|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الحادي والعشرون - بدأت تظهر قضايا مهمة لم يكن محسوباً حسابها من قبل، قضايا التحقيقات ضد بعض المتهمين بالتعامل مع العدو، حيث يضطرون للاستفسار عنهم ومراقبتهم وسؤال القيادة عن أمور معينة يدعيها بعضهم. ولهذا حرص بعض القادة في كل سجن على توفير كوادر قادرة على القيام بممارسات مفيدة للأمن الوطني، وقد تعزز هذا الاتجاه بعد تنفيذ حكم الأعدام بعدد من الجواسيس، كما بات ملحاً التحقيق مع كل عميل تكتمل مبررات اتهامه وملفه الأمني، وقد كشفت هذه التحقيقات أموراً هامة كثيرة، كما أن التعاون بين الرفاق في المعتقلات أدى إلى ارتفاع درجة الانضباط والصمود وانخفاض حالات التساقط خاصة بين الأشبال، ولهذا عكف عمر القاسم على تأليف كراس أمني ضمنه حالات عديدة، تحدث عنها بإسهاب بعد أن قسم درجات العمالة إلى أربع، فكان هذا المخطوط في نحو سبعين صفحة من القطع الكبير بعنوان " ماذا بعد الأمن الداخلي ؟" كل سجين يدخل المعتقل يكتب تقريراً عن نفسه وكل ما يعرفه ووضعه التنظيمي وعمله قبل السجن، يبقى هذا محفوظاً في مكان سري لدى اللجنة الأمنية لتنظيمه، التي لديها ما يشبه أرشيف المعلومات، وغالباً ما يكون عناصر اللجنة الأمنية غير معروفين لدرجة أن كل واحد عليه أن يعي مسؤولية ما يتلفظ به، حتى مواقفه وتعليقاته محسوبة عليه . أقل درجات العمالة الاعتقال لتغطية عمالته أو بقصد مهمة محددة من ثلاثة أشهر إلى ستة، وغالباً ما يكون صاحبها معروفاً في السجن بتورطه، يقضي مدة اعتقاله منعزلاً، لا أحد يتعامل معه، يخرج بعد هذه المدة ليثبت وطنيته وليأخذ دوره في الحياة، حتى لا يزايد عليه أحد، وهناك من ينهار أثناء التحقيق، يعطي معلومات صحيحة عن رفاقه، يستمر في إيصالها مقابل وعود رخيصة. أما الأخطر فهو الشخص الصلب أثناء التحقيق الذي لم يعترف، لكن وتحت ظروف السجن تهتز شخصيته فيتعامل مع العدو على مبدأ بقدر المعلومات وأهميتها يخفضون سجنه فيصير ألعوبه في أيديهم، كل هؤلاء تعتبر عمالتهم مصلحية، لا تضرضرراً كاملاً بالمواطنين، ولا تؤدي إلى تنفيذ عمليات تؤدي إلى الموت أو العاهات والأضرار المزمنة كما في العميل رقم واحد، الذي يقوم بعمل يؤذي أبناء شعبه مباشرة كما فعل عدنان فحماوي الذي وضع مادة في مياه جنين أدت إلى العقم لأكثر من ثمانين فتاة، ثبت ذلك بعد فحصهن. أدخلوه سجن نابلس ليمضي عقوبة لا تتجاوز ستة أشهر، اكتشفوه هناك، الأسئلة تلاحقه والعيون تتهمه، حققوا معه داخل المعتقل، اعترف، لكنهم قبل أن ينفذوا حكم الإعدام هرب إلى غرفة العار وطلب حماية إدارة السجن التي نقلته إلى الرملة. عُمم على السجون اسمه وجرمه والحكم الصادر بحقه. ظهر في المعبار وحيداً، الحزن حول عينيه شريط أسود، ابتلع النهار آخر الخطوط، وترك مهمة تكحيلها لليل، ، هرب المرح من حياته، تحاشى نظرات السجناء، شعر بضيق بحاجة إلى هواء، العرق يتقاطر من أعلى جبينه، ذاوٍ كغصن أبعدوه عن الشجرة وجهه شاحب كقشرة ليمون داستها الأرجل . التقوا به وعرفوه ولكنهم تجاهلوا وجوده، أشاح بوجهه بعيداً وجلس في الزاوية واضعاً يده على خده حركة الناس داخل المعبار نشطة، السجناء المنقولون إلى سجن آخر أو المرسلون إلى المحاكمات يمرون عبره. يتجمع السجناء على شكل حلقات يتناقشون يتحدثون عن ظروف اعتقالهم ويتعارفون. عدد من الطلاب المعتقلين حديثاً عرفوا عمر القاسم، نادوا بعضهم بعضاً وتحلقوا حوله، بدؤوا حديثاً مطولاً، ذكروه بالتدريس في العمرية ... بيت صفافا ... جنين .... ولم يتركوه وجدوها فرصة ليستمعوا من أستاذهم عن السجن والحياة والتنظيم والإصرار على النصر، أخذ الحديث جوانب عدة من زوايا لم تكن معروفة بعد. أحدهم أخبره بأن هاجم الدرديس التحق بأحد فروع الأمن وعنده سيارة حديثه، سأل عنك وأقسم أن يذلك ويودعك السجن، لم يجبهم بل قال: - سامحه الله ! جدران المعبار الصفراء تزداد قتامة يوماً بعد آخر، عليها سجلت عشرات الأسماء وتاريخ الاعتقال والتوقيع . رسالة إلى أمي: " إلى التي أفنت حياتها وهي تقول: الله يوفقك يا بني . كلماتك سلاح تعطيني الصبر، وجهك ملاذي وقبلتي، كم أنت جميلة ورائعة! وكم أنا بحاجة إلى كلمة منك! فهل سأراك بعد يا أغلى ما في الوجود" التوقيع زياد حاج محمد " إلى القادة الذين دفعونا إلى العملية وأصدروا بلاغهم، وإنها ثورة حتى النصر " نور خالد أحمد " ثورة حتى التحرير وبجانبها انفراج إصبعين والحروف التالية P. L. o. " كارم شريف إلى معلمي عمر القاسم : " لا أقول إنك خُدعت حين دخلت العملية، كان لابد من ذلك لأنك وطني " الطالب عصام سمير عيسى أمسك القلم وكتب تحتها : " إلى طلابي وأبناء شعبي: السجن لا يعرف لون الشمس ولا طعمها ولا رائحتها، فإن شئناً أن نتحدى الجدران العالية فعلينا أن نصنع شمسنا التي تشع في داخلنا، تتفتح ذاتنا التواقة إلى الحياة . صمودنا وقرارنا يولد فينا الأمل، وهذه كلها قنوات تصب في جدول الانتصار الذي نحلم به، والذي عليكم أن تحققوه " عمر محمد محمود القاسم مسح دمعتين سقطتا وقال في نفسه :" هل خُدعت حقاً، لقد حلمت أمي أن جماعة دفعوني إلى بئر عميقة، كنت كلما مددت يدي، رفضوا الإمساك بها ورشقوها بالحجارة ". يومها بخرت البيت وذبحت ثلاث أدياك ودعت النسوة إلى مولد، وعندما سألتها لِمَ؟ أجابت: - من أجلك يا نور عيني حتى يرد الله عنك الأذى ! أعطتني كمية من النقود المعدنية، خرجت إلى الحارة وأعطيت رفاقي بعض الحلوى التي اشتريتها وركضنا في الأزقة القديمة متوغلين شمالاً حتى أقصى مكان في المدينة. تأمل بقية العبارات والتواقيع. توقف عند عبارة " السجن شيء مؤلم دفعونا إليه ...." اهتز جسده وبدا عليه الانفعال، تحاشى رفيقاه الحديث معه، تركوه لحزنه إذ عندما يكون متضايقاً يحتاج إلى كمية هواء كبيرة لا يوفرها السجن. يتحول أشبه مايكون ببالون يكاد ينفجر لأقل نفخة. تغيّر شكله وقطب جبينه ،حرك يده وقال لهما: اقرأا هذه العبارة التي لم يكتبها إلا سجين عانى من المأساة خارج الأسوار وداخل المعتقل، فقد أمله بحاضره وقيادته، وعندما يتوصل المعتقل لهذه المعادلة يتحول إلى برميل بارود ينفجر ببطء على مدار سنوات طويلة، لا أحد يشعر به سواه من الداخل . تمنى أن يعرف الذي كتبها ليبثه الأمل ويأخذ جزءاً من عذابه، سيقول به، نحن نناضل من أجل حياة أفضل ووطن بلا احتلال، حياة ينتفي فيها القهر. جاؤوا بعدنان الفحماوي . استجوبه وهدده بالقتل، غطى الرفاق مسألة استدعائه بنشاطهم المتواصل داخل المعبار ، سأله: - من أي تنظيم، ومع أي مخابرات تعاملت؟ - من التنظيم الذي لا يولي المسألة الأمنية أية أهمية، لم أتعامل مع المخابرات ولم اتجسس! قال ذلك ووجهه تجاه الأرض، لم يعترف سوى عن اسم تنظيمه، عندها واجهه بأقواله في سجن نابلس، ووضع يده في خناقه ،تظاهر بالاختناق وحاول الفرار، لكنه لم يفلح فقد ردوه قبل أن يغادر، تظاهر بالمرض، حاول الصراخ فهددوه بالقتل. رفع الفحماوي يده اليمنى وقال : - اشهدوا إنها التوبة ! توالت المطالبة بالاعتراف وبعدها القرار، وكان اعترافه كالصاعقة، إنه تجسس لصالح تنظيمه ولصالح الأردن وإسرائيل. كل واحدة من الثلاث جندته بشكل مستقل ومنفصل، علماً بأن الموساد عرفت كل شيء عنه ووجهته كما أرادت. قال عمر : - لا توبة لخائن، هيا نفذوا الحكم الذي أصدره الرفاق في سجن نابلس . لم يتركوه إلاجثة هامدة رموها عند الباب، حانت منه التفاتة وهم ينقلونها إلى الخارج. غطى أنفه الرائحة الكريهة غطت المكان. وجوه السجانين غريبة وكئيبة واصرار لدى الإدارة على الانتقام. سمع أحدهم يقول، بأنهم مجرمون الأولى بقيادتنا رميهم في البحر فسمك المتوسط وطبريا بحاجة إلى غذاء. لم يسمع بقية التعليقات لكنه خمن ما يقولون، وجوههم التي كساها السواد، تنبئ بما سيفعلونه، جاء من شده خارج الغرفة بعصبية وهو يردد كلمات " فعلتها أيها الوقح، أيها المخرب ستنال جزاءك، هيا إلى الإدارة " في هذه اللحظة بالذات أعلن كل من في المهجع تضامنهم معه وإضرابهم. عندها بدأت سلطات السجن تعيد حساباتها من جديد . أينما ذهب فسلطات السجن تعيد حساباتها ألف مرة قبل أن تتصرف، خطط وهو في عسقلان لإضراب ستة وثمانين. مر في طريقه إلى " اشكلون" بعدد من القرى التي سمع بأسمائها، بينما كان البحر صديقه طوال فترة السفر، هذه من المرات القليلة التي نقلوه دون غطاء على عينيه، شيء مذهل تلك الرحلة، البحر صورة صافية يعرض عريه وأنوثته كفتاة عذارء تلقي بجسدها على الشاطئ، تحس بالدفء فيصير جسدها أكثر لدانة، تزحف محركة وسطها دافعة رأسها إلى الوراء، فإذا بها ثانية في الماء المالح، تتذكر خصوبتها وفتوتها فتسير مع المد في حركة لولبية لا تنتهي، خطر له هذا المنظر حين رأى ذاك الوجه الصافي الذي يتسع للكون ومنظر الذين ينتظرون غياب الشمس. يقولون بأن النسوة اللاتي يرمين بأجسادهن يهبن جزءاً من خصوبتهن إليه وهو يعطيهن الحضن الذي يحقق متعتهن، في أول أربعاء من نيسان ينتظرن لحظة الغروب ليسبحن أما التي تظل على الشاطئ فتبهج عينيها بذاك المنظر الجميل، لحظة يهوي القرص في الماء ولحظة ابتلاعه لجرعة منه يترافقان مع لمعان وتراقص آخر لحظة من النهار وبريق الأجساد العاجية المتماوجة. البحر ذاك الجسد الذي ظنوه غافياً يتمدد ويرفع يديه محتضناً ما بداخله دافعاً الرمال بقدميه، فيشعر بنشوة غريبة، يفرك عينيه، يفيق ليقبل أجساد العذارى واحدة واحدة ويضع في أرحامهن شيئاً من ملوحته، فيبدو و بحركته الجنسية، أشبه بجنية عصية على الموت قادرة على التلقيح. تأخذ العتمة شيئاً من هيبته وسكونه، ترتفع إلى الأعلى فيشعر الناس بدخول الليل، لكنها ظلمة تضيئها الأجساد، في حين يتحول العالم إلى ماء وسماء. أما الشمس فكانت مستلقية على ظهرها تتقلب تارة يميناً وتارة يساراً، تاركة نارها الحمراء تشتعل في رمال عسقلان، الهواء يسخن الجو يحمل معه الغبار والعجاج، بينما السماء قبة نهد يستحم بحرارة حلمته. ذكره البحر بماضيه في متوسط اللاذقية وأرواد وفي الزبداني والربوة وشوارع دمشق، ذكره لكل ذلك وغيره بينما السيارة الزنزانة تشق طريقها ببطء إلى الجنوب، تصور أنه متنزه قريب من البحر إذ قورن بنفحة خاصة بعد نجاح إضراب السبعين. عرّوة وفتشوه قبل أن يسلموه لباس السجن، أدخلوه الغرفة رقم خمسة وأغلقوا الباب، نظر إلى السجناء لم يتذكر أنه رأى واحداً منهم، سلم وقفوا وأحاطوا به. شبان أعمارهم في العشرينات باستثناء أبي ديب في الخمسين من عمره اتهم بإيواء ابن خاله مازن العابد، الذي جاء مبعوتاً من والده ثم تكرر مجيئه... ذات مرة صارحه بأنه سيقوم بعمليات ضد إسرائيل ويعود عبر مخاضات الأردن. اصطدم بإحدى الدوريات وهو في طريق عودته، جرح وقبض عليه فاعترف أنه اتصل بابن عمته فأحيل إلى عسقلان . أما أبو ديب فقد دافع عن نفسه بادعائه أنه ضيفه إضافة إلى القربى، ولا يستطيع إلا إستقباله. وعندما سألوه عن المعلومات التي نقلها إليه، أنكر ونفى أنه تجسس أو قبض أي مبلغ.... أجاب : - الإنسان عندما يكرم ضيفه لا ينتظر مقابلاً، أنسيتم أننا مازلنا محافظين على عاداتنا على الرغم من احتلالكم! سألوه عن الأمن ولماذا لم يبلغ عنه؟ أجاب: - هذا اختصاصكم أنا غير موظف عندكم، أهناك عاقل يبلغ عن ضيفه ؟! نظر إلى وجوههم فتأكد أنه لا يعرفهم وربما لا يعرفونه، فعرف نفسه " - أنا عمر القاسم يسعدني أن أكون معكم . وقف الجميع عند سماع اسمه واقتربوا منه، نظروا إلى وجوههم وابتسموا، ضج المهجع بالمرح وبدؤوا يقبلونه ويهللون والفرحة تغمرهم. قال أبو ديب فرحاً: -أننا محظوظون بوجودك يا رفيق! أحاطوا به وبدأ كل واحد يحكي قصته، ثم أخذ يجيب عن أسئلة حول عملية التبادل والسجون التي مر بها خلال ثمانية عشر عاماً. حدثهم عن إضراب عسقلان وإضراب نفحة وعن حياته في سجن رام الله وبئر السبع والرملة والصرفند ..... وعن أهمية التنسيق والتعاون. قال مروان الساحر ابن الخليل: - المؤسف انعدام التنسيق، المنطقة التي كنت أدخلها وأوصل إليها السلاح آمنة والطرق أعرفها، خبرتها خلال أكثر من عشرين مرة ذهاباً وإياباً. صرت أعرف حجارتها وطرقها الترابية. اصطدمنا مع دورية صديقة، أطلقوا علينا النار، فطوق العدو المكان ..... رفيقاي استطاعا الانسحاب، في حين قبضوا على الدورية التي اشتبكت معها وعليّ، كان الأمر مضحكاً ومخجلاً حين أعلن التنظيمات عن تلك العملية وعددوا خسائر العدو المادية والمعنوية. بعد ستة أشهر علم أن رفيقيه اجتازا الحدود بسلام. وعادا إلى قاعدتهما في المنفى حيث المركزية والأوامر التي تنفذ دون تخطيط صحيح. الداخل والخارج صوتان غير متجانسين، الذين في السجن يرفعون أصواتهم يصرخون ترد القيادة بذبذبة أخرى. بصرخة لا علاقة لها بالواقع، هي فوق الواقع أو تحته، تتشظى إلى ألف جملة وكلمة غير مفهومة. كلهم محتفون بعمر القاسم إلا محمد زين العماش الذي يتوجع من أسنانه ومعدته مع أنه طبيب جراح، يتألم للطريقة التي اعتقل بها، أخذوه من الشارع، اتهموه بالاشتراك بالتظاهر، لم يندم إلا لأنه لم يكن ب المظاهرة، أشار أبو ديب بيده إليه وهويتحدث عن قصته. بدأ عمر يهتم به ويدفعه للتكيف مع وضعه. عرف أن خطيبته تنتظره وهو يجبها بجنون، يهذي باسمها ويعيش معها معظم وقته يبتعد عن رفاقه ليهيم بعالم حبيبته وداد السكري شاركته التجارب والأبحاث والدروس العملية والعمليات. ناقشها في الزواج المتكافئ، وعندما اقتنعا بأنهما مناسبان أحدهما للآخر خطبها وقرأ الفاتحة مع والدها، وقبل أن يلقوا القبض عليه اتفقا على الزواج بعد عيد الأضحى، قبل شهر من موعد دخل عسقلان . يسّلم النهار رايته وقيثارته لغول يفض بكارة الشمس، فيعم السواد على عالمه، يأتيه الخوف، ذاك الذي لا شكل هندسي له، يأتي ضيفاً على الصدر فيبدو أصغر من حجمه الطبيعي، تذكر الشوارع التي اكتوت بالنيران وواجهة المحلات المغلقة في ذاك اليوم المشؤوم . قال له المحقق: معتقل وتبتسم، اعترف لماذا أنت مسرور ! - أنا لم أفعل شيئاً. مسرور لأنك يتفرج عني. -أفرج عنك يا بن العاهرة الذي مثلك يبكي على نفسه، سترى ما نحن فاعلون ! من حظتها غادرته الابتسامة وعاش منزوياً، مرت به لحظات العشق، تساءل، ماذا تفعل وداد الآن؟ ربما تستحم بساقية عينيها على دورة الزمن وغدره. تفتح المضختين فتدفعان ما بقي من مياه النبع . - أحبك يا وداد ! تبتسم وتلوذ خجولة بكتبها، تنظر إليه وتتحاش الرد. - لماذا لا تردي، نفسي أن تقوليها ! - آه منك يا محمد، أتريد الكلمة أم الأحاسيس؟ دعني أحبك دون بوح، ودعني أتعذب فربما أنا أحب ذلك! ألا تكفيك ابتسامتي، هل تظن أن هناك فتاة تسكت إذا سمعت كلمة أحبك، إذا لم تبادله الشعور ذاته، ستقلب عليه الدنيا وتفضحه وتشتكيه، هل فعلت بك ذلك؟ لماذا لا تجيب؟ آه منك يا معذبي! مازال يحفظ كلماتها ودقائق تفاصيل وجهها وجمالها ومشيتها وابتسامتها. كانت تشعل فيه نار الشوق للقاء، كما تشعل الأزهار شوق الشجرة للثمرة، فلا يغيب عنها طويلاً، يعود ليخبرها أنه غير قادر على البعد ولو ليوم واحد، عنياه جمرتان، يسهر ليله يناجيها. سهروا حتى الثانية صباحاً ثم ناموا، لكن عمر لم ينم وكأنه سجين لأول مرة. مرت الساعات الباقية لإشراقة الشمس طويلة وثقيله. سلى ذاته ببعض الذكريات الجميلة التي تعود إليها كلما ازدادت الحياة قتامة. نبهته وصال إلى عدم اهتمامه بنفسه، يقرأ بشراهة أشبه بأكول أقبل على مائدة عامرة، طالبته أن يرحم جسمه، ضحكت وهي تحدثه، ثم جلست قبالته تتأمل عينيه الزرقاوين، عندها كلام كثير لم تقله، بلعته وقالته بنظراتها الساحرة. أجابها وهو يدقق النظر إلى شفتيها وابتسامتها الرائعة: - حتى القراءة تغارين منها، آه منك أيتها الغازية لذة أحلامي، الداخلة بيني وبين ذاتي، ليتني أتسلل إلى أحلامك وأشعل سراج عينيك ونسهر، فمن لا تهزه يد شامية، لا تهزه أقوى العواصف والعواطف. تطالبينني أن أصير كالآخرين، سأشكوك إلى أمك . - إذن وصلت إلى حقك ! ضحكت ثم تابعت : - آه لو سمعتك ماما لطار صوابها! لو سمعت غزلك لأمطرتني سيلاً من النصائح. " يا مو البنت إذا لم تتزوج غنياً تمضي حياتها باحثة عن المال، أما إذا كان المال بين يديها كالماء، ستبحث عن دروب السعادة الحقة، يامو الفلسطيني ماذا يملك حتى تتزوجيه " - أمك يا حبيبتي إنسانة عظيمة تبحث عن سعادتك بمفهومها، وهنا يأتي دورك، عليك أن تطلقي ألف زغرودة وتقولي بأن السعادة ليست نقوداً، والتي تملكه تراه شيئاً تافهاً وتبحث عن سعادتها بعيداً عنه. وزعت السماء شيئاً من غيومها البيض، في حين هبت نسمة باردة جداً من الشمال، البرودة تلسع الوجه والأذنين، فرك يديه ثم خبأهما في جيوبه، يريد استجرار الدفء لكنه لم يحصل عليه، ركض وأخذ بيده كمية من الثلج وقذفها تناولت كمية رصتها بيديها وردت على ضربته. ركضت ووقعت على الثلج، مد يده شدته فوقع فوقها، كل شيء فيها ندي. أنهضها وسارا على الطرف الأيمن من شارع بيروت المتجه إلى دمر، وصلا الربوة دخلا طريقاً ترابياً موحلاً إلى جانيه بيوت متناثرة، خافت زررت قميصها ورفعت كنزتها لتحمي رقبتها. تسللت قطرات الماء إلى جسدها. شعرت بالبرودة كادت يداها تتيبسان. أوقفت سيارة أجرة واندفعت داخلها، صعد إلى جانب السائق، ظل ملتفتاً إلى الخلف يحادثها، لكنها لم تكن مسرورة، البرد غزا مفاصلها وعظامها، انكمشت أشبه بقطة تبللت، ارتخى جسدها فأسندت رأسها إلى الخلف. نزلت عند مدخل البناية، شدته لينزل. صعدا وبعد أن فتحت الباب أحست بحالة انحطاط، ارتمت على الاريكة في الصالون، فتحت عينيها وحاولت الابتسام لم تقدر. زاغ بصرها، الأشكال تبدو أكثر رخاوة، أغمضت عينيها لتحتفظ بشيء من التوازن. أسرعت إلى المغسلة وضعت إصبعها في فمها وتقيأت. قبل ستة أيام ذهبا إلى الزبداني تزلجا ولعبا طويلاً، كادت رجلها تنكسر، عادت وهي مليئة بالحرارة والحيوية قادرة أن تستمر باللعب ساعات طويلة ولم تشعر بالتعب والدوخة، بل كانت رشيقة بشكل لايصدق. قالت تخاطبه: - أيام الثلج في بلادنا تنتهي بسرعة وقد لا تأتي في بعض السنين. هيا نتسابق ونتراشق، غداً سنتمنى نسمة باردة في آب وسنذكر هذا اليوم وغيره ونحن نتحسر على هذه الأيام. نسي تلك الأيام التي تأتيه كومضات. ألف بعد طول وقت طباع الرفاق وعرف قصههم، سعى لتنظيم الوقت والنقاش والسعي لحياة أفضل داخل السجن. إن ما أعطته سلطات السجون بعد إضراب الثمانين أخذته بعد تفريغ السجون من الرعيل المجرب نتيجة عملية التبادل التي حدثت العام الماضي وإهمال تجربة الاعتقال الماضية، كأنهم بدؤوا من نقطة الصفر دون الأخذ بالاعتبار المرحلة التي وصل إليها نضال الحركة الأسيرة خاصة التخطيط الشامل للنضالات الاستراتيجية التي تستهدف المطالب للجميع ... لخص المطالب برفض سياسة العمل المنتج وصيانة الأمن الداخلي والاجتماعي وإصلاح الذين لم يصمدوا أثناء التحقيق، وتحسين الطعام وظروف الزيارة ومدتها، سألهم عن المذياع والكتب والكراسات والأوراق ... فقالوا ممنوع.. كل شيء ممنوع ولا أحد يطالب بتحسنها. سأل : - ما الحل ؟ أجابوا : - عندك كل يوم يقعدون مساء متحلقين مستمعين إليه، اقترح أن يكون أبو ديب المسؤول عن التنسيق داخل الغرفة ومع باقي الغرف، قال أبو ديب: - أنا موافق، لكن لا أحد غيرك يمثل الأسرى ويتحدث باسمهم. من يوافقني. صاح الجميع: كلنا موافقون . ابتسم وشكرهم على ثقتهم، بدأ يلتقي في الفورة مع بعض الكوادر من الغرف الأخرى، سمت كل غرفة مندوبها، اجتمع المندوبون واقترحوا بأن يكون ممثلهم، نال هذا الاقتراح موافقة الجميع. سمع قصص التحقيق والأساليب المستخدمة التي تعتمد على تراكم الكم الهائل من المعلومات وتوظيف صور الطائرات، وتحديد القواعد وحركتها ...عاد إلى ذاته وسألها إن كان السجين الذي لا يملك خبرة قادراً على ترتيب أفكاره والإدلاء بمعلومات هامشية وينكر ماهو منسوب إليه ؟ عليه أن يقول لا فالأجهزة لاتملك سوى ما تستجره منه ذاته، حيث يقومون بدراسة التحقيق الأولي دراسة نفسية فيتم تسليط الضوء على موضوع معين، وهكذا في كل مرة حتى يجد الأسير نفسه قد أدلى على دفعات بكل ما عنده دون أن يدري. ماالذي يفعله عندما يعلق في الفضاء مرفوعاً عن الأرض، يداه تكادان تنفصلان من المفصل. في البداية يصر على الصمود، يشعر بدوار خفيف يزداد بالتدريج، فيتحول مسرح أفكاره إلى مطارق تدق في رأسه، يترنح وجسده صلب أشبه بالمشنوقين الذين رآهم معلقين في عمان وفي دمشق. عندها وصف الحياة بأنها قبيحة، تذكر العدالة المفقودة. أكثر من مرة شك بالجرم المكتوب على الصدر، ربما اعترف من الضرب ومثل الجريمة كما أوحت له الأسئلة كأنه ارتكبها ليتخلص من نار التعذيب، مادامت القاعدة العرفية تقول " بأن المتهم مدان حتى ولو لم يقم بالعمل، لن يجرؤ على تبرئة نفسه لوالتهم أوراق المصحف أو أثبت عكس ذلك ". باع الحياة بقشرة بصلة، المصير المحتوم جعله قوياً لا يتراجع، بصق عليهم عندما علقوه وعذبوه، قالوا له " ستموت هنا في المعتقل " كان يعلم أن للتعذيب نهاية. فقد علموه في حركة القوميين العرب أن يجيب بقدر السؤال كيلا يسمح للمحقق باستخلاص سؤال جديد من إجابته، وتعلم الصرامة والمركزية في التنظيم والتعامل والقواعد الحزبية الداخلية والتي أهمها تنفيذ الأوامر دون نقاش على قاعدة " نفذ ثم اعترض " ورغم أنه لا يميل إلى القوة في التعامل إلا أنها أعطته التحمل. تذكر أساليبهم الإغماءات المتوالية، التي تفقده الزمن، يصحو بعد أن يرشه أحدهم بالماء، يفيق ليجد الزنزانة مملوءة ماءً. هناك أكثر من شبر ماء، لا مصرف لها تتسلل منه. شعر بدوار بات معه الوقوف صعباً، استند إلى الجدار ورمى بثقله على الحائط، اكتشف أن بإمكانه فتح شق صغير تحت الباب، حاول باصبعه، جاهد لكن الأوساخ بدت أكثر قوة من عزيمته، أعاد المحاولة، ابتسم حين استطاع فتح ما يقرب من سنتمتر ما بين حديد الباب وأرضيه الزنزالة، المياة غادرت حتى آخر قطرة. شعر بحاجة إلى النوم. أسند رأسه إلى راحتيه وغفا، جاء من يناديه ويطلب إليه أن يعود إلى الغرفة. لقد انكشف أمر الإضراب، وسيبدأ مع صباح الغد حتى لا تستخدم الإدارة اساليب التعذيب والترغيب والترهيب مع بعض الأشبال الذين قد تدفعهم لإفشاله، رددوا بناء على رأي عمر الكلمات التالية " الإضراب منذ الصباح الغد ". في حين ساد جو من الهرج، أمر مدير السجن إنهاء الشغب وإعادة السجناء إلى غرفهم واختصار فترة الفورة، وعدم إخراج الدفعتين الباقيتين، ففي عسقلان اربعمائة خمسون معتقلاً، يخرجون إلى الفورة على ثلاث دفعات متساوية. أمر هايمن كلاً من تريدنوا وزيتون للسيطرة على السجناء ومنعهم من الشغب وعدم نزول الموظفين وطاقم السجن إلى بيوتهم ووقف الإجازات حتى يتضح ما يبيته المعتقلون فعله، لم يفلحا في إعادة الوضع إلى ما كان عليه، أرسلا مجموعة من الحراس في مقدمتهم عمانوئيل والممرض يودا، أماموشي بن مؤام فقد أعلن عبر مكبر الصوت أن الإدارة لا تسمع بالشغب، وأن على السجناء العودة إلى غرفهم. كرر هذا الأمر مرات عدة .... رن جرس الهاتف في مكتبه، تناول السماعة ورد : - نعم سيدي، سأفعل ما تأمر . نادى على تريدانو وزيتون وأبلغهما أوامر حيوت المشددة للمرة الثانية بإنهاء فترة الفورة بأسرع ما يمكن " استخدموا أساليب العنف التي ترونها مناسبة" جمع الشاويشان كل الحراس وهم مدججون بالسلاح، رموا أربع قنابل دخانية وقنبلتين مسيلتين للدموع، وأطلقوا العيارات النارية في الجو وفي الساحة، مما أدى إلى القضاء على حركة الشغب والتمرد، بينما ظلت مظاهر العنف والتحقيقات وإطلاق الرصاص الحي في السماء طوال الليل . صباحاً رد المعتقلون الطعام وأبلغوا الإدارة عن طريق الحراس الموجودين على أبواب الغرف ومذكرة خطية موجهة إلى مدير السجن تحدد المطالب وبداية الإضراب الذي اطلقوا عليه " انتفاضة المعتقلين عام ستة وثمانين "، عندها أخرج الشاويشان إلى الباحة عدداً من السجناء. نادى تريدانو على عمر وعندما صار في وسط الساحة صدرت ضحكات من الجنود، التفت حوله و أدرك أن أمراً ما يهيئونه، أمره الشاويش بالركوع فرفع رأسه عالياً، أمره ثانية ، عندها رد عليه: من أنت أيها الوقح الغبي ياسجان النور والمعرفة حتى أركع لك، أنا لم أتعلم ذلك بعد ولن أتعلمه! - اركع لأنك عندما تفعل ذلك تؤدي جزءاً من الدين الذي عليك أن تؤديه لإسرائيل التي أبقت على حياة أمثالك أيها المخرب الوقح . - حياتي جزء من حياة شعبي التي لن تنتهي بقرار أو أمر منك . هجموا عليه، تصدى لهم بالملاكمة فأردى أربعة أرضا، فما كان من الممرض يودا إلا ضربه على مؤخرة رأسه فوقع على الأرض يسبح بدمائه، حاول السجناء الذين في الباحة الدفاع فما كان من الحراس إلا التصدي وجرح معظمهم. عندها بدؤوا يرقصون ويغنون ويمارسون الضرب على أنغام رقص الفالس. ظهراً قدموا الطعام فرده السجناء كعادتهم في الصباح، قرر مدير السجن أن يلف على الغرف ويعلن حالة الاستنفار القصوى وإبلاغ مدير السجون المركزية شاؤول ليفي. ألغى مجموعة مواعيد بينها موعده مع لبيبة، أما هايمن فلم يتمكن من إلغاء موعده مع غراسيا، حاول النزول لكن طلبه قوبل بالرفض. غراسيا ستبكي حظها وستدمع عيناها التان لا تتعبان من الدموع، كيف أحبت سجاناً؟ هايمن ليس أكثر من ذلك! سجان وسجين لايملك من إرادته شيئاً ... ستنتظره وتترقب خطواته وقرع الباب، لكنها عندما تتأكد بأنه يأتيها تبصق على صورته وتقول في نفسها، هذه هي الحياة هنا، حياة لا فرح فيها، حياة بؤس وتشرد! عندما يأتي ستبرم وجهها، ليعتذر ويقبل يديها وقدميها وهو يحاول استرضاءها قائلاً : - هذه حياتنا يا حبيبتي، أمرنا ليس بيدنا، حياة لا طعم لها، الفرح فيها هارب، لكن ماذا نفعل ؟ - أنت نائب مدير السجن وتقول هذا، فكيف العنصر العادي، دعنا نغادر إسرائيل الحرية أثمن شيء في الوجود علنا نجدها في بلدكم ! حاول أن يلغي درجة الاستنفار القصوى، لكن حيوت رفض بشدة وأمره بتنفيذ القوانين " أنت عسكري يا هايمن لا تنس ذلك ". أدى التحية وغادر على مضض، أُغلقت الأبواب الخارجية، وبدأ المدير التنكيل بالمضربين. في هذا الوقت، تم إحراق البطانيات، فتراقصت النيران، أقسم حيوت أن ينتقم، اتصل بجهاز الإطفاء المحلي والمركزي، وأبلغ مدير السجون ووزير الداخلية، بعد أربع ساعات جاء شاؤول ليفي واجتمع مع عمر القاسم، وأمر بنقل الجرحى إلى مستشفى أسافا هاروفيه في الرملة. بعد أيام جاء إسحاق نافون فطلب حضوره، بعد دقائق كان يجلسان في غرفة مدير السجن ولا أحد سواهما، قال نافون : - سيد عمر أنا وأنت من مواليد القدس، ربما أكبرك بعشرين عاماً، فأنا فيها حتى قبل أن يسكنها والدك، نحن أبناء مدينة واحدة ودولة واحدة، وسياسي مثلك يعرف أنني انتمي إلى تجمع المعراخ وعضو في الكنيست لأربع دورات متتالية السادس والسابع والثامن والتاسع، لا شك في أنك تعرف مكانتي في إسرائيل . أنا أحترمك سيد عمر وأريد أن أصل معك إلى حل يرضينا. أنت كمن في وسط بئر لا الحبل قادر على إنقاذه ولا هو قادر على النزول، لا أريد أن أحدثك عن جماعتك الذين رفضوا إدراج اسمك في قوائم عملية التبادل ولا عن أشياء كثيرة تعرضنا لها، هؤلاء لا يهمهم سوى المناصب وعندمت يتضايقون لن يجدوا سوانا لنتفاهم معاً، فدعنا نبدأ الخطوة الأولى، أنت ممثل عنهم وأنا ممثل عن إسرائيل، وإن شئت أن نتحدث كمواطنين لامانع عندي فأنت مولود في عاصمتنا. أنتم حرقتم البطانيات وهذا عمل يتنافى مع الإضراب. أنا سأقف إلى جانبك فقط أطلب منك التفكير بعقل والعودة عن الإضراب والاعتذار عن التخريب الذي قمتم به، وتتعهد بعدم القيام بأي نشاط سياسي مقابل الإفراج عنك والسماح لك بالإقامة أينما شئت حتى في القدس فهي ترحب بك ... لا تجب فكر، أنت تعرف بأن العمل التخريبي لم يعد يخيفنا، نحن من مبدأ الشفقة نعرض عليك حياتك وعملك، وإن شئت الهجرة نساعدك على ذلك، وأنا شخصياً أتعهد بتكاليفها. أنت مثلنا تدين الإرهاب. إياك أن ترفض عرضنا، ترفض الفرصة الأخيرة لنجاتك! - يتعبرني السجناء أباً لبعضهم وأخاً لبعضهم الآخر، فإن شئت أن تطلق فسراحنا جميعاً، هل يعقل أن يترك أب أولاده؟ أنا لا أفعلها ! وإن وجدت أباً فعلها فهو ليس أنا بالتأكيد. سيد نافون لك منصبك وعرشك ولنا سجوننا، لا تظن أن شخصاً مثلي يمكن أن يساوم إذ لم يعد يهمني مصيري الشخصي. لا تظن أنني لا أحب الحياة والحرية ولا أكره السجون، صدقني لا أحد في العالم يحب الحرية مثلي لكنني لا أساوم ! إن كنت تريد إطلاق سراحي دون مقدمات فأفعل دون شروط، وإن شئت إطلاق سراح غيري فافعل، وإذا لم تفعل فإنك جئت ترى مآسينا وتتشفى وتضحك! إنكم تسجنوننا، تعتقلون أجسادنا أما أفكارنا فهي تعيش حياتها حتى داخل سجونكم وهي ميدان شرفنا. حياتي وما تبقى منها أوقات مرهونة للآخرين، تريد إخراجي بعد ما سمعت لا أظنك فاعلاً؟ فأنا لا أنفعك في شيء ولست فرس رهان! عد أيها الرئيس فأنت تستطيع أن تساومني، لكن الشخص الذي أمامك غير قادر على مساومتك، أسألك هل لدّي ما أساوم عليه سوى كرامتي وشرفي ولا أظنهما قابلين لذلك ؟! نظر إليه تراجع إلى الخلف وعاد إلى الزنزانة وهو مبتسم، بينما إسحاق نافون ظل ذاهلاً دون أن ينبس ببنت شفه. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |