مـزيــداً مـــن الحـــبّ - فادية غيبور

شـــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ماذا تبقى من دماك

حملَ الصباحُ رسالةً‏

لمتيّم أضناهُ وجدٌ واستفاقتْ‏

في رؤى عينيه أطيافُ الهوى‏

فهوى.. يحنُّ إلى مرابعِ حبّهِ‏

قربَ الضفافْ‏

ألفتْ خطاهُ -صغيرةً-‏

أن تستكينَ لموجةٍ تأتي وترحلُ‏

غير عابئة بهِ...‏

عبثاً تناديها النوارسُ للبقاءْ‏

فالمشتهى صعبٌ‏

وأصعبُ مايكونُ المشتهى‏

ورْدَ الدماءْ‏

هو غائبٌ.. ولهانُ‏

شدّتْه المنافي نحو تربتها‏

وتربتُهُ تشدُّ‏

اللهُ.. ماأشقى بلاداً‏

دونَها.. سفرٌ وحدُّ‏

لكنّهُ... سيعودُ أقسمَ‏

يومَ باعتْ أمّةُ أوقاتها للأمنياتِ‏

وماجنتْ إلا.. عذاباً يستبدُّ‏

نامتْ على صدرِ المساءِ‏

وبسمة الرّيحانِ قربَ سريرِها‏

ياأمُّ...‏

هلْ كانَ المدى بيني وبينك‏

غيرَ أيّامٍ... تمرّ‏

ولا تعدُّ ؟!‏

ومضيتَ تمضغُكَ الشوارعُ‏

والوجوهُ المتعبةْ‏

وتمزّقُ الآهاتُ ثوبَ حنينِكَ الفضفاضَ‏

إذ لم تأتِ في ذاكَ المساءْ‏

ولقد تجيءُ محمّلاً بالحزنِ من أرضِ المنافي‏

دمُكَ المهجّرُ قد يعودُ إلى الجسدْ‏

عيناك تتقدانِ قربَ المرجةِ الخضراءِ‏

في ولهِ المحبِّ‏

تفتشانِ عن ابتساماتِ الشّفاهِ‏

على تفاصيل الجماجمْ‏

وتعاودان بذارَها‏

وعداً ندياً‏

في بساتين العواصمْ‏

لازلتَ تشرقُ في عيونِ الأمهاتْ‏

كفّاكَ من عبقِ الرّصاصِ‏

ترفرفانِ‏

كنخلتينِ على الفراتْ‏

الوقتُ وقتُك.. فاقتربْ‏

والنارُ ملكك.. فالتهبْ‏

كتبوا على بابِ الصّباحِ وأسلموا‏

عريَ الصدورِ إلى الرّماحْ‏

فتكسّرت فوق الجراحِ... ولم تزل‏

تروي على هام الذرا نشوى‏

أساطيرَ الكفاحْ‏

هل كان للأشواقِ وجهٌ آخرُ؟‏

هل كانتِ الأوطانُ أطهرَ تربةً؟‏

هل كانتِ اللحظاتُ أكثرَ ألفةً؟‏

لا... فالبلادُ هي البلادْ‏

تمتدُّ من ظمأ الترابِ إلى‏

مواويل الحصادْ‏

والبحرُ لازالت تخاصرُه المدينةُ ثائراً‏

وتلمّ عن أثوابهِ لونَ الحدادْ‏

ومدارسُ الأطفالِ لازالت‏

تعلّمهم حكاياتِ البطولةْ‏

هم يحفظونَ مئاتِ أسماءِ الذين‏

تتوّجوا بالغارِ من سبأٍ.. إلى ماءِ المحيطِ‏

وأطلعوا شجراً عروبياً‏

تعلّقُهُ الحكايةُ فوق أحلامِ الصّغارِ القادمينَ‏

إلى البلادْ‏

قصصُ الفوارسِ تفتحُ الكلماتِ ينسربونَ‏

في آياتها...‏

ويسطّرونَ لمجدِ وجهِكَ سورةً‏

كي يقرؤوها‏

في احتفالاتِ الفصولْ‏

وتعودُ مقترباً من الصبحِ الحزينِ‏

يلفّكَ المطرُ الموشحُ بالغناءِ‏

على طقوسِ السنديانْ‏

هل نادمتكَ زنابقُ الغدارنِ؟‏

مَّدتْ نحوَ صدركَ عطرَها‏

هل جاءَ عشّاقُ القرنفلِ نحو فصلكَ؟‏

لاتجيبْ‏

وسدى أصوغُ من ازدهاءِ بيادري‏

ترنيمةً‏

فالجوعُ جاءَ بكلِّ أسرابِ العصافيرِ الأليفة‏

كي تريحَ على أريجِ سنابلي أصواتها‏

وتنامْ...‏

فجراً أرددُ بعضَ أورادي القديمة والجديدةْ‏

وأراكَ تزهرُ في دمي‏

بينَ المواجعِ والقصيدةْ‏

........‏

ماذا تبقّى من دماكَ وقد غدّتْ‏

مزقاً مبعثرةً على كلِّ البطاحْ؟!‏

وتحارُ بين دخولِكَ المنفى‏

وبينَ دخولكِ الوطنَ المباحْ‏

ماكلُّ من قرأ التفاصيلَ الجميلة قادرٌ‏

أن يستضيء بنارها‏

أو يحتوي صوتَ الجراحْ‏

بالأمسِ.. هزّتْك القبيلةُ مرتين‏

كانَ الغزاةُ على المشارفِ‏

يرسلون رياحهم‏

وغدوتَ بين القومِ (عنترةَ) الذي‏

جعلوه أليهةَ ووجهاً ضائعاً‏

بين الأب العبسيِّ والأعمامِ‏

والأمّ الغريبة‏

نادوا... تقدّمْ يابنَ شدادٍ‏

وماذكروا "زبيبة"‏

ونفرتَ مؤتزراً بحبّك غاضباً‏

هاأنتَ تركضُ نحو تاريخِ استلابِكَ‏

واقترابكَ من حدودِ الطعنةِ الأولى‏

وتسلمكَ العشيرةُ للوعودْ‏

ها أنتَ وحدكَ‏

والظعائنُ لم تزلْ تمتدُّ‏

بين السبيِ‏

والسبي الجديدْ‏

وتصيحُ عبلةُ‏

- "ويكَ عنترَ أقدمِ..."‏

نادَوا: حيا الله يابنَ شدادٍ‏

وردَّ الخيلَ نمنحْك الحبيبةَ والحياةْ‏

فجأتْك ومضةُ بارقٍ‏

وعلمتَ أنّكَ لن تكونَ سوى الضحيةْ‏

فإذا رديتَ تناوحوا‏

وتهامسوا...‏

وتسارعوا...‏

كي يحفروا قبراً يهيلوا الرملَ‏

تنتحبُ الرّمال‏

باعوك يومَ شريتَهم‏

جعلوا دماك مدادَ أمجادِ القبيلةِ‏

نخبَها يومَ أنكشافِ الغمَ‏

ماكانتْ دماءُ النازفين على امتدادِ الأرضِ‏

غيرَ دماك تبعثُ من جديدْ‏

هاأنتَ وحدَكَ‏

تبتدي حربَ التحررِ من سلالاتِ العبيدْ‏

وتجيءُ غزّةُ نحوَ صدرِكَ‏

تفتديكَ من النّزيف‏

يامنْ يلمُّ الحزنَ عن ثمر الحجارةِ‏

عن حكاياتِ الرغيفْ!...‏

........‏

من أينَ أبدأ رحلتي نحو احتضاركَ‏

يا... مفدّى‏

من صرخةٍ مسكونةٍ بالخوفِ‏

أمْ.. من رايةٍ شمختْ على نبضِ الوريْد؟‏

عد نحو جرحي...‏

إن جرحي يشتهي لهبَ اتقادِكَ‏

إن حضرْتَ وإنْ تغبْ‏

ولربّما أسرجتَ خيلَ دمي لمجدِكَ‏

إذ تؤوبُ محملاً بالمورقاتِ من القصائدِ‏

والأناشيدِ التي أطلقْتها‏

يومَ التقى الجمعانِ أو....‏

عبّأتها بالأرجوانْ‏

........‏

ضاقت مساحاتُ الكلامِ عن ابتكارِ خميلةٍ‏

يغفو بها الزيتونُ طفلاً متعباً...‏

سغباً يبسملُ خائفاً‏

والجلنارُ مسبّحاً بالحبِّ‏

يمرحُ... فوقَ أشلاءِ الحجارةْ‏

وغدا حضورُك وحدَهُ‏

أملَ الذين تناثروا‏

وجعاً يمزّقُ في فضاءِ الرّوحِ‏

أجنحةَ البشارة !‏

- أيار 1995‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244