|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الرابع عشر - الصديق عمر : تعكرت مياه بردى، وتحولت الغوطة إلى ركام من الاسمنت، المكان الذي احتوانا جانب شجرة الجوز الضخمة، جاءت جرافة وسوته بالأرض. أزور كل منطقة ذهبنا إليها واتفحصها. أعيش اليوم على الماضي. لو خيروا الموت للسكن، لوجد فؤادي المحطم أفضل مكان لراحته، دقاته كادت تتوقف! ماذا بقي من الشباب سوى ما يجول في خاطري عن مشاويرنا ؟! لم أعرف أن الحياة التي عشناها جميلة! فالإنسان قد يعيش وسط الجنة ولا يعرف قيمتها، الآن أذكر كل لحظة من اللحظات التي عشناها . ما هذه المعادلة، تذهب إلى الأردن ومن هناك إلى القدس، وتحتل بلدك وتخرج إلى الأغوار! لماذا لا تأتي إلى دمشق؟ هنا قريباً من الجولان مجموعة قواعدلكم. لماذا لا تفرح قلبي مرة واحدة ؟! سألت عنك الطيور فصفقت بجناحيها وغادرت إلى الجنوب، ألم تنقل بعض ما حملتها ؟! أذهب إلى الجامعة وأجلس على المقعد نفسه الذي ضمنا آلا تذكره! كم حدثتني وأنا أسمع إليك، ليتني سجلت صوتك، ليتني لم أتركك تسافر أيها المجنون! ففي بلادنا يحجز عليه ويوضع قريباً من دمشق في مستشفى ابن سينا. نعم مستشفاك عندي وفي بيتي، ليتني قلت لهم، لا تدعوه يسافر، لقبقيت قريباً مني، هل تشفع لي لو فعلت ذلك ؟! مازلت أذكر بعض تعبيراتك الرائعة، وخوفاً من نسيانها سجلتها، لا شك في أنك تصلح أن تكون شاعراً، أديباً لو سلكت هذا الطريق، هل أذكرك ببعض نصوصك : مليون زهرة برية تشبهك واحدة لها صفاتك واحدة لها أنفاسك وأريجك واحدة فقط قادرة على الحياة في كل الفصول لا تذبل جدائلها ولاتصفر وجنتاها ولا تتوقف عن التغريد إذا عرف أحدكم ما اسم هذه الزهرة فليصرح ؟! ربما يكون مطابقاً لاسم وصال الرغوة . حبيبي : أبحث بين أشيائي عنك فأجدك أمامي وخلفي ومعي، أنتَ في الهواء الذي أتنفسه، وفي الماء الذي أشربه، اليوم قرأت لك هذه العبارات التي دونتها في دفتري منذ كنا في السنة الثانية، هل أذكرك بها؟ ! فتاة مثلك تخضر لها الدروب تبتسم الأرض ومن نداها تتشكل الألوان المفرحة وصال كلها مرح إن كانت في الأرض فلتمنحها خضرة وإن كانت في السماء فلتهب الشمس من دفئها ولتطالع وجه البحر. كلماتك تفقدني الحيلة وتحولني إلى ركام. لماذا تركتني؟ هل أمزق ثيابي و أخرج عارية وأقول سجلوا هذا ما فعله عمر القاسم؟ لماذا تركتني يا عمر، نعم إن ظروفنا مختلفة، وطريقنا ليس واحداً، لكن ضربات قلبينا متوافقة ؟! ألم يكن بيدنا أن نفعل أكثر من ذلك! هل أنت قادر على التحرير؟ وهل أنا قارة على الصمود؟ عودتني سماع أم كلثوم وها أنذا أسهر ليالي وأنا أسمعها تئن وتتعذب، فتخفف بعض شجوني أو تزيدها لا أعلم، لكنني والحق يقال أرتاح لسماعها، فسماعها جزء من وجودك وذاتك ؟! اليوم أردد بعض عباراتك الشهيرة : إذا عبأت الغيوم في جفني، فأي سماء تتسع لدموعي ؟! كل غيوم الشتاء أحملها على ظهري، فإن جفت أعطيها دمعة واحدة، لتعيد التوزان والرطوبة والمطر! عزيزي: إذا دخل الوطن إلى المعتقل فعلى أبنائه أن يفكوا قيوده، أما إذا دخلت المرأة المعتقل فمن يفك قيدها ؟! اجبني ياعمر لك تحياتي وحبي وصال في العاشر من أيلول الثمانية وستين تذكر دماثتها وهروبها وتزحلقها على الثلج، والرحلات الربيعية وعالم الجامعة وما فيه من تناقض وتمرد ومظاهر متباينة. كم شدها إليه وشعر بلذة شفتيها ونداوتهما! ذكرته بمواقف عديدة، هجمت على ذاكرته دفعة واحدة ... نظراتها الناعسة تلاحقه عاتبة، رفضت أكثر من شخص تقدم لخطوبتها. كان آخرهم معيداً في الجامعة، ابناً وحيداً لتاجر كبير. أمها طارت من الفرح، سمعت كلام ابنتها وعدم حماستها، فأصابتها الدهشة، ووصفتها بالبلهاء. قرأت عليها سورة الكرسي وحاولت أن تقنعها بالزاوج . - يابنتي الزواج يدفع عنك غدر الحياة وشرها، والحياة بقدر ما تعطي تأخذ. ضغطت على ابنتها ومارست سلطتها كأم من أجل الموافقة، لكنها لم تفلح. عيناها قلقتان متمردتان، أمضى ليله ساهراً على وهج عينيها ومتلذذاً برحيق شفتيها. أحس بأنه يحلم وعليه أن يقول رأيه بصراحة، أن لا يخدعها. شعر بسحابة تغطيه، أبعد شعرها، جسدها البكر يفور كالأرض البور التي تزرع لأول مرة. ظل أسبوعاً لا يذوق طعم الأكل حتى بان عليه الضعف. عيناها لا تفارقانه، نظراتها قاتلة . ماذا لو عرفت أنه تعلق بغيرها، وأنه مرتبط بعبلة، ذات السحنة الحنطية والجسد المكتنز، والتي أثارت اهتمامه، وأقظت الينبوع من رقدته. تلوى جسدها كالطريق التي تتسلقه السيارات الآتية إلى القدس من الجنوب والشمال والشرق، بعضها مسافر إلى بيت جالا وبيت لحم والخليل ومنها ينعطف شرقاً إلى أريحا أو شمالاً إلى البيرة ورام الله ونابلس. قال لها: - أحبك ياعبلة ! تلون وجهها بالشحوب أشبه بمرعى مقفر، احمرت واصفرت وارتجف جسدها كقصيلة في مهب الريح، بان عليها الانفعال، نظراتها المجنونة تحاصره، تطالبه بأكثر من كلمة أحبك، يهرب من بريقهما، أعلن جسدها عن فوضى وارتباك وشفتاها عن حيرة، رفع رأسه، ابتسم، ارتفعت الشطآن إلى شفتيها لتزيد كمية الملح في البحر. قبل أن تتركه تاهت في بحر الزرقة، حدق، نادها، النسائم ترتل أنا شيدها والنهار يهرب غرباً محاولاً الإفلات من مرتفعات القدس التي تحاول تأخير انحراف الشمس. عادت وهي تلملم طرف تنورتها خوفاً من تسلل الرياح إلى جسدها الكتنز. عيناها تائهتان تنبئان بانشغال فكرها. نظر إلى الجو، عصافير طائرة على غير هدى، نهار ثقب عينيه. سمع لحنه المسافر ولهفة الغريب إلى بيته. حدقت إلى عينيه، تاهت في بحر هائج ... رأى حيرتها، فقال: - هيا نمضي معاً، المستقبل لنا. كانت هذه الإشارة كافية لإعادة كنار قلبها إلى الزقزقة وعطرها إلى الانتشار، وألوان شفتيها وخديها إلى الظهور. بدأت الموسيقا تدق في رأسها، صوت ناي له نغمتان متناوبتان. رائحة التراب والأرض التي اشتاقت إلى الماء. مشت على غير عادتها بغنج ودلال لم تفعله طوال حياتها، وضعت يدها بيده وهمت بتقبيله والبوح بأسرار لا يعرفها أحد، هل تبوح بسهرها وشوقها وخوفها؟ ضغط على أصابعها، كل شيء فيها بهي كالزهر، غض كالنعناع، مطواع كغصن اللبلاب. أضاء القمر الدروب أمامهما، حدثها عن التنظيم ،عبست. نظرت باستحياء كمن فعل شيئاً شنيعاً. وقفت أمامه شجرة برتقال فتية تحمل فاكهة وزهراً. قالت: هيا إلى الاجتماع . آخر مرة رآها أدركت بحاستها الشامية، أن كلاً منهما ذاهب في طريق وأنهما يقفان على المفرق. قالت: ستذكرني! - لن أنساك يابنة الرغوة! هم بوداعها وتقبيلها، تراجعت وأخرجت طوقاً من محفظتها، مالت إليه ووضعته في يده. نظر إليه راقب اختلاجات جسدها الحبور للحياة، ضمها إليه، ارتفعت أشعة الشمس مقدار عشرة أمتار، نادى على صاحبة الغرفة، دفع الأجرة وأعطاها المفتاح وودعها . منذ ساعة اختفى القرص في البحر، وصلا مكان الاجتماع، مالت إليه وقالت : - متى ستلتحق بعملك الجديد في بيت صفافا . أجاب عبلة : - في السابعة صباحاً سأكون بانتظارك، نذهب معاً. حركت فيه رسالة الشامية كوامن العشق، تعيش معه لحظة بلحظة، أشعل الضوء، بحث عن قلمه، لاشيء سوى صوت الصراصير وحديث الحارس مع رفيقه، نبههما إلى ضرورة اليقظة، ووضع شريطاً لأم كلثوم في المسجلة، أخفض صوتها، الآخرون ينام ولن يزعجهم، تناول القلم. الصديقة وصال : لا شيء هنا يجري كما نريد، الأحلام الغضة التي قفزت إلى ذاكرتي يوم كنت في دمشق تبخرت. المسافة التي كنت سأقطعها مشياً، عليّ أن أهرول الآن لألحق بالزمن، فقد سبقنا. لا شك أن الحلم ترعرع في ضلوعنا حتى استطاع أن يجد مساماً وصل عبره إلى الفؤاد. هل أبوح بالحب الذي لم يجد واقعاً يحتضنه، حبنا يابنة الرغوة أكبر من المكان الذي نحن فيه، لقد دمر " الاسرائيليون " كبرياءنا ورجولتنا، هل تعرفين ما معنى أن ينتصروا ونهزم ! أنتِ تعيدينني إلى الحياة الرائعة التي عشناها، لاشيء بقي كما هو، لقد أفقدنا العدو المرح. انظري إلى الأماكن التي ذهبنا إليها، أمازالت الغوطة نضرة؟ وقاسيون شامخاً؟ الربوة عابقة بالحياة والألفة؟ وأبو رمانه رسول الحب والحميدية سوقه؟ افحصي كل الأمكنة ودققي النظر في جمالها ستجدي كل شيء قد تغيّر . أنا لم أخدعك يا حبيبتي، يمكنك أن تتزوجي وترتبطي مع أي إنسان تختارينه، فيك من الجمال والرقة والدماثة والأنوثة ما يمكنك أن تلهبي عقول المئات وأفئدتهم ... أما إذا كان حديثك عن المنظور العام، فكلانا خدع واستلبت أحلامه . الأحلام أيتها الصديقة لم تعد لها وجود في عالمنا المقهور، هل تدركين ما معنى أن الإنسان يحلم؟ معنى ذلك أن لديه الأمل بتكوين حياة كما يريدها. علينا مهام عظيمة، أن نعيد لهذه الأمة العريقة كرامتها. مازالت مصراً على مبادئي، ستقولين بأنني محنون؟ مجنون فلت من يديك، ولكنني لن أفلت من يد الوطن. اليوم مهمتي صعبة. ستسمعين ذات يوم وأنت على الشرفة شيئاً عن النضال في الداخل، هل نترك عدونا؟ تابعي أخبارنا أيتها الرفيقة . وداعاً يا أغلى الأحبة وسلاماً .. الأغوار في نهاية أيلول الثمانية وستين . أيقظت وصال الفتنة النائمة، تذكر كيف تمشي بدلال وغنج، أو كما يقال " خصلة وعنقود " تتقصع، تقول " التي لا يدللها حبيبها فإلى القبر " تسير أمامه وهو يتأمل ملكات أنوثتها الشهية، تلبس ذاك الثوب الطويل المطرز الذي اشترته من عجوز فلسطينية. لبسته غير مرة في بيتها وبوجوده، كلنها لم تتجرأ ولومرة واحدة على الخروج به إلى الشارع. أخبرته بأنها ستحفظه في خزانتها الخاصة. أما الخراطة الضيقة الشادة على خلفيتها والتي تحدمن حركتها وسرعتها، تمشي بهدوء وتمهل، السرعة تهري القماش وتترك حزاً على جسدها نتيجة الحركة والاحتكاك، كانت تفضلها في الربيع لتتناغم أنوثتها مع مواهب الطبيعة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |