ويزهر القندول - عوض سعود عوض

روايــــــــة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- الفصل الثامن عشر _

" أين أنتَ، آمال نجحت ولم تبارك لها؟ ولم تقل بأنك طرت من الفرح وأسرعت لتحضر علبة حلوى تزوعها على أصدقائك، تعال وشاهد بنفسك الدنيا لا تسعها، هي مرحة وكأنها ابنة عشر سنوات، ابتسمت وقلت لها مبروك، تظاهرت بالفرح الذي لم يجد لقلبي سبيلاً، إنه الحزن الذي توسده. كل الأفراح ناقصة، أنت وحدك تستطيع إتمامها، جاءتني أختك حنان تخبرني بأن آمال تفكر بالسفر إلى بلاد " بره " لتدرس، تقول بأنك نصحتها بذلك وأوصيت لها ببعثة إلى ألمانيا. صرخت في وجهها وقلت دعوه في سجنه ولا تدخلوه في مشاكلنا .‏

صحيح أنه يخاف عليكن، لكن خفن الله واتركنه! أمن المعقول أن نطلب مساعدته المادية؟ إياك أن تفعلها يا بنتي !‏

آه يا عمر أنت لا تعرف بأنك كياني وذاتي. تطلب مني المغفرة، سامحك الله.‏

هل هناك أم لا ينبض قلبها بحب أبنائها ... فاض الأردن وبلل ثيابها، ناولت الرسالة إلى حنان لتعيد قراءتها ثانية.‏

الأخت الحبيبة حنان والأخت آمال :‏

تحية محبة وبعد ـ‏

لا أدري كم من الوقت لتصل رسالتي حيث إن رسالتكن تلقيتها البارحة بتاريخ 8-10-1978 أي بعد شهر من صدورها. إنه يؤسفني أن أكون سجيناً في هذه الفترة العصيبة من حياة إخوتي، وددت لو أكون طليقاً وأقدم ما أستطيع من حاجة مادية ومعنوية ... سواء كان المال أو العطف والحنان، ولكن على الرغم من ذلك فأنا لست نادماً لوجودي هنا، لأن واجبي تجاه وطني وشعبي ومبادئي أهم بكثير من واجبي تجاه أهلي وأخوتي واعتقد أنكن تؤيدنني في ذلك .‏

أخواتي الحبيبات :‏

قرأت رسالتكن وتأثرت بها جداً، فهي مليئة بالحب والألم، مليئة بالحرارة والصدق، ليس بشكل الكلمات وإنما بجوهرها ... أنا شجعت آمال للدراسة في ألمانيا الشرقية إذا استطاعت الحصول على بعثة دراسية بمساعدة الأصدقاء، وإذا مكنتها علاماتها من ذلك. أو العودة إلى القدس والتسجيل في جامعة بيرزيت، وفي كلتا الحالتين فأنا لا أملك نقوداً سوى رواتبي التي لا أستطيع التصرف بها إلا بوكالة خطية تخولها قبضها. وهذا يعني أن عليها إرسالها بواسطة الصليب الأحمر، حتى أوقع عليها.‏

أنا غير قادر على تصور أن أختي في عمان وتقول أنها مقطوعة من النقود! إن مجرد تصوره فظيع، فكيف إذا كان حقيقة! حبذا لو أقدر على فعل أي شيء. أنا هنا انتظر زيارتكم كل أسبوعين أو زيارة الصليب الأحمر كل شهرين. أنت تطلبين أن أكون محايداً تجاه القضايا المطروحة في الرسالة. الحقيقة أنني لست مهادناً في شيء، إنني أتبنى الفلسفة الماركسية التي لا تقبل الحياد. إن الإنسان لا يمكنه إلا أن يكون فعالاً، لأنه عندما يقول غير ذاك، فإنه يؤكد انحيازه لجانب دون آخر. إن الظواهر الكونية سواء في الطبيعة أو المجتمع ذات جانبين فقط ولايمكن أن يكون لها ثلاثة أوجه، فكل شيء يوجد مع نقيضه وليس غير ذلك، فإذا لم يكن الإنسان شيئاً ما فهو نقيضه، ولا يمكن إلا أن يكون منحازاً، فالحب مقابل الكره، والليل مقابل النهار، والمادة مقابل الوعي.... إلخ من المقولات الفلسفية المتضادة. وعلى هذا فأنا مع أخواتي إذا كانت القضية متعلقة بحريتهن وشخصيتهن وكيانهن الذاتي .‏

أما بالنسبة لقولك عن القناعة والمبدأ وكيف أن الناس لاتسيء لذوي المبادئ ماداموا يتبعونها. إن هذه الجملة صحيحة وجميلة، ولكن المبادئ لا قيمة لها بحد ذاتها، لأنها مجرد انعكاس للواقع. إن المبادئ يجب أن تلازمها الممارسة الحياتية، فمن الخطأ أن نتمسك بمبدأ ولم تثبت صحته في الممارسة العملية. على الإنسان أن لا يحلق عالياً في الهواء لأنه بذلك يبتعد عن الأرض التي يقف عليها. أي يبتعد عن الممارسة والواقع، والجسم المعلق في الهواء لا وزن له تقريباً. وحتى يكون لنا ولمبادئنا وزن يجب أن لا تبتعد كثيراً عن الواقع. عليكن أن تتذكرن بأن الفلوس ضائعة والحب يبقى، ولكن لا يمكن الحديث عنهما بشكل أحادي ومجرد، فالحب هو وعي أو إدراك أو إحساس ولكن لابد من ربطه بشيء مادي ملموس حتى تصبح له قيمة إن حبي لكنّ ليس شيئاً مجرداً وإنما يرتبط بما تصنعنه من إنجاز لأنفسكن وما تحققنه من نجاح في ممارساتكن، لأن هذا يقربكن مني ويثير إعجابي.‏

كلمة أخيرة لأمي :‏

أمي أطلب رضاك، أنت سمائي وذاتي ووجودي، اعترف بأنني عذبتك، سامحيني واغفري لي .... أنت كل شيء رائع في الحياة .‏

عمر قاسم‏

الرملة في 9-10-1978‏

مازالت الصور تأتيها، ولعل نجاح صغرى بناتها أو أية فرحة تعيدها إلى سيرته، كيف تتجاهل وجوده؟ كيف تنسى أنه يحب الجميع؟ أنه عمر أبو عباية فلذة كبدها طفلها المدلل الذي لم يكبر في نظرها.‏

- وهل أنا صغير ؟‏

-أنت مازلت طفلاً، وستظل كذلك يا نور عينيّ حتى لو صار عندك أطفال، هذه هي الأم يا ولدي ‍‏

مازالت صورة الطفولة تتوارد كالفيلم في مخيلتها تستعيدها كل يوم. تضمه إلى صدرها وتهدهده، وعندما تتأكد من أنه غفا، يتسلل النوم إلى جفنيها، تطبقهما. شعرت أن الفراش شوك يخزها في جسدها، لم تكف عيناها عن الدمع، نهضت، البيت زنزانة جدرانه تضغط على صدرها، رأسها لم يتوقف عن التفكير، استوطنه الألم وانتشر حتى العروق الدقيقة جداً، مع مرور الوقت يزداد حتى يصير أشبه بمصنع آلاته تزعج العاملين، وضعت يدها اليمنى على صدغها، أسرعت وغسلت وجهها وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم.‏

صلت ركعتين لله، لكن الحالة عادت أكثر من الأول، تناولت منديلاً لفته لفات عدة وعصبت رأسها، صغارها يراقبون كل حركة من حركاتها، يطوفون حولها كالأطفال الذين يتجمعون حول بائع حلويات. سقطت المنشفة من يدها، تناولتها وعلقتها في مكانها. خرجت إلى أزقة حارة السعديات، تجولت فيها ثم عادت إلى بيتها الذي يقع وسطها، تعانقه مجموعة بيوت طينية بحرارة، فلا تترك فاصلاً بين البيت والآخر إلا واجهة ضيقة من الطريق، ثلاثة أو أربعة أمتار عرض الزقاق، وهناك أزقة بعرض مترين.‏

كانت في المربع الداخلي حيث كان فيه مكان للفراش، شعرت بخدر قامت ومشت، وعندما تعبت قعدت .‏

رجلها اليمنى تهتز بعصبية ظاهرة في حركة شبه متواصلة، وعند محاولتها السيطرة على انفعالاتها تصاب بالإخفاق. خرجت من الغرفة إلى الباحة السماوية التي تنتشر حولها الغرف، وعند الباب الخارجي غرفة صغيرة استخدمت مطبخاً وعلى يمينها دورة المياه والحمام، فتحت الباب الخشبي الخارجي السميك. تكاد حركة الناس تنقطع في مثل هذا الوقت. صوت أقدام ....ربما هما؟ مدت رأسها قليلاً وتركت الباب موارباً، أهذه هي النهاية يذهبان إلى المخفر ولا يعودان سيواجهونه وعندما يرفض يستخدمون أساليب الضرب ويفحصون السيارة ويحللون البصمات، سيلاحقونه حتى يعترف، يسألونه لماذا فعلتها، فيجيب أنا فخور بما عملت هذا واجبي. رفعت يديها وصرخت كالبلهاء صرخة قوية، جعلت أطفالها يتجمدون خوفاً، كل شيء فيها غريب، شعرها منفوش وتصرفاتها تحمل فوضى لا تحتمل. حالتها غير المستقرة وما انتابها من فزع شل تفكيرها. فلم تعد قادرة على شيء سوى الانتظار القاتل .‏

عادت وقعدت على قاطع خشبي عريض، شعرت بالاسترخاء، استسلمت لغفوة وعندما سمعت قامت للوضوء والصلاة، ارتدت جلباباً أبيض يغطي رأسها وجسدها، وبعد نهاية الركعات ردت السجادة الصغيرة إلى حضنها، وأخذت تدعو أن يرد الله أبا عدنان وصغيرها عمر سالمين .‏

أخذت الريح تعصف، لملمت ما في الشوارع والحارات وجمعت ما هو مبعثر وكومته في الحارات الداخلية واتجهت شرقاً وجنوباً متابعة صغيرها معلنة تجميع الغيوم في سماء القدس، أحست بقشعريرة تسري في عروقها وأصابتها رجفة خفيفة، أسرعت إلى الفرشة دست جسدها وطلبت حبة اسبرين، ناولها عدنان وأحضر كوباً من الماء.‏

لا حول ولا قوة إلا بالله، التحقيق يستمر ساعة أو اثنتين وربما ثلاثاً، أما أن يستمر من الظهر ولا ينتهي في الليل، فهذا يعني أن أمراً غير عادي حصل. قرع شديد على الباب. تركت الفراش وأسرعت فإذا جارتها أم سعيد، دخلت وقعدتا في الغرفة .‏

- ما بك يابنة الشلبي أرى وجهك مخطوفاً وحالتك لا تسر؟‏

- إن شاء الله خير. أبو عدنان لم يعد حتى اللحظة، ذهب إلى مخفر الشرطة ظهراً .‏

استغفرت أم سعيد ربها، ودعت أن يعيده سالماً وأخذت تهون الأمر وتبعد الاحتمالات السيئة، أم عدنان قالت :‏

- إننا مهددون من الإنجليز، ماالذي أتى بهم من آخر المعمورة، بيننا وبينهم سبعة بحور وبلاد لا يعلم بها سوى الله ‍!‏

- الإنجليز خنازير ..طوال عمرهم يخذلون الشعوب ويستعبدونها .‏

تناولت فنجان القهوة حركته ونظرت في البقايا، ابتسمت ثم انصرفت تاركة كل شيء كما وجدته غير قادرة على بث الأمل ... عادت فاطمة الشلبي وحيدة، قرأت آية الكرسي وسورة الإخلاص والحمد مرات عدة، فؤادها يخفق كقلب طائر متعب، تذرع الغرفة جيئة وذهاباً وتذهب بها الظنون كل مذهب، تركت بيتها واسرعت خارجة، تفرك يديها بعضهما ببعض، وعندما تدرك أنها في الشارع تخاف الظلمة، تحاول أن تبدو طبيعية، تخفف من سرعتها وتضبط حركتها. تبلل طرف شفتيها ثن تلتفت يمنة ويسرة. فإذا كان الشارع فارغاً تتابع طريقها، وإذا سمعت وقع خطوات عادت مترقبة، لا سبيل سوى خيالها الذي لم يسعفها إلا بالسوء . في لحظة شجاعة نادرة حدثت نفسها، لم أنت خائفة يا فاطمة؟ هذه حارتك تخرجين في أي وقت! تخفق في الإجابة، تعيش على البقية الباقية من أعصابها. لم تعد قدماها تحملانها. أصفر و جهها كالعصفر. أولادها أكبرهم عدنان وهو غير قادر على فعل شيء، ردت عليه: " اسكت ولا تزيد همي، هؤلاء الإنجليز لهم عيون كثيرة، إن شاء الله خير ".‏

قررت عدم النوم، ستظل مراقبة الأزقة حتى يعودا، لابد من عودتهما ... رأتهما آتيين على بعد أمتار، تفحصتهما، إنهما معافيان ابتسم أبو عدنان، أدرك مدى قلقها، قالت في نفسها: "الحمد لك يارب " ردت بابتسامة باهته وقبل أن تسأله تناولت صغيرها وفعته إلى صدرها، قبلته قبلة طويلة، وجهها مازال مشحوناً بالقلق، نبهها لذلك فردت:‏

- أنتما لا تحسان قلقي، خفت كثيراً وندمت لإرساله معك!‏

- وحدّي الله إن ذهابي إلى مخفر الشرطة لم يكن في يوم من الأيام أمراً غير عادي. كل حياتي أخدم عندهم لماذا اليوم بالذات ؟!‏

- من يأكل الفول ... وأنت تعرف قصة الجنديين اللذين صعدا السيارة التي تقودها، ستقول بأنهما فقدا بعد أن نزلا، وتعتقد بذلك أنك ضحكت عليهم، وأنهم صدقوك، لاتنسى طوال عمرهم يضحكون علينا ولا يحسبون لنا أي حساب .‏

- من يأكل الفول .... وأنت تعرف قصة الجنديين اللذين صعد السيارة التي تقودها، ستقول بأنهما فقدا بعد أن نزلا، وتعتقد بذلك أنك ضحكت عليهم، وأنهم صدقوك، لا تنسى طوال عمرهم يضحكون علينا ولا يحسبون لنا أي حساب.‏

تركته ولم تكترث لجوابه، تعرف أنه سيقول لها كلاماً يهدئ من روعها، ليقنعها بأن الأمر عادي جداً، اقتربت من صغيرها، وجهها دائري حنطي وعيناها واسعتان جميلتان فيهما بريق أخاذ، لقوامها جذع الحور ولا طرافها مرونة أفنانة، عمرها مكتوب في الورود البيضاء وفي تجاعيد الجفون، والتفكير الرصين الذي يحتم عليها التمهل في اتخاذ القرار، دائمة الابتسام، دعت صغيرها أن يحدثها، نظر إليها وقال:‏

أريد أن أتعلم الإنجليزية .‏

- يلعن الإنجليز والساعة التي جاؤونا، لماذا لا تجيب عن سؤالي ؟‏

- طيب أكون عسكرياً وأحمل بندقية .‏

- تعال يا محمد " شوف " ابنك !‏

سقطت ركبتاها على الأرض، لم تتوقع هذا الجواب، حاولت أن تعود إلى صفائها وهدوئها وفرحها بعودتهما، نظرت إليهما، عيناها سوداوان، عاملة ماهرة تمضي يوحها وهي تكنس البيته وتمسحه. تناقص وزنها فصارت أكثر رشاقة من قبل، شعرت بمتعة وهي تنظف وتطبخ. حدقت بصغيرها الذي له تصرفات شبيهة بالعفاريت، نادت أبا عدنان وقالت له: خذه من أمامي إنه لا يكل من الأسئلة، تصور أنه يعد النجوم، ألا ترى بأن الملائكة لا تسمح بذلك يا أبا عدنان؟ - وحدي الله يا فاطمة !‏

ذات مرة سأل خاله، لماذا نسمع المغني ولانراه ؟‏

كانت أفكاره وتساؤلاته في الأربعينات يوم لم يكن في القدس أي تلفاز، وصفته عمته بأنه " فلته "، وقال عنه والده تفكيره أكبر من عمره، أما أمه فقد طلبت من أبيه أن يسجله في المدرسة. أخواله كانوا يدللونه ويقولون لأختهم: هذا حصتنا من بيت القاسم .‏

كم مرة اختارته من بين إخوته ليرافقها إلى أخواله، يمضي بينهم كل صيف أسبوعاً أو أكثر في بلدة حبلة، عندهم هو المدلل يشتري الحلويات أكثر من أبنائهم، وربما تكون مشترياته بقدر مشتريات أولاد أخواله جميعاً، وكان هذا الأمر يفرحه، إذا يبدأ بتوزيع السكاكر عليهم، وإذا صادف أن رأى خاله هذا المنظر نهر أبناءه وأبناء إخوته قائلاً :‏

- لا يجوز الاعتداء على حلوى الضيف .‏

يضربهم بكفه، فينهزمون من وجهه، يأخذه إلى البائع ثانية ويشتري مجدداً، وكان هذا الأمر يفرحهم، لأنهم واثقون بأن محصلة الشراء ستوزع عليهم، وخوفاً من عيون أخواله ونسائهم يخرج مع الصغار، يصفهم بالترتيب ثم يبدأ بالتوزيع. وعندما يشتري له خاله الثاني والثالث يملأ جيوبه، وكما فعلوا في المرة الأولى يلحقونه بعيداً عن البيت وهناك يشكلون دائرة حوله ويبدؤون بتناول الحلوى.‏

يحبه أبناء أخواله كثيراً، إذ يعتبر مجيئة يوم حبور تكثر فيه النقود ويظهر الكرم العربي على حقيقته.‏

البائعون المتجولون كثر ينادون على العلكة والمطعم وبيض الحمام والملبن والسكر الفضي وغزل البنات والهريسة .‏

في البيت انتظر خروج والده إلى الدوام فركض خارجه، أصدقاؤه بانتظاره، أحدثوا ضجة لدى قدومه، ركضوا إلى باب حطة المؤدي إلى حارات ضيقة، سلكوا زقاقاً طويلاً عرضه متران ونصف. وهناك أخذوا يلهون ويلعبون، دائماً يختارون منطقة رطبة بلكوناتها تتصافح وأحياناً تقبل بعضها بعضها. تعالت أصواتهم، ضحكاتهم، يركضون من قنطرة إلى أخرى، قناطر توصل إلى طريق ضيقه بعضها يقل عرضها عن مترين ووبعضها الآخر يزيد على أربعة أمتار وبعضها يزيد على ستة، حارات لشدة تلاصقها تظن أنها مسقوفة بسقف واحد. البيوت متشابهة مجموعة غرف وباحة دائرية في الوسط وأشجار مثمرة قرب المدخل أو في وسط الباحة، وغالباً ما تكون هذه دالية معرشة تتدلى قطوفها كالمصابيح ... باب خارجي واطئ على شكل منحنٍ يضطر الداخل إلى التواضع قبل العبور، تشد التريينات وآيات الفن الزائرين، والتي تحول البيت من الداخل إلى معرض فني.‏

تتحول بعض هذه الدخلات إلى مسرح لألعابهم البرئية، السباق من أول الحارة إلى آخرها، لعبة "الطميمة والبنانير" حيث يغمض أحدهم عينيه وبعد العد يفتحها ليلحق بمن يستطيع في حين يعود الباقون إلى المكان فالذي يمسكه يخسر، أما اللعبة الثانية فتعتمد على صف الدحاحل على الأرض بأشكال مختلفة عن طريق وضعها مصفوفة على شكل خط، بما يسمى " الشكة " أو عن طريق رسم مثلث أو ما يسمى " المور " أو عن طريق الحفرة وغيرها. كان طوله وضخامة جسمه يدلان على أنه أكبر من سنه الحقيقي، فعندما يلعب المباطحة مع رفاقه يتدخل أصحاب الدكاكين أو المارون إذ يعلقون ويصفونه بأنه شاب (حرام عليك رمي الصغار على الأرض) .‏

فيجيبهم: نحن من عمر واحد وفي الصف نفسه .‏

في شهر رمضان يلفون خلف المسحر الذي يدور على حارتهم بيتاً بيتاً ينادي " يانايم وحد الدايم ..."‏

على أصوات الطبل وقرع الأبواب تمضي ساعة السحور، يذهبون إلى مقام الشيخ ريحان المضاء بالشموع. فيرسمون خطوطاً على الأرض ويحجلون من مربع إلى آخر حتى نهاية المربعات الستة.‏

أمامه أمه فتعمل له " عاجة " وتقول له: هذه عروستك يمّا !‏

فيجيب: عروستي ليست عاجة !‏

فتصيح فرحة: تسلم لأمك.‏

تضمه إلى صدرها وتقبله، أبحرت في هذه الذكريات. يخبرها بأن عنده اجتماعاً، كانت هذه علامة استنفار، فتقول لأخته، ضعي إبريق الشاي وركوة القهوة على النار، قدميهما حين طلبه لهما .‏

أما هي فتخرج أمام البيت وحوله تستطلع الأمر وتظل قلقة حتى ينتهي الاجتماع. وعندما عرف مدى قلقها وتوترها فضل عدم إطلاعها، لكنها لم تعد بحاجة، فقد عرفت أصدقاءه واحداً واحداً، ومن الذين يجتمعون.‏

تساءلت، هل يأتيه رجل غير جاد أو غير سياسي ليلاً؟ ولِمَ يغلق الباب ويبدأ الهمس وكلام الأسرار؟ أصدقاؤه معروفون قدومهم يعني بقاءها متوترة متخفزة طوال اجتماعهم. اقترحوا تغيير المكان فخافت عليه، راقبته وتسللت خلفه في الليالي تحرس مكانه الجديد عندما عرفته.‏

تذكرت الأمسيات وحديثه، سجن ابنها يجبرها أن تظل متوترة دائمة التفكير. ظلت أشهراً تقف عند الباب وتطل من النافذة تترقب قدومه أو خبر يطمئنها، الدموع تنحدر من عينيها فتمسحهما .‏

قال لرفاقه بوجودها بوسعكم اعتبارها أمكم، عندما لا تجدونني جربوها، ستتأكدون بأنها ليست فقط أما لنا بل لكل من دخل البيت، ولكل من كتب كلمة في تاريخ فلسطين منذ أيام منذ أقدم العصور. وذات مرة سمعها تغني لعروس في حارتهم، ابتسم ووقف ينصت، زقزق قلبه وظل ينتظرها وعندما عادت، أجابت بأن صوتها غير جميل .‏

لوى رأسه وقال: بل أروع صوت سمعته أذناي !‏

انتشرت الدوريات في الشوارع وحوصرت مداخل القدس من جهاتها الثلاث، فخرجت ومعها عبلة وضعتا قسماً من المناشير في عبهما والقسم الآخر في المحفظة النسائية التي تحملها. صباحاً جاءه رفاقه وهم يغردون، لقد جن جنون السلطة، كيف وزعت هذه البيانات، فقال لهم كلمة واحدة:‏

- هذه أمي أمامكم أسألوها .‏

كلماتها الرائعة تنطلق تصل إلى الشمس، فترتد خجولة لأنها غير قادرة على الوصول إليه، رؤيتها له حدث رائع، قصيدة، أغنية سبق وأن غنتها لأبي عدنان عندما كان سائقاً ما بين القدس ويافا في الثلاثينات. فاطمة الشلبي سافرت معه غير مرة. أحد العارفين قال بأنه عرفها في نابلس كانت عند أجدارها في قرية مسحة. نظر في المرآة، ابتسمت فدخلت قلبه، عاد إلى بيته ميتماً، لم يغيب وجهها عنه، كان لحضورها نشوة، لم يتخلص من قلقه إلا بعد خطوبتها وزواجها.‏

بعد اعتقال ابنها فارقتها الابتسامة، إنها ضجرة، مهدودة، مفكرة، رأسها يؤلمها، أوجاع العالم استوطنت جسدها، شعرت أن عليها اقتلاع الاحتلال واجتثاث السجون، فلذة كبدها بين جدرانها الصفراء موثوق اليدين ومقيد القدمين. تحولت الأشياء ومعانيها. الحمامة التي تسبح وترفرف باجنحتها في سماء الأردن والشام صارت أسيرة .‏

ظلت على الرغم من كل آلامها سيدة بيت لا تخالف زوجها، تتدخل بأدب، تنصت وعندما تود الإدلاء برأيها تطلب أن يسمح لها بذلك. أما بالنسبة لأبنائها فإنها تعتبر تربيتهم شيئاً خاصاً بها لوجودهم معها طوال النهار.. المطبخ شغلها الدائم، مجال تحركها، تطلق في البيت أنفاسها لتحملها النسمات وتتركها في كل موضع. تبدأ عملها وتنهيه بعزيمة ومثابرة. لكن سجن ابنها كسر ظهرها، جعل روحها تذوي، فالروح إذا يبست مانفع الجسد، شاخت أحلامها حتى باتت ترى أن تحقيق الحلم يحتاج إلى آلاف الاحلام المتجددة لعل واحداً منها يتحول إلى حقيقة. فوضى فكرها جعلتها مشتتة وغير عارفة لما تريد وشاكية. رفضت أن تسجن أفكارها، صرحت بها، بماذا ستنطلق، الحرية، الانطلاق، الانفتاح، طمحت إلى الوصول إلى السماء السابعة، بكت، سألته:‏

- هل تحب الكتاب إلى هذه الدرجة ... ألا تريد أن تفرحني بك ؟‏

- إن ما يشغل فكري أشياء أخرى، لا أفكر بفرح يخصني دون الآخرين، الآن الحزن للجميع وليس الفرح، أما إن كنت تقصدين ما فهمته فهو ما ابتعد عنه الآن وفي هذه الظروف فليس مهماً زواجي، أنا ماض إلى المقاومة، العمل الذي سأقوم به بداية فجر وحياة .‏

ارتعشت يداها، طيبة القلب، نظراتها الفاحصة، وصوتها الصافي . إنها ذات عزيمة جبارة، كانت كلما شعرت بضعفها تقول: اللهم ألهمني الصبر .‏

أخذت مرة تروي جزءاً من سيرة حياتها، تساءلت عندما وصلت في حديثها إلى الفترة التي انتقلوا فيها إلى منطقة الشيخ جراح :" هل تعرفون كم قضينا من الوقت في بنائه؟‏

وكم من الجهد صرفنا؟ وكم من الأموال دفعنا؟ كيف سنبني بيتاً آخر إذا نسفوه؟ إنهم يعيدوننا إلى البدائية، في هذه الأيام لم يعد هناك من يسكن المغاور ويتسلق الأشجار ويعيش على قطف الثمار".‏

تمضي جل وقتها مفكرة تتصوره يتعذب، الدم يسيل من أنفه وأمكنة أخرى، الكرباج ترك الكدمات وبقعاً زرقاء على جسده. سنواتها التي مرت سريعة بدأت تتوقف، دموعها جريان الأردن منذ شق طريقه جنوباً راكعاً مؤدباً، مؤدياً صلواته وتحياته للهضاب والأودية التي تجاوره. زفراتها تلهب صدره. كانت عند تفتيشهم للبيت تقف منتصبة، واضعة يديها على خصرها، تاركة إياهم يفتشون كما يحلولهم، وعندما ينتهون ولا يجدونه تخاطبهم :‏

- لكم الحلاوة ولنا الصبر والعلقم إن وجد تموه، فأنا أبحث عنه .‏

أمه بخوفها عليه تزعجه، أول مرة ذهب إلى دمشق لم تنم طوال شهر، حتى وصلت رسالة طمأنتها. حسبت ألف حساب، قالت بينها وبين نفسها قد يكون ذهب مع سائق ابن حرام، وربما أوقفوه على الحدود، أو منعوه من المرور أو اعتقلوه، كيف يعيش؟ كيف يأكل وينام؟ من يغسل ويطبخ له؟ يهزأ زوجها من مخاوفها ويقول أنت عاطفية أكثر من اللازم !‏

عرف ذلك بعد عودته من دمشق حين سألته ألف سؤال، وحدثته بحكايا تفيض بالحب، وبحكايا مليئة بالأسرار، ظلت تحاوره في تلك الليلة، جالسة، لم تضطجع أو تتمدد خوفاً من مغالبة النعاس لها.‏

صوته في أذنها، إنه في الشارع، انطلق صراخه طالباً من رفاقه اللحاق به، أخذوا يتبعونه وهم يتدافعون ويتراكضون في الحارات، حارات أرضها مرصوفة بحجارة سوداء، وصلوا إلى أحد أبواب القدس، وقف على الحجر الواقع إلى الزاوية اليسرى من باب حطة. نظروا فإذا بأعلى جدار السور نافذتان غير واسعتين عليهما قضبان حديدية، من هذا الباب انطلقوا إلى طريق كلها أقواس لا ترتفع عن الرأس إلا قليلاً. يشعر المارة بدنوها. هاماتهم قد تلامسها ولكنه عندما يدقق يجد ما بينه وبين أدنى قوس نصف متر على الأقل، قناطر مركبة ليسمك كل حجر الآخر. هذا التماسك لم يؤثر به الزمن. فإذا تداعى حجر وجب ترميمه قبل أن يؤثر على القنطرة، لذا فقد تمت المحافظة على الأقواس باستثناء ما خربته الزلازل ورمم بعد انتهائها. الترميم يعيد الجمال فالجسور التي ينزمنها التراب وفتات الخشب الناعم، من الصعوبة الاهتداء إلى مصدر القرض.‏

يبدأ التفتيش عن مصدر الحركة لتجديد الأخشاب المتآكله عن طريق تغريغ جانبي الخشبة وسحبها كما تسحب الشعرة من العجين، وبالطريقة ذاتها تدخل الخشبة الجديدة ثم يطين مكانها، حتى تبدو أن الأمر لم يتغير منه شيء .‏

تنتشر على جانبي الطريق الضيقة نوافذ متطاولة، فوق الأبواب أبراج تعلو بعض الأقواس. على الجانبين دور ومحلات تجارية، تستند البيوت بعضها إلى بعض، يقولون إذا تهدم بيت في الحارة عابت البيوت وتصدعت، فأي خلل يعالج من أهل الحي، هذه البيوت الحانية والمتقاربة والمتداخلة دافئة شتاء ورطبة صيفاً. مظلمة إذا كانت الحارة مغطاة، ومع ذلك يتسلل النور من كوى معدة لهذا الغرض نتيجة خبرة ودراية. أما داخل البيت فالغرف واسعة مرتفعة السقف. أخشابها متقاربة وأحياناً متراصة تكاد لا نجد إلا فراغاً بسيطاً، ولو حسب البناء قوتها لتبين أنها قادرة على حمل بناية وليس سقفاً بسيطاً فقط .‏

القدس مهرجان محبة، نيروز، مواسم احتفالات، أعراس، مدينة مشغولة بفرحها طوال العام .‏

التقى عمر بالأجانب وشرح لبعضهم حدود القدس القديمة ، وأسماء أسواقها وحاراتها القديمة، دلهم على الأسواق المكشوفة والمغطاة والأعمدة الأثرية والحجارة المبنية منها البيوت والمستخدمة لرصف الشوارع.‏

التقى بوفد سياحي مؤلف من جوليا الشقراء وزميلتها سكادا وجان، جاؤوا من مدينة الضباب، نزلوا في فندق واحد وتعارفوا. سار معهم إلى باب العمود حيث كانت تخرج القوافل من هناك إلى دمشق، هذا الباب الذي تعلوه استدارة بين برجين، دخلوا عبر أبوابه التي تقع في نهايتها كنيسة القيامة، وصلوا ساحتها والتقطوا الصور بين بقايا الأعمدة التي تحمل أروقة المساكن والقاعات المخصصة لراحة الحجاج والصيانة. تأملوا الكنيسة ومنها تابعوا سيرهم باتجاه واجهة فيها بابان وعلى جانبيها أعمدة تنتهي بأقواس مدببة ونوافذ مغلقة يعلوها برج الأجراس القوطي. تعالت أصواتهم مثلوا إشارة الصليب ثم ساروا إلى مصلى الأرمن.‏

جذب جان جوليا وهمس في أذنها، فردت بالنفي وعلت ضحكتها. تركته واقتربت من عمر وقالت :‏

- اشرح لنا ماتراه مناسباً، وإذا مررنا بمكان أثري هام دلنا عليه.‏

ابتسم بود وأجاب:‏

- طلبك يعني أن نتوقف في كل مكان، لأننا وسط مدينة أثرية بكاملها .‏

قبل أن يتابعا نظرت إلى عينيه، أخرجت ورقة من محفظتها وسجلت عنوانها في الفندق، وطلبت حضوره مساء، هز رأسه فغنت لها الأطيار وبان الفرح في عينيها.‏

وصلوا إلى كنيسة الروم الأثوذكس، ومنها اتجهوا شرقاً، هبطوا درجات أوصلتهم إلى كنيسة القديسة هيلانة. تابعوا سيرهم شرقاً وصاروا قريبين من بقالية أبي عزيز الذي رد على التحية ودعاهم للاستراحة. أمام الدكان مرتفع بسيط وكرسيا قش جلسوا يرتاحون، سأل أبو عزيز :‏

- من هؤلاء يا عمر ... إنجليز إنتبه يا ولدي معظمهم جواسيس !‏

- شكراً .‏

من هناك استأجروا سيارة ولفوا على باقي الأبواب، باب الساهرة، باب الأسباط، الحائط الشرقي للسور ومنه جنوباً إلى بابي المغاربة والنبي داوود ومن هناك إلى بيته في الشيخ جراح. استقبلت أم عدنان الضيوف كعادتها. قبلت الفتاتين وجاءت بشرشف لتضعه على ساقيها، وهي تردد:‏

- الفتاة التي تدخل بيتنا تصير ابنتنا وتكتسب حمايتنا وهي بالتالي عرضنا، المحافظة عليها جزء من إنسانيتنا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244