ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل السادس عشر -

النهر المسافر جنوباً الذي ظل حوال أشهر عدة مؤدباً، أودع خريره لمخاضات تستخدم للعبور، ويوم وصل اليهود إلى ضفته الغربية فقد هدوءه، كانت رياح تشرين تراقص الأوراق التي تخضبت بالحناء، فانحنت راكعة تروي ظمأها، وعندما لم تستطع الوصول نزلت سابحة في الماء، الحيرة تتملك النهر فعلي يمينه الدوريات الإسرائيلية المختبئة بين القصب والحشائش والشجيرات تترصد حركة الطرف الآخر، وعلى يساره فتية يواصلون التطلع إلى الغرب وفي أيديهم سلاحهم، في هذا المنخفض يمشي مزهواً بفتية يتجاوزونه معلنين امتنانهم لمخاضاته.‏

مازل الجو حاراً وأسراب البرغش القارص تطارد كل من تجده، تحوم كالمروحية قبل أن تحط على الجسد، الغيوم تمشي بتمهل، لونت شفتيها برغوة بيضاء، فقد شابت لكثرة حركتها وطول مدة جريانها، جلس يتأمل المياه الرقراقة، شلح حذاءه ووضع قدميه في الماء، شعر ببرودة ورطوبة، غسل وجهه ويديه، جسده الدبق بحاجة إلى حمام، رمى ملابسه جانباً. فكر بالعملية التي سيقوم بها، قطع إلى الجانب الآخر سباحة وجلس هناك. أحس بالمرح إنه الآن فوق أرض فلسطين. راقب المنطقة جيداً وعندما تأكد من خلوها أخذ يدندن ويغني، انتقل بسرعة إلى مكان آمن، نشف جسده وارتدى ملابسه، من بعيد صوت يناديه ويدعوه إلى العودة إلى القاعدة .‏

أمور ثلاثة فكر بها أمه وعبله ووصال، تمنى لو يلتقي بهن، كيف يقود مجموعة إلى الموت دون أن يرى ويودع من يحب، هذا الهاجس جعله يخاف، صحيح إنه يدخل إلى منطقة عرفها وخبرها، لكن الموت والعدو كأسا حنظل وكما يقولون "لاأحد يضع على رأسه خيمة ". استطلعها قبل يومين وصل إلى مرتفعات رام الله ونظف أكثر من مغارة، سيقيم في إحداها. ثمانية هم عناصر دوريته التي سيقودها أربعة ينفذون عملية وآخرون يبقون معه لبناء تنظيم في الداخل. تساءل إن كان هذا الحلك سيتحقق ويقرب يوم التحرير، أما إذا فشل فسيتكرس شعار التحرير من الخارج وينتصر المنادون به. لأن دخول القيادة والقواعد إلى الضفة الغربية وقطاع غزة خطوة نادى وينادي بها وتلقى معارضة شديدة.‏

مرت أمامه أفعى بنيه، لفت حول شجرة وأخذت تصعد إلى الأعلى، ضربها فأصاب ذنبها، حركته بشدة وتابعت صعودها وعندما صارت فوق غصن عال فتحت فاها وأخرجت منه مادة بيضاء ورمت نفسها عليه، عندها ابتعد قليلاً فتكومت أمامه على الأرض، دعس على رأسها فظلت تحرك جسدها يمنة ويسرة ما يزيد على عشر دقائق، محاولة الخلاص حتى همدت في مكانها. مددها وقاس طولها ثم قلبها على بطنها تمتم بكلمات ذكر فيها الشمس ثم مضى .‏

شعر بالحرارة والرطوبة الخانقة في وقت اتجهت الغيوم شرقاً، ليعود للسماء صفاؤها وبهجتا وزرقتها وتوقف حفيف الأوراق المخضبة بالحناء. نهضت الأفنان إلى الأعلى بعد أن ارتويت من ماء الأردن، أما العصافير فهي دائمة الحركة والزقزقة، وهي بطيرانها هذا تحاول تحريك الهواء ليصير أكثر طراوة ونسماته أكثر عذوبة ورقة .‏

قال في الاجتماع: علينا أن نكون في الضفة الغربية وقطاع غزة، ندخلهما، نتصل بعدد من أصدقائنا ورفاقنا ونتفق على عمل منظم. أطالب بنقل جزء من كوادر الجبهة إلى هناك مقدمة لنقل القوات والسلاح والذخيرة.‏

- يا عمر هذه مغامرة، أنت تذكر كيف دفع العدو بقواته عن طريق الكرامة، فشلت عمليته عندما واجه صموداً ودعماً، ونحن في الداخل ستفشل أعمالنا إذا لم تجد مداً ودعماً، الشعب مازال غير مهيئ. علينا أن نهيئه ثم نسمع كلامك .‏

_ إذن " عيش تايجيك الحشيش ‍‍!"‏

القمر في ليلة الثامن والعشرين من تشرين الأول سيتأخر طلوعه، نادى على الرفاق بأٍسمائهم، محمد حمدان القاق، سهيل البرغوثي، محمد سليمان عسكر، حسن نمر أبو جابر، جميل عبد العزيز، نعمان أبو حسين، محمد حسين علان .‏

- هيا أيها الرفاق إلى الاجتماع.‏

في الساعة الثامنة مساءً شكلوا دورية على شكل رأس سهم، حدد مكان العبور من المخاضة الثانية بالقرب من الكرامة، إذ تبدو مياهه رقراقة راكدة ويصير الأردن أعرض. المنطقة مراقبة وعليهم الحذر. وزع مجموعات حماية من مدفعية الهاون وأسلحة متوسطة غرينوف وديكتريوف. عبر معهم أبو أحمد فؤاد الذي اطمأن على سلامتهم وتوغلهم. ودعهم وقبّلهم بعد ساعتين من الاستنفار والتأهب أمر بعد عودته بأنهاء كافة المظاهر والعودة إلى الحياة العادية.‏

العبور غرباً مقدس أشبه ما يكون بالتعميد وصولاً إلى الجنة، مشوا على التراب بعد أن انحنوا راكعين وقبلوه، لحظة فرح، لحظة لقاء الحبيب مع عبلته التي تنتظره، تفتح ذراعيها وتكشف عن صدرها، ثغرها ضاحك تحضنه وتقول:‏

- هل هناك أطيب من شفتي ومن نهديّ و أحر من جسدي، إذا فقدت اللذة معي فلن تجدها عند إنسانة أخرى.‏

ويذهب ذهنه إلى الشام حيث بردى والحور الذي يرطب شفاهه بالبياض والخضرة، فتبدو أرواقه في حالة رقص تعبيراً عن فصلي الحياة " الثلج والربيع ". دعيت لحضور مؤتمر آب الذي عقد قبل شهرين، جاءت تزهو بحلتها تضع خريطة فلسطين على جيدها، وقد صبغت شعرها ودهنت جسدها، فكانت تبرق كالذهب والماس، فشل في إقناعها بتبني الوثيقة التي كتب على طرفها " تقدمة الجناح اليساري ". سمعته يتحدث بالماركسية واللينينية، طلب توضيحاً منه لأنه طوال حياته يتغنى بالقومية العربية، فلم تقتنع، سألته وصال: ما الذي غيرك يا عمر ؟‏

- الواقع الذي أفرزته حرب الأيام الستة وغيره .‏

على هامش المؤتمر التقى بها، شعر بغربتها، وشعرت أنه تغير كثيراً، حركها الحب القديم، فوقفت بشدة ضد الدخول إلى الأرض المحتلة وبناء قواعد هناك مبررة كلامها، بأن الوقت مازال باكراً.‏

قبل أن تودعه عائدة إلى أبي رمانة، سهرت ليلتها معه حاولت إقناعه بأن يتخلى عن فكرة الداخل، حذرته من طرحه قائلة:‏

- إن ما تصر على أنه التجديد سيصير قديماً بعد سنوات، وإن توريطك بالدخول إلى الأرض المحتلة الآن هدفه الخلاص منك!‏

هزئ بأفكارها التي جاهدت لتوصيلها والدفاع عنها، تغيرت كثيراً، ماذا يهمها، إنها لا تشكو من احتلال دمشق، لذا فيدها مازالت في الماء، إنه يحقق حلمه، القيادات والكوادر في الداخل ومن الجبال والمغاور تنطلق وتعود. سيتصل بزعماء القدس ورفاقه وأصدقائه وأبناء تنظيمه، يسافر إلى المدن حلقة وصل بين الرفاق في، نابلس، رام الله، القدس والخليل. إذا تجاوب مع أرائه عدد بسيط سيبدأ به ويبني التنظيم على قاعدة المد الجماهيري والكفاح المسلح. أما الذين في الخارج فهم جنود الاحتياط.‏

قبلته وصال وكفكفت دموعها، ودعته لزيارة دمشق وذكرته بماضيهما. هز رأسه نظر إلى رفاقه الذين خلفه دعاهم للاستراحة بقوله :‏

- لقد ابتعدنا كثيراً، نرتاح الآن ربع ساعة ثم ننطلق إلى هدفنا .‏

الحياة في المغارة كحياة القصور، بل أفضل بعيدة عن تعقيداتها رغم أنها بداية الحياة ومنطلقها الحضاري.‏

توجه مع مجموعة شبان إلى جبل الزيتون وأخذوا ما يكفيهم من ذخيرة ومؤونة وماء، وفي حين بدأ القصف المركز على القدس، الجيش الأردني أخذ يخلي مواقعه، نادى على أخيه مصطفى وقال:‏

- حبيبي الحرب تسير إلى غير صالحنا، لن نستطيع فعل الكثير، حزيران حار مخوفاً من تفسخ الجثث مطلوب دفنها، هؤلاء شهداؤنا لهم حق علينا فهم ملح الأرض.‏

أخذ القمر ينشر ضوءه، يعيد رسم وتشكل الكون ويعطي للأشياء حجومها وتكويناتها. ابتعدوا عن طريقٍ معبد، تخلصوا منه حبواً، ظهرت قربهم بعض الدوريات، كمنوا ثم تخطوها زحفاً على أكواعهم وركبهم، بين العنصر والآخر خمسة أمتار حتى لا يصاب عدد كبير إذا وقع اشتباك، بعد خمس ساعات من اجتياز النهر وصلوا منطقة وعرة المشي فيها مخاطرة. انتظروا تباشير الصباح، ليسلكوا الطريق الذي سيوصلهم إلى مكان إقامتهم في الجبال، اكتشفوا أنهم غير بعيدين عن رام الله ومرتفعاتها. سمعوا أصواتاً غير بعيدة، دورية معادية تراقب المنطقة، تراجعوا فتلقوا أمراً بالتوقف، حدثهم عمر بطلاقة وعندما طلبوا منه كلمة السر صمت، في هذا الوقت ابتعد أربعة من الدورية، بينما توزع الباقون على شكل هلال، غطوا مساحة خمسين متراً، أمر بإطلاق النار وماهي إلا دقائق حتى توسع الاشتباك فبدأت مدفعية الميدان تدك الجبل بقذائفها، ظهر الطيران المروحي وألقى قنابل مضيئة، الصبح قريب والنجاة مستحيلة، بدأت الرشاشات تزرع في كل شبر الرصاص والموت. في زخم هذا القصف توقفوا عن إطلاق النار، لابد من إبقاء مخزن أو أكثر لمداهمة. الآن تأكد من بناء قواعد وقيادات داخل الأرض المحتلة مستحيلة، لابد من الموت، الحل الوحيد، لكن من يدافع عن أفكاره؟‏

وهل كانت وصال على حق حين خاطبته قبل عودتها إلى دمشق: أنت صفقة تجارية !‏

- أعيدي لم أفهم ما تقصدينه؟‏

-لن يفهم أحدنا الآخر يا حبيبي ، القرار لن يكون بأيدينا، لن يغامروا بامتبازاتهم، هل أذكرك بأفكارك التي لن تتحقق "القواعد الثابته هدف سهل المنال. ليست البندقية كل شيء، ترك ساحة الكفاح المسلح للعاطلين عن العمل يحولها إلى شركة مساهمة في قتل أبنائها. الأغوار خطوة للذوبان في الداخل. الخطأ السياسي لايقبل الغفران ولا الندم. فرصتنا الذهبية الآن إذا ضيعتها القيادة فلنندب حظنا لخمسين سنة قادمة"‏

في الثورة لا يستطيع التطلع إلا إلى الشمس، الذهاب إلى الظل كي لا يدفع عيناه ولا يشعر بحرارة الجو والزوغان والثقل في الجفون. لا يعفيه من المبادرة. الألم يلف ويدور داخل جمجمته إلى الصدغين ومؤخرة الرأس. ماتت الابتسامة وذبلت الأفكار كما الأوراق التي تواجه بداية الشتاء. سيطر على ذاته وبدأ يسدد على هدفه، لقد هرب الخوف دون رجعة، لاشيء سوى الموت. لحظة انتهت ذخيرته، عب كمية من الهواء، إنه يشعر بآلام في جسده، لقد أصيب، ولابد من تحقيق نبوءة عبلة، لحظة اشتعل جسدها نوراً قبل عام حين صرحت:"ستدخل الأرض المحتلة وتقاتلهم حتى آخر رصاصة وسيجرحونك في رأسك، ويضعونك في السجن ولن يفرجوا عنك ".‏

- ما معنى كلامك المتشائم ؟‏

- دعني أبكِ على هواي .‏

عيناها جمرتان موقدتان، وجسدها الناري يشع، قلبها أرنب بري، ودعته وقبلته قبلة طويلة وهي تقول :" مع السلامة "‏

حين ألقي القبض عليه تجددت الهواجس التي طاردت أمه. من أجل الخلاص من خوفها ووحشتها دعت جارتها للغداء وظلت ثلاثة أيام توزع الخبز وهي تردد " اللقم ترد النقم "‏

أحضرت قارئة تلت بعض السور، في نهاية اليوم الثالث مد يده إلى صدرها. سألته عن صحته فأجابها:‏

أنا بصحة جيدة يا يمّا .‏

طوقت القوات العسكرية المكان، شعر بتدفق الدم الحار من رأسه وجسده. ضعفت قوته، دعا رفاقه إلى النجاة بأنفسهم، ضغط على الزناد، فتش عن طلقات فلم يجد، رمى البندقية جانباً، مد يده إلى الجعبة وأخرج رمانة، بأسنانه فتح مسمار الأمان، وألقاها. صوت يرتفع ويتقدم تجاهه يصيح:‏

" ارفع يديك، القوات الاسرائيلية تحاصرك، ارم سلاحك جانباً، وارفع يديك، جيش الدفاع يضمن سلامتك. ارفع يديك ...." كانت هذه آخر الكلمات التي سمعها. ما حصل كان كبيراً، ضربت القوات طوقين حول المكان، المروحيات تجوب المنطقة، إحداها حطت غير بعيدة عنهم.‏

توقف إطلاق النار من قبل الفدائيين، تأكدت القوات المحاصرة أن ذخيرتهم نفدت. بدؤوا يتقدمون وهم يطلقون النار. اعتقلوا المجموعة المتبقية. أما عمر فقد أغمي عليه، جروحه تنزف، اقترب منه ضابط وخاطبه " هيا أيها المخرب ".‏

تأكد أنه غير قادر على الحركة. احضروا نقالة إسعاف وحملوه إلى السيارة. أعطى الضابط أوامره بالمحافظة على حياتهم، مازالت المخابرات بحاجة إلى معلومات عن الفدائيين. نقل إلى سجن أريحا تلقى إسعافات أولية سريعة وأخضعوه لتحقيق ميداني استهدف استغلال الحالة النفسية، وجمع أكبر قدر من المعلومات التي يصرح بها بفعل إصابته وحالته غير المتوازنة في بداية الاعتقال .‏

فتح عينيه وجد نفسه ملقى على السرير ومحاطاً بالجنود. في هذا الوقت أعلن الممرض الذي انتهى من خياطة جروحه، أن وضعه سيء، لا فائدة من التحقيق مادام في شبه غيبوبة. خرج الجنود بقي اثنان يرتديان الزي المدني أحدهما على يمينه والآخر على يساره. قال الذي على يمينه بالعبري إن وضعه لا يسمح بأكثر من سؤالين أو ثلاثة. أجابه زميله بأنهما سيظلان يسألانه حتى يستخلصا منه قبل التي يملكها. حدق إلى السقف، بيديه تفحص السرير ثم نظر يمينه ويسرة. ابتسما قبل أن يوجها إليه الأسئلة، قال الأول:‏

- أنت في أمان !‏

سأله الثاني‏

- ما اسمك، ولأي منظمة تنتسب ؟‏

- سيد عمر من أين دخلت، ولماذا ؟‏

- لن أجيب عن أي سؤال قبل اسعافي !‏

- ماذا تسمي خياطة الجروح ووقف النزيف .‏

- الجروح بحاجة إلى ضمادات ولف ودواء ..‏

خلال وقت قصير جاءت سيارة اسعاف فيها ضمادات، لفوا جروحه وأعطوه إبرتين في العضل وكمية من الحبوب. نام على أثرها، وعندما أفاق وجدهما مكانهما :‏

- سيد عمر اسمك بالكامل ولأي منظمة تنتسب ؟‏

- أنت إذن عمر محمود القاسم عضو لجنة مركزية في الجبهة، تحمل إجازة في اللغة الإنجليزية من جامعة دمشق وتجيد التحدث باللغة الفرنسية واللغة العبرية أيضاً. تعلمت لغتنا بعد السبعة وستين ... عظيم أبو عباية، أنت دخلت أرض إسرائيل دون إذن وحملت سلاحاً ممنوعاً، قتلت جندياً وجرحت عدداً آخر. ما قولك ؟‏

- غير صحيح. أنا دخلت إلى أرضي، بيتي وأهلي مازالوا في القدس. علينا أن الانخلط أو نغلط بالتسميات، هذه أرض فلسطين .‏

- بل أرض إسرائيل، أرض المعياد .‏

- هذا زعم وادعاء ديني لا يلزم الآخرين وهو لا يشكل مصدراً من مصادر القانون الدولي. بأي حق يوعد اليهود بأرض كانوا فيها عابرين كأي غزو مر وانتهى! وما علاقة يهود اليوم بذلك ؟‏

سأل المحقق زميله إن كان استكمل المعلومات الشخصية الخاصة بالأسير، ثم همس في أذنه بأن عليهم الاتصال بالقيادة ومشاورتها في أمره. رفع السماعة وطلب التحدث مع إدارة المخابرات العامة، أبلغهم ما عنده من معلومات، فطلب إليهما البقاء معه بانتظار أوامر جديدة. نظرا إلى وجهه وتأملا جروحه غير قادرين على توجيه أسئلة ترتد إلى نحرهما. بعد نصف ساعة رن جرس الهاتف رد أحدهما وقال لرفيقه بأن هذه المكالمة من مكتب وزير الدفاع، الذي سيكون هنا بعد دقائق. خرج ليبلغ إدارة السجن لتأخذ احتياطاتها .‏

تحرك مدير السجن، ترك مكتبه وأعطى أوامره، أتخذت الاستعدادات ليكون الاستقبال لائقاً، إذ اصطف العساكر لتأدية التحية. بعد ربع ساعة سمع صوت طائرة مروحية تقترب من السجن ثم غير بعيدة عنه، ترجل موشي ديان، تقدم مدير السجن أدة التحية وسلم عليه، ثم قاده إلى مكتبه .ومن هناك توجهها إلى حيث طلب، إلى الأسير الذي أسمه عمر القاسم، الذي استغرب وجود عدد من المسؤولين حوله، فتح عينيه كالحلم، فرأى من يضع عصابة سوداء على إحدى عينيه، اغمضهما وغط في شبه غيبوبة، لكنه سمع بعض أطراف الحديث، وعرف أن وزير الدفاع هو الذي يغطي إحدى عينيه بعصابة، حاول أن يجلس في سريره، وبعد صعوبة تمكن من ذلك، عندها أمر وزير الدفاع مرافقيه بالخروج، قال: - " شالوم " سيد عمر ، أخبروني أنك تجيد لغات عدة غير لغتك، تحمل إجازة جامعية وعضو لجنة مركزية في " منظمة تخريبية " سامحك الله لقد جئت ونسفت تصريحي، منذ عشرة أيام قلت، إن المخربين المعتقلين عندنا أميون، مدفوعون للموت دون قناعة. مثقف مثلك عليه البحث عن عمل يناسبه في دولته إسرائيل .... أنت من القدس عاصمتنا، أنت مواطن لك حقوق علينا شريطة عودتك إلى الصواب، سنعالجك ونخيرك في البقاء معنا أو العودة للخارج بروح جديدة ومفاهيم عصرية .‏

بالتأكيد مقابل ذلك تعلن أسفك وندمك بتصريح صحفي على ما أقدمت عليه".‏

لم تكن حالته الصحية تساعده، رفع إصبعيه إلى الأعلى وقال P.L.O. لم يغلق وزير الدفاع النقاش، ابتسم وقال: " ستبقى هنا، وعندما تغير رأيك أخبرنا".‏

ظل وقتاً طويلاً يناقشه في حق إسرائيل بالوجود، وحق الفلسطينيين عند اخوتهم ... شدد على قدرة المال العربي مع الفكر الصهيوني على صنع المعجزات .‏

تحسنت حالة عمر حاول أن يرد على كل نقطة ضمن مفهومه العلمي. يتعب فيرتاح قليلاً ويطلب الماء، يغفو خمس دقائق أو أكثر، ثم يعاود الكلام، الكلمة الأخيرة قالها ديان ومعنى " هذه الأرض لا تحتمل وجود شعبين، فإما أن نذوب بالعروبة أو أنتم، فمن الأقرب ؟!".‏

غادر وهو يؤكد بأنه سيلتقي به مرات، عندما تتحسن صحته، أشاح عمر بوجهه وهمس :‏

- ألم يجدوا غيرك. إنك تثير المرارة، أنت من هزمتنا العام الماضي، إنه لقاء القوي للضعيف !؟‏

قال له أحد المحققين بأن اسرائيل تنتظره، وعندما سأل " كيف ؟" وضحوا له ذلك. لام نفسه وقيادته، وتأكد بأنه مازال صغيراً، وسيتعلم في السجن الكثير .‏

نشرت مجلة الحرية تحليلاً عن أعمال مؤتمر آب، مما جعلهم يقرؤون ما بين السطور ويصلون إلى ما وصلوا إليه، لكنهم فوجئوا إذ لم يتوقعوا أن القيادة في الجبهة ستضحي بأمثاله، قائد سياسي وعسكري ومثقف ." لو كنا نعرف ماسيفعله في السجون لتركناه أو قتلناه " هذا ما صرح به مدير سجن نفحة في الثمانين. نظر من النافذة مازالت الغيوم البيض تسرح في السماء وتثير معها حزم الهواء. فرح في صغره لمنظر قطعان الأغنام السارحة في الجو، تذكر ذلك وابتسم.‏

منذ الصباح والعصافير تتطاير على غير هدى، وأوراق الأشجار التي تقطر دماً يتقاذفها الهواء. الشمس تلتمع، وعندما تهتز الأشجار والأوراق فإن الأنوار تتراقص أشبه بثوب غجرية راقصة. قبل سنوات ويوم كان بداية المرحلة الثانوية سمع قرع الطبل، كانت القدس تقيم احتفالاتها الموسمية في الخميس الثالث من نيسان أو ما يسمى بخميس الموسم. نادته أمه، صوت القرع يجذبه، لضربه إيقاع خاص يشبه نفير الصيادين الذين يطاردون العصافير. أما هنا فهو بداية فرح وسهرة غجرية تمتد حتى الصباح. جلس على الأرض في الصف الأول، وعندما كبرت الدائرة وأخذت الفتيات ترقص ظل محافظاً على مكانه، يتمايلن ويهززن و" يطعجن " وينحنين بأجسادهن وعندما يدرن ترتفع التنورة شيئاً فشيئاً فيظهرن عريهن البض ورشاقتهن، تتوالى الصفرات والتصفيق على صوت " هوي " تلف راقصة دقيقة الملامح حسنة الوجه ضامرة الخصر عمر ها لم يتجاوز الخامسة عشر، تلف وتدور وعند دورانها ترفع بإحدى يديها تنورتها فيظهر عريها حتى النهدين، ويبان طرف سروالها الداخلي السميك، أحياناً شيء من السفينه. فكان هذا يلهب عقول الرجال ويعطي للسهرة متعتها وأنسها ..... نهقت حميرهم المربوطة على بعد أمتار من المكان الذي نزلوه، نصبوا خيامهم خلال أقل من ساعة. ارتدت النسوة الألبسة الشفافة والتنانير الدائرية التي يتوافق ارتفاعها وانخفاضها مع شدة الرقص والدوران.‏

عند آخر السهرة عادت الصبية ثانية إلى الرقص وهي أكثر حيوية وإثارة، فبدأت ترقص وتعقص جسدها وشعرها فيبرز النهدان قويين صلبين كسفرجلتين لم تصفرا، الصدر مشع فتحة الثوب العليا تبرز العنق وجزءاً من الصدر على شكل دائرة تنتهي عند سفحيهما، مع فرقعة وقرقعة الصنجات ودخول امرأة في الثلاثينات تحدثها، هزت جسدها اسفنجة تنحني كما شاءت ترفع إحدى رجليها ثم الأخرى تتلوها بقفزة وهزة دائرية، جعلت الحضور يقفون مبهورين، أما المرأة فقد عوضت عن مجارتها للراقصة الصغيرة بإظهار مفاتنها بشكل متعمد، إذ تمسك بيدها طرف ثوبها الذي تلوحه في الفضاء فيظهر ماهو مخبوء، ومالم تره الأعين، فكان لعملها هذا إثارة، الشبان وكأنهم قدوا من الصخر، وأصحاب الأموال يزيدون كمية ما يدفع مع ما تظهره من براعة، فذاك يدس يده في عبها، وآخر يوصلها حتى ثدييها يقرصها فتميل وتبتسم للورقة النقدية الكبيرة وتنس ما أحدثته فركة يديه في ثديها، بعضهم يلجأ إلى الشيخ المرافق لهن، وبعضهم يحاول حل معضلته بنفسه يدخل ويرقص ثم يميل تجاه أذنها، فتخرج لتدخل غيرها، تختفي عن الحلقة وتعود لتمارس مهارتها من جديد، وتظل تخرج واحدة وتدخل غيرها حتى ينعمن جميعاً بطيب لقاء متجدد. وعندما يحصلن على حاجتهن من المال والمتعة يهمسن في أذن كبيرهن الذي يعلن انتهاء السهرة. ولا يعني هذا نهايتها، فعند الوصول إلى مضاربهن وبيت الخيش المنصوب يرتمين على الأرض لشدة الأعياء، تاركات الهواء يلعب بثيابهن، دون حاجة لغطاء أو ستر أفخاذهن، فتتراقص أجسادهن في رؤوس الشبان الذين يظلون في المكان يحوفونه حتى الصباح .‏

بعضهن يفضلن عدم النوم ينشفن عرقهن ويتناولن القهوة ثم يبدأن المزاح، فتحكي كل واحدة مانالها في تلك الليلة مع من ذهبت وكم دفع لها. أجسادهن تظل متدفقة حيوية حتى الصباح حيث يتناولن الإفطار وينمن سويعات قليلة .‏

أرسلت أمه عدنان يبحث عنه ويناديه، في زحمة السهرة نسي ماجاء من أجله، في آخرها جاء أبو عدنان وجرهما إلى البيت وهو يلعن الساعة التي جاء الغجر فيها، انتهى قرع الطبول فعاد المدنيان إلى مكانهما على يمينه ويساره وهو مازال يتوجع في سريره.‏

طلب أحدهما إليه أن ينزل عن السرير ويرفع يديه عالياً، أنزل يده اليمنى ووضعها خلف ظهره وشدها بالوثاق ثم لف يده اليسرى وأدخلها بالحلقة الثانية وقال له :‏

- كيف ترى نفسك الآن ؟‏

ضحكا بصوت مرتفع وأحضر المدني والآخر القيد الثاني ووضعه في رجليه ثم صاح به هيا " مخرب " بداية صفعة على رقبته، وقبل أن ينزل أصطدمت رجله "ببرطاش" الباب فتكوم، فأخذا يضربانه ويضحكان، التفت عمر بصق وقال:‏

- أي موقف إنساني أراه ‍‏

نظر إليه بحقد، اقترب منه أحدهما وفك قيده للحظات، وفسح له المجال ليقوم. اتكأ بذراعه على الحائط .‏

مشى خطوات متثاقلة عليه أن يحرك إحدى قدميه ثم يحرك الأخرى في خطوة لا تزيد على شبر، وقبل أن يصل إلى الباب الخارجي وضعا عصابة سوداء على عينيه. أظلمت الدنيا، عليه أن يحرك رجله ويمشي حسب التعليمات التي يسمعها. عند باب السيارة الزنزانة وقع على الأرض، فضرباه بأحذيتهما، نادوا مجموعة جنود حملوه ورموه في السيارة وأغلقوا الباب فلفه بقفل وجلس هناك عسكريان مسلحان. وقفت أمام الزنزانه السيارة جيب عسكرية وخلفها واحدة إضافة إلى عدد من راكبي الدراجات النارية. تكوم في أرض السيارة، حاول النهوض فلم يقدر، شعر بثقل جسده جاهد ليرى ما حوله، لم ير شيئاً اتكأ على جانبه الأيسر وغفا. السيارة تمشي على طريق مليء بالحفر، ترتفع ثم تهوي من جديد في حفرة، أفاق وحاول أن يحرك جسده، يداه موثقتان وقدماه مقيدتان، تذكر ماحدث معه. جاهد حتى استطاع أن يجلس على الكرسي. أثناء حركته هذه نزلت العصابة قليلاً عن عينيه اليسرى، نظر حوله، لا أحد في السيارة المغلقة، اقترب من النافذة التي بعرض فتر، جاهد حتى استطاع أن يصلها، للمرة الثانية يحاول أن يمسك النافذة، فيكشف أن الصفد يمنعهما من الحركة. استنشق الهواء فشعر بالانتعاش. خمن أنه يتجه غرباً حين تأكد من وضع الشمس بالنسبة للسيارة. هذه الأرض بما فيها من بيارات وكروم وخضرة لا تنتهي، لا يعرفها، بالتأكيد هي في عمق الثمانية وأربعين. حدق إلى السماء فشاهد غمامات أكثر كثافة من السحب التي رآها صباحاً. شعر بلسعة هواء باردة وألم في جروحه، إنه الهواء الذي تحركه السيارة. هواء عذي محمل بالرطوبة. تابعت السيارة وجهتها غرباً، انعطفت يميناً ثم دخلت في طريق ضيق، قرأ لوحة بالعبري تشير إلى صرفند. تقدمت ببطء فاحت رائحة المجاري المكشوفة، الذباب له حومة والأوساخ مكدسة تغطي المكان، رائحة كريهة لم يستطيع التخلص منها، دفن أنفه في جسم السيارة . رأى غرفاً متطاولة وجنازير حديد هي بقايا اصطبلات خيل استخدمها الإنكليز لهذا الغرض، مازالت المذاود واضحة. هذا المكان غير بعيد عن الطريق العام. صوت السيارات وحركتها لا ينقطعان، وغير بعيد عنه مطار حركته ليست دائمة. توغلت الزنزانة حتى توقفت أمام بناء مطروش بدهان أصفر، بجانبه شجرتا نخيل شجرتا نخيل سامقتان وشجرة بلوط وشجرتا تين عليهن عدد هائل من الطيور، ومع أن الأطيار رمز للفرح فإنها هنا موظفة عكس مهمتها، فللطير قصة مع كل سجين مر على تحقيق صرفند، إذ يستمر التعذيب حتى وقت متأخر من الليل، وعندما يبدأ محاولة النوم، تكون قد أخذت ما يكفيها من النوم لتبدأ بالشدو في الصباح الباكر، وبعيد أذان الفجر، طيور مختلفة الأشكال والأصوات جوقة موسيقية غير متناغمة. لأول مرة يكره الإنسان صوتها.‏

المعتقل وسط غابة غير معروف في تلك الفترة، وعندما سأل عنه جاءه الجواب مباشرة :‏

" أنت لا تعرف هذا المكان، وليس مهماً معرفته، هنا لا سلطة فوق سلطة المخابرات، أنتَ في أمان إ ذا تعاونت معنا، وإذا لم تفعل فستموت من العذاب، لا أحد يسأل عنك، وإذا فعلوها سنقول، مات على أثر إصابته، نحن نعرف عنكم الكثير، نعرف كل شيء، هيا تحدث ولا تضيع الوقت ".‏

الصليب الأحمر الدولي بحث عن هذا المعتقل، ولم يستدل عليه بعد عامين إلا بإعجوبة. تغلق الأبواب الخارجية، فيصير المكان معزولاً عن العالم، وحتى لا يفتضح أمره ولأسباب قدرتها إدارته أبقت الأوساخ داخله. لا شيء حوله يدل على ذلك. أنزلوه من السيارة وفكوا قيده ووثاقه ووضعوه في زنزانة طولها متران وعرضها متر واحد وأغلقوا عليه الباب.‏

الدنيا سوداء، أغمض عينيه مدة ثم فتحهما ليكتشف تحسن رؤيته، فقد شاهد نافذة بعرض الإصبع. الحرارة شديدة تبللت ثيابه عرقاً، جسده يرتجف من الرطوبة والألم ومعدته الخاوية تشعره بحاجته إلى الأكل جدرانها يطحن بعضها بعضها، يحس بين الفينة والفنية بوجع لايطاق، فيشد بطنه ويضع يده فوقها وما هي إلا دقائق حتى تفارقه هذه الحالة لتأتيه من جديد وهكذا. جروحه مازالت حية. فتحوا الباب ورموا عليه ثلاث بطانيات، جفف عرقه بواحدة، ووضع واحدة تحته أما الثالثة فجلعها مابين جسده والحائط اتقاء الرطوبة التي تنخر العظام. شعر بحاجة إلى النوم فغفا. صحا على صوت قرقعة عند باب الزنزانة. فتح العسكري الباب وأمره " هيا خلفي".‏

قال في نفسه إن وجود المعتقل في بيئة جميلة يفسدها. مظاهر اليوم الجديد، الصباح، أصوات المعتقلين وأناتهم، جرجرة أرجلهم ومشيهم البطيء، رائحة دخان سجائرهم، صدرت التنبيهات للجميع " أسفيرا " هيا قفوا باستعداد.‏

صرفند انتظار للمجهول، انتظار لوجه بشع، للتحقيق، أن تصر على أقوالك ويكتموا نفسك، ويدفعون جثتك إلى كيس قماشي، يضعونها في مؤخرة السيارة وعند أقرب مزبلة يرمونها أو يحرقونها.‏

أدخلوه غرفة مستطيلة طولها يقارب الستة أمتار أما عرضها فحوالي الثلثين. فيها اثنان يجلسان كل خلف طاولته، طلبا منه الجلوس في مواجهتهما. رنّ الجرس فطلب أحدهما قهوة وبدأ يعرف عن نفسه بأنه " سابير" من المخابرات العامة وزميله "دان " من وزارة الدفاع. ليسا من ملاك صرفند، جاءا خصيصاً لمشاهدته ولقائه، الذي وصفه دان باللقاء الودي. فلن يكتبا أو يسجلا شيئاً وزيادة في اطمئنانه غادرا مكانهما وجلس سابير إلى جانبه، أما دان فحذا حذو زميله، ترك طاولته وجلس قريباً منهما، فبد بلونه الحنطي جادا على الرغم من صغر سنه، قال:‏

في البداية مطلوب منك تعبئة نسختين، هما استمارتان شخصيتان، فيهما معلومات عن المعتقل وأسرته وهواياته، فقد احتوت الأولى على:‏

الأسم والإخوة والأقارب والأحزاب التي انتسب إليها وعمله فيها والمسجد الذي يصلي فيه والشهادة التي يحملها، مراحل الدراسة ومكانها، أسماء الأصدقاء الذين عرفهم في كل مرحلة وعناوينهم، عنواناً أو أكثر للاتصال البريدي، ثم أخيراً ماذا يطلب ؟!‏

أما الثانية فبالإضافة إلى المعلومات الأساسية فيها البنود التالية:‏

الدورات التي انتسب إليها والأسحلة التي يجيد استخدامها وأين تدرب وإلى أية منظمة ينتسب وماذا يعرف عن المنظمات الأخرى؟ العمليات التي قام بها ومدى نجاحها؟ مكان القاعدة واسم المسؤول وعنوانه وأسماء عناصرها؟ وما أقرب قاعدة إليها وماذا يعرف من عناصرها، نوعية الطعام صباحاً، ظهراً، مساءً، وهل هناك فروق في ذلك بين منظمة وأخرى، اشرح ذلك؟ ما علاقته مع الأهالي ومن يعرف؟ مارأيه بالمختار؟ ماذا يتوقع مستقبلاً؟ هل يعلن ندمه وأسفه؟ هل من شيء يقوله لأهله أو لصديقه أو لحبيبته ؟‏

ملاحظة: مع الاستمارة أوراق بيضاء يستطيع كتابة ما شاء عليها .‏

بكل ود ولطف دعاه دان ليدله على الأسلحة التي يعرفها ومدى معرفته بها؟ ويحدثه عن ميزات كل سلاح جربه، وأية قطعة يستطيع فكها وتركيبها يمكنه القيام بذلك دون العودة لأحد.‏

أشار بيده " هيا معي".‏

دخلا غرفة أسحلة فيها من الخنجر إلى المدفع، سأله عن اسم كل سلاح وميزاته ومدى معرفته الرماية به واسم الدولة الصانعة، ثم طلب إليه أن يفك البارودة البلجيكية والإنكليزية والفرنسية والروسية والرشاش المتوسط.. ظهر الإعياء عليه لم يعد قادراً حتى على الجلوس لشدة التعب، كاد يقع، أوصله العسكري إلى الزنزانة وأغلقها. بعد قليل جاؤوه بصحن شوربة فيه قطعتا بطاطا. في هذه الساعة انطلق صوت صراخ وضرب وتعذيب .‏

يعذبون رغبة في التعذيب، ويتلذذون لصياح السجناء وصراخهم، ما هذه الموسيقى التي تطربهم؟ أي بشر هم ؟! أصوات مرتفعة أنين وآه وضربات سياط، تفرقع عند اصطدامها بالأجساد الأدمية، كثيراً ما يقع ويتعثر، ترتفع ضحكاتهم المجنونة، أي أناس هم، يتمتعون بالصراخ ؟!‏

الأصوات تصله واضحة :‏

- دخيلك سأعترف ارفع الضرب عني ولا تضع الكهرباء في جسدي!‏

الكهرباء مخلوقة عجيبة تمشي ضمن أسلاك، لا تشكو همها لأحد، تخص المناضلين، كما تخض البدوية الشكوة، لترى إن كان قادراً على الصبر، يرتجف، يرتج، تأخذه ذات اليمين وذات اليسار كبندول الساعة، خلال لحظة يكاد يسقط، قلبه يسقط إلى أسفل قدميه.‏

رجفة في القلب وألم في المعدة والأمعاء، هبوط قوى الجسم، الجسم المحطم يتكوم بفعل الرجفات المجنونة. طائر ينتفض، يرتعش، غيبوبة، يسبح في الفضاء والألم يمزقه، خلال ثوان قوة تشده إلى الأسفل لتبقيه جثة.‏

هل يعقل أن الإنسان يتحمل كل ذلك وهو صامت؟ هل يستطيع المكابرة؟ قال عمر:‏

- سأموت ويتوقف قلبي عن الحركة، فهذا أفضل، عليّ أن لا أقول كلمة تدل على ضعفي.‏

سمع طوال الليل هذه الأصوات والصراخ والشتائم ضد العرب والشرف. في الساعة الثانية عشر انقطعت الأنات لمدة قصيرة لتعود أعنف. المحقق يهدد، تعترف أم آتي بأمك !؟ ستراها عارية، الجنود سيفترعونها. عند الصباح انقطع الصياح. دق على الباب. فتح العسكري وصاح بوجهه: تريد أن تبول خذ هذا الدلو ولا تدق الباب ثانية!‏

شعر بدوخان وزوغان وانحطاط، رأسه يؤلمه، وقع على الحائط فأصابه خدش في وجهه، قعد على الأرض، اقترب الموت منه خطوات. صارعه فسمع صوتاً في الخارج، تبين أن الموت فر هارباً، خاف أن يقفلوا عليه الزنزانة، قرر عدم المجيء ثانية، هرب من ثقب صغير وهو يردد: إذا أراد الله قبض روح فليأت بنفسه أو يبعث غيري !‏

روائح المجارير تزكم أنفه، أقدام تتحرك، هرش جسده الدبق، أسراب الدويبات التي تؤنسه تحوم وتقرصه، يفرك مكانها، يشعر بحاجة أكثر إلى حكها، ماذا يفعل وهو بين الإغفاءة والصحو ؟‏

صباحاً جاء من قاده إلى التحقيق. المحققان مكانهما. قال سابير :‏

- أهلاً بك في دولة إسرائيل، بماذا تحب أن نبدأ؟ ... حبذا لو حدثتني عن منظمتك " التخريبية " .‏

- دعنا نتفق على المصطلحات، اتحفظ على كلمتي مخرب وإسرائيل ... الإنسان الذي يدافع عن وطنه ليس مخرباً، وإن ما تسمونه إسرائيل هي فلسطين أو أرض كنعان .‏

- وهل هذا وارد بعد هزيمتكم العام الماضي؟‏

- الشعب لم يهزم أنتم حاربتم دولاً !‏

- دعنا من ذلك الآن سمعنا أن داخل منظمتكم تيار يطرح الماركسية، هل تسمح فتح اليمينية بولادة تيار يناقض طروحاتها. إذا حصل صراع كيف ستواجهونه؟‏

- طبيعي أن نختلف وتتباين وجهات نظرنا للوصول لطريق أفضل. نتحاور معاً ونتبادل الأراء، أما صراعنا المصيري فمعكم .‏

- وإذا استطعنا نقل الصراع بينكم ؟!‏

- إن حدث يحل بالحوار الديمقراطي.‏

- وإذا استخدم السلاح ؟!‏

- أنت تقول ألغازاً، إذا حصل سيكون هناك موقف من المقاتلين!‏

- سيد عمر أنت طيب ووطني زيادة، هل نسيت بأننا سنغذي التناقضات وسنصل إلى ما نريد! نخن لدينا خبراء يخططون لأجيال .‏

تدخل دان وقال أنتم بعيدون عن العلمانية، سنتعاون مع أصدقائنا وسنشدكم إلى الأصولية، مجتمعكم منخور يقبل الأفكار الغيبية والدينية، مسيحيون ومسلمون أنسيت أن هناك السنة والشيعة والدروز..... هل تريد أن تنقذ نفسك من الأسر، لماذا لا تجيب؟ أعطيك فرصة لن تتكرر، تصرح أمام الصحافيين بأنك ضد العمل التخريبي ثم تغادر السجن إلى بيتك، وإن شئت السفر إلى الخارج، فأذهب لن نقف في طريقك .‏

لم يجب حدق إليه، ففهم المحقق بأن نظراته تؤكد إنه يحتقر هذا الأسلوب.‏

أنتَ تعرف بأن قوة جيش الدفاع لا تقهر، ثلاث دول انهزمت ولو شئنا أية عاصمة من الثلاث لو صلناها، لكننا لا نريد أن نضيع جيشنا !‏

- حرب الجيوش انتهت لتبدأ حرب الشعب .‏

- أي شعب يحارب وهو جائع ولا يملك حريته. أنت رجل خيالي ماسك العصا من الوسط الجيوش مازالت تشتري أسلحة روسية، وهذا يعني أن حرباً قادمة على المنطقة.‏

- ربما ليفرضوا الحل الذي يريدونه وليس لتحرير بلادنا !‏

- أنت مخرب خطير .‏

- لا تخاطبني بهذه الكلمة .‏

دق على الطاولة بعصبية وقال " مخرب وألف مخرب خذوه "‏

دخل جنديان قاداه إلى خارج الغرفة ووضعا القماشة السوداء على عينيه، مشى حسب الأوامر المعطاة، تعثر ووقع في المجاري واصطدم بجدار، ظلا يلفان به المنطقة حتى وقع على الأرض. أحضرا نقالة حملاه حتى الزنزانه ودفعاه داخلها. تكوم على ذاته وظل لا يعرف ما حدث طوال الساعة الماضية من الزمن. أفاق، قرع الباب، جاءه الجواب: ماذا تريد ؟‏

- أريد أن أستحم وأبدل ثيابي .‏

- لا يوجد قرار بذلك، انتظر حتى المساء، عندك دلو الأوساخ استعمله .‏

ظل يدق الباب ويصيح :‏

- أريد أن أستحم، أغسل ثيابي، أتخلص من القاذورات .‏

لم يجبه أحد.‏

مساء سمحوا له بالخروج لمدة ربع ساعة، استحم بالماء البارد وغسل ملابسه وعندما انتهت المدة سحبوه وهو عارٍ. دفعوه إلى المنفردة، عصر ملابسه وعلقها واندس ما بين بطانياته. غفا في ساعة متأخرة سمع أصواتاً مزعجة سمع صراخاً وضرباً كما في الليلة السابقة .‏

الجدران الصفراء أمامه، تحتويه، يتفحصها، يراها قوية مرة وضعيفة مرات، لقد اعتاد على الظلام داخلها، وعلى الروائح، رائحة الغائط والبول، روائح كريهة حادة وواخز للأنف، لا تطاق لثانية، فكيف إذا كان الوسط الذي يعيش فيه؟ الدوار يلازمه، ثقل في المعدة، شعور بالتقيئو والتقزز. الإنسان إذا تكلم وعبر عن أحزانه يخفف كثيراً من آلامه، نظر إلى الحيطان وبدأ يكلم نفسه، لكنه استدرك أن الذي يفعل ذلك هو فاقد الإرادة. بدا عليه التأثر جلس وفرك يديه وهو يتأمل باب الحديد السميك الذي يفصله عن العالم الخارجي .‏

في صباح اليوم الثالث قاده عسكريان إلى المحقق عموس مسؤول المنظمات الفلسطينية في المخابرات الإسرئيلية ، مد المحقق يده مصافحاً وبادر بالقول:‏

- أهلاً ومرحباً بكم على أرض " إسرائيل "!‏

- بل أرضنا المحتلة فلسطين .‏

- لا أريد " شوشرة " في هذه الأيام وغيرها الحق لنا لأننا الأقوى دائماً! أنت في تنظيم يتخلى عن هويته وفيه صراعات، ما رأيك به وهل هو مع اليمين أم مع اليسار ؟‏

- لم أفهم قصدك من السؤال ؟‏

- أنتم في آب الماضي عقدتم في جرش مؤتمراً انقسمتم فيه إلى تيارين .‏

- جدل الأفكار وصراعها مازال في بدايته، إننا في مرحلة تحول من ذهنية القومي العربي إلى الماركسي المادي وهذا لا يتم بين يوم وليلتين. مازال الفرز لم ينته .‏

- تُسَموّن الجبهة ومعناها ائتلاف لعدة أحزاب وقوى، فما هذه الأحزاب والقوى، وإذا لم تكن موجودة فكيف تفسر ذلك؟‏

- الجبهة إطار واسع تضم فئات الشعب، تفرز حزبها الطليعي.‏

- كل جبهة وحركة ستفرز حزبها، فأيهم هو الطليعي ؟‏

- هذا يتأكد بالممارسة .‏

- سنعطيك ورقة تسجل فيها معلومات عن تنظيمكم والقواعد التي تعرفها وأسماء المخربين وأسماء قياداتهم .‏

- الذي تطلبه كثير على جاسوس أن يقدمه دفعة واحدة!‏

- أنت أبو عبابة تقدم ونحن نقدم مذكرة إخلاء سبيل.‏

- لن أفعلها‏

- ستندم يوم يصير واحدكم اسماً بلا مسمى، بلا مدلول كأي اسم آخر .‏

في كل يوم كانوا يخضعونه لتحقيق جديد ومعاملة قاسية، جاؤوه مساء بحقنة لتعطيله جنسياً، تضخمت خصيتاه لساعات، ثم عادتا لوضعهما الطبيعي، بعد أربعة عشر يوماً قدم إلى المحكمة العسكرية في رام الله. طلب القاضي تمديد توقيفه ووضعه في سجن عادي فحول إلى الرملة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244