ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل العشرون -

حين وضع رأسه على الوسادة لف دورات عدة وأخذت الوساوس تغزو فؤاده،‏

الذكريات تتوطن يعيش على ذكرى السجناء يذكرهم واحداً واحداً، تلقى رسائل من حسان وفادي، والشيخ عباس وسليم الدوري وعايد وخالد بزاوي.‏

طلبه شاؤل ليفي مدير مصلحة السجون، قال بتشف:‏

- أرأيت ما فعله " المخربون " طلبوا مئات الأسرى في عملية تبادل الشهر الخامس عام خمسة وثمانين، قرأت اللوائح، سألت وبحثت عن اسمك، أيعقل ألاّ يدرجوه ‍ فجاءني الجواب فعلوها عن سابق إصرار، وأبلغوني بتفاصيل أضفتها إلى ملفك، مسكين أتكون نهايتك بعد كل النضال مأساوية إلى هذه الدرجة؟‍!‏

صمت لحظة وأجاب:‏

- للقيادة تقديراتها، ولا تظن بأنني غير مسرور، إذا كنت أفرح لحرية مواطن من أفريقيا أو أمريكا اللاتينية، فكيف لا أفرح لأخ أو رفيق إطلاق سراحه جزء من حريتي، أنا فرح لذلك وفي منتهى السعادة وسأظل على قلوبكم كالجمر.‏

نظر بامتعاض وتمتم: ستظل الجمر الذي ندوسه متى شئنا .‏

لم ينم أبو عباية في تلك الليلة، سألوه، ماذا أيها الرفيق ..... غير معقول .... أي قيادة لا يمكن أن تستثنيك ؟!‏

" ماذا لو فعلوها، كنت أمثل تيار التجديد، دخلت العملية وكلهم قالوا سنتابع، بعد عامين تحولت الساحة الأردنية إلى دماء تنز من جسد الفلسطيني والأردني، اختاروا أضعف الساحات العربية المواجهة للعدو وقالوا هيا إلى لبنان ووصل إلى بيروت. راهنوا على انهياري، تماسكت قليلاً حتى لا أحقق حلمهم، الإبر تخز قلبي. أشعر بدقاته من فوق القميص، راقبت الموقف لحظة بلحظة سمعت عن ترحيل آخر عسكري. تحولت نفحة إلى جدار المبكى، قلت في نفسي لنقرأ الفاتحة، لنعد أنفسنا إلى مرحلة جديدة، لكن متى تبدأ وأين ...."‏

قال حسان: واأسفاه !‏

وقال الشيخ عباس: هؤلاء التفتوا إلى أنفسهم، جمعوا ثروة وامتلكوا السلاح للدفاع عن امتيازاتهم .‏

لم يقل عمر شيئاً، قلبه يعتصر، الدماء التي يضخها سوداء حارة وعكرة كجو نفحة في تلك الأيام، مرض وفقد الشهية للطعام، تغير نظامه اليومي فلم يعد يمارس الرياضة، فقط قراءة الصحف وتحليل الأخبار، النشرات تأتيه طازجة عبر مكبر الصوت كل ساعة، الجسد الذي لم تحطمه السنوات بدأ يتحلل، تساءل: ما العمل! وقفت أمامه شامخة وقالت: " مالعمل! " وعندما لم تجد جواباً تابعت حديثها... وصال وجه ملائكي يشع نوراً وفم ابتسامته قرنفلة حمراء اكتوت من العشق، وقلبها غاية ورود " على الإنسان أن يعيش كالآخرين "‏

أغرو رقت عيناها بالدموع وهو يتحدث عن الوطن والحياة والتضحية، مسح دموعها، نظرت إليه وقالت: أنت ظالم وقاس يا عمر، الأسرة أولاً وهي عماد الوطن، العدو يقاومها، يحاول إبادتها، ستندم ذات يوم حين لا ينفع شيء في تغيير مسار حياتك .‏

وصف أفكارها كواحدة تركت المدرسة وهي في المرحلة الابتدائية. وكاد يصف أم عبلة بذلك حين أخرجت طقم الكاسات الموضوع في الخزانة الزجاجية وطلبت إلى ابنتها أن تغسله جيداً، لتسكب شراب التمر الهندي ذي اللون البني الفاتح بعد إضافة قليل من الكازوز.‏

قالت وهي تنظر إلى عيني ابنتها وعينيه.‏

- إن شاء الله في فرحكما.‏

أخذ الضعف يدب في أوصاله، تحولت حياته إلى فوضى، لا يحدث أحداً، ساهم مفكر واضعاً يده على خده، كيف للثورة أن يأكل بعضها بعضاً في طرابلس ؟‏

" نعم إنهم كلاب تافهون والكل مهزومون ".‏

اختفى بريق عينيه كيف له أن يبتسم والمصائب لا تأتي إلاحزمة. تذكر ما قاله المحقق، إنه أسير أقوالهم، أبلغوه إنه الوحيد من السجناء القدماء الذي سيظل في المعتقل، علق بهمس:‏

- فعلوها أبناء الـ..‏

في الصباح ظهر التعب على وجهه، رفض تناول الطعام، وعندما امتنع الجميع عن تناوله، اقترب وأكل بعض اللقيمات، نظر إلى وجوه رفاقه، الفرح في قلوبهم غير قادرين على إعلانه، قال :‏

- سنحتفل .‏

- سنحتفل وأنت لن تخرج معنا!‏

السجون بحاجة إلى قائد مثلي، إن فرحتي لا تقدر أيها الرفاق والأخوة، أقسم إننا سنحتفل، كم نفرح عندما يخرج واحد إلى الحياة العادية ويتحرر من الأسر ... فكيف إذا كان الخارجون أنتم جميعاً .‏

بكى الجميع وحزنوا من كل قلبهم، مازالت كلماته تلاحقهم :‏

- عيب ماذا تفعلون، هل أنتم صغار؟ إذا لم نفرح الآن فأنتم لا تقدرون مشاعري!‏

غنوا ورقصوا وتناولوا وجبة طعام والكمية المتبقية من الفواكه .‏

نظر إلى جدران السجن وإلى غرفه " آه كم نحن أصدقاء، لقد مضت فترة طويلة منذ الثامن والعشرين من تشرين الأول عام ثمانية وستين إلى الشهر الخامس من عام خمسة وثمانين، سبعة عشر عاماً من العلاقة الحميمية، كل سنتمتر تفحصته أكثر من مئات المرات ....‏

أنتَ أيها السجن، هل ستحولني إلى جدار أم إلى طاقة؟ وهلة ستذكرني بالخير؟ أم أنهم سلبوا منك الذاكرة وكل شيء جميل! نحن أصدقاء لم تمللني على الرغم من طول الإقامة، عقدنا علاقات وثيقة هي أشد متانة من علاقتي مع أمي و أبي وأخوتي، أرى جدرانك تهتز طرباً وتبرق لأقل ضوء قادم من الخارج، إنك مثلي تفرح لمرور غيمة فوقك وتضحك ملء شدقيك عندما يهطل المطر غزيراً، تفرح رائحة الزهور وينهض أدون برفقة عشتار التي يمل صحبتها عطرت أنفه شم رائحة الأنوثة، قوام منتصب وجه إلهة رائعة، لا شيء يوحي بتعبها سوى تجرح قدميها، أسمعُ نحيب جدرانك في الليالي الباردة وفي الصقيع، وفي الخماسين قفقد صوابك، لكنك لا تقدم سوى القيد، ماذا لو تعاونا معاً وانحنيت تواضعاً، الجدار العالي يرد الشمس والنسمة، فإذا لم نقدر على هدمه تساعدني على فتح كوة للبريد والنور. لم تحرك ساكناً، هذا لأنك قاس وعنيدٌ لا يعرف قلبك الرحمة، تملك غرفاً صغيرة جداً لشخص واحد. أعددت واحدة لصاحبك ردحاً من الزمن، أهذا ما فكرت به من أجلي، ليست هذه آخر كلماتي، في الغد وفي كل وقت لنا لقاء، فهل هناك غيرنا ".‏

ها قد مر عام وهو وقت كاف لتغيير نمط الحياة، فهاهو يتحول إلى عقد صداقة قوية مع الرسائل، تطل وجوه الرفاق والأخوة فتحملهم السطور، ابتساماتهم، كل الماضي بأفراحه وأتراحه، تساءل على من يرد أولاً :‏

تحية رفاقية وبعد، تلقيت رسائل عدم منك ومن بعض الأصدقاء وقد أرسلت ردوداً عليها جميعاً ،غير أنني لست متأكداً من وصول الرد، بعد أن تكررت إعادة الرسائل بعد ثلاثة أشهر.‏

الرفيق الغالي:‏

لم أتعود الكتابة إليك، ما عدا مرة واحدة كانت من السجن للسجن، طبعاً تسرني الكتابة إليك وأنت خارج الأسر، كان بودي أن نتراسل من مكان آخر وفي أحسن الأطوال أن نلتقي معاً ونستفيد من الذكريات، علماً أن وجوهكم ستذكرني بكل مآسي الأسر وعذاباته، على صعيد صحتي الجسدية فهي جيدة نسبياً، ولكن الوضع الصحي لم يعد هو المعيار الأساس للصمود الذاتي، فالوضع النفسي أصبح هو المعيار الأول، وعلى هذا الصعيد فالراحة النفسية شبه معدومة، أحياناً تكون مئة بالمئة عندما أتلقى رسائل، وعندما تصلني أخبار عن التبادل أو عن محادثات لتوحيد المنظمة أو تصاعد الأعمال .... ويبدو أن معادلة صمودي تزداد تعقيداً يوماً عن يوم، وتتزايد العناصر المكونة خاصة بعد عزلي عن إخواني ورفاقي وإرغامي على العيش بين المدنيين الجنائيين، كنت أود العيش بين أناس هم جزء من كياني ومقومات شخصيتي دونهم تغدو الحياة عبثاً، إنهم بالنسبة لي الصف الأول من القرابة الشاملة، التي تتعدى روابط الدم والعرق. إن حنينكم إلى الأيام القاسية قد يكون مستوعباً لأنها تذكركم بأعز وأحب الأصدقاء، لكنه سيتبدد عندما تدركون عمق المعاناة التي يمر بها إخواننا ورفاقنا جيل ما بعد التبادل في معسكرات الاعتقال، إن هذه المعاناة لا تبعث على المتعة لأن ضحاياها شباب، تنقصهم التجربة ويواجهون عدواً تسلح بتجربة مريرة وواسعة في القمع والتنكيل، وإذا قدرت لنا الظروف وتحررنا سيكون لنا حديث عن ذلك.‏

الرفيق الحبيب :‏

مختصر الحديث أن شعبنا يعاني على مستوى طبقاته وفئاته وفي كافة أماكن تواجده، غير أننا لن نسمح للحقد الصهيوني أن يخلق بيننا هتلر جديداً، ولن نسمح له أن يحرفنا عن القوانين العلمية للحركة، إننا سنحارب الصهيونية بالوسائل التي تخدم أهدافنا الطبقية الإنسانية، وسوف نتألم في الوقت نفسه للمآسي التي تسببها حربهم العدوانية ليس فقط لشعبنا وللشعوب العربية وإنما لليهود أنفسهم .‏

الصديق حسان :‏

مهما وصفت الحياة خارج الأسر بأنها روتينية ومملة، فلن تقنعني بأن الحياة خارج الأسر ليست رائعة، يكفي متعة مشاهدة الأحداث أمامنا والمساهمة بصناعتها، يكفي أن الواقع الخارجي يخضع لقوانين الحركة والتطور ويحمل في طياته كل يوم جديداً ... على كل مهما كان شعوركم فلن ألومكم، فلقد تعبتم ويحق لكم الاستمتاع ليس فقط بالراحة الجسدية وإنما النفسية أيضاً .‏

الرفيق العزيز :‏

الحياة بين الجنائيين في سجن الرملة ليست سيئة لإنسان مثلي فهم قوانين الظواهر والتكيف، فيها بعض الفائدة ولكننا نحن الماركسيين نؤمن بالجماعة، الجماعة تربي حسبما علمنا "ماكرنكو"، ولذلك فإن الحياة الفردية مهما كانت ايجابياتها لاتشكل بديلاً عن الحياة الجماعية في السجون الأمنية. أدرس ليلاً دروساً باللغة الانجليزية والفرنسية، غالباً استيقظ باكراً مع العد الصباحي، أمارس الرياضة وبعد ذلك أقوم بالتنظيف حتى العاشرة. في المساء أشاهد التلفزيون " الإسرائيلي" أحياناً أشترك في ندوات الثقافية يشارك فيها مساجين عرب ويهود خاصة عندما يكون الموضوع جديراً بالاهتمام. إن الأمنيين بحكم وجودهم أقلية في سجن مدني ملزمون بإقامة علاقات معهم .‏

أخيراً قد تكون هذه الرسالة موجهة لشخصك الحبيب، ولكنها في الحقيقة موجهة لكل الأخوة والرفاق المحررين الذين هم الأهل و الأصدقاء، تحية لكم جميعاً دون ذكر أسمائهم لأن عدم تحديدها لن ينسيني واحداً منكم. أنتم في القلب، لن أقول وداعاً ولكن إلى اللقاء .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244