|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 12:36 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
- الفصل الثاني والعشرون اقتربت سنة سبع وثمانين من نهايتها، في حين بدأت الغيوم تتحدث بلسانها وقلبها، وما فيهما، يخرج شرراً وطبولاً، المطر ينهمر، ترش به الحقول. الغيوم قطن ونعاج سارحة تتمازج بالأيدي ثم تتفرق. الرياح تنفخ في قصبة مثقوبة، تعطي الحركة لغمامات تائهة. المزن تتحرك في السماء، أما على الأرض فقد منعت السلطات الإسرائيلية التجول، منعت الغيوم التي ترفع يديها إلى الأعلى من الصياح والهتاف، لا شيء يطاول السماء سوى إطلاق عيارات نارية. ممنوع على الغيوم الكشف عن قلبها والتحدث أو حتى الضحك والتشاجر، تراكضت وتحول البرق والرعد إلى لطخ دماء على الشوارع. لا شيء يعلو على مرحها وابتسامتها ولحنها الأزلي. بضعة أطفال فقدوا في الشوارع ماتوا من الرصاص وبعضهم اختنق نتيجة القنابل المسيلة للدموع، وكما تعانق الغيوم الأفق وأعالي التلال، عانقت الشوارع الأطفال لكن عناقها طال مع بعضهم طال إلى حد منعهم من الحركة ومن التنفس وترك آثاره دماء على مكان العناق . دبكت الغيوم في الشوارع وهزت خصرها، وارتفع الرعد مدوياً ماداً الخضرة والجمال، وظلت فرحةً بالأمواج التي تنزل إلى الشارع، مدركه أنها الانتفاضة لأن لموجتها روحاً لا تنتهي. هتفوا: - يسقط الاحتلال، بالروح والدم نفديك يا فلسطين، بالروح بالدم نفديك يا شهيد. الانتفاضة حياة حرية لا تأتي هي في ذاتنا، فإن كنا غير قادرين على كشفها أمام الشمس الساطعة، سنظل غير قادرين على صنعها وغير جديرين بها ... ستظل بلا لسان، بلا أفق وبلا عقل، كسيحة تجري في الشوارع على غير هدى. اقترب السجناء منه يحدثونه عن تهمهم ونضالهم، فهذا رامي زيدان الذي قام بإدخال أسلحة إلى مدينة نابلس ورجا السبعاوي المتهم بالتسلل والاتصال مع خلية يقودها أبو صبري والتخطيط لعمليات والاتصال بشخصيات وطنية، وإبراهيم الأخرس في السنة الأخيرة لطب الأسنان أعتقل مع ثلاثة كانوا في بيته بحجة تنظيم اجتماعات دون إذن مسبق من سلطات الاحتلال. كلهم في سجن الرملة المدني، يعيشون مع اليهود المجرمين الجنائيين . في السجن كل شيء متوفر، حتى التلفاز والراديو والمسجلة والفيديو، أدوات النظافة جاهزة الأكل جيد وكأنك وسط بقالية أو " سوبر ماركت " ...ظن بعض السجناء أنه يهودي فلون حدقتيه و طوله ولكننه أثناء الكلام عوامل شجعتهم على هذا الاعتقاد، سألوه فأجابتهم : - أنا لا أنظر للإنسان من منظار ديني بل من منظار إنساني، أنا من مدينة القدس، ألقي القبض عليّ وأنا في طريقي إلى بيت أهلي في حي الشيخ جراح، مازالوا يعيشون فيه. " مدينتي خلقها الله أنيقة جميلة لحظة شروق الشمس، مفتوحة لكل الناس، الديانات تتآلف وتتعانق لتكون جسداً واحداً. لوحة كتبت تاريخ الأمم وظلت تبتسم رغم الاحتلال، تقول بأنها عصية وتؤكد هذه المقولة باستمرار. مازالت هاجعة في جمجمتي بقبابها ومآذنها الرشيقة، شوراعها التي تغذت من أوردتي، وحاراتها الرطبة من باب حطة والعمود حتى حارات الأقليات الواقعة إلى الجنوب والغرب. طرقها مستقيمة وأحياناً متعرجة حسب مسير الأودية وتجاه الجبال التي احتفضنت المساكن الفاخرة من وادي الجوز وجبل سوبكس حتى جبل صهيون والمكبر جنوباً، الحي الذي سكنته كان منطقة توسّع، إلا أنه الآن ملتحم بالمناطق المجاورة كالجامعة العبرية في الشرق وحي سانهدريا اليهودي في الغرب الذي بني وأنا في السجن " أصغى السجناء اليهود لحديثه وانقسموا إزاءه إلى فريقين، فريق اعتبره " مخرباً " و آخر اعتبره أخاً مادام سجيناً معهم. أما هو فقد أظهر حبه لتعليمهم وتثقيفهم، فازداد عدد المحبين وقسم دروسه إلى مجموعة مواد هي لغات، مجتمع، سياسة واقتصاد ومعالجة مشاكل. درّس أربع لغات العربية والعبرية والإنجليزية والفرنسية، وبلغ عدد الذين يتعلمون على يده أكثر من عشرين، في حين كان أربعة جنائيين يخططون لضربه وقتله، ذات مساء تحلقوا حوله. كان بيد أحدهم سكين، هجم عليه، كان قاعداً وبحركة من قدمه استطاع أن يلقيه أرضاً، خلصه من السكين فلاذ الثلاثة في زاوية الغرفة، تدخل باقي السجناء وأنهو كل شيء دون أن تصل إلى إدارة السجن. ومع ذلك جاء أحد الضباط يطلب المتخاصمين من عرب ويهود، وعندما ما لم يجد له له منفذاً قال كلمته: جاء أحد الضباط يطلب المتخاصمين من عرب ويهود، وعندما لم يجد له منفذاً قال كلمته: - اذهبوا فالشيطان بينكم ! صاروا يذهبون إليه كل واحد يريد أن يأخذ دوره في التعليم، والذي لا يحب التعليم يبحث عن الرياضة. عمل فريقي كرة سلة ويد وفريقاً للمصارعة، ومن لا يحب شيئاً من هذا يتأمل شخصيته ويستغرب وجوده بين " المخربين ". خاض نقاشات معهم حول التوارة وأرض الميعاد وحق الشعوب في تقرير مصيرها. شرح لهم عن القوانين التي لا تعرف الخطأ ولا الشواذ وعن الظاهرات الموجودة موضوعياً والتي لا تعتمد على إرادتهم ووعيهم. تدخل عوزي وقال: - ما الذي عرّفنا بذلك لولا وجود الفكر، ما فائدة وجود الكون دوننا؟ الله سخره لنا، لولا وجود الإنسان لما وجدت القوانين! - يا سيد عوزي الإنسان اكتشف القوانين! شرح له الأضداد والسبب والنتيجة وإرادة البشرية في تطور العالم.. وعندما وجد نفسه محاصراً لا يستطيع الاستمرار في النقاش، شتمه وطالب مقابلة ضابط الإدارة الذي نقله إلى مدير السجن وهناك أخبره بأن المسمى عمر القاسم يحرض الجميع ويشرح عن العلم والمعرفة ويصفنا بأننا عدوانيون . - جيد سيد عوزي أنا سأطلب إعفاءكم من ثلثي المدة، توكل على الله وأخبرني بكل جديد. أريد أن أراك مرتين في الأسبوع . استدعى مدير السجن عمر، دخل فسأله وطلب منه أن يجيبه بصراحة. حدق به عمر القاسم وأجاب: - هل هذا تحقيق ؟ - إنه حوار ديمقراطي، لا تنس أنك في إسرائيل تستطيع الإدلاء برأيك دون أن يؤثر هذا عليك شيئاً ! في البداية ما رأيك بإسرائيل ؟ - كل ماهو قائم على العدوان والاغتصاب زائل مهما يطل الزمن حتى لو أوهم العالم بالديمقراطية وقال بأنه بلد الحريات. المستقبل آت لكن يظل السؤال دون إجابة كيف يكون؟ !وكيف يكون إنساناً حراً إذا اغتصب حرية الآخرين! - ربما لأننا لا نجلس معاً ونحل مشاكلنا ؟ - لتفرضوا ما تريدون، إرادة الأقوياء على الضعفاء! كيف نجلس وأنتم ترفضون الاعتراف بإنسانيتنا وتغتصبون أرضنا وتسجنوننا، مثلاً هل تعيدون اللاجئين إلى بيوتهم؟ هل تعطون أهالي الضفة الغربية وقطاع غزة الاستقلال. هل ... وهل ؟ - سيد عمر أنت تذهب بعيداً، فكر بواقعية ومنطق! هل هناك من يكره أن يعامل كإسرائيلي له حقوق وعليه واجبات ؟ أدعوك للعودة إلى ضميرك وتعلن أمام الجميع بأنك مواطن إسرائيلي فأنت من القدس ... القدس عاصمتنا الأبدية. أنت إسرائيلي حتى في شكلك! - بهذه البساطة، لا أعرف هل تضحك عليّ أم على نفسك، أنه كلام يفتقر إلى الاتزان! ضم عوزي إلى تكتله سيمون وشاليف من روسيا البيضاء وزخرون من الأجنتين، أما الباقي فقد استنكروا أية محاولة للاعتداء أو التحرش. تقدم عوزي من عمر وطالبه بدفع ثمن الزاوية التي اختاروها داخل الغرفة. طلب بكل وقاحة أجرة مبيتهم و إقامتهم في السجن على كل أن يدفع ألف شيكل شهرياً، قال : - هذا السجن لنا، عليكم أن تؤمنوا هذا المبلغ وتدفعوه حتى آخر الشهر! لم يردوا لكنه ظل يحاول التحرش، جن جنونه يريد أن يكسب ثلثي المدة ويخرج من السجن ويمارس حياته، لا يهمه من عمر سوى أن يكون موطئ قدم للارتقاء ثم الخروج من البوابة الخارجية. عوزي طالب في كلية الحقوق تناول المخدرات وانحرف عن طريقه، وحتى اللحظة فإنها مازالت تصله إلى الغرفة بأية طريقة وكيف، لا أحد يعلم ؟! حتى جماعته الذين انضموا إليه يزودهم بها بثمن بسيط، إذ تدفع الإدارة له الفرق .... لم يسئ عمر علاقاته معهم نصح الذين يغادرون السجن بقوله: - السجن ليس مؤلماً أكثر من خروج الإنسان منه دون أن يعرف ما يريد! تابع أخبار التلفاز، القدس ساحة حرب، مواجهة، حجر يقابل بندقية. نابلس فرس تكر، بحر أمواجه الشبان ونهاره ثوب مطرز لفتاة لم تلد بعد. في الخليل الهتافات لها حضور، توهج عطاء. العشاق يرفعون أصواتهم، الأفواه تبتسم يرسمون بمظاهراتهم الحرية. يصنعون تمثالها من الحجر. رجل يرفع يده إلى الشمس ويأخذ منها وما يقذف به اعداءه. له رقبة متطاولة ومن يده الأخرى ينثر الأبجدية كالرذاذ فوق سهول العالم وجباله. فتح الطلاب بوابات مدارسهم خرجوا ولحقهم الصغار، ارتفعت اللافتات، طوقت سيارات الشرطة المدن. انفجرت القنابل الدخانية والصوتية والمسيلة للدموع، تراكض الناس وتحولت المدن إلى متاريس، المتاريس أكوام حجارة، حدث هذا في أيام قليلة. ظنت إسرائيل أن الذي حدث أمر طبيعي. بالقمع سينتهي كل شيء . تساءل بينه وبين نفسه، هل يمكن أن نطلق على ما يقوم به الصغار ومن خلفهم الجماهير في الضفة الغربية وقطاع غزة اسم الانتفاضة؟ وهل حان وقت تحقق الأهداف التي نادى بها بعد تسعة عشر عاماً من سجنه؟ إذا كان ما حصل منذ أيام كما توقع، فإن الشعب يسير في طريقه الصحيح. اقترب منه رامي زيدان وقال: - ما بك يا عمر حدثني؟ - كل شيء في العالم يتغير ولا بد لشعبنا من المواجهة، أنا سعيد بالأخبار التي سمعها ألم تر مانقله التلفاز وما سمعناه من الإذاعة عن التظاهر والعصيان الذي يقوم به الشعب ضد المحتل. غاص في عالمه الداخلي إذا كان ما قاله حسان في رسائله حقيقة فإننا في وضع صعب، أمة تحفر قبرها، هل يعقل أن يكون السجن هنا أفضل من الخارج. يعيش في معتقل كبير، ربما هذا من قبيل التخفيف عنا. إذا كان حقيقة فعلى العرب السلام. جاءه كابوس، أفاق هلعاً، غسل وجهه وبقي ساهراً إلى الصباح. عندما يكون الظلام في الخارج وفي الداخل لا شيء إلا ويستحضره، تذكر كل مكان ذهب إليه مع وصال، رفرفت روحها الندية وأخذ يتأمل تقاطيعها وهو يضع يده على عينيه. الأمة بحاجة إلى شخص يتزوج وينجب ويأكل ولا يفتح فمه لغير الطعام. إنها ليست بحاجة إليه، العرب غير قادرين على وصنع أحداث جديدة تتخطى ما رسم لهم في سان ريمو. تذكر كيف يصفق الناس بشدة للخطابات، وكيف تعيده الإذاعة وتنشره الصحف وفي اليوم الثاني تورد فقرات منه، وفي اليوم الثالث والرابع والخامس تحلل فقرات أخرى، ثم يتحول القول إلى قرآن كريم، عندما يتأكد من أن أجاد لعبة اللغة يتحول إلى لعبة أخرى هي لعبة السيف وإغلاق المدارس وفتح السجون أو وضع سياج على الحدود مع لافتة كبيرة تدل على الأسلاك الشائكة. في الأيام المنصرمة لم يفكر في أن رفاقه الذين عاشوا معه سنوات طويلة سغادرون دفعة واحدة ويبقى هو، لو أن غجرية ضربت بالحجارة أو بالمندل أو الفنجان لتقرأ بخته وقالت له ذلك لما صدقها، حفرت كلمات مدير السجون شاؤول ليفي في قلبه مجرى لن يندمل. ماذا سيقولون لأمه إذا سألتهم؟ كيف سقابلونها إذا رفعت يديها وقالت : - اشتكيتكم إلى الله، يخرب بيتكم، تطالبون بإخراج السجناء ومبادلتهم ولاتطالبون بابني، والله إسرائيل ما عملت عملتكم السوداء، اذهبوا عن وجهي، اغربوا كلكم كلاب خنازير لا أريد أن أرى أحداً. الموسيقا الجنائزية تدق في رأسه تخترقه، أخذت ترتفع مترافقة مع توتره العصبي. قال له حسان في آخر ليلة قضاها معه : - اعذرني ياعمر لا أستطيع أن أرى أحداً من أهلك، ولا من أحبابك وخاصة وصال وعبلة . هل أذهب إليهن بلا وجه؟ أين أخبئه " أخبرني كيف أقابلهن وأنا بلا وجه؟ إذا صرخت وصال في ّ وقالت: أين عمر، فعلتموها يا أولاد..! إذا أغمي عليها كيف أتصرف؟ أنا خارج من هنا بلا لسان. عبلة رفيقتك كيف أنظر إلى عينيها؟ ستسألني أين عمر يا حسان؟ أنت تضعني في موقف محرجة. ليتهم يبقونني معك أهون ألف مرة. لكن أعدك أن أرسل لهم من يطمئنهن، وإذا استطعت أن اتجه إلى بيتكم سأقابل أمك ولكنه ليس وعداً ؟ - اترك العواطف يا أخي، ستذهب إليهن جميعاً بوجه أو دون وجه، راكضاً أو زاحفاً هذا أمر يخصك. الآن دعنا نناقش موضوع الثورة من الداخل ضد إسرائيل، هذه أمانة أخرى عليك أن تحملها وأنت مرفوع الرأس، أريد أن أسمع بعد سنة أو أكثر قليلاً كيف خرج الشعب إلى الشوارع يقول لا! عاد يتذكر قول مدير السجن: - أنت تكابر ... افعل ما شئت وافرح لبقائك في السجن على طريقتك الخاصة، لكن ثق لو كنت إسرائيلياً، وكنا في موقفكم لكان اسمك في رأس القائمة ويحمل الرقم واحد، الآن سأتحدث بلغتكم وأقول لك، لقد ناضلت كثيراً لكن هل هناك من يسمع ويقدر؟ تمالك نفسه ليبدو قوياً، سار باتجاه الغرفة ترنح وهو ماش. قعد على الأرض وعندما شعر بدوران شديد في رأسه استلقى، تركوه يرتاح، تمدد على الفراش. اجتمعوا حوله قرأ الحزن في عيونهم. قال: -ما بكم وكأنكم ستخرجون إلى جهنم! سنفرج عنكم، هل هناك فرح أكثر؟ هل هناك أقدس من الحرية؟ هيا احتفلوا اضحكوا، إنه ألم بسيط في معدتي ولا شيء يزيله سوى فرحكم ومرحكم. ما زال يتذكر كلمات أم الياس حين تقدم منها، قبّل يديها وقال: - لن أتأخر ثانية يمّا! - هذا ما تفعله بعد غياب ليلة كاملة، كلمات تضحك يها عليّ! ابتسم وقال في نفسه أنت محظوظ يا عمر، الناس لها أم واحدة أما أنت فلك أمان، كيف أحبته أم الياس إلى الدرجة الجنونية، تسهر ليلها حتى يعود. يعقد اجتماع القيادة في بيتها البعيد عن المراقبة والأنظار ، تعلم أهمية الاجتماعات تظل تحرسهم. في آخر أيامه في القدس طورد وهذا ما أخافها، إذ صارت تنتظر مجيئه على آحر من الجمر، رآها ليلاً تبكي، لم تتناول الطعام، رأته فمسحت دموعها وكأن شيئاً لم يكن، قالت: أنا فرحة بقدوك، أنا لم أبك أبداً يا ولدي. أعاده صوت رامي إلى السجن، ابتسم وقال له: أنا جاهز يا صديقي، ألسنا سجناء معاً! يخلق السجن شروطاً إنسانية، تزداد العاطفة، يتذكر بعضهم حسنات بعضهم، يبدأ كل واحد بإيجاد مناخ خاص به، يخلقه يبتدعه إلى درجة أنه يستعيد كل كلمة من حياته. اقترب يوسيف جاكوب وصار بمحاذاة القاسم. ربت على ركبته بفرح وأبدى رغبته كمشارك بالنقاش الذي يفتح أمامه مجال التخلص من وحدته. مال إلى أذن عمر يطلب نصحه : - كيف سأتغلب على صعوبات الحياة دون تعاطي المشروبات وفي مقدمتها العرق؟ قالوا بأن حياة رائعة تنتظرنا، الجنة في إسرائيل ومن لا يهاجر سيظل في جهنم، وصفوها بلاد رفاه. الدولة تعطي البيوت وتؤمن العمل، غادرت وطني الدانمرك، تركت أهلي في مدينة كوبنهاجن المرفأ الذي توسد مضيق السوند، هناك لا حرب ولا اعتقالات، العمل بسيط والدخل كبير والحياة تضحك لنا، ضحكوا عليّ وجئت إلى هنا. حضرت حربين، أُصبت في رجلي ،قررت العودة إلى بلدي لكنني لا أملك النقود الكافية، بدأت طريق الانحراف فأخذت الخمرة تعشش في رأسي وفي عروقي. لم أستطع التغلب على صعوبات الحياة دون الشراب الذي يجعلني أفقد ذاتي. صحيح السكر يدمرني ويجعلني خرقة بالية، إنساناً لا يفكر إلا بالهروب، لكنني لن أتخلى عنه وأنا هنا ... بعد عامين أخرج من السجن عندها سأجمع نقوداً كافية وأعود إلى الدانمرك، بلاد الثلج والبرد والشتاء الجميل، هناك نقاط المطر موصولة مابين السماء اليابسة. قهقه وهو يتطلع إلى عمر فأضاف: - عزيزي أنت من الدانمرك، عيناك طولك، شكل وجهك، صدقني إذا ذهبت إلى هناك سيظنونك بأنك مولود فيها، لكنك تقول إنك سجين مدى الحياة، وهذا ما يزعجني. آه. كان بودي أن ترافقني ونصير أخوة، لي شقيقة هناك ستحبك وتتزوجك، في الرسالة القادمة سأحدثها عنك، هل ترى صورتها سأحضرها من هناك . ترك عمر وبدأ يبحث بين الأوراق وفي محفظته الخاصة حتى وجد الصورة، إنها صورة فتاة يبدو أنها لم تبق جمالاً لغيرها "حنانية" وهذا اسمها، رفضت القدوم معه قالت : - الإنسان العاقل لا يغادر وطنه، هنا عشنا وأنا أحب الناس الذين أعيش معهم. لن أهاجر يا يوسيف. لم يعلق على كلامه بل كان يرثي لحالته ولإقدامه على طعن سيدة ومحاولة سرقة منزلها، حاول يوسيف تغيير الجو، نظر إليه وقال: - صديقي عمر أقولها صراحة، إن إهانة سياسي بسبب أفكاره ومبادئه أو اعتقاله للحظات استهتار بالقيم الإنسانية. ستظل حقوق الإنسان في خطر ما دام هناك أناس يضطهدون ذنبهم الوحيد أن لهم رأياً مخالفاً للسلطات الحاكمة، أو أنهم يناضلون ضد عدو مغتصب للأرض والتاريخ. مساءً كعادتهم أداروا التلفاز، توالت أخبار الانتفاضة، المظاهرات مقدمة للعصيان المدني، طلبه المدارس يحتلون الشوارع، الأمهات يزغردن يقدمن أطباقاً من الحجارة، معارك حقيقية. الانتفاضة تفتح الستارة التي تحجب الشمس والنور، الليل يلفظ آخر أنفاسه، يخب الخطا صوب نهار يفك أغلاله من أعماق العتمة، ارتفعت أمواج بحر غزة الذي لم يعد رهين جنود الاحتلال، إنه الآن قادر على افراغ قوته على الرمال، وإعطاء الشمس حقها من المياه لتبلل شفتيها وتنهي عطشها، مياهه تتحرك كجسد فتاة رشيقة، أمواجه امرأة مراهقة، الغيوم تسيح وتعانقه في حركة زمانية لا تنتهي. المخيمات هناك خرجت إلى الشوارع تهتف " الحرية " . نادى العسكري عليه بصوت قوي ثم أردف قائلاً: جهز نفسك للزيارة هذه الزيارة توقعها منذ ثلاثة أسابيع، بسرعة حلق ذقنه وسوى شاربيه وارتدى ثيابه الجديدة. وجلس ينتظر قدوم العسكري، الشمس مبتهجة والرفاق منشرحون، كل شيء رائع مادام سيرى أمه الزهرة التي تبخرت دموعها في عالم النسيان، ولم يبق إلا لسانها وقلبها اللذان تمردا على الموت واليباس، اختفى بريق عينيها وتحولت تقاطيعها المرحة وجاذبيتها إلى سحناء ذاوية خاوية، شفتاها تلوبان تطلبان الماء كلما فكرت به، ويداها يابستان. ابتسامتها تحمل غصة، مضطربه، نظراتها جامدة تطيل التفكير، تسرح يخبرها : -يمّا لا تتعبي نفسك، لا حاجة إلى ما تفعلينه، هل يعقل أن تظلي تحرسينا طوال وقت الاجتماع مرة أنت ومرة أم الياس. - عندما تصير أباً ستعرف كم من الحب يحتاجه طفلك! لو كان بيدي أفتح قلبي وأضعك فيه. يدفن وجهه في صدرها. - كفى يا ولدي تريد أن تبقى مدللاً، تسلم يا حبيبي! لحظة رن النداء في أذنه أصابه دوار خفيف عكس ما كان يتوقع، مواقف لا تخصى تعرص لها. كلمات الضابط ذكرته بذلك :" لا تنفعل (يباسة) الرأس، يمكننا أن نكون أصدقاء، تقدم لنا معلومات، ونحن نتكفل بمصروفك، مقابل معلومات تافهة .... لا تزعل لانريد شيئاً منك فقط تأتي آخر الشهر وتقبض مساعدة، إضافة إلى مسدس تضعه على خاصرتك، يزيد وزنك وتحقق احترامك، تمشي دون أن يستطيع أن يقول لك أحد كلمة واحدة، وسنسمعك وننصت إليك " . أجابه: - جئت بناء على دعوتكم لا أشكو من شيء، عينت مدرساً في بيت صفافا وأنتم بصفتكم الجهة الأمنية التي طلبتني عليها أن لا تهينني، هل جئتكم أطلب العمل ذات يوم ! نظر المحقق إلى وجهه، صحيح إنه قاس وعنيد ويستحق عقوبة المنفردة، رن الجرس فجاء عسكري أعطاه الأمر بوضعهفي الزنزانة لإشعار آخر. دفعوا أبا أشرف إلى الغرفة وأغلقوا الباب، الكدمات تملأ وجهه، نظر إلى الموجودين سلم عليهم واقترب من عمر حدق به وقال له: - ألست عمر القاسم؟ - بلى! - ونظر إليه ملياً وقال: - وأنت صاحب كازية النجاح الواقعة على الطريق رام الله القدس. تعانقا ثم جلس إلى جانبه يحدثه عن ظروف اعتقاله. جاءت دورية إسرائيلية لتعتقله، توقفت السيارة، قرعوا بابه، خرج بالمنامة ووضع عينه على منظار الباب، فرأى جنوداً مسلحين، بسرعة عاد وبدل ثيابه. توالت الطرقات مع محاولات لخلع الباب، كلمح البصر ارتقى الدرج وقفز إلى سطح المنزل المجاور ومنه لسطح آخر. بينما اقتحمت الدورية بيته، فتشته وعبثت بمحتوياته فلم يجدوا شيئاً. أفاق الجيران على أصوات القرع، أحاطوا بالسيارة، أحس أفراد الدورية بالخطر. سددوا بنادقهم فتراجع الناس، في حين بدأ الصغار بضربها بالحجارة، ارتفعت الصيحات تنادي الناس بالهجوم على أبناء الكلبة ! تناول الجندي البندقية وأطلق عدداً من القنابل المسيلة للدموع، عندها وصل الخبر كل بيت. ارتفعت أصوات النسوة وأصوات تنادي الله أكبر، بدؤوا بوضع المتاريس في الشوارع خرقوا الإطارات العامة وارتفع الدخان في الجو. أبو أشرف يغلق محطة الوقود نهاراً بوجه السيارات الإسرائيلية ويفتحها ليلاً تأتيه سيارات الصهاريج الصغيرة و " الطنابر " تتزود وتعبئ المازوت لتوزعه على البيوت... لم يستطع أن يظل مختفياً، ستأتي الصهاريج وسينتظره أصحابها، الناس سيموتون من البرد إذا لم يتزودوا بالوقود ماذا يفعل ربما يأتونه ويمسكونه! تشجع وقال بينه و بين نفسه ليأتوا ما فائدة التخفي إذا كان الناس بحاجة إلى هذه المادة، ماذا يقولون ؟! اتجه دون إبطاء إلى الكازية، فتحها وبدأ يوزع المحروقات. كانوا يراقبونه عن بعد، اقتربوا منه، لم يتحرك، وصلوا إليه وهو مازال يبيع، قبضوا عليه وأوثقوه وأمروه بالتوجه معهم. رموه في السيارة بعد أن عصبوا عينيه. قذفت السيارة خلفها الطريق المعبد وكل الماضي الذي حمله حتى هذه اللحظة، رمت خلفها القدس ورام الله، لا يعرف إلى أين وصلت؟ إذ بعد زمن قصير وجد نفسه في معتقل يجهل اسمه، قادوه إلى المحقق الذي سأله : - لماذا تبيع الأهالي؟ ولماذا لا تفتح المحطة نهاراً؟ أنت مضرب، أنت " مخرب " سنحاكمك وفق القوانين المرعية. بعد ساعات من التحقيق الأولي جاء أمر تحويله إلى معتقل آخر، إذ وجد نفسه وسط أبنية قديمة وبعض الخرائب، صرخوا في وجهه : - ألم نطالبك بوقف بيع الأهالي؟ ... ستنال جزاءك العادل ! طلب من عسكريين أن يتوليا أمره. عاد إلى مكتبه بعد أن تأكد من تنفيذهم لما اراده أصرّ على أقواله ..... قال له المحقق: بمقدار ما تعطينا نعطيك. أشار بالشاهد وحركه بشدة. رن الجرس فدخل عسكريان، أمرهما بأن لا يعيدونه إلا جثة. قال العسكري: - اعترف وأرح نفسك، من الذي أمرك بذلك؟ وإلي أي منظمة تخريبية تنتسب؟ ستظل تتعذب حتى تقول كل ما عندك . نظر إليه دون أن يعلق بحرف واحد. أمر بتعليقه، فاحضروا " سيبة " وعلقوا يديه في حلقتين وتركوه يتأرجح . - هل تعترف ؟ لم يجب شعر أن يديه يكادان ينفصلان عن جسده، ركز تفكيره فقد سيطر على ذاته، وعندما نادوه طالبين إجابته لينجو بنفسه وهم يعدون واحد اثنين .... لم يستطع الإجابة ولا التحدث . لفت الدوخة رأسه وأحس بحالة انحطاط، مال رأسه إلى جهه اليمين. - هل تعترف ... اعترف أفضل ...؟ أنزلوه، تكوم على الأرض، أتوا بدلوي ماء ورشوه، بدأت رموشه تتحرك حركات غير منتظمة، فتح عينيه قليلاً رآهما أمامه يتهامسان. ابتلت ملابسه، اعادوه إلى زنزنه عرضها لايزيد عن ستين سنتمتراً لايستطيع أن يمد رجليه، يقرفص يدفعهما إلى صدره. غفا دون أن يدري كم من الوقت مضى. أفاق على صوت كلبين كبيرين ينبحان بشدة يمدان رأسيهما إلى الأمام وعندما يصطدم أنفهما بالشبك يرفعانه إلى الأعلى في حركة نباح لا تنتهي. أخبره المحقق بأنهما كلبان جائعان سيلتهمان أعضاءه التناسلية. عليه أن يعترف إذا أراد أن يحافظ على وجوده. يعترف عن الذين دفعوه لمثل هذه المواقف، ويدلي بأسماء أصدقائه وعلاقتهم بحركة المقاومة. أخرجه من الزنزانة، عراه تماماً كما خلقه الله، وأعطى أوامره للكبين ثم ابتعد عنهما. لحقه الكلبان واحد عن يمينه والآخر عن يساره، ظل يلف يركض يبتعد ويقترب منهما حوالي ساعة، ارتمى على الأرض متعباً، قرب أحدهما فمه وعضه من خصيتيه، شعر بألم فظيع ألم لا يطاق، دوخة تلف رأسه ومغص قطع أحشاءه، تحسس عضوه وتأكد من سلامته. ركض الكلب الآخر تجاهه ليمثل الدور نفسه. لم يعد قادراً عى المناورة. الألم يعض شراينه التي باتت تنقل الألم بدل الدم. لم يتمالك قواه، وقع على الأرض مغمى عليه. أفاق وكأن كل ما حدث حلم. إنه في الزنزانة، ملابسه جافة، وضع يده أسفل بطنه ليتأكد مما حدث. شعر بأوجاع. أوجاع لا تطاق لكنه حمد الله فكل شيء كماهو. أدرك بأن الكلبين مدربان على دروس من هذا القبيل، وهو لم يكن أكثر من درئية لتنفيذ المناورة بالرصاص الحي . رفع رجليه عالياً، شعر بارتياح فالدم في هذه الحالة يغذي الرأس الذي تعب من التفكير، لكنه لا يقدر أن يبقى على هذه الحالة أكثر من نصف ساعة. تعود ركبتاه إلى بطنه فيشعر بضيق، المكان الذي يتسع لطفل صغير وليس لرجل ضخم الجثة صار من نصيبه وعليه أن يتكيف فيه. خلع بنطاله ليتأكد إن كان ما حصل قبل قليل حقيقة، دقق النظر فشاهد آثار أنياب الكلب واضحة و أثر نقاط الدم قد تجمدت ونزلت حتى فخذيه، عاد لارتداء بنطاله وتظاهر باللامبالاة في وقت بدأت دقات القفل تتراجع ليفتح الباب عسكري يأمره بالخروج إلى الفورة مدة ساعة وفي مكان محدد. في هذه اللحظة تراءى على طرف المكان ملاك ابتسم وقال له " أصبر فأنا معك، ستعود لتوزع مادة الوقود على المواطنين، كلها أيام معدودة ". جال الفرح على وجهه لهذه الرؤية، قعد واضعاً يده على خده مفكراً، ماذا حصل مع زوجته وأولاده ؟ كيف سيعيشون وهو بعيد عنهم؟ وكيف سيؤمنون متطلباتهم؟ .... تسهر زوجته على أمل عودته، يغالبها النعاس وتنام، تفيق باكراً تقلب اللحاف فلا تجده جانبها! تتفقد الغرف ودورة المياه ! يغزو الخوف قلبها، أين يكون الآن؟ لقد هرب من وجههم. إذ كان البارحة قد جاء بنفسه وطمأنها بعد ذهاب الدورية ... ربما المجنون فعلها وعاد إلى المحطة ليبيع الناس، كان عليه أن يوكل غيره ويختفي عن الأنظار أيام حتى ينسوه ويملوا من مداهمته ويتأكدوا أن المساك به ليس فقط صعباً بل مستحيلاً. تنظر إلى صغارها، تقبلهم والدمعة تقبل وجنتيها وتنحدر إلى صدرها وهي لا تملك جواباً على تساؤلاتها وأوهامها، ماذا تفعل بصغارها الذين يرددون : - ماما .... أين بابا؟ يبكون بصوت عال بينما هي تبكي بصوت غير مسموع، تجفف دموعها دمعة دمعة. تتشجع وتتابع عملها في البيت وهي مسلمة أمرها إلى الله قائلة : - السجن للرجال، " السجن ما بيتسكر على حدا "! الفصل الثالث والعشرون _ الصديق الغالي سليم الدوري : تحية طيبة : كنت أتصفح بعض رسائل الصليب الأحمر وأستعيد الذكريات عندما عثرت على رسالتك المؤرخة في 30/9/ 1986 . بداية أنا سعيد، سعادتي بتحرركم طغت على حياتي وبت وكأنني أسبح في بحر من النشوة. إذ من غير الممكن لإنسان مثلي أن يجد طعماً للحياة بعد ما جرى لولا هذا الشعور العميق من السعادة الذي يسيطر على نفسي نتيجة تحرر هذا العدد الكبير من الأحباب. إنكم سفراؤنا المعبرون عن معاناتنا والضمانة الحقيقية لعدم تكرار التفاهات والمسلكيات الضعيفة. أيها الرفيق: رسالتك رقيقة جداً وزاخرة بالمعاني وتفوح منها رائحة الصداقة، إنني مسرور أن اسمع عن زواجك أنت والآخرين. أفكاري تقودني إلى التعاسة، لكنني قادر على التغلب وتسيير دفة حياتي، أحياناً ينتابني شعور بأنه لن يكون لي أولاد شباب أو لن أكون جداً لأنه فات الآوان. لكن هذا لا يعكس حقيقة ما أفكر. إن التغيير الذي حصل في نوعية السجناء وأعمارهم تجعلني أشعر أنني أب وجد وأخ في آن واحد. إذ هناك الكثير من الأشبال الذين ينظرون لي كأب وأنا أحبهم فعلاً كأبنائي. وبعضهم صغير جداً بحيث يحبونني كجد والباقي كبار السن يعاملونني كأخ . أفكر أحياناً لماذا أشعر بالسعادة رغم سني الأسر الطويلة ومعاناتها، لكنني سرعان ما أكتشفت الجواب، فأنا لا أشعر نفسي غريباً، فأينما حللت أجد أخوة يجبونني ويعاملونني كرمز لصمودهم ويسألون عني إذا ألمت بي وعكة صحية، ويغمرونني بعطفهم واحترامهم أعيش بين أهل وهذا سر صمودي، وهذا الموقف لم يأت من فراغ فأنا لا أقف مكاني وانتظر المحبة من الآخرين ، فهي لا توهب لأنها ثمرة العطاء ، سعيد ذلك الإنسان الذي يجعل حياته كلها عطاء ...إن هذا لا يعني حبي للسجن بل العكس فالحياة الحقيقية تبدأ حين نخرج ونستنشق هواء السماء دونما سياج أو شبك. إننا وإن كنا نستطيع توفير ظروف السعادة في الصحراء القاحلة، فإننا نشتاق للأرض الخضراء والمياه العذبة وشاطئ البحر والنجوم المتلألئة بالليل ومنظر السماء البديع والرائع. إنني أحيي الرفاق كافة وأثمن جهودهم السابقة واللاحقة عمر محمود القاسم عسقلان في 21/12/ 1987 كانت هذه آخر أيامه في عسقلان حيث التقى في غرفته مع شبان شاركوا في الانتفاضة منهم من رفع العلم الفلسطيني في المظاهرة ومزق العلم الإسرائيلي وأحرقه، ورقص على ضوء النيران المتصاعدة رقصته المجنونة وهو يهتف ... ومنهم من حرق إطارات السيارة، ورجم السيارات الإسرائيلية بالحجارة، منهم من أقام الكمائن، ومنهم منهم .... وضعت الدولة في حالة استنفار، الجيش، الشرطة، السجون إذ بدأ طاقم السجن الدوام طوال اليوم، كما شددت الحراسات حول المباني الحكومية، ونزلت القوات إلى الشوراع، بينما جانب الطائرات الحوامة سماء قطاع غزة والضفة تساعد القوات في رصد حركات الناس في الأحياء والشوارع والبساتين والبراري وحتى في المرتفعات. وتدل على التجمعات، تشارك في إلقاء القنابل الدخانية عليها. ازدادت الاعتقالات، في كل يوم موقوفون جدد، دفعة جديدة منهم في باحة السجن، شبان بعمر الزهور، منهم الطالب الجامعي والثانوي وحتى بعض الأطفال الذين لا يتجاوزون عشر السنوات، الذين يتم توقيفهم ثم اطلاق سراحهم بعد أيام. جمعهم مدير السجن في وسط الباحة وتركهم طوال النهار يتعرضون للمطر والريح والبرد فكانون الأول معروف بأنه فحل الشتاء. عند المساء أمر بوضعهم في الزناين مدة ثلاثة أيام، قال قبل أن يعود إلى مكتبه : - أنتم تنكرون دور إسرائيل في تمدنكم، تعضون اليد التي امتدت إليكم، أنتك كلاب، لا بل الكلاب أكثر وفاء، أنتم لا تستحقون الحياة، تعلمتم النباح، قواتنا لا تخافه، ولا تخاف الرصاص، فكيف ستخاف حجركم أيها الجبناء؟ أعطى أوامر جديدة بتعذيبهم قبل وضعهم في الزنازين، وذهب إلى مكتبه. ظلوا بلا أكل طوال وجودهم في المنفردات، طالبوا بحقهم في الطعام، فكان الجواب: - عندما تبرهنون أنكم بشر سنقدم لكم ما يتوجب علينا تقديمه للسجين وزعوا سجناء آخر دفعة على غرف السجن. اثنان كان نصيب الغرفة رقم خمسة، رحبوا بهما، وبدؤوا يستمعون لقصة أولهما. قال محمد رجب السامح، إنه طالب في المرحلة الثانوية ، يخرج كل يوم للمشاركة في المظاهرات، لم تعجبه المشاركة السلبيه، اتفق مع اثنين أن يتصدوا لدوريه، كمنوا في منطقة غير بعيدة عن المظاهرة، جاءت أول سيارة، رشقوها بالحجارة فانقلبت، أطلقت النيران عليهم من السيارة التي خلفها، جرح زميلهم فرج خالد الذي أطلقوا عليه لقب المعري، فهو متصرف له مواقف من المرأة تشبه إلى حد ما موقف معلمه، يحب الاعتكاف والعزلة، لكن عندما بدأت الانتفاضة أوائل هذه الشهر، شارك من بدايتها. التفت إلى الخلف في محاولة لاسعافه، فطلب منه أن ينجو بنفسه، لاذ بالفرار، وفي غزة شارك بالمظاهرة، هتف، ورفع العلم الفلسطيني، وأحرق علم " اسرائيل "، ظلوا يطاردونه حتى القوا القبض عليه، ضربوه على وجهه، فقد أحد أسنانه، أما الكدمات فمنتشره على جسده كانتشار الغيوم في سماء ذاك اليوم. سأله مدير السجن : - كيف تمزق علمنا وتحرقه، ألا تعرف دلالة ذلك؟ - أعرف كل شيء، وفعلت ذلك عن سابق إصرار وقصد، وسأمزقه أينما وجدته . وعده بالموت، ومازال ينتظر، ضحك المستمعون لدماثته. الشاب الآخر صبري العناس، عرف من قصته، بأنه كان من أكثر طلبة كلية الطب مرحاً، محبوباً من زملائه، أحب صديقاته لقلبه ريم عيسى، مثقف دائم الحديث عن الأدب والحياة، يلخص آخر ما قرأ على أصدقائه. من يراه داخل الغرفة، يتحدث بكلمات لا معنى لها يشفق عليه. حصل هذا نتيجة تلقيه ضربات على رأسه، وهو يرد الجنود عن ريم التي كانت إلى جانيه في المظاهرة، ارتمى بعد أن خلصها من أيديهم. أثناء التحقيق الأولي سألوه فأجابهم إجابات تدل على عدم اتزانه. تركوه في الغرفة موثوقاً، لاحت منه التفاته فرآهم يضعون جثة في كيس ويجرونه ويرمونه في مؤخرة إحدى السيارات. بدأ جسده يرتجف، عرضوه على طبيب ثم على لجنة طبية، فجاءهم التقرير التالي: " إن صبري العناس قد تحول إلى عاهة، ننصح بتسليمه إلى ذويه أو تسفيره إلى الخارج على نفقة الدولة للعلاج ". تجاهلوا التقرير وحولوه إلى سجن عسقلان، رموه في الغرفة رقم خمسة وأغلقوا خلفه البا ب. نظر كل من في الغرفة إليه ، وقف يتأملهم، ثم أسرع كالسهم ورمى نفسه على الشيخ زكريا، أمسكه من لحيته وهو تقول " ريم يا زينة البنات! " ضحك السجناء فماكان من الشيخ إلا ضربه على خده. فولى هارباً وهو يمد يده تجاهه، يبكي ودموعه تتهاطل كالمطر الذي في الخارج " أنت من أمسكها من شعرها ". تضايق زكريا، وقف وهو يتهدده، إذا لم يكف عنه، ركض العناس واختبأ خلف عمر، وهو مازال يبكي ويردد كلماته السابقة ... ترك الجميع ما بأيديهم من عمل واقتربوا أكثر يراقبون ما سيحدث. ساله عمر، ما القصة! أجابه: -يمصون المطعم ويشدون ريم إلى السيارة - ما علاقة شيخنا؟ - لم يجب، فقد اتزانه فوقع على الأرض. عند هذا الحد عرفوا أنه فقد الدرة التي يملكها، فرثوا لحاله ولاموا زكريا على تصرفه، الذي رد بانفعال: أنا لا أسمح لأحد أن يستهزئ مني ويمد يده إلى ذقني الطاهرة، ويحدث بلا مبالاة. - هذا هراء، إياك أن تفعلها وإلا ..... كان هذا رد عمر فما كان من الشيخ إلا الهجوم تجاهه، لكن السجناء حالوا بينهما. عندها بصق صبري العناس على زكريا وقال له : - أنت كلب ! قالها وركض للاختباء. توالت مسرحيته تتّابع فصولها. أخذ صبري يظهر جنونه، أخرج لفافة وبدأ يدخن بشراهة، يسحب نفساً منها، يسعل، يسعل بشدة ثم يقذفها ويدوسها، يزداد سعاله وتدمع عيناه، صوته كله حشرجة، يكاد لايسمع، يتواصل سعاله كنباح كلب، وعندما يعود إلى وضعه ويشعر أن تنفسه عاد إلى وضعه الطبيعي، يطلب لفافة ثانية وثالثة . نظروا إليه وهم مشفقون، نصحه محمد رجب أن يقلع عن التدخين بقوله: - إنك تهري رئتيك خاصة إذا كان على الريق، ألا تعرف أضرار الدخان، أنت تهذي وتقتل نفسك، يكفيك هذا! قام يتمشى، يتوقف، يفتح كفيه، يتطلع إلى السجناء ويخبرهم بأنه مات، يقرأ الفاتحة ويمسّد على وجهه، ثم يبكي وبعد أن يتعب يقعد على الأرض ثم يعود للمشي والركض. كل شيء فيه تغيّر، لحيته الكثة، طريقة النظر، الخوف الدائم والاختباء خلف أقرب شخص إليه، وبمزيد من الحذر يهمس في أذن الأقرب إليه بحزن عميق "إنه مات وضعوه في كيس ورموه في مؤخرة السيارة". يخرج لفافة ويضعها في فمه، يرتجف عود الثقاب بين أصابعه، يحاول إشعال العود يخفق، يعيد المحاولة وعندما يشعل يتركه ثم يتناوله من الأرض أو يشعل غيره، يقربه من اللفافة ويأخذ نفساً عميقاً. يضحك، لكن انطفاء السيكارة، يجعله يهرش جسده ويضغط على أسنانه، ثم يبكي. يقعد على الأرض، يرى الفرح في عيني ريم، تشده للهرب من ضجة المدينة يتبعها وهي تغني له ثم تسأله: - ما الحب؟ ينظر إلى عينيها وهو يقول لست فيلسوفاً، الحب هو ريم! يسألها عن الوطن، فتجيب بعد أن تحدق بعينيه، الوطن هو أنت! يتطلع إلى رفاقه، فيجدهم ينظرون إليه، ينسى أحلامه، يفتش جيوبه، يقلبها، يلف في الغرفة، يضع يده أمام وجهه ليتقي شيئاً ما، ثم يقرب شفتيه من أذن أحد السجناء ويقول جملته المشهورة. ندم الشيخ زكريا على ضرب السجين الجديد، وصار يدعو في كل صلاة لشفائه. بات من الضروري تنظيم الأوقات حتى لا تذهب هدراً، وحتى لا تبقى منصبة على الضحك أو حركات العناس، لأن وجوده في الغرفة قلبها رأساً على عقب، فلم يعد هناك اهتمامات سياسية وثقافية. دبت الفوضى، مما دفع عمر للمبادرة بمناقشة ذلك ووضع برنامج يقسم الوقت إلى مطالعة ورياضة ونقاش وتدريس، وتولى هو تدريس اللغة الانجليزية بداية بالمبادئ الأولية وتركيب الجملة والأفعال بأقسامه والاستفهام والنفي .... مدة الدرس تسعون دقيقة مقسمة إلى ثلاثة أقسام متساوية، درس جديد، حل تمارين، ومحادثة، انضم سجناء الغرفة خمسة إلى البرنامج، حتى صبري استجاب لذلك، فلم يعد يقوم بحركات غير لائقة وقت الدرس أو في أوقات النقاش، وبات لمثل هذه الحركات أوقاتها، مما دفع حالته إلى التحسن التدريجي. الشيء الذي لم يحسب حسابه هو النقاش حول الشعار المرحلي، مابين الشيخ وبعض الرفاق، بدؤوا يكيلون تهم الخيانة. ابتعد الرفاق عنه وتناقص عدد المصلين خلفه، ففي إحدى صلوات الجمعة وجد نفسه وحيداً، احتد وقال: أنتم كفار، لماذا تسجنكم إسرائيل ؟! بعدها طُلب الشيخ إلى الإدارة، قال له الضابط: - أنت يا شيخ نسيت ما بيننا! لم نسألك عن شيء ولم نمنعك من إلقاء خطبك، ألم نشجعك على تضمين مكارم الأخلاق و القصص القرآنية، وتبيان أمور الدين لأفراد الشعب على خير وجه، ما الذي حدث حتى صرنا أعداء ؟! - ما بيني وبينكم كما بين القط والفأرة، لا يمكن أن يكونا صديقين على الرغم من حياتهما المشتركة .... أنتم قتلتم أخي الذي لا يتجاوز عشر سنوات. أخبره نيتهم الإفراج عنه، عندما يقرر طلب الرحمة و العودة إلى الجامع وممارسة عمله السابق دون تحريض. أ أذن بلتنيبتمليبلابيسكظ لاشيء في الغرفة ولا في السجن يخلصه من همومه، سوى الرسائل التي تنهال عليه، رفاقه يحسدونه ويقولون: أنت محظوظ يا عمر! زادت أعداد الرسائل التي تصله، رفاقه خارج السجن، أنت محظوظ! لا أحد غيره وبقِدمه بقي وراء القضبان، خلافات بسيطة وربما شخصية هي التي جعلت القيادة لا تدرج اسمه، هل يصدق ما تقوله الرسائل، أم يصدق الذين يحسدونه؟ سيقرأ الفاتحة على القيادة، هذه التي تملك صحة جيدة، وكرشاً متهدلاً للوجاهة، تسبح بحمد ربها وتشكره على نعمه التي لا تحصى، وعلى الأمور الوفيرة، والدفاتر المستطيلة التي باتت في أيديهم. مرت أمامه حياة الأغوار، والشعارات التي عجزت الأرض عن حملها فتبخرت، أوصى رفاقه بالمحافظة على كراساته التي كتبها وهو في نفحة تحت عناوين مختلفة منها: - " نقد ذاتي على الفهم النخبوي " - " الدساتير الاعتقالية " - " المراحل التي مرت بها المعتقلات " لخص هذه المراحل بثلاث، الأولى مرحلة العفوية التي كان فيها العدو يصدم المقاتل بسيل من المعلومات التافهة، والتي يحصل عليها بالتصوير الجوي أو من صحف المقاومة. والثانية هي التجربة والخطأ إذ صار الأسير يميز بين ما يمكن التصريح به والأسرار التي عليه عدم البوح بها، والمرحلة الثالثة هي الوعي المنظم الذي عرف فيه الفدائي عدوه والأساليب التي يتبعها وحيله. أحس بفكره يقفز لا يعرف ما يريد، ولا يجد مرمى لتستقر أفكاره فيه، يعمل كشريط طبعت عنه نسخ عدة، شعر بتعب وإعياء، استعاد مجموعة المواقف والآراء، الآن تأكد بأن حياته بانوراما، لكنها منثورة أمامه وملتصقة بعقله. شعر أنه يعيش نهايات حياته التي باتت بلا أمل، يودعها وهو جالس في محراب الوحدة ينتظر انشطار أحزانه وذاته وتبدد فعلها. هل هو إنسان بلا إرادة بلا مستقبل؟ الإنسان والإدارة والمستقبل أثا في الحياة، ابتسم لماضيه الرائع، ماض كله حب، الآن بات يدرك أن العظيم من الرجال من استطاع أن يحب بصدق مازال قلبه أخضر. من يحقق حلمه ويشبك يده بيد وصال في شوارع دمشق في هذه اللحظة أو أية لحظة قادمة ويأخذ حياته التي لم يبق منها شيء! من يعيد إنبات شجرة الحب التي تآكلت جذورها؟ أريجها يلف رأسه يسري بأوردته ويصل دماغه، لم يقدر التخلص من هاجسها، ماثلة بكامل زينتها وأناقتها وأنوثتها، ألهبت خياله الذي انتقل إلى كل منطقة ذهبا إليها، قلبه يخفق كطائر ذبيح . ها هي تعيد طلبها أن يرافقها بجولة في دمشق، نظرت إليه وابتسمت وهي بكامل زينتها وأناقتها، اتجها من بيتها في أبي رمانة إلى حديقة المدفع ومنها سارا شرقاً إلى منطقة عرنوس، حيث الأبنية القديمة والمستشفى الإيطالي وضريح، سألته: " ألا تعرف ضريح من وما قصته ؟". - أسمعها منك! - إنه عرنوس حدثتني ماما بقصته المثيرة والمدهشة. ابتسم وعلق: كنت أظنها منطقة زراعية لها شهرة بالذرة، وربما لعرناسها قصة ما فيها بعض الدمائة خلدها أهل دمشق. أو في هذه المنطقة بائع عرانيس أو أي شيء من هذا القبيل. ضحكت فتراقصت الأمواج على شفتيها وحلق حمام الأموي فوقهما، وضعت يدها في يده، أحس بدفئها، ضغط عليها، نظرت إليه وقالت: - هكذا أذن بائع عرانيس! ... اسمع واستخلص الحكمة: " هاجم البيزنطيون دمشق فخرج أهلها للدفاع عنها، جرت معركة ارتد فيها الروم، وأسروا أميرة على غاية من الجمال، أميرة تغازل الشمس فتتوهج بضوئها، أحبها حاكم دمشق وتزوجها. عاشت معه حياة جميلة. بعد فترة اشتاقت لأهلها، فبعث معها من أوصلها إلى الحدود. هناك رفضوا إعادتها. أنجبت طفلاً اسمته " ارنوس " نلفظه نحن " عرنوس "، كبر هذا وورث العرش عن والدته. قاد الجيوش البيزنطية باتجاه دمشق وتشاء المصادفة أن يلتقي حاكم دمشق الكهل مع ابنه مواجهة. فيعرف الأب ابنه من القلادة الموضوعة حول رقبته والتي أهداها لزوجته، قبل أن يتبارزا سأله عن القلادة فتعارفا، فبدل القتال تعانقا، فضل الإقامة مع أبيه في دمشق وورث الحكم وعاش بقية حياته ودفن هناك ." - أنت رائعة يا وصال، إن ما ذكرته فاق تصوري. هز برأسه علامة الإعجاب وتابع " هيا إلى بوابة الصالحية فربما تتذكرين شيئاً آخر تحكينه ليظل ذكرى منك، ذكرى جميلة ورائعة. من هناك اتجها مروراً بالشهداء والبرلمان، قطعا الشارع إلى منطقة البحصة فالمرجة، تابعا إلى سوق الخجا والحميدية بعد أن تجاوزا السنجقدار. احتفل سوق الحميدية بهما فبدا أكثر نضارة وبهجة في ذاك الصباح المشمس، وصلا الجامع الأموي، طافا به ثم قصدا قبر رأس الحسين بن علي. نظرت إليه وابتسمت سألته إن كان يعرف ما يحدث في ليلة النصف من شعبان. - هذه لا تحتاج إلى قصة جديدة! يتم الاحتفال بقراءة القرآن وإلقاء الخطبة والموعظة. - وماذا بعد؟ - البقية عندك . - سنوياً يتضمن الاحتفال مشاهدة وتهوية قبر رأس الحسين، ثم التوجه إلى بيت الجباوي لتناول الطعام والذي عادة ما يكون " لبنية ". - تستحقين أيتها الدليلة سندويشة فلافل، فهيا إلى الأكل. - مازال في جعبتي الكثير عن دمشق! تابعا سيرهما إلى القيمرية والنوفرة ومن هناك إلى باب القمر توقفا قليلاً عند بقاياه، وواصلا طريقهما إلى باب فينوس ركبا سيارة أجرة إلى المرجة ومن هناك إلى أبي رمانة. - هيا ادخل نتناول طعام الغداء . ودعها على أمل اللقاء ثانية في الجامعة صباح اليوم التالي . ستار من الدخان يغلف الذاكرة التي تهرب بعيداً، لكن هذه المرة صوب الأغوار لم يتوقع أن عبوره للنهر سيرسم مصيره الأزلي، لم يبارحه الألم بعد إضراب الستة وثمانين، بدأ يشعر بالأوجاع تغزوه. ألم في معدته وألم أثناء التبول. لقد كبر وهذه أمراض الشيخوخة هكذا بدأ يحدث نفسه. تجاوز الخامسة والأربعين منها تسعة عشر عاماً في السجن ومع ذلك مازال يحلم بالخروج. سيعود إلى القدس ويرفع العلم على بيته ويلتقي مع عبلة التي كتبت تخبره بأنها لن تتزوج غيره. هل سيخطبها أم سيذهب إلى ابنة الرغوة؟ إذا كان ليس بمقدوره التخلي عنهما ماذا يجيبهما. كانت وصال رافضة للزواج. أخذت عهداً أن لا تتزوج غيره. وضع يده على عينيه ثم مسحهما. عليه أن يبكي في داخله وأن لا يرى أحد دموعه. هو فقط يشعر بها وهي تتساقط على وجيب قلبه. - لماذا غامر وترك الساحة فارغة؟ ماذا بقي من حياته؟ لقد اغتالوا حلمه الوردي الجميل! الحياة عطاء وقد سحبت منه الحياة عطاءاتها. حلم أن عبلة زرات الشجرة التي التقيا عندها، نادته ليشاهد المنظر الغرائبي، وصفت له المشهد بدقة، لكن الشجرة بدل أن تكبر أخذت تصغر، شاهدت عليها أوراقاً ملطخة وأغصاناً حمراء وجذعاً داكناً يتحول ليلاً إلى أبيض. في الليل تشع الشجرة وتنشر نورها الأبيض على مساحة واسعة، أما في أعلاها فثمرة كأنها نجمة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |