة بحاجة إلى أخرى تؤكد فشل الأحزاب بعد هزيمة أيلول السبعين، فليس أمامها سوى تسمين ذاتها والابتعاد عن الداخل والهجرة إلى حضن بيروت الرائع والدافئ والمغري .‏

إدارة سجن عسقلان وعلى غير عادتها، فتحت إذاعتها على نشرات الأخبار، فكانت تنقلها كاملة من عمان ودمشق والقاهرة والقدس ولندن ـ طلبه مدير السجن بعد أيام من الأحداث، كان وضعه النفسي سيئاً وحزيناً لدرجة لا تطاق. طلب منه حيوت الجلوس، قدم له فنجان قهوة وسأله :‏

- ما رأيك بالأحداث الجارية في عمان ؟‏

- تريد أن تتشفى!‏

- لو كنت مكان أحد القادة ماذا تفعل؟‏

- مازلت مصراً على إزعاجي ... تريد الجواب، وقف القتال وعقد اتفاق تفاهم، ودفع الوجود الفدائي إلى هنا .‏

- أخرس " مخرب " ستظل هنا ليستمر قتالكم مع العرب، وستتقاتلون كثيراً ليكون القرار بأيدينا. أبشرك بأن سنواتكم الذهبية انتهت، لدينا الكثير عن حياة قادتكم، لدينا وثائق هامة، حين تقرر الاطلاع عليها أخبرنا، فهي جاهزة ولا تحتاج إلا لإشارة منكم.‏

غطى وجهه بكفيته، مرت أمامه أفواج تمركزت غير بعيدة عن النهر بشكل عشوائي، تم اختيار القادة العسكريين ورتبهم، فرفعوا أصواتهم يطالبون رفاقهم بخدمتهم، وببقاء خطوط النار تثرثر، غير حاسبين ما تجره من انتقام مزدوج، غضب العدو وعدم قدرة المواطنين على دفع الثمن والصمود .‏

وهذه بداية ضرب العرب بعضهم ببعضهم الآخر، من هذا المنطلق أكد على ضربه بومتين بحجر واحد، التوجه إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وتحويلها إلى ساحتي صراع وإفشال مخططات التهويد والمستعمرات .‏

كان يشعر أنه يتحدث للهواء، القيادات اتفقت على تعزيز وجودها في الأغوار وشرقي الأردن، وربما استلام السلطة، طرحت شعارات طنانه:‏

- كل السلطة ...‏

- التحرير ينطلق من عمان، عمان هانوي العرب .‏

كبر حزنه، صار بحجم ورم الخد، كبر إلى ما لانهاية، بنواءات القتال مع الدول المجاورة ومع الحركات الوطنية ثم مع النفس. تفيض عيناه مرارة فيخرج الوجع آهات تلتهم صدره، وجعاً يطرق رأسه بينما الزنزانة تتابع سيرها البطيء. ماذا عساه يفعل أمام مد الهزيمة، هزيمة تفقد عقله كل ليونة أو تفكير، شعر بثقل في رأسه. سها ولم يعرف كم من الوقت غفا! ربما نام لثوان أو لدقائق. حاول أن يفرك عينيه، لم تساعده يداه بينما العصابة مازالت تحجب الرؤية، غيوم الحزن تتسلل من نافذة السيارة، تتكوم ما بين جسده وملابسه، يشعر بثقلها ولونها الرمادي. حاول أن يتجاوز فترة ضعفه، لكنه غير قادر. الكلمات التي سمعها من حيوت جعلته يحتقر ذاته. فبعد كل ما فعل تراهن القيادة الإسرائيلية على يأسه. تساءل ماذا عن الأفراد الذين زجوا بعملية لا يعرفون عنها شيئاً، أسروا دون وعي لتصرفات العدو؟ حتى الكوادر لم يكونوا على علم بما سيواجهونه في حالة الأسر! وأي المعلومات عليهم أن يصرحوا بها وأيها يعتبر سرياً لايجوز التفريط به.‏

توقفت السيارة وتوقفت النسيمات العذبة عن الهبوب، شعر بالحرارة والضيق، طلبوا إليه النزول، أحد الجنود شده من قميصه وقاده إلى داخل السجن. شعر بفتح الأبواب ثم إغلاقها، سبعة أبواب اجتازها قبل أن يتلقى أمراً بالجلوس على مقعد خشبي طويل. تحسس المقعد وجلس، بقي معصوب العينين ومقيد اليدين. بعد حوالي ربع ساعة جاء من فك قيده ونزع العصابة عن عينيه. قاده عبر ممر طويل في نهايته غرفة المخزن. خلع ملابسه التي فتشت بدقة ووضبعت في كيس كتب عليه اسمه بقلم تلوين أسود، ثم سُلم ملابس السجن بنطال وقميص وفرشة اسفنج وبطانيتان، سجل ذلك في دفتر خاص، أغلق الغرفة وأخذ مفتاحها وطلب إليه أن يتبعه. أعاده إلى الغرفة التي كان فيها .‏

غرفة مستطيلة طولها يكاد يكون ضعف عرضها، فيها مقعد خشبي، وعسكري دائم النظر إلى وجهه. سلم عمر عليه، لكنه لم يرد. سأله في أي قسم هما من سجن الرملة ؟‏

حدق إليه وأجاب باقتضاب شديد:‏

- أنا هنا لا أعرف شيئاً‏

حاول دفع العسكري للحديث، لكنه لم يفلح. كان كمن يحاول تجاوز رجمٍ أو صيرة مبنية من الحجارة دون ملاط، كرر محاولته لكنه لم يرد بل ركز نظره إلى عيني عمر الذي جاهد لدفعه للحوار بقوله :‏

- لا أحد هنا ولا مبرر لخوفك!‏

- أسكت أيها " المخرب"‏

وضع في منفردة طولها يقرب من مترين وعرضها متر واحد، وارتفاعها يقل قليلاً عن طوله. فرش الاسفنجة ووضع البطانيتين بعد لفهما عند رأسه ليكونا مخدة. تمدد بعد أن أغلق باب الزنزانة. نام ولم يستيقظ إلا على صوت العسكري وهو يدفع له طعام العشاء المكون من بطاطا مهروسة مع نصف رغيف. تناول عشاءه وأعاد الصحن فارغاً، طلب إلى الحارس أن يخرج إلى دور المياه، الدورة المقابلة للزنزانات المنفردة. قضى حاجته وشرب الماء، غسل وجهه ورأسه ثم عاد إلى الحيطان الضيقة لينام ليلته الأولى .‏

شعر بحبه للسهر خاصة إنه نام وقتاً كافياً بعد زجه بالزنزانة. أمه ستذهب إلى زيارته في عسقلان وهناك سيبلغونها بنقله بعد أن تنتظر حتى الساعة الثانية بعد الظهر.‏

في اليوم التالي ستذهب إلى مكتب الصليب الأحمر لترتيب أمر الزيارة، فيخبرونها بعد يومين من المراجعة، بأن عليها أن تنتظر شهراً كاملاً ثم تراجع ثانية، سترفع صوتها وتشتم ولكنها في نهاية الأمر ترضخ لذلك وقلبها على نار .‏

في اليوم الرابع قاده العسكري ناحوم إلى الشاويش يعكوب الذي أخبره بأنه سينقل إلى قسم فتح، ولهذا حذره من التحدث بالسياسة. قاطعه عمر مستهزئاً، عبس الشاويش ازرقّ وجهه وتقلصت جبهته إلى أدنى اتساع وبانت تغضناتها، قال بلهجة يمنية " ستجر اللوم على نفسك " .‏

يعكوب لا يحب أحداً عربياً كان أو غير عربي، يكره حتى اليهود لكنه تورط وخرج هو وأخيه لبيبة من صنعاء صيف خمسة وخمسين. سافر إلى عُمان ومنها إلى طهران ومن هناك نقل جواً إلى تل أبيب، وعد أسرته بأنه سيؤمن السكن والعمل ثم يجد طريقه لهجرتهم إلى إسرائيل، لكن أخبار أهله انقطعت ولم يعلم عن والديه وإخواته شيئاً. بعث مع أحد الأمريكيين الذاهبين إلى اليمن عام ثلاثة وستين، فأخبره هذا بأن أسرته تركت مكانها إلى جهة مجهولة، سأل في مديرية استيعاب المهاجرين، فلم يعثر على اسمهم. أرسل ثانية عن طريق السفارة الأمريكية، فجاءه الجواب بأن الموظف الكبير الذي ندبته السفارة لمتابعة قضيتهم، لم يجد ما يثبت بقاءهم، اسودت الدنيا في وجهه خاصة بعد أن كبرت شقيقته وصارت تتأخر مساء، ثم لاتعود ليلاً. وعندما فاتحها بالموضوع نقل بعد أيام إلى سجن الرملة، ذهب لاستلام عمله الجديد بينما بقيت وحدها. بعد يومين عاد فلم يجدها، عاد بعد أسبوع، بعد عشرة أيام ... فلم يعثر عليها "فص ملح وذاب "، سأل عنها الجيران ثم الشرطة والمستشفيات، قال أحد الجيران بأن لبيبة تشتغل في ملهى ليلي، ظل يفتش عنها أربعة شهور، بعدها وضع عنوانه عند جيرانه ليعطوه إلى أخته إن عادت .‏

لبيبة عرفت النوادي الليلية، وتلذذت بلياليها مع بعض الرجال، تعرفت العديد من الشخصيات السياسية والعسكرية، حتى عرفت حيوت. ذاك الوجه الحنطي المتشرب بمياه المتوسط والمحيط، فاتخذها خليلة، تردد عليها ومنعها من العمل في النوادي، إذ خصص لها مصروفاً شهرياً، فصارت عشيقته المفضلة .‏

لبيبة حنطية لها عينان بنيتان واسعتان، فينانة، ضحكتها ابتسامة كالفجر الذي قبض على حبات الندى في بدايات الربيع، ناعمة هيفاء ضامرة البطن، صدرها مكتنز ونهداها يتصاعد منهما البخار لحظة التحفز تفتح أزرة فستانها حتى أعلى السرة. حيوت مغرم بها، هزته من الداخل مارس معها لعبة السباحة والتزلج على الأثافي، يكلمها كثيراً، يتغزل بجسدها حتى بات لا يطيق البعد عنها. طلبت منه أن يتزوجها عندما أفصحت عن ذلك صراحة:‏

- تزوجني يا حيوت ما الذي ينقصني ؟‏

- أنتِ رائعة، لا شيء ينقصك، لكنني لم أفكر بعد !‏

- سأفكر، وهل استطيع غير ذلك؟ دعيني الآن أطفئ لهيب جسدينا .‏

- هذا ما تريده، أسرتني فصرت سجينتك، أنت تمارس عملك كمدير للسجن ليس في عسقلان بل وعليّ، ما أبشع ذلك يا حبيبي !‏

- لا تقولي ذلك فكلانا سجين الآخر .‏

ابتسمت ابتسامة مليئة بالغصات، وقررت شيئاً ما في نفسها لم تفصح عنه .... أصرت بعد سنوات أن يفعل شيئاً، أن يتقدم ويخطبها ويتزوجا. تركها دون جواب، بدأت تمانعه وهو يماطلها حتى فرت ثانية إلى النوادي .‏

لم يُر يعكوب مرة واحدة مبتسماً، ينتقم من كل الذين يصادفهم في طريقه لأتفه الأسباب.‏

تعرف قيادة السجن صرامته وظلمه للسجناء فأوكلته بأمرهم وأعطوه صلاحيات واسعة. كان مميزاً بحنقه وشتائمه وبأنفه الأفطس وشفتيه الدسمتين، قال لعمر:‏

- استطيع أن أعيدك إلى المنفردة، إياك من التصرفات اللامسؤولة، أي مخالفة في الغرفة ستقع عليك، فقد حدثني عنك مدير القسم عاموس الذي ستمثل بين يديه الآن... أحذرك أي كلمة ستؤدي بك إلى الجحيم .‏

في مكتب المدير لوحة تمثل السجن وأقسامه وملحقاته ومخطط تفصيلي يبين القسم المسؤول عنه، وخارطة ثانية تبين مدينة الرملة والقرى والبلدات والمستعمرات الملحقة والتلال والوديان المارة بها، قال عاموس :‏

شكراً سيد يعكوب دعنا وحدنا .‏

نظر مدير القسم إلى عيني عمر وقال في نفسه كل منا مناسب للآخر في الشكل، فلم نختلف؟ تناقش في البداية معه حول ذلك. فأجاب عمر بما لا بقبل الشك بأن الأمور لا تقاس بالشكل، بل بالجوهر .‏

عندها دخل المدير في حديثه فقال:‏

- أنا أريد أن أحكي معك حديثاً ودياً، لن أسجل شيئاً، فليس لدي آلة تسجيل ويمكنك أن تتأكد من ذلك، ولا يوجد من يسجل أقوالك، حتى قلمي سأضعه على الطاولة، عليك أن تناقشني بأفكارك دون خوف وتجيب عن تساؤلاتي، فأنا احترم وجهات نظر الآخرين، وخاصة كونك قيادياً، في البداية أحب أن تحدثني كيف يحيا القيادي في أي منظمة ؟‏

- يوم كنت في الأغوار كنا نعيش قيادة وكوادر وأفراداً حياة متشابهة. أما اليوم فقد اختلف الأمر، القيادي في أية منظمة يمارس عكس مايقوله، أما الحياة الاجتماعية فهي بالضبط كحياة القيادي عندكم، يأكل أكلاً لا يتناوله أحد من الشعب ويشرب نخب القيادة ويعاشر الشقراوات وله رقم حساب في الخارج.‏

- إذن أنت علي خلاف مع قيادتك ؟‏

- نحن لا نستطيع أن نكون إلا مع قيادتنا، فليس لدينا خيارات أخرى، بلادنا محتلة والحكام العرب لا يقبلون ثورتنا.‏

- إذن لماذا لا تجلس قيادتنا وقيادتكم ونشرب نخب السلام ؟‍‍!‏

- تريد أن تقول الاستسلام وهذا ما ترفضه القيادة .‏

- وأنتَ؟‏

- أنا دفعت شبابي وحياتي فداء للثورة والوطن ولن أقبل عنهما بديلاً .‏

- إذن لن نتفق !‏

- سجين وسجان بالتأكيد لا شيء يمكن أن نتفق حوله .‏

في المهجع الذي أدخل إليه متناقضات غريبة، الجدل السياسي يأخذ منحى غير صحيح كل واحد يتهم تنظيم الآخر بالتقصير أو عدم العمل، ويصل هذا إلى حدود الضرب. الشيخ خالد بيده القرآن وحوله أثنان، يتلو ما تيسر من سورة مريم: " قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً. قال كذلك ربك هو عليّ هينٌ ولنجعله آية للناس ورحمةً منا وكان أمراً مقضياً ."‏

أربعة يلعبون الورق ويصيحون فرحاً لدى انتهاء الشوط، ليبدؤوا شوطاً آخر من جديد، غير آبهين بمن يقرأ من القرآن ولامن يناقش بالدين. السجان حاييم شال فتح الطاقة كعادته ضحك وعندما نظر الجميع تجاهه، أخبرهم بأنه جاهز لأية خدمه مادام كل شيء بثمنه .‏

حاييم مهرب حشيش وأفيون ألقي القبض عليه حكم ثلاث سنوات، بسبب مقاومته الدورية التي جاءت لاعتقاله، جرح أحد أفرادها، إذ ضربه سكيناً في خاصرته، أمضى سنة ونصف في سجن الجنائيين الإسرائيليين، ثم حول كسجان على المهجع الذي سمي باسم مهجع المشاغبين .‏

عقد صداقة مع كل من عايد مصطفى وبدر يوسف .‏

عايد اتهم بقيادة خلية فدائية، ضرب على رأسه وجسده وتألم كثيراً. في اليوم الثاني والثالث بدأ يشكو من ألم فظيع في رأسه ثم حالات إغماء يتلوها ألم شديد، بعد شهر حول إلى سجن الرملة بعد أن تأكد مدير سجن المسكوبية في القدس بأنه أعطب عقلياً وبات مختلاً، وبدل وضعه في مستشفى الرملة " بيت حوريم " أودع السجن. تأتيه نوبات هستيرية وعصبية، يـأخذه حاييم ويعطيه حبوباً مسكنة، فينام مدة طويلة وعندما يفيق ينظر حوله، ثم يهيج كالجمل يرغي ويزبد، يضرب الحائط ويعض يديه ولا يهدأ إلا بعد تناول حبة من هذه الحبوب، أعتاد عليها ولم تعد تعطي مفعولها، فبدأ يعطيه كمية من الحشيش، فأخذت تظهر عليه بعض العلامات كاحمرار عينيه وسعاله المترافق مع بلغم. البرودة تسري في أطرافه مع عرق بأرد وفير، ومع الزمن لم يعد يتمالك نفسه فبدأ يبول على ثيابه، ثم صار يفعلها تحته، انقلب وجوده إلى مصدر ازعاج وروائح واخزة وكريهة .‏

أما بدر يوسف فيقال إنه هو الذي شجع عايد على تناول الحشيش، له طبع سيء يستهزئ بالآخرين، يحتقر الموجودين في الغرفة ويتشاجر معهم، تبدو عليه علامات عدم التوازن، إضافة إلى استدعائه إلى الشاويش يعكوب مرة أو مرتين في الأسبوع.‏

في الأيام الثلاثة الأولى لم يتكيف عمر مع هذا الجو، فوضى، إزعاجات، مشاحنات مرض وأصيب بالدوار ووجع المعدة، ناوله حايم حبة معدئة فرماها في وجهه وقال له :‏

- سأظل يقظاً من أجل أمثالك .‏

التفت السجناء إليه، عرضت ابتساماتهم وزينت ثغورهم. بدأت الشكوك تحوم حول بدر في الأيام الأخيرة، راقبوه، استدعي من قبل الإدارة، فسارع عمر إلى تفتيش ملابسه، وجد عنده دفتراً دون فيه بعض الملاحظات عن السجناء، وعلبة أقراص منوم وزجاجة شراب لها الفعل ذاته، إضافة إلى كمية من الحشيش. عند عودته تعاون بعض السجناء عليه، أدرك إنه اكتشف حاول الهرب إلى غرفة العار، فلم يمكنه عمر من الوصول إلى الباب وإخبار العسكري بقراره، ناوله ضربة على بطنه وأخرى على خده فوقع مغمىً عليه، قعد على بطنه، سأله:‏

- ما الذي فعلته يا خائن ؟‏

- سأعترف بكل شيء فقط أبعدوا يد عمر عني.‏

- نعم أنا مذنب وأطلب الصفح، كنت أتجسس عليكم.‏

- لم فعلت ذلك ؟‏

- وعدوني بإخلاء سبيلي. أنا مكلف بنقل تقرير نصف أسبوعي إلى الشاويش، وإلى الآن لم يفوا بوعدهم لقد خذلوني. أنا تائب على يدكم .‏

لكن هذا لم ينقذه من الضرب، وصل صوته بعيداً فحضر كل من حاييم والعسكري ناحوم والشاويش يعكوب، الذين دخلوا إلى المهجع وخلصوه من الموت. اقتادوا بدراً، ومن يومها لا أحد يعرف عنه شيئاً .‏

رمى الشيخ خالد الحبوب المهدئة وكمية الحشيش في المرحاض وسكب فوقها الماء حتى تأكد أنها وصلت إلى المجرور العام. استغفر ربه وجلس مكانه، تناول القرآن وبدأ يقرأ سورة يوسف. بعد قليل جاء التفتيش فلم يجدوا شيئاً .‏

عايد ظل طوال أسبوعين تأتيه نوبات عصبية وهستيرية والسجناء صابرون على بلواهم، حتى جاء يوم بدأ الاتزان يعود إليه تدريجياً، لم يمض شهر حتى عادت قواه العقلية بشكل نشط، فحمد الله وشكره كثيراً على خلاصه من بلوى المخدرات، ترافق هذا مع نقل السجان حاييم من القسم.‏

مع بداية عام واحد وسبعين تخلص المهجع من سيئاته، فقرروا الاحتفال بالعام الجديد، حاول الشيخ خالد واثنان معه عدم المشاركة، ابتعدوا عن الجماعة، حجتهم في ذلك أن الاحتفال الحقيقي في عيد رأس السنة الهجرية، فساد القلق والترقب، استغرب الأكثرية هذا الموقف، ناقشوهم بعصبية، تدخل عمر لحسم النقاش حول هذا الموضوع بقوله:‏

- إما نحتفل جمعياً أو لا نحتفل، أرفض مبدأ الاحتفال دون مشاركة تامة، نحن هنا إخوة ورفاق درب وسلاح، الفرح للجميع والحزن للجميع، وبما أننا تخلصنا من قاذورات الغرفة، فقد بات من حقنا الاحتفال، أليس كذلك؟‏

قبّل الشيخ خالد عمر وقال :‏

- الفرح للجميع والحزن للجميع، لنحتفل إذن .‏

بدأ الاحتفال بإنشاد موشح أداه الشيخ وأربعة من أصحاب الصوت الجميل. بعد ذلك ترددت الأغاني الوطنية، والأغاني العاطفية، ثم تحدث بعضهم عن أغرب موقف مضحك واجهه. دقت الساعة اثنتي عشة دقة، وضعوا ما عندهم من طعام، تلا ذلك هرج ثنائي وثلاثي استمر حتى ساعة متأخرة، على ضوء الشموع الخافتة .‏

في الصباح وفي تمام الساعة السادسة فتح الباب وصوت الطرقات عالية تتردد في أرجاء الغرفة، أفاق الجميع وهم ويفركون عيونهم، صاح الشاويش بصوت عالٍ: " اسفيرا"‏

لم يترك أحد منهم فراشه ولم يصغوا لكلامه نادى ثانية وبصوت أعلى ": انتباه ... التفقد " أخشيف ... اسفيرا" مع قرع الباب. أخذ التفقد اليومي وغادر إلى غرفة أخرى. بعد ساعة أحضروا فطاراً جيداً، هو عبارة عن بيضة لكل سجين وعشر حبات زيتون مع رغيف من الخبز الساخن والطري. هذه الكمية بالعادة لا تعطى إلا في المناسبات، وهي ضعف الكمية المقدمة يومياً على الإفطار .‏

استعدوا للفورة بينما عمر والشيخ خالد يستعدان للخدمة الذاتية، التي تتمثل في التنظيف والطبخ. حاول بعض السجناء إعفاءهما من ذلك، ولكنهما رفضا وأصرا عليه. بعد أن انهيا عملهما تناقشا، بدأ الشيخ حديثه:‏

- أنت بركتنا وتصير قدوتنا إذا صليت .‏

- دع هذا جانباً على أساس أن لكل منا مبدأه، نختلف من أجل الوطن والعمل الأفضل، هناك ما نلتقي عليه، كوننا ندافع عن قضية واحدة ضد عدو مغتصب وضد العبودية وطغيان رأس المال الذي يحول الإنسان إلى أداه .‏

- إذن أنت شيوعي ‍‍‌!‏

- ليس هذا بالضبط، أنا مادي أؤمن بالفكر بالجدلي .‏

- المادي ملحد!‏

إذن اختلفنا في البداية .‏

اقترب منه الشيخ خالد، وضع يده في يده تعاهدا على التعاون. كان هذا الموقف لطمة كبيرة لإدارة السجن، قدروا أن وجودهما في غرفة واحدة سيؤدي إلى شجارات لها أول وليس لها أخر. لكن عندما وصلت التقارير إلى مدير السجن العام ليفي جونسون، لطم على خده، ووجه كتاب توبيخ إلى عاموس لسوء تصرفه، بينما اعترف بينه وبين نفسه بأن عمر إنسان غير معقول أبداً، لابد من تحطيم نفسيته، وإذا لم نقدر فالحل الوحيد هو قتله .‏

ترك عاموس مكتبه وتوجه إلى مكتب ليفي جونسون، وهناك تلقى أوامر صريحة حول مراقبة تصرفات عمر وزرع أحد العملاء في غرفته، ونشر الدعايات والايقاع بينه وبين الشيخ خالد على أساس عدم جواز تعاون الكفره والمؤمنين، والتركيز على أن الفرق في إسلامهم ما بين المسلم والكافر ترك الصلاة. " أعتقد أنك عرفت مهمتك جيداً، أعلمني بالنتيجة أولاً بأول ".‏

- سيدي، الشخص الذي زرعناه في غرفتهم كشفوه وطردوه، من الصعب الآن زرع غيره، حتى لو فعلنا، فإنهم متماسكون بشكل غريب، تصوّر بأن الماركسيين لا يسمحون لأحد بأي كلمة أثناء إقامة الصلاة، ويقال بأن الروحانيين والماديين متفقون، كما لو كانوا في تنظيم واحد .‏

- إذن عليك أن تذل الشيخ بأي طريقة وتفقده هيبته الشخصية ومكانته الدينية، فإذا تزعزعت ثقته بنفسه وثقة الآخرين به، نكون قد وضعنا قدمنا على الطريق الصحيح. مثلاً تجعل رجالك يبثون دعايات حوله، عاملوه على أساس أنه كافر .‏

- سأحاول كل جهدي .‏

تراجع قليلاً وأدى التحية ثم انصرف وهو حانق وحاقد. على الفور استدعى الشيخ خالد، تركه في الغرفة ساعة كاملة، ثم طلب منه العودة إلى مهجعه وذلك مدة سبعة أيام وفي اليوم الثامن، جاءه عاموس وخاطبه :‏

- ياشيخ خالد أنا لم أصدق الدعايات التي وصلتني، باختصار أنت مادي أم روحاني ؟‍‏

- معاذ الله أن أكون مادياً ‍‏

- ألا تعرف الحكمة التي تقول بأن الشخص يعرف من قرينه " قل لي من تصادق، أقل لك من أنت " وأنت لا تصادق سوى عمر، الشخص المادي في غرفتكم .‏

- لا شيء يعيبه، إنه قائد وطني ويشرفني الاقتداء به .‏

- إنه ماركسي كافر ‍‍!‏

- وليكن ماذا في ذلك نحن متفقون على أمور أكبر من ذلك .‏

جن جنون مدير القسم، لم يتمالك أعصابه، فقال للعسكري، خذه من أمامي، إنه يغيظني بطريقة لا أحتملها، خذه وقل له ممنوع من الصلاة داخل الغرفة.‏

عندما حدث الشيخ رفاقه عن مقابلة عاموس قال عمر:‏

نحن معك يا شيخ خالد كلنا نقف إلى جانبك، منذ اليوم عليك أن ترفع الآذان ثم تصلي ويوم الجمعة تلقي فينا خطبتها .‏

تذكر أمه التي تلبس ثوبها الأبيض وقت الصلاة، وكيف كان يناكفها عندما تقطع حكايتها أو تؤجلها إلى ما بعد صلاة العشاء. تطيل الركعات فيذهب إلى فراشه حزيناً، ينتظر جلستها والتشهد فعندما يرى الشاهد يرتفع ويرى تسليمها، يهرع إلى حضنها، أما إذا برم وجهه فإنها تناديه " تعال يا عفريت أنهيت صلاتي، تعال لأقص عليك حكاية مشوقة ".‏

تحمله وتضعه في حضنها ثانية، تقبله، ينظر إلى وجهها، يدقق النظر إلى مساماته وإلى عينيها السوداوين ووجهها الحنطي بقوله:‏

- أنت جميلة يا يمّا !‏

- أنتَ أجمل يا ولدي، عيناك ما شاء الله زرقاوان، ووجهك اللهم صلي على النبي مثل المصحف.‏

يردد ما قاله فترد عليه :‏

- لو لم أكن جميلة لما تزوجني والدك، ما الذي أصابك كأنك تراني لأول مرة، أو كأني غائبة عنك سنة، ألا تريد الحكاية !‏

يستعد ويصغي لسماعها، مازال يذكر تفاصيل حكاية " ابن البايرة "‏

كان يا ما كان يا مستمعين ... دخل أخوه عدنان يناديها لتعير المنخل لابنة الجيران. وفي هذا الوقت طلب أبو عدنان فنجان قهوة. ضجر عمر من هذه المقاطعات والطلبات، حكاياتها شيقة، سمع منها حكاية جبينة التي ظلمت ولكنها أنصفت في النهاية وعادت إلى أمها تمسح بيدها على عينيها لتهبها النور كما وهبت الحياة والخضرة لأرض وطنها .‏

اقترب من أمه قبلها وقال :‏

- هيا حدثيني .‏

بدأ يتقلب في حضنها ويصدر صوتاً شبيهاً بالبكاء .‏

نظر أبو عدنان وقال مخاطباً إياها :‏

- ألم ينم العفريت بعد ... أنت تدللينه يا أم عدنان !‏

- ولو يازوجي إنه عمر أنسيت كم تحبه ؟‏

قالت ذلك والتفتت إلى عينيه الزرقاوين صلت على النبي وبدأت الحكاية :‏

" كان يا ماكان في قديم الزمان، كان لرجل ثلاثة أولاد. اثنان من امرأته الجديدة وواحد من القديمة التي يدعونها " البايرة " أراد أن يمتحن أولاده ...نمت يا حبيبي طيب بكره أكمل لك الحكاية " .‏

صباحاً أفاق باكراً دس رأسه في حضنها وقال :‏

- هيا أكملي الخرافة .‏

- النهار للعمل يا حبيبي والذي "يخرف " فيه تصير نقوده المعدنية تنك .‏

مازال يذكر تفاصيل الحكاية التي تتكرر كل يوم، قال في نفسه إنهم هناك شرقي النهر أبناء الجديدة الذين يرفضون اجتياز المخاضة ونقل الثورة إلى الضفة الغربية .‏

نظر إلى الشيخ، اقترب منه وقال:‏

- وحد الله يا رجل أراك مهموماً، منذ ساعة وأنا أراقبك ما الذي حصل ؟‍!‏

- لقد تأخرت أمي، كانت تزورني كل شهر أخاف أن يكون قد حدث لها مكروه، هل تصدق يا شيخي بأنها حياتي !‏

- ألا تذكر حديث الرسول الذي أوصى الإنسان بأمه حين سأله أعرابي من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله فقال له، أمك، قال الأعرابي ثم من، كررها الرسول ثلاث مرات ثم قال بعد ذلك ... أبوك .‏

عرف عمر بأن التهمة الموجهة إلى الشيخ هي إيواء " المخربين "، حدث ذلك عندما قبضوا على ابن أخته القادم من الأردن. سألوه فاعترف بأنه مر ببيت خاله في إحدى دورياته، اعتقلوه وعذبوه سألوه عن صلته بابن أخته، وإلى أي تنظيم ينتسب ؟‏

أجابهم: أي محكمة في العالم تدين الخال إذا استقبل ابن أخته وضيفه !‏

حكموا عليه بالسجن خمس سنوات .‏

قال عمر: عندما تخرج عليك أن تعمل وتحرض الجماهير ضد الاحتلال في خطب يوم الجمعة وغيرها، وتحكي لهم قصص السجون .‏

- هذا أقل ما سأفعله، ستسمع عني الكثير، أنا متأكد بأنني سأعود إلى السجن ثانية، لكن هذه المرة بتهمة حقيقية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244