(3)
بعد
زمن من مكوثه في تلك المدينة التي أحبها بجنون، وجد
الماوردي نفسه في المطار. شجرة سرو ضربتها الشيخوخة
مبكراً. فشعر وهو يتجه نحو قاعة المغادرة، بأن
قدميه تخونانه. هل تعطل المشي فيهما، أما لأن
جذورهما استعصت، فلا تريد لتلك الشجرة أن تحلق
بعيداً، أو أن تنمو في غير الأرض التي تشبع
برائحتها؟
"إلى
أوربا يا رجل.. فهو المنفى الأقل كلفة من حروب
الضباع"
الطائرة
أمامك ياماوردي. إنها تجثم على صدرك في مثل هذا
الوقت من الليل. فمثلما جاء بك ليل وأنتَ تحت
جناحيه، سيأخذك الليلُ من هنا على جناحيه، لتختفي
مرة أخرى عن مدينة جميلة ما تزال تنمو في خلاياك
كشجرة الكرز. وعن بشر بهم من الروعة ما لا يمكن
لزلزال أن يمحوهم من هذه الذاكرة، على الرغم من
تكاثر المعاول التي بدأت تنقب في أراضيها، ربما
بهدف تحطيم الكنوز القديمة، ولأنك كالعربة المجنحة
ياماوردي، فكثيراً ما كنت تسبق أفكارك وخيالاتك
العجلات التي تسير فوقها على طبقات الأرض.
وإذا
كان المنفى القادم صعباً يا ماوردي، فلأنه قطعة
تراب أكثر من ذكريات وتراث. ولا بأس من قبول عنصر
الخداع هذا، فربما سيغري أفكارك بالتقدم خطوة نحو
الخيال. فعالم اليوم في نسيج اليأس، ننفذ إليه
وكأننا حقائق. فيما نحن أشبه بدلافين وضعت سوية
داخل اكواريوم مليء بأسماك القرش. والجميع فيه جزء
من السيرك، ولأجل الفرجة الدراماتيكية فقط.
قبل
أن تقلع الطائرة البولونية، تحدث مدير الخطوط
موجهاً كلامه للماوردي: اجعل من شخصيتك شخصية
بلهاء. قل لهم لو سألوك في المطار الأخير: كوبنهاكن.
إن واحداً لا تعرف اسمه، هو الذي أركبني الطائرة،
وبأنك لا تعرف اسم الخطوط التي أوصلتك إلى مطار
امستردام. وبأنك لا تعرف القراءة والكتابة. ولا
تعرف كم دفعت بالضبط من أجل التذاكر. هذا أفضل لك!!
يا
للهول! يبدو أنك أصبحت أميّاً ومغفلاً يا ماوردي.
ولم تعرف كم من الدولارات دفعت ثمناً لبطاقات
السفر. بل ويريد منك مدير الخطوط هذا، إن تتمثل
الغباء بصورة فظيعة! ولم لا؟ أوليست هذه ضريبة
المنفى الأولى، لتصل ولتستقر هناك؟ فأنت لم تستقل
الطائرة كسفير مندوب لدولة. وأنت لم تذهب كرجل
أعمال أو بائع ذهب أو عقيق أو بترول إلى بلاد
الفرنجة. فأنت مُهرب مثل كل البضائع الممنوعة، وليس
غير. ستصل إلى هناك، لتضع الآخرين تحت الأمر الواقع.
فأن تقبل لاجئاً في أوروبا، فذلك ليس لأن الفرنجة
عالم ملئ بالدوافع الإنسانية، بل لأنهم لا يسمحون
لأحد ما بالتفريط بسمعة بلدهم الديمقراطية وعدم
احترامها لحقوق الإنسان. ويكفي هذا يا ماوردي.
فالذي. لا بلد له، أشبه بالنعال على باب المسجد،
يستطيع كل عابر سبيل إحتذاءه في الوقت المناسب.
في
مطار وارسو.. رأيت مدير مكتب الشركة الناقلة معنا
هناك. ويبدو أنه بعدما أنهى التفاوض مع شرطة المطار:
هذه حصتكم وهذه حصتنا وتلك حصة الشركة، عدنا
للطائرة من جديد لنحلق في السماء الملبدة بالغيوم.
لا تخف يا ماوردي. فأنت لست أهلاً لأن تدفع بجسدك من
السماء نحو الأرض أو إلى أعماق البحار. فمازالت
لديك فسحة من التاريخ لتملؤها بنفسك. ولكن لا تقبل
كل شئ من التاريخ أو تبرر كلية الماضي كما يفعل
البعض. هل صحيح يا ماوردي: أن الذين بنوا التاريخ
كانوا جميعاً من سكنة المنافي في العالم القديم
والمتحضر؟
لا
تعرف ذلك أنتَ. بل ومن أين لك أن تعرف وأنتَ ستهبط
بعد قليل في مطار امستردام، كي يدققوا في جواز سفرك
المزور، من أجل الحصول على ختم جديد يضاف لبقية
الأختام الأخرى التي كادت تخنق أوراق الجواز
بأحبارها؟! هل ستنفذ بجلدك، فتستقل طائرة الـ SAS دون
أن ترتاب بك الشرطة والعمالُ والكاميرات ومسؤولو
الترانزيت؟
ماذا
سيقولون عنك وهم يفتشون الحقيبة اليدوية، فلا
يعثرون إلى على كتب وأشرطة كاسيت أكثر مما تحمل من
ملابس؟ هل سيصدقون بأنك ذاهب لنيل إجازة
الدكتوراه؟ شرق أوسطي وذاهب كالسائح إلى بلاد
الدانمارك؟ إن لم تفلح في ذلك ياماوردي.
فسوف
يرمونك على ظهر أول بغل، أول باص، أول طائرة، أول
قطار، أول سفينة لشحنك إلى بلادك، بعد أن يرفقوك
بملف يتضمن التهم الموجهة إليك، وفي مقدمتها:
التزوير ودخول البلد بصورة غير شرعية، وإلى ما وراء
ذلك من تهم جاهزة.. فتكون بذلك قد بلعت رمال كبريات
صحارى العالم.
عندما
اجتاز الماوردي مكتب تدقيق الجوازات، وحصل على
الأختام اللازمة من قبل تلك المرأة الهولندية
الجميلة مع التذاكر، شعرَ كما لو أنه اجتاز مثلث
برمودا الذي سبق وأن سمع وقرأ عن الأهوال التي تقع
فيه. لم يجلس في الصالة للانتظار، بل توجه فوراً إلى
البوابة التي تؤدي للطائرة. وقبل الصعود إلى هنا،
قام بتمزيق جواز السفر المزور، فرمى قسماً من
أوراقه في صندوق للقمامة في مطار امستردام، فيما
قام برمي القسم المتبقي في تواليت الطائرة بعد
إقلاعها بربع ساعة، وعاد إلى مقعده ليحتسي البيرة
الدانماركية.
إنها"بيرتنا
الوطنية الفاخرة"
هكذا
علَق الماوردي و هو يتذوق طعم الجعة الدانماركية
للمرة الأولى، وكأنه دانماركي ابن دانماركي ومن
سلالة اسكندنافية تضرب جذورها في قدم تاريخ
الفايكنغ. ليس مهماً ما إذا كان مذاق البيرة طيباً
أم غير ذلك. بل المهم أن تساعد على الاسترخاء بسرعة
البرق.
هنا
تذكر الماوردي عرق الزحلاوي والعصرية والريان
وشارع ا لنواس واللاتيرنا والعجلوني والبطريق.
وكيف كان الأصدقاء يدلقون محلول الحرير ذاك في
دواخلهم، ليتحول فيما بعد إلى كتل صخرية من
النزاعات، التي كثيراً ما كانت تنهي الجلسات
بالمعارك والهزائم والترهات السياسية والثقافية
والفكرية.
- فكر
أولاً بديمقراطية الخمر أيها المتعاطي؟
- إنه
لغة داخل اللغة.. أليس هو كذلك؟
- بل
هو نص يخلق شخوصه الميتافيزقيين، ويطلقهم أحياءً
ليرثوا الأرض التي نحن عليها.
-
ولكن.. هذا من اغراءاتك الشعرية.
- كلا.
إنه مسرح وصفي. لا يختار ممثلاً تافهاً ليروي
لمستمع أتفه منه.
- إنك
تقول ذلك وكأنك روح الخمر.
-
وماذا تقول لمن يعتبر القلق لا قيمة له كنافذة
فلسفية، وليس مادة صالحة لهدم الفلسفة؟
- أنا
أبني ذاتي تحت المطر. فهل لك أن تدلني على معناي
بهذا الصدد؟
- قد
تموت من البرد قبل أن تبلغ ذلك المعنى، ولذلك لا
تكلف نفسك عناء تلك المشقة.
هبطت
الطائرة على أرض الدانمارك. ولم يحدث أن سقطنا في
بحر الشمال. ولم يحدث أن خطفوا الطائرة بنا إلى مكان
ما من العالم. بل ولم يقمع النوم عيون الكابتن،
ليطوح جثمان الطائرة منفجرة كالذبابة في أعالي
السماء. إنها كوبنهاغن التي لم تتنسم رائحتها بعد.
فانزل يا ماوردي كآخر الركاب وتقدم ببسالة الفرسان
نحو الشرطي الواقف هناك، وقل له: أنا الماوردي الذي
لم يكن له من الأوطان وطن. ولم يكن له من الحرية غير
التابوت. ولم يكن له من الأموال إلا القصائد
والحقول التي تنهب كل مساحة الدماغ.
ولم
يكن له من الشوارع غير هذا الحذاء الذي تمرّن
كثيراً على تسلّق الجبال وبلوغ الوديان السحيقة
والهرولة بين الأنقاض والأطلال والمشي على الإسفلت
السائل كدموع العذراوات، وعلى الرمال الملتهبة
كرئات الأفعى.
أجل
قل ذلك للشرطي الذي هناك. وأضف: بأن الحكومة قطعت لك
رأسك. وجعلت منك الأحزابُ شوربة عدس. والمهربون
نخالة حنطة. وها أنتَ بينهم فتافيت جمر، تكاد لا
تتحملها أقوى الأفران ولا أعتى المواقد، بما في ذلك
جهنم.
قل
لهم أنني متهم بقتل الريس. أجل ضربته بقنبلة لم تبقِ
منه أثراً على الأرض. قل أي شيء. فإنهم سيصدقون كل
شيء، حتى وإن أقنعتهم بأن تمساحاً يسد منافذ
بلعومك. أليس هذا ما قاله البعض لك؟!!
عندما
قاد الشرطي الماوردي إلى الغرفة المخصصة للتحقيقات
في المطار، وجد نفسه ملتصقاً على مقعد طويل لمدة
تجاوزت في زمنها الساعة. بعد ذلك نُودي على
الماوردي كي يدخل الغرفة لاستجوابه بواسطة
المترجم. آنذاك، قال الماوردي قصة الرحلة من الباب
وحتى المحراب، ودون أن ينكر ذكر توصية الرجل
المتعفن الذي قبض منه ألوف الدولارات ليرسله على
متن تلك الخطوط البولونية التي امتص القائمون
عليها دم ودمع وروح وأموال الكثير من البشر، ممن
يحاولون الطيران فوق أحزانهم. وكان المحقق يستمع
بشيء من الذهول إلى مثل النيران التي تخرج من فم
الماوردي. فلم يعتد من الآخرين سماع الأشياء
بمسمياتها، كما أراد مدير الشركة من الماوردي، أن
يفعل ذلك بكل صفاقة وغباء داعر، ربما لم يعهده أحدٌ
من قبل.
كانت
السماء تبعث إلى الأرض مطراً في مثل هذا اليوم
الرابع عشر من تموز عام 1989.. في الوقت الذي تنهب فيه
السيارة الطريق. إلى أين؟ لا يعرف ذلك الماوردي. إلا
أن الصباح سرعان ما استيقظ ليكشف له أنه في معسكر
كبير البنايات وتحيط به أسوار: "الساندهوم".
المعسكر المكان لتجميع اللاجئين القادمين إلى دولة
جلالة الملكة مارغريتا ملكة الدانمارك.
"وماذا
في ذلك أيها الماوردي القادم من الشرق إلى هذا
القطب؟ تناول فطورك، ودع الشرطة وموظفي الصليب
الأحمر تعمل ما تراه لك مناسباً. فأنتَ اللاجىء،
وليسوا هم. لا تمتنع أو تبدي اعتراضاً على شيء. لا
على الأسئلة ولا على التحقيقات. ولا على طريقة
إغراق أصابعك ووجهك وقدميك بالحبر لتصوير
البصمات!!
لا
تمانع. ففي وطنك يتم تشريح جثتك وأنت حي، ولا يعترض
أحد على ذلك! وحينما كنت تريد الحصول على هوية شخصية
أو جواز للسفر، كانت حكومتك تقوم بتصويرك بالوجه
والمقلوب عشرين مرة، وأنت كالدابة، لا ترفع عقيرتك
بالاحتجاج أو الامتعاض أو الغضب. إذن.. اسكت يا
ماوردي هنا، حتى وإن رغبوا بصناعة فيلم منك الآن..
ما الضرر من ذلك يا ماوردي إذا كنت عاقلاً ومن غير
فئة الذين يتسترون على بصمات أصابعهم خشية وقوعهم
في المطبات."
بعد
التصوير وأخذ البصمات للأصابع و التحقيقات، زُود
الماوردي بهوية الصليب الأحمر.. وهذا يعني علامة
طيبة ونجاح هائل. أي أن من يحصل عليها، كأنه نال
شهادة الاستقلال من حكومة بلاده القديمة!
وبعد
ذلك جاء اثنان من الصليب الأحمر ليخرج وإياهم إلى
غرفة السكن في الطابق العلوي من المبنى المعسكر.
"نم
الآن إلى ما لا نهاية!"
قالها
الماوردي وهو يلقي بجثته تحت الأغطية. ويضيع داخل
النوم.
"كم
من القرون وأنت تملك هذا الصندوق الخرافي للنوم يا
ماوردي؟ كل من يأتي الآن، ويسأل عنك، أو يطرق
الباب، فبإمكانك ألا ترد عليه بكلمة واحدة. فأنت في
خزينة من حديد. والمفتاح تحت وسادتك يا ماوردي. ثم
أنت لست هنا. ولست هنا حقاً. ماذا كنت تريد من هذا
العالم غير الوسادة. وها هو رأسك يرفرف عليها وكأنه
علم لجمهورية نالت استقلالها تواً. ينام ويحلم
ويفكر و يقول. كل نصوص الفلسفة والفكر والأدب تبنى
على تلك الوسادة، وفي الليل بالضبط. فالبشري، هو من
ينحاز لليل أولاً. إنها متعة، أن تكون وحيداً لتعمل
وسط العزلة التي لا يشاركك فيها أحد من الدخلاء. بعد
ذلك لتختلط الأشياء تباعاً، ولا فرق لذلك يا
ماوردي.. الوسادة هي الوجه الآخر للرأس. بل هي الأرض
التي تضيء الأفكار والأحلام والذكريات."