ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل السابع عشر-

لا شيء في نفحة تغير، تتعاقب الفصول والعجاج لا ينقطع، حتى في فصل الربيع حين تنهض بعض الأزاهير والأشواك البرية من سباتها وتحاول أن تغيّر اللوحة وتضفي عليها شيئاً من الجمال، تنكفىء تحت ذرات الهبوب. هذه الرياح التي تصول وتجول لتَهَب زفير الطبيعة وسوافيها لذاك السجن، أكوام الرمل تتحرك وتتوقف أشبه بقافلة نالها الكثير من التعب .

الهباء بفعل رعونته وقسوته واصراره على تعكير الجو يشكل تعرجاتٍ وأكواماً متناثرة. يأخذ بعض أشكال المجسمات حين تتوضع الذرات بعضها فوق بعض، فتغطي جزءاً منه، تتلبس القسم الباقي في حركة زاحفة لا تنتهي، فتختفي بعض الصخور وتمتلىء الحفر تراباً شديد الشبه بالمد البحري العنيف الذي استطاع فرض رماله بقوته على الشاطئ، لكن هذه الحالة لا تدوم، ففي رحلة هوائية تالية تأخذ شيئاً منه. تكشف الطبيعة عريها محاولة التأثير في شكلها وفتح بعض التجويقات النخر .

عاد السجناء إلى نفخة فاستقبلتهم بالوهج، فتحت حضنها ونثرت الجمر والنار في كل مكان، جمر يجعل القدور تغلي ولهيب يجعل الأجساد تفور عرقاً، عادوا وهم حائرون. هل نجح الإضراب؟ موت اثنين في بيت معتسار جعلهم يعتقدون أنهم خسروا كثيراً. أثنان لا أحد يعرف اين جثتاهما، هل دفنتا؟ أم مازالتا في المشرحة؟ أم ظلتا وسيلة إيضاح؟ بانت التلة، إنهم يقتربون ببطء من السجن. كل شيء ساكن، بينما النيل يفيض غامراً صدورهم ووجوههم، تحول ماؤه إلى دبق زادت ملوحته مع كل فيضان. حركوا أيديهم في محاولة للتخفيف من خطر الفيضان وتحريك الهواء الساكن.

التصقت ملابسهم بأجسادهم وتحولت إلى قديد. سرعة السيارة كسرعة جمل بطيء. فُتح باب السجن الخارجي ودخلت الزنزانة إلى باحة السجن الداخلية، ثم دخلت بقية السيارات. نزل السائق و المرافقون، بقي السجناء مدة طويلة، سقط منهم اثنان في أرض السيارة التي تحول جسدها إلى فرن زجاجي. نزلوا وهم يترنحون، طلبوا اصطفافهم تحت النار الموقدة، فكوا الأصفاد، مسحوا عرقهم بأكمام ملابسهم .ظلوا ثلاث ساعات، كانت كافية لهروبهم إلى الظل بفعل سقوطهم واحداً بعد الآخر ...

لم يكتف السجانون بنقلهم ،بل أخذوا يو بخونهم ويضربونهم بمقدمة أحذيتهم ويشتمونهم بكلام بذيء :

- أنتم تريدون فرض ارادتكم على إسرائيل يا أبنا القحاب ‍ ‍!

اتجهت العيون إلى القائل إنه أحد الجنود غير المعروفين، ناداه الياهو باسم امشيروش. مدير السجن عمرام نزل من مكتبه، يحمل جهازاً لاسلكياً ويصدر الأوامر . حوله عدد من الضباط وضباط الصف و الجنود وقطيع من كلاب الحراسة المفترسة، مروا قرب الكلاب التي زادت من نباحها. ساروا عدة أمتار باتجاه البوابة الداخلية. الكلاب بنباحها والضباط بأوامرهم. حصلت عركة عند البوابة الداخلية أحد الحراس حاول دفع عمر مما أدى إلى مشاجرة بالأيدي. استخدم السجانون الهروات والغاز فوقع على الأرض جروه إلى الداخل وهم يضربونه ويشتمونه.

جرحٌ في صدره وآخر في ظهره نتيجة الضرب. ذهب إلى الظل بعد أن جفف الدم النازف وغسله. دارت على أثرها مشاحنات في الباحة، وارتفعت الأصوات من داخل المهاجع تردد عمر ...عمر. لم يكن وضعه سيئاً، بل جذلاً ومرحاً لما رآه وسمعه، لقد أدرك الآن أن السجناء قوة يحسب حسابها، إنه الآن بعيد عن أيديهم يراقب فقط، تصور ذاك الحوت الذي يؤدي حركاته برشاقة يرفع رأسه إلى الأعلى، وأحياناً جسده اللدن كله، ثم يقذف به دفعة واحدة إلى الماء، فيحدث الارتطام صوتاً، يتلوى داخل الماء، كأنه أفعى نهضت بعد سبات شتائي.

وما هي إلا دقائق حتى كان الجميع في الظل ينشفون عرقهم وبعضهم يداري جروحه. مازال الشغب مستمراً في غرف السجن. سيعودون إلى غرفهم، يفرشونها ويطرزونها بالألحان والدموع والدماء، وسيتحدثون عن الظلم الذي لاقوه .

جاء الأمر بأن يخلعوا ملابسهم، كل واحد كوم ملابسه أمامه، جاؤوا فتشوها وأخذوها تاركيهم عراة. بعد التفتيش الدقيق في الداخل والخارج، سلموا مل سجين بنطلونين وقميصين برتقاليين، وفرشة اسفنج وبطانيتين. في هذا الوقت تسرب خبر استشهاد راسم حلاوة وعلي الجعفري فارتفعت أصوات منددة ثم سكنوا، دوى الأذان وصلوا على روحيهما. ثم رفرفت الرايات السوداء وأعلن الحداد ثلاثة أيام. بينما بدأ الشيوخ يرتلون قصار السور وآياتٍ من القرآن الكريم. أعلنت الإدارة عبر مكبرات الصوت منع التلاوة وطلبت إلى الجميع التزام الصمت والهدوء، وعندما لم يستجب أحد أصدر عمرام أوامره بمصادرة المصاحف، جسده يرتجف، اتخذ شكل لبوة تتحفز للانقضاض، وجهه ازداد سمرة وبدا كأنه من الفلاشا، ظهرت عليه السمنة ليخالف ماهو معروف عن الأجساد اليمنية، تلقى إلياهو الأمر من رحميم، وأخذ يفتش الغرف وبصحبته ثلاثة حراس. يدخلون الغرفة فينادي أحد العساكر بأعلى صوته " أخشيف .... أسفيرا " لم ينتبهوا، عادها ثانية فلم يتلق جواباً. كانوا خاشعين ينصتون للتلاوة. تناول المصحف من يد الشيخ عباس فتوقف عن التلاوة.

تعوذ بالله من الشيطان الرجيم. حاول إعادته فتدخل زملاءه، حاولوا اقتياده خارج الغرفة، لم يفلحوا إذ جرت مشادة تحولت إلى ضرب بالأيدي. هتف إلياهو ليبلغ الإدارة. بعد دقائق وصل عمرام ونائبه رحميم إلى الغرفة قادوا الشيخ عباساً وعمر وحسان. لفوا على المهاجع وصادروا ما لا يقل عن سبعة مصاحف. أما الياهو فقد أسرع يتخلص من بقايا الدم الراعف على وجهه.

رفعت درجة الاستنفار لدرجة منع فيها العناصر أربعة أيام من المبيت. وانتقاماً آخرجوا السجناء إلى الباحة وتركوا الكلاب تهجم عليهم وتتراجع، وكأنه مشهد تمثيلي متقن، غادرت مكانها ما بين الشبكين لتتخذ من الباحة حلبة صراع وتركت معهم طوال الأيام الأربعة في أوقات الفورة. أمروهم في اليوم الثاني أن يشبك كل سجين يديه خلف رأسه ويقعد من الظهر إلى المساء ممنوعاً عن التحرك أو الشرب أو الذهاب إلى دورة المياه فاختلطت رائحة البول بالعرق بالغائط .

وصل الصحافيون إلى نفحة واتجهوا إلى السجن ليغطوا نتائج الإضراب، للمرة الثانية يفتح الباب الكبير ويدخل مراسلو وكالات الأنباء والصحافيون وكاميرات التلفزيون، يلتقطون صوراً حية، التقطوا صوراً للمناظر الجميلة لجنة عدن وللشكل الخارجي للسجن. أخرهم المدير في مكتبه حتى تلقى هاتفاً من نائبه، بعد أن أنهى السجانون والسجناء حملة تنظيف استمرت نصف ساعة، بعدها قدمت وجبة كاملة. حضر الياهو وفتح الأبواب الداخلية للغرف وسمح بالتنقل والالتقاء.

أمران متناقضان حصلا، هددوهم بالبقاء في الساحة مدة أسبوع بلا طعام أو شراب وحتى بلا نوم، الشمس نهاراً تفعل فعلها إذا كلما أغمي على واحد سحبوه إلى الظل. هذا التشديد يتناقض مع ما حدث قبل ساعة، الاهتمام المفاجئ وتحسين لغة التخاطب والسماح بالزيارات والانتقال من غرفة إلى أخرى، لكن كل شيء اتضح مع دخول الوفد الإعلامي إلى الغرف. في هذا الوقت وصل شاؤول ليفي مدير مصلحة السجون، فاصطف الحراس والسجانون لاستقباله.

ترك عمرام الوفد الصحافي، أدى التحية وقاده إلى مكتبه ثم التحقا بالإعلاميين. الغرف نظيفة والسجناء يتجولون بين الغرف، تجمهروا حول الوفد. تقدم شاؤول وعرف بنفسه سلم عليهم ثم طلب إليهم الاستمرار بمهمتهم وتلبية مطالبهم فيما يرونه مناسباً .

ستة من الرفاق في غرفة نائب المدير الذي بقي معهم طوال المدة التي قضاها الوفد. لكن أحد الصحافيين طلب أن يلتقي بالسجين عمر القاسم، فأحضروه، نظر إليهم وبدأ يستمع إلى أسئلتهم :

- حدثني عن نتائج الإضراب ؟

بداية هناك خمسة من رفاقي محجوزون عند نائب المدير كيلاندلي بأية شهادة، أطالب بإحضارهم ليسمعوا ما سأقوله :

بعد وصولهم تابع كلامه :

- سمعنا أن هناك أشياء كثيرة تحققت، مثل زمان الزيارة ومدتها ونوعية الطعام والسماع بالمذياع في السجون كافة، واستبدال فرشة الاسفنج بواحدة أكثر سماكة وزيادة البطانيات شتاء وتحسين المعاملة. لكننا إلي الآن لم نلمسه على الواقع .

- ما أثر ذلك عليكم ؟

- الانتقام ولا شيء غيره، منذ أربعة أيام ونحن بلا طعام وشراب ممنوعون من ذلك حتى قبل ساعة فقط، قبل يومين قضينا النهار والليل في الباحة تحت الشمس المحرقة، ننام دون غطاء أو فرشة ونقضي حاجتنا تحتنا، حتى الكلاب أخرجوها من بين الشبكين وتركوها معنا في الفسحة.

تدخل شاؤول وقال :

- التقارير التي تصلني تقول بأنكم مدللون، ألا يكفيكم ما حققتموه. كفى أيها المخرب إنك تفتري على دولة إسرائيل التي لا تظلم أحداً. كفى فأنت كالقط الذي يأكل و يخمش أصحابه، عيناك تشبهانه، هذا كذب وافتراء علينا، نمد يد السلام فلا نتلقى سوى الطعنات من القتلة أمثال هؤلاء، الذين لم نسىء إليهم، حافظنا على حياتنا، ولم نفعل أكثر من سجنهم لتهذيبهم وقتل روح الشر فيهم.

جن جنون عمر لهذه الكلمات التي تفتقد إلى أدنى حد من الصدق، فتحدث بصراحة أكثر مع الصحافي وشرح له فهم " إسرئيل " للسلام والحرية والديمقراطية بحجبها عن الآخرين، والعمل على إبادتهم وطردهم من أراضيهم، نحن احتلت أرضنا ولم نفعل أكثر من العودة إليها. عاملونا كالكلاب، بل أدنى من ذلك بآلاف المرات. الكلاب عندكم في بريطانيا مرفهة. ليتنا نحصل على جزء من حق الكلاب .

تدخل مدير السجن وقال محذراً: هذا كثير أنا لا أسمح !

- هل سمعت ؟

هز الصحافي برأسه ولم يعلق، بل لجأ إلى أكثر من حارس، وجه أسئلة عرف من إجاباتهم الحقيقة. ليلاً غادر الوفد وانتهت الاجراءات الاستثنائية .

قعد في الزاوية وضع يديه على صدغيه. أسبل جفنيه. اثنتا عشرة سنة توقفت فيها الحياة ولف الزمن دورة عكسية. الدائرة مازالت لم تنه محيطها. حرب في الأردن ثم في لبنان وفي كل مكان. مطلوب اصطياد المقاوم حياً أو ميتاً. يحاصر، يظل سجيناً بين كتل الأسمنت وعند الحدود يرتفع الجدار في وجهه ليصل إلى السماء السابعة. آه لو يستطيع التأثير بالأحداث، أكان بالسيناريو نفسه ؟! كان عليه أن يدفع غيره إلى الأرض المحتلة وبناء قاعدة شعبية وحرب طويلة الأمد، يسكت الشعارات الجوفاء وكل البنادق التي أطلقت الرصاص في المناسبات.

كاديموت لحظة سقوط تل الزعتر، نقل إلى المستشفى بحالة إسعاف وظل ثلاثة أيام. بعد خروجه بقي مدة لايكلم أحداً.شتم المتحاربين الذين حفروا في قلبه جرحاً لن يلتئم، وعزا جزءاً من السياسة الفاشلة إلى الابتعاد عن الأرض المحتلة، وعدم متابعة طريقة، واعتبار الحلقة الأساسية من النضال مرة عمان ومرة أخرى بيروت. بعد أيلول السبعين لا شيء ينتظر المقاومة في الدول العربية سوى القتل بأشكال مختلفة من الأخوة ومن العدو. لم يكن ألمه لأن تل الزعتر سقط، بل لأن كل جميل وكل حلم انتهى في هذه المرحلة، تذكر كلام المحقق، يستعيده كلمة كلمة :

" سيقاتلكم العرب في كل مكان وسيقتلونكم بلا رحمة، ومن تبقى سيحمل بنادق قزمة يقاتل بها بعضكم بعضاً "

ود الخلاص من هذا الكابوس، وإلا فإنه سينتحر، ولو كان الأمر خاصاً به لما تأخر، السجناء يرونه قدوتهم، ينصتون إلى أقواله، أفعاله طريق ومدرسة تعلمهم الصبر والاستمرار في النضال، لم ينس يوم قالوا له: " والله لو طالبتنا بفعل شيء لما تأخرنا، ثققتنا بك لا حدود لها" بكى من كل قلبه، لا يعلمون لأي منحدر تنزلق الأحداث، لا يعرفون ما يخبئه الغد، إذ عندما تفلت الدفة لا أحد يستطيع إبعاد المركب عن العاصفة .

ينهض النهار شاحباً باكياً، يستلقي على وسادة رملية، الرؤى تتشكل وتتبعثر كذرات الرمل الدقيقة التي تفتتها وتهرسها طاحونة الهواء فتجعلها هباء ثم تذروها إلى أمكنة بعيدة. تذكر ذلك الهبوب قبل سبعة عشر عاماً يوم غطى قاسيون والغوطة فتحول كل شيء إلى أصفر باهت. هبت الريح في غير وقتها وأوانها، حملت الدقيق إلى كل بيت، غطت وصال عينيها واعتبرته فألاً سيئاً، في البداية ظنتها سحابة عابرة، الريح تحمل من النفوذ وسكاكه والجوف ما خف حمله، تطير به شمالاً وتذروه عند انعطافها غرباً. خاف على المدينة، لأول مرة يرى القبلي في الواحة العاصمة فسماها رياح الشؤم.

لبست عباءة سوداء، ونسيت أغاني الفرح، لكنها كفكفت الدقيق العالق على وجهها، وفي إحدى حماماتها جلت جسدها، فبدت المدينة عروساً. من الزبداني ومضايا ترتحل النسائم الآتية من الباروك وبحمدون ودير القمر فتكحل عينيها وتسرح شعرها وتعطرها. فيقف التاريخ في يده الشمس وفي الأخرى يضمها ويلثم ثغرها. تلك كانت مدينة وصال التي لا يخرج منها الداخل إلا وإلى جانبه شامية. إنه أحد الشاذين عن هذه القاعدة. داس على قلبه، غنص وغادر، كان أمل العودة يراوده، ولا شيء منعه سوى المهمات. كيف خرج منها وحيداً ودخل بيته وحيداً وهو الآن وحيد. تذكر أغنية فريد الأطرش ذاك المطرب الذي يهرب الفرح من وجهه وشكله الباكي، أغانيه الحزينة جعلته لا يرتاح لسماعه مع أن صوته وموسيقاه فرضاً نفسيهما بقوة.

وصال فتاة جميلة في مدينة خلقها الله جميلة، أنفها قاسيون وأقدامها تسبح في الغوطة والخضرة. تمثلت الصحراء والحضارة معاً في ذاك الشارع الذي يمر جانب بيتها وبتلك النخلات السامقات، اللاتي لم يهزهن الريح ولم يشتقن إلى حضن البادية ؟! شوارعها عريضة، أحياؤها الحديثة تقف شاهدة على التطور واستمرار حياة القديم إلى جانب الحديث في عملية تصالح قل أن نجد مثيلاً لها، فالأحياء القديمة التي حباها الله من الحسن والفتنة مالم يعطه لمدينة أخرى، ظلت شاهدة على الحضارة، واقفة بشموخها قاطعة أيدي الغزاة واللصوص وأرجلهم. مساءً تقفل أبوابها السبعة وتضع إلى جانب كل باب حارساً. أبواب لها من البهاء والروعة، ما يثير الدهشة، تطلع الشمس ترسل باكورة غزلها إلى بابها الشرقي بمداخله الثلاثة ومئذنته المرابعه، والشارع الطويل العريض الذي يربطه بباب السيدة جابية والذي يجاريه في الحسن وفي أبوابه الثلاثة التي تنطلق منها ثلاث أسواق. إلى يمين باب شرقي باب توما حيث بقايا قوس وجسر روماني. نظرت وصال إليه مرحة تصورت خالد بن الوليد وأبا عبيدة بن الجراح وآلاف الرجال الذين فتحوها ليزرعوا الربيع، وليعطوا للإبداع مكانته. الابتسامة تلف وجهها وتترك أثرها في العينين .

في الأحياء القديمة رآها جميلة وباردة على الرغم من دفء كلماتها، لف الريف والبادية دورة كاملة في رأسه المتعب، خطرت له أفكار لا يعرف كيف أتته، لقد بات يشك في حبها، تساءل بينه وبين نفسه، إن كانت ساكنة ابي رمانة تعرف العاطفة الراقية التي تجمع قلبين، العشق للقروية التي تحاور القمر والنجوم، تتقلب في فراشها، يستعصي عليها النوم، فتهب مذعورة تكلم ذاتها، تفتح صدرها للطبيعة، فتحتضن دموعها وآلامها وتهبها شيئاً من الصبر، ولا يطلع الصبح إلا وفمها قطعة جافة وعيناها قد صغرتا. لحظة شروق الشمس تواجه الأشعة وتحملها الدعاء والمحبة، ثم تعود إلى غرفتها تلم الفراش وتسوي البيت وهي تدندن بأغنية ناعمة تصل في الحال إلى روح حبيبها. هل تساهر ابنة أبي رمانة القمر الذي توسد الشارع وأخذ شكله المفلطح في مصباحه؟ كيف لها أن تعرف حلاوة الحب من مراراته وهي لم تذق في حياتها سوى الحلويات؟ هذه الهواجس جعلته يتوجس خوفاً، ابنة المدينة قادرة على التمثيل والتصنع، فهل كل ما تفعله كذلك؟

- ما بك يا عمر ؟

- لا شيء لكنني تعبت، لا أستطيع لملمة أفكاري، دعي الأبواب الأخرى للغد ولكن قبل هذا الوقت قبل نهاية المحاضرات اتجها صوب الأبواب الباقية، مازالت أربعة أبواب لم يذهبا إليها. طارت فرحاً وهي تشرح عن كل باب تماماً كالدليل السياحي، تُعرف عن الحي والباب ويأخذان عنده صورة تذكارية. طلبت إلى عمر أن يحدثها عن أبواب القدس. فأجابها: ليس الآن ‍‍!

- إذن هيا إلى الباب الصغير ومسجد الباشورة الملاصق له، ومن هناك إلى باب الفرج المزدوج وباب العمارة الذي كان يسمى باب الفراديس، أما الباب السابع فهو باب السلامة الذي يقع شمالي المدينة وهو من أجمل أبوابها، أذكر منها باب النصر الذي أزاله ولاة الأتراك عند فتح سوق الحميدية، وباب كيسان...

ألقت بقية الأقفال في بردى فسألها " وذلك الذي معك !؟

مر قربهما رجل دين مسيحي فأعطته القفل الباقي معها وقالت له " خذوه وحافظوا عليه "

- إلى أين أيتها الرائعة، لقد زادت الأبواب على السبعة ؟!

- لم تر بعد " باب الجنيق " الواقع بين باب السلامة وباب توما .

- دعيه لمرة ثانية .

في طريق عودتهما مرا جانب النصب الكبير المسمى بالمرجة وتأملا أسلاك الهاتف والمسجد الذي في الأعلى، سألها:

- ماذا يمثل هذا النصب؟ ألا تعرفين ؟

- لأول مرة أدقق النظر فيه، سأسأل أمي!

- سنسأل الآن ... من ... مشاقة هيا !

صعدا إلى بناية العابد، وصلا الطابق الثاني. الدرج حجري يلف وهو صاعد، عند المخبر شاهدا رجلاً طاعناً في السن سألاه فأجاب :

_ إنه النصب التذكاري بمناسبة مد الخط الحديدي الحجازي من تركية إلى المدينة المنورة .

في المرجة تتوزع الطرق إلى أحياء المدينة الشيخ محي الدين، الأكراد، المهاجرين، الميدان والمزة ...... في دمشق القديمة يعرف الناس بعضهم بعضاً، يتبادلون الكلمات الجميلة، تضايقت عندما سألها عن علاقاتها مع جيرانها، لكونها لا تعرفهم، علقت على ذلك :

- في أبي رمانة لا يعرف الجار جاره حق المعرفة، يغلقون أبوابهم وعندما يقرع ويسألون عن شخص تنتابهم الدهشة ويقولون لم نسمع به، ويكتشفون في النهاية أنه ربما ملاصق لهم، كم هي الدنيا غريبة وصغيرة !

- عزيزتي نحن كدمشقكم القديمة عندنا سبعة أبواب و أبواب أخرى مغلقة ويعرف بعضنا بعضنا، أنا أعرف نصف أهل القدس أزورهم ويزورونني .

نظرت إليه وهو يسترسل في حديثه فقالت له بالشامية :

- " حاج بقى " إذا أمضيت حياتك في مخالطة الآخرين فمن أين حصلت على ثقافتك العالية؟

- الاندماج في الحياة، والحياة ذاتها ثقافة علينا أن لا نغفلها.

- أنا أعيش مع والدتي يصعب عليّ الانفتاح أكثر، التهم للفتاة جاهزة و "رضا الناس غاية يصعب إدراكها "

نفضت المدينة غبارها، نهضت وحيدة تعرج وأحياناً تزحف كالكسيح، ملأ الدقيق فمها، أسنانها تصر، ارتفعت الهبوب عاموداً في وسط السماء وبدأت تتحلزن وهي تنتقل من مكان إلى آخر. خر نجم فجاء بعيداً عنها، أضاءت الأنوار الصفراء شوارعها. ضرب بكفه على مقدمة رأسه، مازالت قناة الغور تفيض كما حصل معه يوم دخل الحمام الدمشقي أول مرة. من يصدق أن ستين حماماً تقع في المدينة القديمة ضمن مساحة أقل من ستة كيلو مترات مربعة. دخل مباشرة إلى " الجواني " دون الاستراحة والمرور " بالبراني والوسطاني "، شلح ملابسه، سال العرق وتصبب بشكل غريب، دخل في عينيه وفي فمه، شعر بدوخان وزوعان، الجواني حرارة مرتفعة، حاول أن يتنفس، أحس بألم في بطنه وأصابه دوار، لم يعد قادراً على التماسك، قبل أن يقع استند إلى الجدار وقعد إلى الأرض الدبقة. دخل المدلك، انتبه إلى جسده المتصلب، أسرع وأحضر قليلاً من الماء البارد وأمر بإطفاء النار، مسح وجهه وأخذ يدلك عضلاته ويربت بيده على وجهه برفق حتى أفاق.

محاولاً ما أمكن التخفيف مما حصل فروى له شيئاً عن لذة الحمام والأغاني المرافقة، غنى بصوته الناعم وعمر يستمع مبتهجاً ومندهشاً :

أويها زء زء العصفور تانفلق

وتخبا بين الدوالي والورق

والعدو مانال مراده

كل يوم عنا فرح

لي لي لي ليش

لاحظ السرور والمرح يسكنان محياه فتابع حديثه: " ياصاحبي أهل دمشق يفخرون بأربع خصال، الماء والهواء والفاكهة والحمام، ومع ذلك فالرجل يكره إعطاء زوجته أجرة الحمام، ليس من باب البخل، لأنه معين لها على المكروه، يقال إن فيه كشف العورات وارتفاع الصوت بغير كلام الله، لكن هذا غير صحيح فهناك حمامات النسوة وأخرى للرجال أو حسب الدور. الحمام يذهب القشافة ويعقبها بالنظافة ويفش التخمة "

جفف جسده وأبقاه في الوسطاني مدة من الزمن وأخذ يشرح عن القبة المستديرة التي لولاها لكان التنفس صعباً وعن هندسة البناء الذي يشبه القلاع أو الأماكن الدينية والزخارف المنقوشة التي تشع، ونبهه إلى وظيفة القناة التي لم يعد لها أي عمل، فجر المياه لم يعد بواسطتها بل بأنابيب. عندما عرف المدلك أن عمر ليس من دمشق نصحه أن يزور قصر العظم والجامع الأموي والتكية السليمانيه والمتحف الوطني، في هذا الوقت الذي انبته فيه إلى القبة كانت أشعة الشمس تتراقص عبر الزجاج المعشق.

مازال يذكر ابتسامة العامل وتودده، تبادلا العناوين، ناوله خمس ليرات لحق به ليرد له الباقي، فأجابه " الباقي لك " فدعا له من كل قلبه وقال:

- إن شاء الله بالعودة إلى فلسطين، يومها سأطلب من المعلم أن بفتح الحمام مجاناً لمدة أسبوع .

نظر إليها وقال :

- لقد انتهيت من شرح محاسن دمشق، أيتها الحسناء، إياك أن تعتقدي أنك تحبينها أكثر مني ؟‍!

وقفت كالفرس الأصيلة حدقت إليه، تأملها جيداً وكأنه يراها للمرة الأولى، صدر كالفلاة، أعلى نهديها يضغط على ثوبها الناعم، عيناها مجنونتان. فكرت بعودته إلى القدس، هذا الهاحس أتاها فجأة. احتضنت الألم في أضلاعها. أي صراخ يفيدها وأحشاؤها تتقطع ؟! أي ألم يمكن أن تعبر عنه ساحة وجهها. تذكرت ما قاله عن الحب " كلمة رائعة، عاطفة نبيلة، ربيع الحياة وتجددها، هو ذاك الإبداع الذي يدغدغ الوجدان، ويجعل الحياة قلقة، حلو مرة، ومرّ مرات. يفتح العنين على اتساعهما لتريا جذوة الحياة التي لا تنظفئ ". دقت الأرض برجلها، لوحت بيدها بعد أن ابتعدت عنه. راودتها أفكار غريبة عجيبة، لم تستطع أن تظل حتى الصباح، قبيل منتصف الليل ارتدت ملابسها على عجل، تناولت أحد كتبها وقالت لأمها " أنا عند صديقتي وهذا رقم هاتفها" .

عيناها تشعان بريقاً وحزناً، نظراتها تائهة وحائرة، خطواتها سريعة كعدو الإبل. عند وصولها إلى بيته وقفت تفكر، هل تعود؟ ولكنها في لحظة شجاعة قرعت الباب، فتح ورحب بها، استغرب مجيئها، سألها، غمرت الدموع وجهها وبللت أعلى ثوبها وصدرها. تساءل عن الأمر العظيم الذي دفعها للحضور في وقت متأخر! لم تجب. غير ثيابه، تابعت حركاته وعندما هم بفتح الباب، تكومت على فراشه .

أغلق الباب وعاد يسألها :

- ماذا حصل أيتها المجنونة؟ هل أنت مريضة؟ ... إذن ماذا تريدين ؟‍

مسحت دموعها وقررت العودة من حيث أتت، قال:

- لن أدعك حتى أعرف ما حصل وما سر زيارتك المفاجأة في وقت كهذا!

‍- أنتَ لا تملك قلباً أيها الكافر! ‍

- كما تريدين، هل جئت لشتمي، سامحك الله ؟

انحنى وقبلها فسمع أصوات البلابل والكنار تغرد، في حين هبت ريح ناعسة أنصت فسمع خريراً، تسأل، أيعقل أن يكون لبردى خرير في هذا الوقت من العام. اكتشف أنه ترك صنبور الماء مفتوحاً.

ضحكا من كل قلبيهما. قبلته على عنقه ودعته أن يعيدها إلى بيتها .

لم يتحدثا، الصمت لغة فيها الكثير من التوتر. هدأت أعصابها، ثم صرخت بأنها لو لم تره لما استطاعت البقاء في البيت ولفقدت النوم، الذي نهضت منه مذعورة، وربما أصابتها حالة جنون فظيعة. ناداها بالعاشقة فاقتربت منه أكثر حين هبت ريح فتية رطبة من الهامة .

- بماذا تفكر يا عمر ، تعال وشاركنا الطعام، لك نصف ساعة وأنت تضع رأسك بين يديك.

وحد الله. لكل شيء نهاية ‍ ‍!

التفت إلى رفاقه، جميعهم ينظر إليه وفي عيونهم حسرة ولوعة. حزن لا يستطيع أن يعبر عنه أكبر شاعر، يتوطن داخل البؤبؤ وفي بياض العين وعلى الرموش والمنطقة التي حولها. خيوط حمراء تأخذ طريقها الحلزوني في البياض، وانحباس لدموع لوقدر لها أن تأخذ طريقها لأغرقت الغرفة. تمالك نفسه. التفت جانباً ليتخلص من دمعة أخذت طريقها إلى الوجنتين .

نظر إلى لون الغرفة، شعاع الشمس يتسلل من طاقة صغيرة ضئيلاً وعند العصر يتلاشى .

لكنهم تعودوا على هذا القبس، الحرارة لو دخلت لتحولت الغرفة إلى محطة حرارية، أما النور فهو كاف لانجاز أعمالهم البسيطة، على ضوئه الخافت يتسامرون وتمضي الأيام متكاسله متماثلة، والأيام المتماثلة تذكره بالروتين الذي يجعل الحياة بلا معنى، إذا دخل مكاناً أحاله إلى ركام وإذا تسلل إلى شعب حوله إلى الأسوأ .

تساءل عن الأحلام الوردية يوم ظن أنه قادر على تغيير العالم، وأنه بمظاهرة وهتافات وقليل من الرصاص قادر أيضاً على إثبات وجوده. سافرت تلك الأحلام. حتى الورود اختفت إلا من حنة عدن، جنة المسؤولين في السجن والزوار من القادة، ليعيشوا فيها لحظات تعكس حياة مخالفة لكل أشكال السجن والاعتقال. جاءته أحلام الواقع المعيش، الأحلام السوداوية، البارحة ناضلوا وأضربوا ومات منهم أثنان من أجل هدف بسيط، لو تحدث أحدهم به وهم في الأغوار لضحكوا، وقالوا أمن أجل الامتناع عن الطعام نفقد اثنين من أفضل الرفاق، بئس الإضراب !..

اختفى القمر من حياتهم، وارتفعت السماء ولم تعد تطل عليهم وتضحك لهم إلا وقت " الفورة ". الأرض سورت بجبال عالية والبحر مرتع لأسماك القرش. مهما حاول الهرب فالسجن وواقعة المر يلاحقه. الأوامر .الإفطار والخدمة الذاتية والتنفس والتعداد الصباحي والتعداد الثاني ومساءً التعداد الثالث. الساعة العاشرة ليلاً تنطفئ الأضواء داخل السجن وعليهم النوم. الصراع مع إدارة السجن يومي بل كل لحظة .الإدارة تنظر إليهم كعبيد وهم ينظرون إلى أنفسهم أحراراً يصنعون الحياة ويساهمون في كتابة التاريخ. بينما السجان مأمور منفذ، هادم للحرية وللذات ومدمر لحياة البشر.

زيارات الأهل لسجنائهم مقطوعة طوال فترة الإضراب وبعده بأسبوعين. أول الزائرات آمنه خليل التي جاءت والبسمة مطرزة على شفتيها. قالت لأبنها بمرح :

- خطبنا لك هدى يا ولدي .

- أهي تحبني؟

-إنها لا تحب سواك. تسألني عنك وتتابع أوضاع السجناء، أطلقت أمها زغرودة عندما فاتحتها بالأمر، أما والدها فرحب وقال " على بركة الله " وقرأ الفاتحة .

اختفت ممارسات السجانين، ولم ير إلا الناس الطيبين، الطيبون لدرجة البلاهة، هؤلاء الناس لا ينقصهم العزم بل القيادة. يمشي القائد على الجمر، فيطير الناس خلفه على النار ويحلقون في الجو، ينقضون على الخطر، وإذا مشى فوق الماء يسبحون أو يغرقون لا فرق. لقد وافقوا لأنه وطني. طار من الفرح، عاد إلى الغرفة، استقبلوه عند بابها، وضع الهدية جانباً والابتسامة العريضة تتحدث نيابة عنه، سألوه: ماذا حدث ؟

قعد وتفحص وجوههم واحداً واحداً، شعر أنه يحبهم جميعاً، جلسوا حوله، تراءت له الشمس في كبد السماء من الطاقة الصغيرة، والأرض لشدة حرارتها تنشر لهيبها. السجان طلب سكوتهم وإلا فالعقوبة لكل من في الغرفة .

أجاب والسعادة تغمره: لقد خطبت .... خطبت أمي الفتاة التي أحببتها.

- مبروك، إن شاء الله مبروك ... مبروك ... ألف مبروك !

تحركت الألسنة في الأفواه وانطلق ما يشبه الزغاريد، بينما الشمس تميل إلى وسادتها البحرية، تنحدر أكثر فأكثر غرباً. قام الشيخ عباس توضأ وصلى العصر. ثم قال: سنحتفل هذه الليلة بالمناسبة السعيدة .

قال ذلك مع أن كان أكثرهم قتامة وحزناً، غاص في أعماقه، تذكر ذاك الجسد الذي اشتكى من الظمأ فرواه. زوجته فواحة ذاك الخليط المتجانس من الورود والنعناع والفاكهة، تبتسم فيصير للكون طعم البرتقال ورائحة أزهار الليمون، بحر هائج يحتاج إلى عدة روافد، فيها شوق العالم ولذته، بحرها لا يحتضن الغرقى، وسماؤها جذلى مسيجة بالقرنفل الأحمر، تضج أنوثة، يهرب لون وجهها ويصير أكثر شحوباً كلما اقتربت منه، غير قادرة على البوح بلوعة جسدهت وحبها للأطفال .

كم ذهبت زوجته إلى الأطباء وصرحت أنها لم تحمل، اصفر وجهه هذا السر لا يستطيع أن يبوح به، إذا عرفه الذين في الغرفة سيفقد جزءا من رجولته، وإذا بقي في قلبه فإنه سيفتته، قال حسان:

- ما بك ياشيخي غداً تخرد وتتزوج ثانية ثم تحج .

- أراك تتهكم يا بن المستلقية على ظهرها، فلولا فرحك لعملت لك زفة كما يزف الصغار المجانين أيها الأبله، تأدب أيها الخاطب واحترم نفسك، ماذا رأيت من خطيبتك، إنها لم تشعل لك سراجاً واحداً، ولم تبتسم، أحببتها على الرائحة، العشق عن بعد أيها الذي لم ير منها سوى شكلها الخارجي. آه من النسوة !

شعر أن الجملة الأخيرة خرجت دون إرادته فتابع كلامه بعد أن ضج الجميع، فرد عليه مازحاً:

- هل أنت عاشق يا شخينا ونحن لا نعلم ذلك ؟!

نظروا إليه وفي عيونهم تساؤل. شعر أن عليه الإجابة فقال :

- وحدوا الله يا إخوان، فأنا كما تعرفون أكره حتى ذكر النسوة، ولم أر منهن شيئاً حتى شكلهن لأنكم كما تعرفون العين تزني.

- كفى اترك درس الدين والأخلاق لمناسبة أخرى، هيا إلى الغناء .

وسعوا الحلقة حسان لشدة فرحه وضع على وسطه منديلاً عقده من الجهة اليمنى، لف لفتين ثم أعطى المنديل إلى خالد بزاوي دار دورات عدة وهو يحرك يديه مرة باتجاه الداخل ومرة إلى الخارج، على وقع الأكف أخذ يلائم حركات قدميه فكل ثلاث خطوات يعقبها هزة خصر أو خبطة قدم، ثم لف كراقصي المولوية، دخل مكانه فادي حسن و أبو الشوق رقصا بحني جذعيهما وأحياناً حني الرأس إلى الخلف أشبه براقصة تطلب قبلة أو نقوداً.

أكتملت الحلقة وأخذت السهرة جانب الفكاهة بعد مشاركة الشيخ عباس إذ ربط الكوفية. على خصره وأخذ يراقص مرة فادي ومرة أبا الشوق، فتبين إنه ماهر باللف والدوران والهز وخفة الحركة .

رقصوا رقصة السيف. ثم أخذ يغني وهم يرددون :

يا مرحبا واهلا بالعين الكحلا

يانخلة طويلة بين الحرم والصخرة

إن كان انتِ حلوة قدامك أحلى وأحلى

وغنى اسحاق مراغة رغم مرضه:

عالماني يمّا الماني

 

دخل الزين أبو ارداني

دخل المبسم يامريم

 

والعسل منو سيلاني

دق الماني دروب دروب

 

عالفرقا ياصبر أيوب

لا كتب لحبيبي مكتوب

 

يفتت حجر الصواني

عالماني يمّا الماني

 

دخل الزين أبو ارداني

قام عمر بقامته الفارعة وابتسامته العريضة، تناول الكوفية لوح بها بيده اليمنى، صار يمشي كل عدة خطوات ويخبط بقدمه اليسرى، لف على رجل واحدة ثم على مقدمة أصابع قدميه وأخذ يتحرك حركات سريعة، ثم حرك يديه وكأنه يؤدي تمارين سويدية. عيناه تشعان بريقاً وفرحاً. لف الشيخ عباس كوفيته على خصره وطلب منه أن يغني فغنى

برهوم يا برهم يا بو الجديله

والجرح عمّل يا عيني بدو فتيله

برهوم محنى والشعر متنى

اطلب وتمنى ياعيني ما في جميله

أي والله ما في جميلة

برهوم ورا الباب بنده ياشباب

غاب القمر غاب يا عيني قومي افتحي له

برهوم عالسطوح والشعر الأشقر يلوح

والقلب مجروح يا عيني جرح السكينة ...

قطع الحارس الكهرباء قائلاً: الفرح ممنوع .

أشعلوا شمعة، فتح حسان الهدية وأخذ يوزع على رفاقه، وهو يسمع كلمات الترحيب والمباركة، بقوا على قعدتهم اقتربوا أكثر بعضهم من بعض، و أخذ كل واحد يحكي حكاية عن الزواج، وكيف تعامل الزوجة، قال الشيخ عباس:

- هل أعلمك كيف تنجح في إمتاع زوجتك؟

سر الجميع لمبادرته هذهمأخذ يشرح ماعليه فعله في الليلة الأولى، وكيف يتصرف بعد صرختها الأولى، وما عليه فعله في الأسبوع الأول، وهو يردد :" لا حياء في الدين، إن تعليم أمثالك صدقة ".

الجميع يكادون يقلبون على قفاهم إذ كان حديثه بلا أدنى خجل، سمى الأشياء بأسمائها الشعبية.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244