ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل التاسع عشر-

نفحة الأكثر قسوة موقعاً وحياة، إذا قورنت بغيرها من السجون، موقعها وسط النقب أعطاها القفر، لاشيء حي سوى الصراصير وبعض أنواع الفراش الصحراوي والعقارب والأفاعي. الطبيعة جهنم موقدة صيفاً، أما شتاء فالرياح تعوي وتنبح كالكلاب الشاردة دون قطرة مطر، وعندما تخرج من الأرض بعض الأشواك والزهور البرية بفعل رطوبة الشتاء وهروب بعض السحب وانتحارها، تهب الرمال لتمحو أي وجود للحياة. إن اختيار السجن هناك عقوبة لمن يكن فيه إن كان سجاناً أو سجيناً. تذكر يوم رحل وكيف استقبلهم طاقم السجن، أصابه صداع، أغمض عينيه وأسند رأسه إلى الحائط، نظر إلى رفاقه وقال:‏

- لن أخرج دعوني خدمة .....‏

استلقى في الغرفة، بدأ فكره يلف بدائرة قطرها خط الاستواء، أراد أن يخلد ولو لدقائق إلى ذاته. أن يطلق العنان لخياله ويستحضر عشرات الصور أمامه. عندما تصل أول صورة تتالى الباقيات، كانت أم الياس المرأة الطيبة، ذات الوجه الدقيق والقوام الهزيل، أول صورة في ألبوم رأسه، امرأة تخاف عليه، ناداها يمّا.‏

فردت عليه: نعم يا بني .‏

تهرع إلى الباب، تفتحه عند سماعها لنقرته. حتى عندما يحاول مداعبتها بتغيير طرقته، تصيخ السمع فتتأكد أنه هو ويريد أن يتلاعب بأعصابها. تضحك وهي تفتح الباب، عرفتك يا عمر‍!‏

سألته: لماذا يخفي رنة طرقته ؟‏

ابتسم ولم يجب .‏

- طرقتك دخلت أوردتي وصارت جزءاً من كياني .‏

أحياناً تشم زهر الليمون بعدها يُقرع الباب، أهي تهيؤات؟ أم ماذا؟ لو كانت تهيؤات لما حدثت مرات عدة، وفي كل مرة تكتشف أنه أبو عباية. غير مرة فتحت الباب لحظة وصوله، سألها: كيف عرفت؟‏

تجيب بفرح إنها مشيته المعروفة لديها. تنفث دخان سيجارتها فيرسم أشكالاً وخيالات، تتأملها وترى فيها أبا الياس رحمه الله والياس الذي يدرس في الخارج. فكرت أن تعمل بنصائح عدو الدخان، أن تترك السيجارة وتهجرها دفعة واحدة، لكن نفسها لم تطاوعها، تعن اللفافة على بالها، فتراها أحلى من العسل، ترى كل دنياها وحاضرها داخلها، فتشدها من العلبة إلى فمها، تشعلها واحدة من الأخرى، أشبه بدخان قطار تعب. تَعُبُ منها فتملأ صدرها بالسحب الضبابية.‏

تنظر إليه تبتسم ثم تعلق: إنه المرض الذي لابد منه والذي صار جزءاً مني.‏

السيجارة بين أصابعها مغردة موحية بصور الماضي، تتأملها وتبطئ في تدخينها، تشعر أنها امتلكت العالم. ظل التبغ نقطة خلاف بينها وبينه، لكنها لم تعد تأبه. قالت له: أعرف ما تقوله، التدخين مضر يؤدي إلى السرطان وغيره، لكنني غير قادر على تركه، اعذرني يا بني.‏

ظهراً أحضرت كمية من السمك وبعض الحلويات، نظرت إليه وقالت: اليوم ستأكل الصيادية من يديّ .‏

- من يد لا نعدمها، لماذا كل ذلك يمّا ؟!‏

- اسكت يكفي غيابك عن البيت الليلة الماضية، لقد ذهب نصف عمري، أنت اليوم ممنوع من الخروج، وممنوع من الرد، ممنوع من عمل أي شيء. اذهب واستلقِ على سريرك .‏

- كفى أوامر لقد صرت كالرؤساء المحترمين .‏

- بل أكثر منهم تشدداً، أنت لو تعرف ما حل بي تعذرني، اليوم عيد والأطفال الذين مثلك عليهم طاعة أمهاتهم .‏

- متى أصير شاباً ؟‏

- ستظل طفلاً أخاف عليك من شر أولاد الحرام ومن ظلام الليل، ولن تكبر أبداً، صدقني أراك كأنك ابن عشر سنوات.‏

أسرعت ونظفت السمك وتبلته ثم وضعته في " الطابون"، أشارت عليه أن يذهب ويأخذ بيده أي كتاب وينتظر حتى تناديه، وكما يفعل الولد المطيع ابتسم ثم انسحب، تناول أحد كتب ساطع الحصري و أخذ يلتهم أوراقه صفحة إثر صفحة.‏

وضع يده على جبينه تناول حبة أسبرين، جاءته عبلة تلتقط أنفاسها، وجهها ورق هارب من حرارة الجو إلى حضن تشرين ذي الأنفاس الرطبة، تأملته ثم أخبرته ما حصل في بيته قبل ساعتين.‏

" جاؤوا بسيارتين وأخذوا أخاك علياً رهينة، ولن يفرجوا عنه إلا بعد القبض عليك أو تسليم نفسك، الأفضل أن تتوارى عن الأنظار، وجهوا إنذاراً بإخلاء المنزل لنسفه خلال أربع وعشرين ساعة، ولهذا أخذوا قياساته. حضر ضابطان من سلاح الهندسة في سيارة عسكرية، دار حوله ثم قررا حفر حفرتين" .‏

رفض أبو عدنان إخلاءه والخروج. قال:‏

- ليهبط البيت عليّ، تعاقبون أسرة من أجل واحد، ماذا نفعل ونحن لا نعلم عنه شيئاً ؟‏

أنتم لديكم المخابرات، فإذا كنتم غير قادرين على الإمساك به، فلا تنتقموا لهذا السبب .‏

أجاب الضابط .‏

- نحن نعرف أين يختفي ...سنحضره خلال ثلاثة أيام، الأفضل أن يسلم نفسه.‏

اجتمع الجيران استقلوا سيارتي أجرة وذهبوا إلى الحاكم العسكري ليبلغوه بالعدول عن نسف البيت لأن عمر متوارٍ عن الأنظار، ولا أحد يعرف عنه شيئاً منذ تموز الماضي.‏

وقفت أمامه، عيناها تنذران بمطر كالغيوم الآتية من الغرب التي يُسمع هديرها، الوريقات ارتجفت وهي تستقبل أولى حباته، اقتربا من شجرة كثيفة ؟‏

- إنه المطر هيا إلى بيتنا حتى يفرجها الله .‏

- وإذا عاند!‏

نظرت إليه وفي عينها آلق يغسله الندى. كلها ترقب وهي تتأمل ملامه وسَوْرةَ الغضب المرتسمة على وجهه، رفعت ياقة معطفها ومسحت شعرها، تأمل ثغرها وجسدها المكتنز في حين ازداد انهمار المطر، فالتصق بها وقال :‏

- رأيت من أكثر جنوناً منا ؟‏

- الجنون هو أنت. في ظل الخوف المسيطر لن نستطيع اتخاذ موقف صائب.‏

حدق إلى عينيها فوجد فيهما الألفة والحب، تعابير وجهها الودودة فيها الكثير من الحيرة والتمرد، اتكـأت على جذع الشجرة ناظرة إليه، راعها ما شاهدته من سكون ودفء، فاستسلمت لقبلة. شلح كنزته وعصرها ثم أعادها على جسده، شعر بقشعريرة، فاقترحت أن تخلع معطفها، رفض وقال:‏

- أيتها المجنونة أنت تعرفين بأنني رياضي وعندي القدرة على السير بملابسي الداخلية، لكن ما يمنعني من الجري وجودك وخجلي .‏

- ماشاء الله صرت تعرف الخجل هيا واحد .... اثنان ... ثلاثة .‏

عدّت ثم بدأا بالجري، بينما المطر يحول الأرض إلى برك صغيرة تاركاً أخاديد وأثلاماً متطاولة وصلا إلى شارع فرعي ومن هناك استأجرت سيارة إلى بيتها، فكر بالحرب التي بدأت وانتهت في أيام أشبه بكابوس استمر حتى في اليقظة .‏

" الحرب النظامية إذلال لشعوبنا، التي تدفع دم قلبها ويُقتل أبناؤها، هذه اللعينة ينتصر فيها عدونا والمهزوم يحول مابقي من أنوثته إلى فحولة باتجاه الداخل، فيتمرد العدو ويصل رأسه قبة السماء يطل من عل راكباً طائراً أسود اللون يفعل الأعاجيب ".‏

قال ذلك في نفسه ومنظر الجنود الإسرائيليين أمامه بكامل عدتهم. جاؤوا قبل عام اثنين وثمانين فيما سموه " مناورة مسح الخوف " مع كل جماعة ضابط يشرح عن السجن والخوف القابع في صدور السجناء، قال:‏

- هؤلاء جاؤوا يقاتلوننا وعندما اصطدموا مع أول دورية ارتبكوا، لم يستطيعوا استخدام سلاحهم الذي صار عبئاً، بينما جندينا يعطيه الأوامر بالاستسلام. اترك سلاحك وضعه بين رجليك، قف وارفع يديك. يفعل المهاجمون ما أمروهم، يتعاظم خوفهم، تأملوهم جيداً، تبدو أشكالهم وقاماتهم كالرجال، لكنهم من الداخل جبناء وسترون ذلك بأنفسكم في لبنان .‏

سمع كل كلمة قيلت وظل صامتاً حتى أنهى حديثه، عندها قال :‏

- أيها الجنود إننا إذا قبضنا على سلاحنا لا ندعه حتى نقتل عدونا أو يقتلنا، الخوف يبتعد حين يرانا، إياكم والمخاطرة، ستجدونهم أمامكم، الموت ينتظركم، فكروا وارفضوا أوامر قيادتكم بغزو لبنان.‏

هيا إلى المنفردة أيها الكلب .‏

قال عمرام ذلك وانصرف منزعجاً. جاء ثلاثة وجروه، قادوا عمر خارج الغرفة ودفعوه إلى الزنزانة واغلقوا عليه بابها. نفخة دائماً تصلح للتجارب، فبعد إضراب الثماني، قررت إدارة السجون بالتعاون مع وزارة المعارف إرسال أطفال من المرحلة الإبتدائية ليروا " المخربين " بأم عينهم ليشكلوا فكرة عنهم وليهرب الخوف من أفئدتهم، لتتكون لديهم كراهية للعرب والسجناء، كراهية يتجرعونها كما يشربون الماء ويتنفسون الهواء، وليطلعوا على قدرة الأمن في إذلا لهم وعقابهم وحماية دولتهم.‏

الوقت ضحوة حين فتحت الأبواب على غير عادتها، فاندفعت أفواج الأطفال ومعهم معلمتهم يمشون في الممرات وينظرون إلى الغرف ثم يرتدون إلى الخلف، طاقم السجن بكامله يرافقهم إضافة إلى خمس معلمات ومدير المعارف في تل أبيب. الأطفال لا يتجاوزن العشر سنوات، ينظرون إلى الغرف بفزع ويتراجعون، بعضهم يبتعد كثيراً عن الباب، بينما إحدى المعلمات تشرح عن السجناء .‏

استاء الشيخ عباس من ضحك الأطفال فعلق:‏

- هؤلاء جاؤوا للضحك منا ... من الأفضل أن نتجاهلهم .‏

أجاب حسان :‏

- وحد ربك يا رجل إن قلبي يشعر بالفرح لرؤيتهم، أليس لك أخوة صغار؟‏

- أخرس، إياك تشبيه إخواتي بهم .‏

احتدم النقاش، وكاد الشيخ عباس أن ينتقم من أحد الأطفال الذي اقترب ومد يده إلى لحيته. ابتسم عمر للطفل الصغير وقال موجهاً كلامه لرفاقه:‏

- لا يا شيخنا الطفل بلا جنسية، علينا أن نكسب وده وصداقته .‏

- ماذا تقول يا رفيق، هؤلاء يتشربون الحقد والكراهية ضدنا،، وبربون عليهما.‏

- هيا نشعرهم بأنهم بين أهلهم ولا نزج ببراءتهم في صراعنا مع عدونا.‏

كانت هذه الإشارة كافية لينطلق السجناء على سجيتهم، يرحبون بالأطفال ويلاعبونهم وكأنهم أولادهم، عملوا حلقة مفتوحة وأخذوا يغنون، كانت الأغنية الأولى " سنة حلوة " وأغنية أجنبية مشهورة Happy birth to you وأغان أخرى عبرية وعربية وإنكليزية، ركض الأطفال جهة الغناء، شاركوا وأخذوا يرددون.‏

دخلوا الحلقة واختلطوا بالسجناء، غنوا ورقصوا وأكلوا من الفواكه الموجودة من بقايا زيارات سابقة آخرها قبل يومين .‏

خرج الجميع إلى الباحة عملوا دائرة كبيرة، دبكوا وغنوا ورقصوا، فانطلقت ضجة الشيخ عباس بالموشحات والأغاني الدينية، طار عقل المعلمات، اقترح عمرام أن ينهي كل شيء بأمر منه، رفضت المعلمة وقالت:‏

- ماذا يقول الأطفال، هل نسيت أننا نعلمهم الديمقراطية وحرية الرأي، مهمتنا بعد الزيارة صعبة.. انسحب عمرام تاركاً بقية السجانين، غير قادر على متابعة ما حصل ، تبادل السجناء والأطفال الهدايا وعادوا وهم يحملون ذكريات جميلة. غير ناسين ما قاله عمر حين وجه له أحد الأطفال السؤال التالي :‏

- لم أنتم سجناء؟‏

- لأن لنا أخوة بعمركم نريد لهم حياة جميلة .‏

- أنتم مجرمون ومخربون، هكذا علمونا .‏

- نحن أصدقاء أيها الأطفال، اقتربوا أكثر، ارفعوا أيدكم واهتفوا، لتحيا الصداقة والمحبة ويسقط السجن.‏

بعد أسبوع بعث الأطفال رسائل وهدايا صادرتها الإدارة وأتلفتها ثم اتصلت مع إدارة السجون لمعالجة نتائج زيارة الصغار وعدم تكرارها. حاولت إلغاء زيارة مقررة للشبيبة لسجن نفحة، لكن وزارة المعارف أصرت على تنفيذ الاتفاق، بحجة أن الشبيبة واعية، فإذا استطاعوا الضحك على الصغار وبأغنيتين أو أكثر فهم غير قادرين على ذلك .‏

فتحت الأبواب، فتيان وفتيات جالوا في الغرف، أعمارهم لا تتجاوز الخامسة عشرة، اشترطت إدارة السجن أن تكون الزيارة سريعة بحيث لا يتاح لهم الاختلاط بالسجناء، دخلت اثنتان وقفتا تنظران والخوف زرع لمسته الذاوية على خديهما، واحدة حنطية والأخرى شقراء، اقتربتا من حسان الذي راقب دخولهما. الحنطية ذات جسم رياضي. سألها :‏

- هل تحبين الرياضة ؟‏

- الرياضة حياتي ووجودي .‏

- أتفكرين أن تصيري لاعبة جنباز؟‏

- لم الجنباز بالذات ؟‏

- جسدك رياضي التكوين كناديا كومنشي!‏

حدقت به وابتسمت ، انتابها فرح غامر، قالت لرفيقتها بافتخار: " أرأيت !"‏

ثم صاغت سؤالها بتعجب :‏

- سنوات وأنت في السجن وليس عندك تلفزيون؟ كيف تعرفها ؟‏

- أتابع ذلك من خلال الصحافة، نحن نقرأ في اليوم ما لا يقل عن ثماني ساعات.‏

عرفها بأفراد الغرفة، ابتسمت بينما الشقراء تشدها وهي تعاند وتناقش، قالت:‏

- أنا شوشانا من " لا تفيا " ورفيقتي يهوديت من مدينة " بريمن " بألمانيا ؟‏

قعدتا على الأرض، عرّفهما عمر القاسم وعدد الألعاب التي يجيدها، رفع الأثقال والملاكمة وتدريب على الألعاب الرياضية كافة من كرة القدم إلى السلة واليد والطاولة.. استغربت شوشانا فسألته كيف يوفق بين السجن والرياضة، أما يهوديت فقد استغربت أن يكون في نفحة لاعب رياضي، لأنها كما لقنوها أن السجن للمجرمين والمخربين الذين لا يعرفون الإنسانية. عند هذا الحد تجرأ وسألهن، ماذا لو أحبت إحداكن شخصاً واكتشفت أنه عربي، هل تستمر في حبها؟‏

أجابت شوشانا: الحب لا يعرف الجنسية ولا الديانة.‏

أما يهوديت فقد احتجت على كلام رفيقتها فأجابت بالنفي والاستحالة.‏

- ألسنا نملك عواطف متشابهة ؟!‏

- القضية ليست بالبساطة أو بالإقناع، إنها الممارسة فأنا تعلمت الخوف من الأجانب " هاغوييم " فإذا دخل أحدهم بيتنا، لازم نغسل الباب سبع مرات حتى ينظف البيت، فكيف سأدخل غير يهودي إلى قلبي ؟!‏

اعتذرت شوشانا عن كلام رفيقتها البعيد عن الحياة الإنسانية ،ثم خرجن مسرورات بعد أن أخذ عمر عنوان مدرستهن. تقدم إلياهو وأخذ الورقة التي كتب عليها العنوان ولطمه على وجهه مهدداً " كيف تتجرأ وتطلب عنوان فتاة إسرائيلية أيها المخرب !"‏

لم يجب بل لملم بطانياته ليعيش في المنفردة ثلاثة أيام. سمع هديل حمام، نظر إلى الطاقة فإذا زوج الحمام الهزاز، تناول الرسالة الموضوعة في رجله، قرأها بسرعة، إنها من سليم الدوري، يصف فيها وضع السجناء في بئر السبع، ويذكر بأن أم عدنان جاءت لتزوره فوجدت بعد انتهاء الزيارة أنه منقول، وزعت الهدية وناله منها فطيرة.‏

تناول القلم وكتب رسالة شرح فيها الزيارات المتكررة إلى السجن بعد الإضراب، بداية من زيارة الصحافيين ثم تلاميذ المرحلة الابتدئية والشبيبة، ربط الرسالة بعد أن طلب أن يرد عليها بسرعة.‏

مازال يذكر آخر كلماته " خذ زوج الهزاز واتركه بعد وصولك" .‏

لم يكن في قدرته فعل ذلك فاجراءات التفتيش ومنع اصطحاب الطيور حالت، لكن الفرصة عادت حين دخل زوج الحمام من طاقة السيارة الزنزانة، ظل داخلها وعندما تضايق غادرها يرفرف فوقها حتى سجن نفحة، ولم يغادر السجن إلا عندما وضع في رجليه رسالة.‏

رحلة المحبة لم تتعب الحمامتين بل أعطتهما رشاقة، ولم ينكشف سرهما طوال المدة التي قضاها في نفحة على الرغم من محاربة إدارة السجن لأي علاقة مع الحيوانات، ومنها بعض الحوادث الطريفة .‏

ذات يوم هربت أرنبة من جنة عدن، اختارت الباب الخلفي الذي يطل عليه بعض الغرف، حفرت حجراً جانبه و أخذت تقفز مبتعدة، نطت عبر الطاقة ودخلت الغرفة، كان حدثاً غريباً، اجتمعوا حولها لمسوها بأيديهم دللوها وخاطبوها، ظلت معهم ساعات وهم يطعنونها صاروا يرمونه إليها عبر الطاقة، أخذت يوماً بعد يوم تجد أن الحياة مع السجناء مسلية، بدأت تمضي وقتها مع السجناء من سجين إلى آخر حتى أن عباساً ألف عليها قصيدة شعبية وبثها أشجانه وحدثها عن غرامياته وذكر فواحة بالخير. كل واحد لاطفها وحدثها فصارت عزيزة عليهم واعتبروها صلتهم بالحياة، وظل الأمر كذلك حتى ولدت وتزايد عدد الأرانب. علم عمرام فأصدر أمره بالقبض عليها وإعادتها إلى جنة عدن. الأرنبة أحست بالخطر فأختبأت، بحث عنها إلياهو وجدوكرها، لكنه لم يستطيع إعادتها لا هي ولا صغارها فأحضر قططاً سمينة. استمرت عملية الصراع أسبواعاً أدت إلى هربها بعد اصابتها بجروح، إذ كسرت رجلها وعورت عينهاوشقت أذنها، أما الأرنب الصغيرة فقد التهمتها القطط، وعندما ظن السجناء أن مدير السجن قد انتصر، أطلت برأسها عبر الطاقة ومعها أرنب فتي، قفزت إلى الغرفة وقفز هو خلفها.‏

بعد أن أنهى عمر حديثه عن زوج الحمام الهزاز وأخبار بئر السبع ذاك السجن الذي يقع على الحدود الشمالية للنقب والمفتوح على المدن الفلسطينة وعلى تماس بالحياة المعيشة وعن سليم الدوري حاضر البديهة " المزهراني " الذي مازال يذكر كلماته يوم خاطبه قائلاً:‏

- إنك الفرح أيها القاسم، صدقني بأنني مسرور لأنني سجين معك، أنت مثقف ورياضي وصاحب تعامل جيد، إن للسجن طعماً حلواً، ومن يعرفك يعش وكأنه مع أهله.‏

سليم من لا يعرفه يحكم عليه بأنه لم يحزن في حياته مرة واحدة، يتمزق ولا يظهر على وجهه إلا المرح، قبض عليه وهو سائر بمظاهرة، اشترك بها وهو لا ينتسب لتنظيم، عندما سألوه عن تنظيمه أجاب بكلمة " الوطن " بعث إلى خطيبته يدعوها أن تتزوج ولا تنتظره. أجابته:‏

- هذا كلام شخص غير محب، أخبرني، أكره الإشفاق فإن كنت كذلك فدع الأمر لي فأنا قوية بما فيه الكفاية .‏

بكى دون أن يشعر أحد بدموعه.‏

إنه مثال لا يتكرر يروض الطيور، إذا أشار لعصفور نزل حيث يأمره. في البركس تحدثوا بأمور كثيرة، البارحة ناقشوا نشأة القصة القصيرة وعلاقتها بسقوط الاقطاع ومجيء البرجوازية والانقلاب الصناعي، وذكروا أمور لم يفهمها الجميع حول الفكرة واللغة والبيئة واللحظات العابرة، وذكروا أسماء مثل إذا إدغار آلان بو وموبسان، وقبلها تحدثوا حول السياسة والصراع الطبقي ووحدة الأضداد‏

والجدلية والنقد والديمقراطية.. كما شرح كيف عاش حياته وراء العصافير والفخاخ و " النقيفات "، يركض ويصفر ليدفع بالطائر إلى حتفه، إذ عندما ينقر الدودة يرتفع التراب إلى الأعلى، يعدوا ليمسكه.‏

مازالت ذكريات" البركسات " وسقوفها المقوسة والغرف التي هي أشبه بمهاجع والساحة الكبيرة التي تتسع للسجناء وقت الفورة. ثلاثة أشهر قضاها مع سليم الذي أمن اتصالاته مع داخل الغرف ومع خارج السجن، يبدو كلاعب سيرك وهو يغازل الطيور، يدخل العصفور من الطاقة يطيره ويداعبه بحركاته البهلوانية أو حسب صفراته التي يصدرها ويتفنن بتلحينها، فمرة يطير على شكل منحنٍ ومرات على شكل متعرج، أما عندما يصدر صفرة طويلة أو حزينة فإنها نذير بالخطر، يسلك العصفور أقرب الطريق إلى الخارج مصفقاً بجناحيه.‏

علمت إدارة السجن فقامت بتفتيش الغرفة غير مرة، وفي كل تفتيش يفلت العصفور. عين مردخاي حارساً أمره بقتل العصافير التي تقترب من النوافذ. أغلقوا الطاقة ووضعوا سليماً في المنفردة ستة أيام أمضاها العصفور متنقلاً ما بين الغرفة والزنزانة رغم الرصاص المنهمر باتجاهه، وعندما أعادوه إلى البركس جاء العصفورمع سرب من جماعته. صم الرصاص الآذان وهو يسقط الطيور التي اقتربت من الطاقة. حزن لمنظر الطيور المذبوحة. تأكد الحراس من قتلها، لم يعد عصفوره ولم يهون عليه الأمر إلا زوج الحمام الهزاز الذي جاء مع جوقة العصافير، فتح جزءاً من الطاقة دخل الهزاز وأخذ يحرك ذيله وأرجله ويهز جسده يمشي رافعاً رأسه وعنقه بكبرياء، طار حزن سليم عرف أهميته فأبقاه. باضت الأنثى داخل علبة ورقدت، بينما الهزاز يقوم بحركات تدل على فحولته ولا يتخلى عن ذلك إلا ساعة تغادر عشها، عندها يتمثل دورها بكل وداعة راقداً على البيض .‏

ذكّرت هذه الحوادث حسان وعمر بحادثة القطة في سجن عسقلان التي أدت إلى استنفار دام يومين، أفرغت الغرف، ودخلت إدارة السجن ممثلة بتريدانوا وزيتون وعمانوئيل ويودا بحثاً عن قطة دخلت إحدى الغرف حسب تقرير الشاويش المناوب، سألوا عنها فاستغرب السجناء ذلك، أخرجوهم من الصباح وحتى الليل بحثاً عنها، لم يعثروا على أثر لها. قال أبو عروبة:‏

- ياحيف على الرجال تبحثون يوماً كاملاً عن قطة ولا تجدونها، لِمَ ذلك؟ هل هي فدائية أم أنها مكلفة بمهمة محددة ؟‏

- اخرس أيها الكردي القذر، لو كان فيك خير ما تركت العراق.‏

استخدمت القطة الحيلة أثناء تنقلها، إذ عرفت بغريزتها عدوها من صديقها. من الغرفة إلى البوابة الخارجية خمسة أبواب، فإذا مرت بسلام فإن الباب الخارجي لا تستطيع اجتيازه إلا قفزاً ولحظة فتح الطاقة ،حذرة جداً عندما تمر جانب شخص يرتدي الزي العسكري، فإنها تحاول الاختباء.‏

تقف جانب الحائط حتى يمر أو تنط خائفة، ظلت على تلك الحالة حتى ولدت فانفضح أمرها. أبعدت هي وصغارها، لكنها ظلت تتردد حتى أطلقوا عليها الرصاص.‏

مساءً أصدر أحد السجناء مواء، تركوا المهاجع وتوجهوا إلى الباحة بحثاً عنها لم يجدوها. قرر حيوت أن يناموا في الساحة أو يسلموا القطة .‏

كان القرار مضحكاً، ما كان منهم إلا المواء المتواصل، وهذا أدى إلى احتجاز عشرة في الزنازين.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244