ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل الخامس عشر-

شوارع طويلة، وأزقة ضيقة، بيوت قديمة يستند بعضها إلى بعض، أناس مستعجلون، شباب انتشروا في كل مكان يبيعون الصحف والعلكة، استمر عمر في طريقه يراقب وجوه الناس عله يجد الفرح الذي هرب منه، يرد التحية برفع يده، ردد كلمات متفرقة، العمرية، ثانوية بيت صفافا، المخابرات، والدته التي تلاحقه بأسئلتها، والده الذي يريد أن يخطب له ابنة عمه، تساءل إن كان من الصواب أن يذهب إلى الشعبة السياسية بقدميه، ويسلمهم نفسه. سيوفر عليهم متاعب البحث، وسيقع في متاعب شتى، لقمة العيش، إخوته، تراجع عن ذلك حين اقتنع بأنهم قادرون على جلبه، عندها سيتعرض لإهانة مضاعفة. ربما يمسكونه إذا حاصروا البيت وأحضروا خمسين عنصراً، لن يسلم نفسه. أما ما يسمعه من أقوال تدعو إلى تخفيف العقوبة أو العفو عنه، فهي تافهة.‏

لماذا يسلم نفسه؟ ولماذا لا يسلمها؟ لازمته الأفكار منذ البارحة مساءً، جلس وحيداً ثم غادر البيت، عاد وظل ساهراً حتى نام والده وإخوته. عليه أن يقصدهم ويقرع بابهم.‏

الكتاب الذي وصله يطلب حضوره إلى مديرية المخابرات العامة قسم الأمن السياسي، شعبة الشؤون العربية في اليوم التالي للتبليغ، الساعة التاسعة صباحاً، وأي تأخير يستوجب المساءلة .‏

عليه الذهاب والإجابة بقدر السؤال المطروح، وإذا لم يسأل يلتزم الصمت، وفي هذا الجانب تصير الحكمة الشعبية جيدة. أخذ يتذكر وصايا التنظيم، لا تعترف، للتعذيب نهاية، أبعد الشكوك عن رفاقك. إذا طالبوك بأسماء أصدقائك فعدد أقاربك وطلاب صفك القدامى. بدأت رأسه تلف. ما هذا الظلم أربع ساعات بالمنفردة لقاء كلمة واحدة! كيف لو تحدث جملة مفيدة قال فيها الحقيقة، أو كتب معلقة جاهلية؟ كيف لو شاؤوا محاسبته على انتمائه التنظيمي الذي يقف علانية ضد الحكم من خلال الاجتماعات والمظاهرات والبيانات ؟!‏

تابع سيره شمالاً بعد استراحات عدة، تخلص من ازدحام شوارعها، الشوارع الفرعية تكاد تكون فارغة، أبنية موزعة على طول الطريق المؤدي إلى رام الله، سار على الجانب الأيمن من الشارع وغنى " وين ع رام الله ولفي يا مسافر وين ع رام الله " توقف عن الغناء، وصوته الخشن والموقف الانفعالي والحالة النفسية لا تساعده على الاستمرار في الغناء، عاد يناقش الموضوع في فكره، ارتاح على بعد مئات الأمتار من آخر بيت، أسند كوعه إلى حجر كبير، حفر التراب بيده، ماذا يفيد تهربه، ولا عمل دون الذهاب إليهم وأخذ الموافقة. الساعة العاشرة والثلث، لن يستقبلوه هذا اليوم. سيتعرض لأسئلة سخيفة، غداً سيكون في إدارة المخابرات العامة قبل التاسعة كما هو منصوص في الورقة، وسيكرر ذهابه حتى يملوا منه، سينهي كل شيء، لاشيء يخيف، سيسألونه عن اسم التنظيم الذي ينتمي إليه، ورأيه بنظام الحكم، ويعرضون عليه التعاون معهم.‏

أسئلة سهلة، إنهم غير قادرين على معرفة أمور يظن أنهم مطلعون عليها. عادت الشوارع إليه، الأبنية الفخمة الحديثة تطالعه، تابع سيره تجاه وسط المدينة، تخلص من كل ماهو حديث وصل الأسواق القديمة والأحياء الشعبية والأماكن الأثرية والدينية، دخل الزحام، تجاوز مجموعة أزقة وتابع سيره يحث الخطا .‏

أول البارحة وصل إلى البيت متأخراً، ناداه والده وسأله عمّ فعل خلال الأيام الماضية، لم يتلق إجابة مقنعة. ناوله ورقة التبليغ. أمامه كتابان، النقل واستدعاء المخابرات.‏

لقد تقرر نقلكم إلى ثانوية بيت صفافا، نقلاً تأديبياً، وفي حال تكرار ما قمتم به ستفصلون من التعليم دون سابق إنذار .‏

التوقيع مدير التعليم والمعارف .‏

استدعاه مدير المدرسة إلى الإدارة، ارتفعت صيحات الشغب من إحدى الشعب، وتدافع الطلاب إلى باب الصف، صاح بصوته الآمر فدخلوا وأغلقوا الباب، أخبر العريف ضرورة ضبطهم. أطمأن إلى هدوئهم لكنه ما إن ابتعد قليلاً، حتى ارتفع الصوت من جديد وبوتيرة أعلى .‏

رحب به المدير وناوله التقرير المرفوع ضده قائلاً: " اقرأ يا أستاذ، إنه من هاجم الدرديس أكسل طالب في صفك، والده عريف بالجيش جاء قبل أربعة أيام ... إنه العسكري الذي قابلك وأخبرته أن ولده أكسل طالب في الشعبة الثانية. في البيت أخذ الكرباج يفرقع على جسد ابنه، في نهاية حفلة التأديب تهمك بعدم إعطاء الدروس وتقطيع الوقت والحديث عن القومية العربية ومدح عبد الناصر ومهاجمة الملك، ما العمل يا أستاذ ؟"‏

في البيت وجد تجديداً لدعوته للحضور غداً إلى قسم الأمن السياسي، وقع والده على استلامها دون أن يعلم أحداً، حمد الله أن أمه لا علم لها باستدعائه، تقيم الدنيا تضطرب وتسوء حالتها الصحية، يرتفع معها الضغط وتتحرك الرمال. سهر حتى الثانية بعد منتصف الليل ثم اندس في فراشه، هرب النوم عنه أشبه بجندي فقد الأمل بالنصر فاعتمد على قدميه. التعب باد عليه، أشعل النور تناول كتاب " العروبة أولاً " وأخذ يقرأ الصفحات الأولى منه. عيناه منتفختان وآثار السهر بادية عليه، ذكرته هذه بأيام العشق يوم عرف وصال الوردة الدمشقية المتفتحة التي لا تحمل بذوراً بقدر ما فيها من الحسن. زهرة من نسيج الدموع كلما حاولت أن تشع ذبلت. كالجمرة في أول تكون الرماد، بركان خامد، ودعها بلا أمل وبلا عودة وجلس في محراب الوحدة ينتظر نهاية أحزانه وانشطار ذاته وتبدد فعلها .‏

أغمض عينيه وهو يردد: أيتها الحبيبة هل شاهدت غيمة تمتص الرطوبة وتظل متوهجة كالبرق؟ أنا لا أنفعك، عودي وأطلقي أنفاسك لتحملها النسيمات، وتأملي الغيوم القادمة من الجنوب ستجدينني أبثك أشجاني وأنتحب على تلك الأيام. البارحة عرّفته عبلة على ناديا السلطي التي صارت في حلقتها التنظيمية، فتاة رقيقة، زهرة ضمتها إلى صدرها، لها جمال وصال وأنوثتها، تدق الأرض بمشيتها، جسدها رشيق، ومشيتها متأنية، تعطي لخطواتها شيئاً من الرصانة والثقة، فتبدو وكأنها تقود خلفها جيشاً يستعد للمناورة. مازالت طالبة في المرحلة الثانوية، تسأل كيف يحدث التغيير والنصر. أبدت إعجابها بإجابات عمر عن أسئلتها، وهذا ما دفعها إلى تنفيذ المهام بروح رفاقية. تأتي إلى عبلة وتقول:‏

- على المرأة أن تثبت أنها كالرجل، بل ومتفوقه عليه، عليها أن تعمل ليل نهار.‏

ناديا فتاة جرئية، لها قلب نمر وعيون مها وقوام غزالة، لونها حنطي، أنفها دقيق لا يدخل إلا كمية قليلة من الهواء، شفتاها رقيقتان، ساقاها غير ممتلئتين، شعرها مضفور يصل إلى وسط ظهرها، عنقها المرمري يكشف عن طولها، لها شفتان من العقيق وصدر نوراني.‏

تحدث مع عبلة حولها، قال :" فتاة مندفعة مثلها تسير إلى الهاوية إذا لم تجد رعاية، فهي مهما ارتفعت وخالطت، ومهما وصلت ثقافتها ومطالعاتها، فالمجتمع لا يعترف بها كما تريد، لنحافظ على هذه الوردة من الذبول، إنها أمانة بين يديك، عجينة، ادفعيها لتكون عظيمة. "‏

قالت: " إن زكي فريج مهتم بها، ويبدو أن كلاً منهما معجب بالآخر، سمعت شيئاً من همسهما، الذي أن دل على شيء فعلى تفاهمهما ".‏

- زكي ينفذ مهماته دون تفكير وقناعة، مندفع، لا يناسبها شاب مثله.‏

- دعهما يعيشا حياتها، سيكشفان عن نفسيهما، الحب وحده يقربهما ويجعلهما ينفتحان .‏

تناول فنجاناً من القهوة ثم توجه في الثامنة والنصف إلى دائرة الأمن السياسي التي سلك طريقها قبل يومين، تقع بعيدة عن بيته مسير ثلث ساعة. وصل في الوقت المحدد، قدم طلب المراجعة، قاده عسكري إلى داخل البناء الضخم المكون من أربعة أدوار، صعدا إلى الطابق الثالث، طلب منه أن ينتظر ولا يتحرك، بعد ذهاب العسكري قدم الورقة فتلقى جواباً جافاً " انتظر"، ظل واقفاً في الممر ساعة، بعدها جاء من يناديه، في الوقت الذي توقع دخوله إلى المحقق أدخل إلى المنفردة. أغلقوا الباب الحديدي، الجدران تصطدم به، قعد بمساحة ظرف الرسالة هي عالمه الخارجي. بعد ثماني ساعات فتحوا الباب. أفهمه أحد الموظفين بأنه تحت الأوامر، سأله لماذا لم تأت البارحة ؟... تأتي متى نشاء، أفهمت معنى تأتي غداً ؟!‏

لم يجب أسرع إلى صنبور الماء غب منه مرات متوالية ثم غسل وجهه ويديه، دفعه الموظف إلى الخارج وهو يردد، لا يوجد حمام هنا ، أنت قليل الذوق ألا يكفيك شرب برميل ماء، هيا وإلا أعدتك إلى بطن أمك، سحب جسده وهو يجرجر قدميه، الشمس غابت منذ قليل وهي تغوص أكثر فأكثر في الأعماق السحيقة، سار ببطء، دخل محل " الافندي " سلم عليه وطلب سندويشة فلافل ثم أتبعها بثانية. شعر أن معدته امتلأت. أنفاس تشرين الأول تغادر وما هي إلا بضع ساعات ويحمل حقيبته ويسافر. السماء ترتل صلواتها على ضوء القناديل المدلاة من قبتها وعلى أنغام رياح سابحة وسط غيوم ترتدي غلالة بيضاء. شعر بالانتعاش، نشرة الأخبار تنبئ بأن البلاد تتأثر بمرتفع جوي قادم من الجزيرة ومصر. الجوندي على عكس توقعات الراصد الجوي والنسمة الطرية تصفع الأخبار. شعر وكأنه فوق مركب يتلوى متساوقاً مع حركتي المد والجزر، تألقت عيناه بالفرح، السماء كتل بيض والرياح الخريفية تشتد وهي تنذر ببرد شديد لهذا العام. انطلق الأذان من المسجد الأقصى موسيقا عذبة. طار السنونو على ضوء المصابيح مترنحاً على غير هدى يمنة ويسرة. لكنه اختفى تماماً قبيل الأذان، شاهد جماعة تحمل محراثاً قديماً تقطع الشارع، أيعقل أنهم في الحقل حتى هذا اللحظة.‏

حزن لأسباب كثيرة منها لأنه لم يفعل شيئاً طوال الأيام الثلاثة.‏

دخل البيت في الساعة العاشرة ليلاً، رمى نفسه إلى الحصيرة دون أن يتناول لقمة واحدة. قبيل منتصف الليل تناول بعض حبات من الزيتون ثم انزوى وحيداً، تناول كتاب " العروبة أولاً " فتح على الصفحة الحادية والخمسين وقرر بينه وبين نفسه أن ينهي قراءته ولو اضطر إلى السهر حتى الصباح .‏

كعادته وصل صباحاً في تمام الساعة التاسعة سلم الورقة وظل على هذا الحال عشرة أيام دون أن يسألوه، في اليوم الحادي عشر أخذوا أقواله وطالبوه توقيع تعهد ينص على عدم التعرض للسياسة، رفض ذلك فأبقوه في المنفردة أربعة أيام.‏

خرج ظهراً من بيته، الشمس حارقة على غير عادتها، غيوم بيض تتلاشى بسرعة، تضايق من شدة الحر، اشترى جريدة قرأ فيها حالة الجو " تتعرض البلاد لمنخفض جوي شديد " وضعها فوق رأسه وردد " ما بين تشرين وتشرين صيف ثان " ازداد اصفرار الأوراق وتساقطها، أوراق بنية تغطي الأرض أشبه بالزهور الحمراء القانية التي تنمو وقت عودة الحياة للأر ض بمباركة الإلهة عشتار، كاد يسقط، ارتاح على مقعد بظل شجرة وارفة. آفاق على صافرة الشرطي وهو يطالبه بالنهوض، نظر فإذا المصابيح شكلت حبلاً مستقيماً على طول الشاراع.‏

- هيا أيها الثمل، كفاك شرباً الوقت بعد العشاء، أهكذا جعلتك الخمرة حيواناً!‏

- أنتم والخمرة أخوان !‏

- اسمعني بالله عليك، أول مرة أرى ثملاً يتفلسف، أستطيع أن أقودك إلى الجنائية، هيا قبل أن أفعلها .‏

استند على يده اليمنى، فرك عينيه جيداً، المكان خال إلا من بعض المارة، حدق بالشرطي وبصق على الأرض، أنوار الشوارع الباهتة تتطاول، النسمة عذبة، حرك رأسه، أصيب بدوار خفيف وألم في معدته، فتش جيوبه، عاد إلى مكانه فتش جيداً، جاءه الشرطي وخاطبه :‏

- ألم أقل لك هيا إلى بيتك !.. أنت لم تفقد نقودك فقط بل عقلك ؟!‏

تابع سيره حانياً رأسه يفكر كيف سيحصل على نقود بديله، حاول أن يتقيأ فلم يقدر، وصل بيته تعباً منهمكاً، تذكر موعده مع عبلة عصراً، لن تصدق ماحدث معه، ستقول أشياء كثيرة بينها وبين ذاتها، عاد والحزن كومة ما بين عينيه، لم يجب عن أسئلة إخوته، قال لأمه:‏

" أرجوكم كفى أسئلة ألا يوجد غيري ينام خارج بيته؟ "‏

شعر بطراوة الفرشة، غطته باللحاف، قبلته ثم أغلقت باب الغرفة، إخواته يتصايحون، نهض من النوم منزعجاً، نظر إلى مصطفى وقال: أنا تعب كفوا عن الصياح .‏

اراح جسده ثانية على الفرشة وغط في النوم. ظل يراجعهم أسبوعاً ثالثاً، في نهايته قابله ضابط فأخبره بسوء وضعه، أمامه عشرات التقارير المرفوعة، نصحة أن يصون لسانه، فلا يتفوه بجمل وكلمات لا يعرف معناها وعقوبة قائلها، بعد نقاش دام وقتاً اعتبر ماقيل غير مفصود به الإضرار بالصالح العام ولا بسمعة المملكة، وطالبه فتح صفحة جديدة مع الأمن .‏

الصباح ندي لكنه ينذر بيوم قائظ، إذ بدت الشمس قريبة من الأرض أكثر من الأيام السابقة، صعد السيارة إلى القرية التي تقسمها الشريط الشائك إلى غربي تحت إدارة إسرائيل وشرقي تحت الإدارة الأردنية. سأل عن ثانوية بيت صفافا، دخلها وقدم كتاب التعيين.‏

استأجر بيتاً قريباً من الشريط، راقب ما يحدث، أهل القرية يسهرون على الجانبين، يسمعون المذياع معاً وحكايات ألف ليلة وليلة والخراريف وعنترة. أما في الأعراس فالأغاني تفرد جناحيها على القسمين، ترتفع أبواق السيارات، ويصدح المزمار والمجوز بألحانهما العذبة، أما الصبايا فتبدأ بالرقص والدبكة والمهاهاة. مازال يذكر عرس خالد النواشفة، الذي خطب ابنة عمه من الجانب الغربي، جلس الطرفان والشريط بينهما، يعدون المهر ويتبادلون الأحاديث، ثم عند العصر حاولوا نقل العروس، فرفضت السلطات العسكرية، لكن هذا الأمر سوي مساءً. يومها كادت تقع مذبحة، قصوا الشريط ودخلوا إلى الجانب الغربي، أطلق عليهم الرصاص. تدخل المختار وأعاد كل شيء كما كان. قاد العروس من يدها وأوصلها إلى الجانب الشرقي .‏

مساء اجتمع في بيته عدد من الأهالي والمدرسين، تعودوا السهر عنده. استطاع خلال شهرين تنظيم مدرسين وخمسة فلاحين في حركة القوميين العرب، ولم يمض السنة الأولى إلا وكان فيها أربع خلايا نشيطة، تبدأ اجتماعاتها باسم العروبة وتنهيهابه، مع بداية فصل الصيف عمل دورة محو الأمية وفي نهايته رشح عشرة من أفراد التنظيم لدورة حزبية. تلقوا فيها محاضرات يومية عن العمل في أوساط الجماهير، في القومية العربية، في الوحدة والتحرر، المركزية الديمقراطية، النقد والنقد الذاتي وبناء الحزب ... في سنته الثانية تحول بيته إلى نادٍ خصص غرفة للاجتماعات الأسبوعية وأخرى للسهرة وثالثة لنومة. لم يعد أمره سرياً، الطفل في تلك البلدة عرف الكثير عن عمر. أفرزت السلطات الأمنية بعض عناصرها للعمل في البلدة .‏

مدير المدرسة حفاظاً على منصبه لم ينضم للحركة، لكن علاقته معها وطيدة لهذا وصفه المكتب الثاني، بأنه صديق لهم ومعاد للسلطة. ومع ذلك فضل أن يبقى على علاقة فردية. دفع الاشتراكات والتبرعات المترتبة عليه. سهر مع عمر ثلاث ليال حتى اقتنع بوجهة نظره.‏

كان المدرسون منقسمين إلى مؤيدين ومعارضين. أربعة منهم يدافعون عن السلطة، استطاع إسكاتهم وتفنيد حججهم، فانسحبوا ولم يعودوا لحضور مثل هذه السهرات .‏

الأحاديث لا تنتهي عن عبد الناصر والملك حسين وحزب البعث وحركة القوميين العرب والشيوعيين وحركة الأخوان المسلمين والامبريالية والصهيونية والاتحاد السوفياتي. كان دائم المزاح يجيب بأريحية عن الحياة والدين والعلم والماركسية ...‏

سألت عنه المخابرات، كررت سؤالها، بعثوا من أخبره بذلك، وعندما لم يكف عن نشاطه جاءته بأمر الاعتقال، أجابهم المدير بأن للمدرسة حرمتها، انتظروه في الخارج، أو خذوه من بيته أما من هنا فأمر غير جائز أمام طلابه.‏

لم يكن حذراً تعامل في فهمه للدعاية والتحريض وكأنه في حرب علني، وهو أعلم الناس بخطورة مايقدم عليه، فأي شخص يعتقل بسبب انتمائه يتعرض للضرب والإهانة والعذاب النفسي إضافة إلى فترة سجن تتراوح مابين الثلاثة أشهر والعام .‏

شد التنظيم أعضاءه للالتزام بالاجتماعات والمشاركة في مظاهرات الضفة الغربية وانتفاضة السموع، اعتمد المركزية لتنفيذ الأوامر دون مناقشة. تقرر القيادة أمراً ما يبلغونه إلى مسؤولي الساحات والشعب وهؤلاء بدورهم يوصلون ما تريده القيادة إلى الروابط فتتحرك الأخيرة لتبليغ الخلايا والحلقات، بحيث لا تمضي سوى ساعات قليلة ويكون التنظيم مستنفراً وجاهزاً لأي عمل، يأتي الحركيون في الموعد المحدد يلفون حول المكان، يسلمون على بعض ويهمسون بكلمات سرية ويتجاذبون أطراف الحديث بحذر، وفي اللحظة المتفق عليها يصعد أحد الهاتفين، يصيح بصوته:‏

- دمنا حديد ونار‏

فترد عليه الجماهير المحتشدة :‏

- وحدة تحرر ثأر‏

تتوقف المواصلات، يصاب الناس بذهول، يتساءل بعضهم من أين جاؤوا؟ آخرون يتفرجون ومنهم من يتحمس وينضم بلا شعور فلا يرى نفسه إلا وسطها، يرفع يده عالياً، وقبل أن تتقدم يفردون اللافتات والأعلام، فتبدوا أكبر من حجمها الطبيعي، تسير عرض الشارع وطوله، قوات الأمن والبادية تحتل منافذ الطرق. يعتقلون كل من تقع أيديهم عليه، أحياناً يحاصرون المظاهرة من ثلاث جهات، ليفسحوا المجال للهرب، أما الذين اعتقلوا فينا لهم الشتم والضرب والرفس.‏

في عمان التقى زكي فريج الذي اشترى شقة وأثثها، كان مسؤولاً عن المالية، الاشتراكات والتبرعات، بطريقة ذكية اقتطع من كل قسم جزءاً على مدار سنوات عدة، وغطى ذلك بالكشوف التي قدمها إلى القيادة.‏

توارى عمر عن الأنظار مادام مطلوباً. أخذ الاحتياطات أثناء الخروج والدخول، ظل كذلك حتى إطمأن أنه غير مراقب في العاصمة. في هذا الوقت استطاع زكي التعرف عن قرب على جارته خيرية مصطفى امرأة في العشرينات فقدت زوجها بحادث سيارة، تركها حاملاً فولدت سهام، أحبته، جففت دموعها وهي تنظر إلى السماء العميقة و إلى وجهه المشرق، نسيت أحزانها وقبضت على الشمس بيديها المتجلدتين، وأنارت أصابعها شموعاً وزنابق على دربه، شعرت أنها وصلت السماء السابعة في حبها لابن فريج. تحول حزنها إلى مرح، ومع أن المرأة تشتاق لماضيها وأحزانها، تسترجعهما، لأنها دونهما تكوين ناقص، لايكتمل إلا بالمسحة السوداء، إلا أنها تخطت كل ذلك، وعاشت حياتها معه عشيقة وحبيبة. أحبها جسداً وروحاً. جسدها معجون بالحليب ملفوف أشبه بقطعة مرمر، شعرها يحتويه منديل، أما عيناها فخضراوان، تميل إلى النحافة، ترتدي زي رام الله الشعبي بتطريزاته التي على الصدر والأكمام والجانبين وأسفل الثوب. صارت تأتيه كل مساء. احتج الجيران، أحضر شيخاً وشاهدين وكتب صك زواج طل غير مصدق من المحكمة. رأت فيه دنياها وحياتها، يعريها ويتغزل بجسدها، فتنطلق شهوتها كالفرس الجموح، بينما طفلتها في السرير أو تحبو حولهما. الثمار في طريقها للنضج، وصدرها لن يتسع الحبق والزهور وتلك الفواكة إن نضجت. ثغرها قرنفلة وشفتاها وما فيهما من زقزقة وحبور. باعت أساورها واشترت سجادة فرشتها في أرض الغرفة وصرفت الباقي على نزهاتهما. باعت حصتها في بيت زوجها وصرفتها، ولم تبق ديناراً واحداً في حقيبتها، فجأة تحركت مياهه في رحمها وكتب الله لها الحمل .‏

أسود وجهه وقال:‏

- لا أريد أطفالاً إن شئت لحياتنا أن تستمر ‍!‏

خافت منه، لأول مرة يراودها هذا الشعور الغريب، قررت أن تهرب منه وتحتفظ بحملها.‏

احتفظ بصك الزواج. تركته حتى ذهب وخرجت من بيته ولم تعد. بحث عنها حتى وجدها، أعادها لبيته.‏

مساء وضع لها المنوم في الشاي، نقلها إلى المستشفى وهناك وجدت الدماء تنز وجسدها مخدر. بكت وكادت تنتحر إذ تنازلت كمية من حبوب الاسبرين وأدوية أخرى، لكنها أنقذت في اللحظات الأخيرة، أعطيت أدوية لمنع التسمم. ظلت أسبوعاً في بيته، لاطفها، قال لها: سنبدأ حياة جديدة سأثبت عقد الزواج .‏

ناولته نسختها فمزقها وقال لها :‏

- لا شيء يربطني بك بعد هذه اللحظة! إياك أن تأتي هنا مرة ثانية .‏

وقعت على الأرض، رش الماء على وجهها، أفاقت، بصقت في وجهه وجرت صغيرتها من يدها وهي تتمتم " لنا رب لا ينسانا" .‏

غادر عمر بيته وهو يردد :‏

- لن أظل في بيت تعود صاحبه فعل الشر !‏

في هذا الوقت جاءت ناديا السلطي تسأل عن عمر غادر بيته دون رجعة، فاستقبلها زكي ببشاشة، فهم أنها مكلفة من الحركة بايصال رسالة وتعلميات جديدة .‏

نظر إليها خصلات شعرها تبرق، النور يضفي على وجهها حسناً، شعر برجفة ودق قلبه، أصابه الخدر والذهول، أريجها لف في تلافيف دماغه، لم يتخلص من هاجس عظمتها وأنوثتها تحدثا عن عجل وغادرت. بعد هذه المقابلة وعدته بزيارة خاصة. بعد أن سمعت أنه خطط لاغتيال سمير الرفاعي.‏

مال قلبها إليه منذ زمن أحبته، رأت فيه الوطن والكبرياء أخبرها بأن المخابرات تبحث عنه، سيسافر إلى اليمن الجنوبي يشارك رفاقه بالثورة. هي تعرف بأن الجبهة القومية جزء من حركة القوميين العرب، سيقاتل الإنجليز الذين تأمروا وسلموا فلسطين لليهود. هامت بحبه، مثلها الأعلى الذي أمتلك حواسها، فلم ترمى من العالم غيره.‏

باحت بأشواقها الدفينة :‏

- أحبك يا زكي ... أنتَ حياتي.. خذني معك، كيف سأعيش بعدك ؟!‏

- ستظلين معي وفي روحي وأنا أقاتل الإنجليز، سأعود منتصراً ذات يوم، فأنا بحاجة إلى دعائك .‏

في ليلة سفره سهرت معه حتى الفجر، أعطته شهد شفتيها ولبن نهديها، رقصت معه وضحكت على الرغم من ألم الوداع. غنت واسمعته صوتها الرقيق " سافر مع السلامة " .‏

ودعها صباحاً كادت تسقط على الأرض، قبلته أمام الرفاق، وفاضت عيناها في لحظة الوداع بالدموع.‏

رصد جهز المخابرات الأردنية حركته حتى وهو في اليمن، تابعوه وراقبوا تحركاته، وعندما عاد، القت السلطات القبض عليه، واجهوه بالمعلومات المتوفرة وأعطوه فرصة للنجاة إذا مد يد المساعدة، فاحت رائحة كريهة، تركوه .‏

شلح بنطاله وملابسه الداخلية غسلها وجففها. في الليل قرر أن ينجو بنفسه، صباحاً اتفق مع المحقق على التفاصيل والأسماء المتعلقة بالتسلسل الهرمي لتنظيم القوميين العرب، أعطاهم أسماء الجبهة القومية. بدأت أجهزة الأمن تلقي القبض على أفراد التنظيم، وكانت الفضيحة عندما أعلن الرفاق انسحابهم عبر الإذاعة، ناديا عرفت بكل ما فعله، جاءت إلى بيته، حاول أن يعتذر عن تخاذله، تظاهرت بالمرح، تقدم منها ليقبلها ويضمها إلى صدره، وقفت تنتظره وهو يقترب، اصطنعت ضحكة هستيرية، تركته يقترب وهي تتراجع محافظة على المسافة بينهما، فتح ذراعيه ومدهما تجاهها، لامست يداه كتفيها، قال:‏

- أحبك يا ناديا.‏

جذبها بقوة إلى صدره، تخلصت بصعوبة ومرونة من يديه وقالت:‏

- واضح حبك يا زكي، الذي يحب لايخون، البرهان مافعلته ومثلك لا يستحق سوى هذه النهاية .‏

في هذه اللحظة حرثت السكينة أحشاءه، ابتعدت عنه وراقبته، تشنجت يداه قبل أن تصلا رقبتها، وقع على الأرض وهمس بكلمات غير مفهومة، بعد دقائق فقد جسده المرونة وتصلب، ظلت جانبه حتى تأكدت أنه فارق الحياة.... غيرت ملابسها وأخذت ما تحتاجه بحقيبة يدها. أغلقت باب الشقة ومضت. كان دمه يملأ ساحة الغرفة ورائحة العفونة تنتشر في كل ركن في البيت، ولما لم يجد مكاناً للبقاء داخلها، سال إلى الباب الخارجي ونزل على الدرج، أشبه بدم بعير عض يد صاحبه، فأطلق عليه النار غير آسف على خدماته مراقباً دمه يسيل متشفياً وتاركاً لحمه جيفة للوحوش .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244