الـتأليف بين طـبقات اللــيل - أسعد الجبوري

روايـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

أحياناً تأخذني الصفنة طويلاً وأنا أتطلع في وجه البطل الفار من النص. وكأنه حقل من حشيش الكيف. فتصاب أجهزتي الدقيقة بالبلادة. وأحياناً اسقط بين الجمل الطويلة كالجنازة، تفضحني أميتي في النحو والصرف، فأرفع وأنصب وأجر وفقاً لحركات المزاج، غير مُفرّق بين الظاد الحكومية و الضاد الشعبية. كما ينطبق الوضع ذاته على همزة إ أو أن، وكذلك على الألف الفستان والألف التنورة. وهذه الخربطة كما قيل لي، لا تتعلق بفيروس دبّ في الشرائح الإلكترونية للعقل، بقدر ما هي مراحل لخريف نفسي، يمرّ بالكلمات، فتعاني منه اللغة ذاتها. لكنني لم أخذ هذا التفسير على محمل الجد، لأن موقف الصفنة في الكثير من الأحايين، لا يأتي بالشرف الرفيع للذهن، إلا قبل ساعات من وقوع الزلزال.‏

تطلّع الماوردي إلى الغروب، وأخذ معه لغته وهبط إلى المدينة.‏

"الكلمات ساحل صخري طويل... تهبط عليه رؤوسنا بارتطام. والروح خيط ينقطع، عندما يصبح الوطن مشرّداً فوق أرضه"‏

‏ - ماذا أقول لك؟‏

- قل أغلق غرفة النسيان، وهات الكلام من رنينه.‏

‏ كلا. ثمة من يعجن الرمل بالدم في الداخل يا ماوردي.‏

(4)‏

نهض الماوردي.. وما زال وجهه يحمل بعض ما تبقى من طبقات النوم التي لم تفارقه بعد. وكأنها الكلس الرطب. تطلع عبر النافذة فرأى مزيجاً بشرياً متنوعاً باختلافاته. هنود وعرب وأفارقة وصينيون وفيتناميون وأوروبيون وأمريكيون لاتينيون و باكستانيون وإيرانيون وأتراك. كأنه يعرف ذلك من خلال قراءة الوجوه بالفراسة. كل وجه يحمل جغرافية البلد الذي ينتمي إليه.‏

ها أنتَ يا ماوردي بين بشر من كل القارات. قالها وهو يتأمل المباني المنتشرة في هذا المكان القديم الذي كانت تبنى فيه السفن. والكبير في مساحته التي تضم بشر المنافي هؤلاء. كانت الساعة تقارب التاسعة مساءً.. لكن الشمس لم تزل ترمي بخيوطها على شرشف الأفق، وكأنها لا تريد مغادرة هذا المكان، كي لا يشعر الغرباء بالوحشة والنفي والعزلة عن تلك الأوطان التي قذفت بهم إلى المجهول.‏

"قد تكون ساعتي هي التي أخطأت التوقيت!"‏

قالها الماوردي وهو في الطريق إلى غرفة المرشد المسؤول عن المعسكر، والذي بدأ يرافقه بهدف التعرف على المطعم وغرفة الطبابة والملاعب وقاعة الاجتماعات والمرافق الخاصة بغسيل الثياب والدراسة والرياضة. إلا أن مسؤول الصليب الأحمر، طمأنه على صحة توقيت ساعته تماماً. فالشمس لا تغرب أيام الصيف في بلاد الاسكندناف، إلا في ساعات متأخرة جداً، قد تبلغ منتصف الليل. وهذا ما راح يصدقه الماوردي بالتدريج، على الرغم من أنه كان يقوم بتكذيبه داخل نفسه أثناء مطالعاته للكتب المدرسية في الماضي.‏

- ماذا بعد.. وبلاد جلالة الملكة هنا، تمنحنا وقتاً إضافياً من الشمس التي فقدناها هناك؟‏

- ولكن حرارة الشمس التي كانت لدينا هناك، أقوى من هذه الهاهنا.‏

- ها أنت تبدو متحزباً وعنصرياً لشمس الشرق يا ماوردي؟‏

- كلا. ولكن النظام الكوني هو من يقرر ذلك. فنحن في بلداننا ضحية مزدوجة للمناخ والسلطات التي تكاد تجفف الدم في الأوردة والشرايين. بعد أن فقدت أحلامنا كل إيقاع.‏

- لكنك الآن مع أحلامك يا ماوردي. وكل هؤلاء الذين أمامك ومن حولك هم من ضحايا القمع والإرهاب والدكتاتوريات والحروب القذرة. الجميع هارب من الجحيم. السياسيون الذين تطاردهم حكوماتهم. الكتاب والمثقفون الذين لم يستنشقوا هواء الحرية. المعارضون للحروب والدماء والعنف. الفقراء الذين جعلت الأنظمة من جلودهم الأحذية والسياط. كل هؤلاء معك يا ماوردي. قضيتك وقضيتهم واحدة. ونضالك ونضالهم مشترك. هؤلاء سيصنعون التاريخ الديمقراطي الجديد في بلدانهم مستقبلاً.‏

لم تكن ليالي الصيف في الساندهولم مملة. فالعتمة شفافة إلى حد عدم الشعور بغياب النهار. والبشر في مثل هذا الصيف التموزي، يفترشون عشب الحدائق ومقاعدها، أو يمارسون ركوب الدراجات واللعب بالورق والشطرنج وطاولة النرد ومختلف الألعاب الرياضية. هذا إلى جانب الصالة التي توفر للمشاهدين متعة رؤية ما يبثه التلفزيون من برامج ومسلسلات وأفلام. أما بعد تناول وجبة الغداء، فترى الأغلبية من سكان المعسكر وهم ينزحون إلى مدينة مجاورة للتبضع أو النزهة وقضاء بعض الوقت في الأسواق و التمتع برؤية النساء الشقراوات. إنها العادة اليومية التي يمارسها الجميع بلا استثناء. فالمواطن الأجنبي هنا، يتمتع بكل وقته. داخل وخارج المعسكر. وقبل حصوله على إذن الإقامة المؤقتة حتى.لم تمض عشرة أيام على وجود الماوردي في المعسكر، حتى بدأت عيناه تلتقط الصور المصغرة، لتقوم بتخزينها في الذاكرة. ربما للذكرى على سبيل المثال.. وبدأ العالم الجديد بالتفتح في الرأس شيئاً فشيئاً.‏

"لا يمكن أن تنمو خارج هذا الأصيص المزدحم بالأزهار السوداء والملونة يا ماوردي."‏

"بأية طريقة يمكن قياس انتماء المخلوقات البشرية إلى بعضها البعض؟"‏

كانت كاميرا العين تزداد نشاطاً، وتفتحاً واقتحاماً للمشاهد في معسكر الساندهولم. كل شيء يكبر، وكأنه يملك قراراً بعدم الانكماش. أحزان الناس. تفاهات بعضهم. جنون آخرين. مخالفات زمر الوقاحة والاعتداء وتجاوز القوانين والتمرد عليها. أجل ففي كل يوم يزداد تراكم الصور في الذهن. أحداث متفرقة. معارك هامشية هنا وهناك. تحطيم الأثاث الموجود في القاعات والغرف. تهريب الأطعمة والمواد الغذائية إلى خارج الأسوار. المشاكسات مع موظفي وموظفات الصليب الأحمر ورجال البوليس. الضرب و الاعتداءات الشخصية.. وإلى ما هنالك من الصور المختلفة التي تحدث على مدار ساعات اليوم الواحد.‏

- ما علاقتك يا ماوردي بكل هذا الذي يغرز عينيك. أم أنك ضجرت من أحوال المعسكر بهذه السرعة؟‏

- عفواً. أتخاطبني؟‏

- إذا لم يكن لديك مانع من أن نكون صديقين هنا. أي في هذه الصحراء!؟‏

- كلا. ليس من مانع يحول دون ذلك. أنا الماوردي.‏

- وأنا فاتح الرملاوي؟‏

- أهلاً. فرصة طيبة.‏

- حصل لنا الشرف في هذه المعرفة.‏

- سمعتك تصف هذا المكان بالصحراء يا رملاوي. فماذا وراء ذلك؟‏

- وماذا في ذلك. فنحن ننتقل من صحراء إلى أخرى. وعالمنا ضيق كقوقعة الحلزون!‏

- ألست سعيداً هنا؟ على هذه الأرض الجديدة أقصد؟‏

- وهل يمكنك تقسيم السعادة يا ماوردي؟ فنحن كلما خرجنا من بئر، سرعان ما وقعنا في آخر. أي في الأعمق من الأول. حتى تكاد رئاتنا تتمزق من الاختناقات. انظر. ماذا ترى أمامك. حولك. في داخلك. فوقك. إنها الغيوم وليس غير. وغداً ستكتشف كل عفونة بنفسك.‏

- أعتقد إنها فرصة ذهبية لتقيؤ الطعام.‏

ألقى الماوردي بالملعقة في الصحن الذي أمامه،، وغادر مطعم المعسكر الذي كان يضج ويعج باللاجئين، وخرج من المكان وهو يثرثر في نفسه متسائلاً عن هذه اللعنة التي تعرف عليها قبل لحظات في المطعم.‏

"هل ستعود إلى نقطة الصفر من جديد يا ماوردي؟ أنتَ الذي هربت بجلدك من منغصات الحياة، لتضع نفسك وجهاً لوجه مع منغصات العالم الجديد. كلا. فالرملاوي يكذب أنه يحاول تشويه الصورة في حياتك مرة أخرى. ولكن حذار أن تستسلم لمثل هكذا قذارات‏

فيما كان الماوردي يفكر بالرجل وأفكاره التي تسببت بتسميم وجبة الطعام في داخله، وجد نفسه فجأة في المبنى المخصص لغسل الملابس. فرأى البعض يغسل الثياب والأغطية، فيما رأى البعض يضع أيضاً، الأحذية في الغسالات ويدير أقراص التشغيل. وفجأة... أفرغ ما كان في معدته من محتويات. بعدها توجه إلى الغرفة المخصصة له، ليقذف بجسده على السرير، كالدابة التي أجل ذبحها لليوم التالي.‏

"اللعنة عليك يا رملاوي. كيف تريد تشويه المناضلين؟"‏

قالها الماوردي.. وهو يحس بأن معدته قد بدأت بالاستقرار في مكانها الطبيعي. تناول قرصاً من العدة التي تقوم بتجهيز النوم له، و راح في الرحلة السباتية التي تعود عليها لقمع الدماغ في الساعات الصعبة.‏

كانت الساعة التاسعة مساءً.. البشر في الخارج يمارسون مهن الليل. شرب القهوة والشاي أو البيرة في الحدائق وعند منافذ القواطع. أو اللعب بالورق ومشاهدة التلفاز. في حين كان المراهقون يطاردون الفتيات على الدراجات من مكان إلى آخر، بهدف الحصول على تحية أو غمزة أو قبلة خاطفة لا تؤدي إلى معارك الشرف بين هذه العائلة أو تلك.‏

(5)‏

في صباح اليوم التالي.. انتبه الرملاوي إلى غياب صديقه الجديد. فهو لم يأت إلى المطعم. ولم ير له أثراً في الأمكنة الأخرى. لذلك قرر التوجه نحو غرفته، ليطرق بابها بأصابعه. لكن الماوردي لم يزل في سباته. وعندما اشتد الطرق على الباب، نهض الماوردي ليفتح، فإذا به وجهاً لوجه مع الرملاوي.‏

- أهذا أنتَ من جديد؟ قال الماوردي متذمراً بعض الشيء.‏

- نعم. خفت أن تموت جوعاً وأنتَ في هذا القفص، فلا يحس بوجودك أحد. لذلك جئتك ببعض الطعام الخفيف.‏

- تفضل. هل تشرب الشاي أم القهوة؟‏

- أفضل أن تتناول طعامك ونخرج إلى الحديقة. هناك نجلس.‏

أخذ الماوردي دوشاً سريعاً. بعدها تناول شيئاً من الطعام. وغادر والرملاوي الغرفة قاطعين الممر الداخلي الطويل الذي يفضي إلى الفناء العام للمعسكر. لم يجلسا كما كانا قد قررا. فالمصطبة القريبة من الممر الأول كانت مشغولة. فقررا السير مشواراً إلى ملعب كرة القدم. وهناك تعرف الماوردي على الدكتور الوراق، وهو أستاذ في القانون الدولي، كان قد تخرج من دولة أوروبية شرقية. وبعد دقائق معدودة.. ينتقل الماوردي مع الصديقين الجديدين إلى مصطبة قريبة من ملاعب الأطفال.‏

- كنت سمعت أنكَ أصبحت هنا منذ يومين؟ قال الوراق موجهاً كلامه للماوردي.‏

- وأرجو أن لا يطول بنا المقام هنا. أجاب الماوردي.‏

-كل ذلك يتوقف ما قلته في التحقيق الأول الذي تم تسجيله في المطار يا ماوردي. رد الرملاوي‏

-قلت الحقائق البسيطة. أجاب الماوردي مبتسماً‏

- ولكن الحقائق لا تكفي. لا بد من الكذب والافتراء والتضخيم، كي ينجو المرء بنفسه من مطبات رفض اللجوء. عقّب الرملاوي على ذلك.‏

- لم أكن مضطراً لذلك. فقد قلت ما حصل لي فعلاً، وفقط. وقدمت لهم بعض الوثائق بخصوص ذلك. ألا يكفي الأمر كما تعتقد؟ سأل الماوردي موجهاً كلامه للدكتور الوراق.‏

- الأوراق مخلوطة هنا يا سيد ماوردي. ومن الصعوبة بمكان تصديق ما يحدث. يأتي شخص مثلاً، ويعترف للبوليس ورجال الصليب الأحمر بأنه شخصية سياسية ملاحقة ومضطهدة من قبل النظام الذي يحكم بلاده. في حين يكون الشخص نفسه هارباً من الخدمة العسكرية، وليس غير! أو أن شخصاً آخر يدّعي بأن حكومة بلده تريد تنفيذ حكم الإعدام بحقه، وهو مجرم في قضية جنائية لا علاقة لها بالسياسة لا من قريب أو بعيد!! وعندما يأتي شخص سياسي حقيقي. أو كاتب معروف ويدّعي بأنه تعرض لاضطهاد وملاحقة وسجن.. لا يلقى الاهتمام المطلوب. فتصبح قضيته واحدة مع قضية ذاك المجرم أو ذاك الهارب من الخدمة العسكرية!! إنها الحثالة التي باتت تفسد كل شيء. قالها الوراق وهو يطلق من صدره تنهيدة ثقيلة.‏

- قد يكون هناك بعض التحامل على هؤلاء. أي ثمة من يحاول التشويه ولصق الاتهامات بالغرباء والأجانب. ربما هي حملة افتراءات فقط. رد الماوردي مستغرباً وهو يمط شفتيه.‏

- انظر إلى ذاك الشخص.. الوراق مكلماً الماوردي وهو يشير إلى شخص كان يقطع الحديقة المقابلة. إنه يدّعي بالانتماء إلى أخطر تنظيم عسكري في الشرق الأوسط. لكنه فضل اللجوء إلى للدانمارك على البقاء هناك، وتنفيذ المهمات الإرهابية كما يسميها هو الآن. لكن البعض هنا، يعرف تاريخ هذا الشخص ومهنته الحقيقية ومن أين. فقد كان عاملاً في كراج لتفكيك السيارات وبيع قطع الغيار.‏

- ولكن لماذا يمارس المرء الافتراءات. هل عندما يكون ضعيفاً. أم هو المرض؟ سأل الماوردي.‏

- بل التعويض عن الهزائم والضعف. ربما هو الأقرب. أجاب الوراق.‏

- عندما يدخل امرؤ منا إلى هذا المكان عل قدمين اثنين، فإنه لا يرغب بالخروج منه إل وهو جثة أو ما يشابهها في أحسن الأحوال. فقد دفع واحدنا الكثير ليصل إلى هنا، ولذلك فمن الصعب تصديق مثل هذه المساواة في الحقوق، ما بين السياسي والمجرم والسافل والهارب والجائع والمثقف والأمي. لا كبير هنا، بل ولا أهمية لأن تكون صادقاً أو كذاباً أو بارعاً في الدجل. الجميع يبحث عن الإقامة. والإقامة وليس غير. أليس كذلك يا ماوردي؟؟ سأل الرملاوي.‏

-كلا. لا بدّ من التمييز. وإلا تقع الكارثة وتحل اللعنة. هذا ليس دعوة للتمييز العنصري، حتى الطبيعة لها قوانينها التي تميز ما بين الفصول الأربعة. رد الماوردي.‏

- لا مكان هنا للمبدعين. الناس تتحول شيئاً فشيئاً إلى أشبه بالدواب. يأكل وينام ولا يفكر بما عدا ذلك. المبدعون هم على الدوام في الجحيم. قال الوراق وهو يهز رأسه.‏

- حتى وإن أخذوا بالعامل التمييزي بين السياسي ونقيضه. بين الأديب والأمي.. سيكون أنتَ قد انتهيت في مثل هذا الطوفان العجائبي. المهم أن تباشر بالاستعداد لذلك منذ الآن يا ماوردي!‏

- ها أنتما تقفلان الآفاق في وجهي. بل وتردمان عيوني بالحجر ردماً. ضحك الماوردي وهو ينظر في وجهي الوراق و الرملاوي.‏

- أننهض.. لقد حان وقت الأحلام؟‏

نهض الماوردي والوراق والرملاوي باتجاه قاعات النوم، وهم يجرون أرجلهم، وكأنها مثقلة بالحديد. بعد ذلك بدقائق اختفى الثلاثة: كل في سريره.‏

(6)‏

في ملاجىء النوم.. يدخل الواحد منا في نفسه، لمواجهة الحقائق وجهاً لوجه. ولا يحتاج المرء للمناقشة والجدال. إن الغربة تجلو الشخص هنا، فإما أن يزداد تألقاً في وحدته، أو تصيبه حمى التوحش، فيعيش تحت ظلالها. والحياة المعاشة التي لدى الغرباء، ما تزال حتى الآن، أشبه بشجرة متخفية الثمار داخل كل جسد مظلم. البحث عنها صعب. والتقاط ثمارها يكاد يشكل معجزة.‏

لقد بلغت الحروب العسكرية والحروب المفتوحة ضد الديمقراطيات في العالم الثالث أوجها. فالدماء لم تجف على السواتر وفي الخنادق المنتشرة على طول الحدود والأجساد. ورائحة الجثث ما تزال تتطاير فوق الأنوف، على الرغم من اختفاء الدبابات والسكون الذي يغلف الآفاق. لأن الأنظمة تفبرك الحروب على جبهاتها الداخلية الآن. حيث لابد من تطهير الأجساد البشرية من الأرواح الشريرة: الحريات الديمقراطية. فالإنسان المطلوب إنتاجه، قطعة معدن في شعب من الروبوتات. لا إحساس له بالأوبئة التي تخلفها الآلة الحربية. ولا مشاعر تربطه بمن يحيط به إلا مشاعر الكراهية والاحتقار. إن هذا الإنتاج المغذى بالدماء الزرقاء، لا يكرس إلا نزعة الانتحار بالهجرة نحو المجهول. كل سيساق إلى المسلخ دون خيار منه. كأن الهروب هو الملاذ الذي يليق بمخلوقات العالم الثالث. وليس غير!‏

أليست هي فلسفة الحكومات الخلاقة هناك؟‏

لم يستطع الماوردي الدخول في ممرات النوم، لا الضيقة منها ولا الواسعة. جلس أمام النافذة كشحاذ على عتبة الأفق.‏

« ماذا يمكنك فعله بعد الآن؟ ها أنتَ من جديد في عنق الزجاجة مع بشر من كل الجنسيات. تنتظر اليوم الذي يظهر فيه اسمك على لوحة الإعلانات، وهو يرفرف كالعلم الوطني: مبروك ياماوردي. فقد نلت الإقامة!!»‏

كلا... لا تأتي الأشياء بشكل مبكر، كما كان يعتقد الماوردي. فقد يأتي العكس، ويقذف بجثمانك إلى الخارج. فما سمعته اليوم يحير الدماغ. ربما هو افتراء. ولكن دعك من هذا وذاك، وتأمل في السماء التي فوق رأسك. كم من الكواكب والمجرات والنجوم والعوالم هناك؟ ربما يكون فيها بشر أو مخلوقات لهم نفس مشاكلك. لست وحيداً أنتَ كطالب للجوء في هذا الكون. من الممكن أن تقذف هواجسك وتخمد في التخت يا ماوردي.‏

وفيما النوم يتقدم نحو سريره كالنهر، يستيقظ فجأة على صوت مدو لتحطم البللور. يقف خلف النافذة لمتابعة الأصوات، فيرى شاباً يحمل جذع شجرة، ويقوم بتحطيم زجاج قاعات السكن، وهو هائج كالثور في الحلبة. كان الجميع يتطلع إلى ما كان يقوم به ذلك الشاب من النوافذ. ولم يأت أحد من الشرطة لمنع ما يحدث. فقد أنجز الشاب عمله وغادر المكان.‏

« غداً... ستتحطم عظامك يا هذا. سيلقون بجسدك في السجن حتى تتعفن أو تدفع ثمن ما حطمت... لابدّ من العقاب.»‏

قال الماوردي تلك الكلمات محدثاً نفسه.‏

أنها ليست المرة الأولى التي ينفذ فيها العطواني مثل هذا الواجب الخطر والشاق. فقد تعود القيام بذلك بين فترة وأخرى. وكل ذلك بهدف الضغط للحصول على الإقامة. فقد سبق وأن رفض طلب الشاب مرتين. فغادر الدنمارك ليقدم طلب اللجوء في السويد وألمانيا، وحصل على رفض مماثل! وها هو الآن هنا، ليقوم بالمحاولة الأخيرة.‏

هكذا عرف الماوردي هذه المعلومات عن هذه الشخصية في اليوم التالي لبطل معارك الزجاج الشهير في الساندهولم! وكالعادة، فلا يطاله عقاب من أحد.. لأن القانون يحول دون ذلك على كل من هو في مثل وضعه؟!‏

« هل كنت تفعل هذا في بلدك؟ لو كنت فعلت ذلك، لكانت عظامك الآن كالنشارة في أقذر المزابل وأنتنها. بل، تكفيك خيزرانة شرطي واحد للمرور أو النجدة أو الأمن، ليجعل من جلدك حذاء، تقرأ فيه كل القوانين المطبوعة وغير المطبوعة. بل يؤلفون لك القانون المناسب بلحظة خاطفة! ليت شجاعتك كانت هناك يا عطواني!!»‏

ردد الماوردي هذه الكلمات وهو يشعل غليونه ليخلف طبقة كثيفة من الدخان فوق رأسه، كأنها غيمة حملت ما في داخله من تقزز واحتقار.‏

كانت الليلة الماضية هي الكابوس الذي فجر المياه السوداء في أول طبقات الرأس. بعدها توالت الأحداث لتشكل خرائط جديدة لحياة البشر في المعسكر. وبدأ الذهن باستقبال الصور التي يخلفها نهار وليل اللاجئين على هذه البقعة من الأرض. وكان كل ذلك يبعث على زيادة حرارة الجسد. وعلى فتح ملف التشاؤم، ربما من باب الاحتياط. فالمرء، لابدّ أن يفعل ذلك في حساباته لمواجهة المستقبل على أقل اعتبار. وكثيراً ما يصبح اليأس عاملاً من العوامل التي تفرغ النفس من شحناتها العالية. أي من الفورات الكبرى التي تريد من عالم اليوم بحيرة كاملة الصفاء، وبعيدة عن العواصف وتسربات الأقنية الملوثة. حتى الدمع لم يعد كامل النقاء في يومنا الراهن، بعد أن أتلفته النيران الداخلية وجعلت من ينابيعه أبخرة ليس غير.‏

يتبـــــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244