ديوانُ الزُّخرفِ الصغيرُ وبآخره نصٌ للجنون - مُصطفى خضر

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قصيدةُ الزخرف(قصيدة في أربع حركات)1- مديح أول لأنثى الشرق

هذه سيدةٌ من حجرٍ، تخرجُ!‏

في طلعتها نحلٌ كثيرٌ يضطربْ‏

قلبها من حنطةٍ تنبضُ، تجنيها عصافيرُ اللعبْ‏

وإلى الثديينِ يأوي طفلها،‏

يغفو، ويصحو، ويثبْ...‏

هذه السيدة الخضراءُ، عذراءُ الجهاتْ‏

وعروسُ التربةِ الأولى، وأمُّ الجمهراتِ التائههْ‏

نهضتْ مثقلةَ الشعر ندى أو فاكههْ‏

والخطا تخضرّ بالماءِ، فيخضرٌّ طريقٌ ونباتْ‏

هذه وارثةٌ كبرى، ونارُ الشجرهْ!‏

حجرٌ أم خشبٌ؟ سنبلةٌ أم ثمرهْ؟‏

قبةٌ للنحلِ كانتْ، قبلةً منتظرهْ..‏

لمَ لا أولدُ، أحيا، وأحبّْ‏

وأنا من حجرٍ يدنو، وينأى بين عينيها،‏

يتيماً أتجلى، ووحيداً أحتجبْ‏

فأرى ما لا يرى في كلمهْ‏

وفضائي دونتهُ آلههْ‏

ورواهُ السحرةْ!‏

*‏

فلأحاول أيَّ معنى في الجسدْ‏

ولأحاولْ هذه الرؤيا التي لما تزلْ منقسمةْ!‏

ولأحاولْ جسداً يخرجُ من أعضائهِ،‏

تاريخهُ من تربةٍ تنمو، فينمو متَّحدْ‏

وهو يحيا، فيعاني... يتحولْ!‏

ولأحاولْ هذه الأرضَ التي كانتْ تعاني، وتضيقْ..‏

ما الذي تنجبهُ بعد رمادٍ ونثارٍ وحريقْ؟‏

كل شيءٍ يتناهى، يتبدلْ!‏

غسقٌ، قبرٌ جماعيٌ، عظامٌ، مستحاثاتٌ،‏

خلايا، سنبلاتٌ من دمِ، طينٌ عتيقْ..‏

كلُّ شيء ينحني فيها، ويذهلْ‏

بعد أهوالِ الحريقْ!‏

جبهةٌ للأبِ، ثديُ الأمِ، وجهُ الطفلِ،‏

ماءُ العينِ، أوراقُ الكتابهْ‏

فخذٌ من فضةٍ، عذرةُ قمحٍ، سرةُ الماءٍ، سريرٌ كوكبيْ‏

طائرٌ من حطبٍ، نطفةُ نارٍ، طرقٌ، رعدٌ وبرقٌ وبريقْ..‏

وأنا هشَّمني وقتي،‏

وضيّعتُ الأدلاءَ، فضيعتُ الطريقْ!‏

آهِ من وقتي، ومن زادِ الطريقْ!‏

شهوةُ الشعر انتهتْ بين جنونٍ وخطابهْ..‏

*‏

هو ذا الشرق الذي يجمع، منذوراً ومسحوراً، أثاثهْ‏

هو ذا الشرق، الذي ألغى تخومَهْ‏

لم يزلْ يدعو إناثهْ‏

لحضورٍ ذكريٍّ وغيابٍ أنثويْ‏

هو اذا الشرقُ الذي يطمسُ في السرّ أو الجهرِ تراثهْ‏

بعد أن يحتفلَ الجمعُ بماءٍ وفروجٍ وثديّْ!‏

ويلبي الروحَ: روحَ الشعبِ، روحَ النبعِ، نبعَ الروحِ،‏

روح السحرِ، سحرَ الروحِ، أو روح الأمومهْ!‏

فانتظر في بابلَ الأنثى التي أهّلتِ الفطرةَ والبذرةَ،‏

إذْ أهلتِ التربةَ والعصفور والينبوع والضفة والنهر..الخ‏

ثم كان الشعر مثل السحرِ والسحرُ كمثلِ الشعرِ..‏

كانت برهةٌ فيها تكاثرنا كمثل الملحِ..‏

إذ كرّمتِ الخلق بشرقٍ آدميٍّ وإلهٍ آدميّْ!‏

غيرَ أن الوقتَ ضدُّ الشعرِ:‏

الأنثى الإلههْ‏

وقوى الأرض التي شفتْ، وحلّتْ في متاههْ!‏

كلٌّ شيءٍ سلعٌ تطفو، ويطفو زبدٌ فوق الزبدْ!‏

ولأجربْ أن أرى طوفاننا الآخرَ..‏

هل يبقى أحدْ؟‏

*‏

امتدحْ خلقاً جديداً، وامتدحْ هذا الجسدْ!‏

جسدٌ يخرجُ من أعضائهٍ عريانَ إلا من دمٍ‏

تاريخهُ آلهةٌ من حجرٍ أو من خشبْ...‏

امتدحْ نسلَ دماغٍ معدنيّْ‏

ربما أعلنهُ فقهُ الحداثهْ‏

أمبراطور رمادٍ أو ذهبْ!‏

*‏

كلُّ شيءٍ هو ضدُّ الشعرِ:‏

تاريخُ القنانهْ‏

ونضوجُ الديكتاتورياتِ، تلقيحُ النفاياتِ، نظامُ الفضلاتْ‏

دولٌ تغلي بأرقامِ الولادات وأرقامِ الوفياتِ،‏

محطاتٌ، طقوسٌ ورموزٌ.. شبكاتْ!‏

رغبةُ التسعيرِ والتصديرِ، إفلاسُ التقانهْ!‏

مشيخاتٌ وإماراتٌ.. حروبٌ، فلسفاتٌ..‏

نظرياتٌ وشعرٌ.. قيمٌ في سلةٍ للمهملاتْ..‏

بورجوازيونَ للبيعِ وصرافونَ، تجارٌ، مغنّونَ،‏

وأعضاءٌ من المعدنِ، نفطٌ..‏

وقوى صاعدةٌ، هابطةٌ.. مصطلحاتٌ. هندساتْ..‏

دبلوماسيونَ من حبرٍ، عبيدٌ، نخبٌ، دولارُ نثرٍ،‏

سلطةٌ، آلهةٌ منفيةٌ، سوقٌ وثرواتٌ،‏

عباداتٌ وأنسابٌ، قصورٌ وبيوتْ..‏

ثورةٌ، مؤتمراتٌ، طبقاتْ..‏

كائنٌ يحيا وحيداً، كائنٌ حيٌّ يموتْ!‏

*‏

هذه السلطة للنثرِ إذاً، كانتْ تقامْ!‏

كلُّ شيءٍ هو ضدُّ الشعرِ:‏

تشكيلُ نظامٍ عالميٍ، ونظامْ‏

ملتقى الأمراضِ، تاريخٌ جماعيٌ قديمٌ وحديثْ‏

اقتصادْ وسياساتٌ.. مجاعاتٌ وإعلامٌ خبيثْ‏

فرضياتٌ وعريٌ وحلولٌ واختباراتٌ وجنسٌ...رأسمالٍ وطنيّْ‏

وعروضٌ وتفاعيلُ وديوانُ خطابٍ بربريّْ!‏

وأراني حالماً، مختلفاً بين مقامٍ ومقامْ‏

وأراني عالماً ينشر ضدّه‏

وأرى سيدةً من حجر بين إناثٍ من حجرْ‏

والفتى يرعى نقوشاً دونتها الشمسُ، أحياها المطرْ!‏

هذه السلطةُ للنثرِ إذاً، للنثرٍ وحدهْ!‏

*‏

هكذا أحيا لأدهشْ!‏

وأرى.. ماذا أرى؟‏

آهِ مما لا أرى!‏

كلُّ شيءٍ ينتهي من داخلٍ، يخلو، يشوشْ!‏

كلُّ شيءٍ ينتهي مثلَ غبارٍ أو نثارْ!‏

هذه سيدةٌ من حجرٍ أو من غضارْ‏

مهرةٌ طالعةٌ، نحلةُ بيتٍ، نخلةٌ عاليةٌ،‏

تخضرُّ، أخضرُّ، ويخضرُّ رواقٌ وجدارْ..‏

هي جمهوريتي الأولى، ومأوى لصغارٍ وكبارْ!‏

ربما يحتفلُ الشعر بعينيها، بثدييها، بزنديها،‏

بكفيها، بفخذيها... ويدعوهُ حضورٌ مبتكرْ!‏

ما الذي يفعلهُ الشعر لأرضٍ تحتضرْ؟‏

والفتى من حجرٍ، يخلو بأنثى من حجرْ!‏

*‏

آهِ، لو أني حجرْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244