ديوانُ الزُّخرفِ الصغيرُ وبآخره نصٌ للجنون - مُصطفى خضر

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2- مديح ثانٍ لأنثى الشرق

هذه سيدةٌ من حجرٍ، تخرجُ‏

في طلعتها نحلٌ كثيرٌ يضطربْ‏

وبها يفتتحُ الرؤيا حوارٌ ولعبْ!‏

***‏

عتباتٌ حملتني للجذورْ:‏

عروةٌ ممفيس للنيلِ، وعمريتُ بذورْ‏

ومن البحرِ جناحانِ لصيدا ولصورْ..‏

كلُّ تلكَ الأبجدياتِ تفورْ!‏

كرخامٍ قمريٍ بعلبكْ‏

نينوى قربانُ صلصالٍ، وفي تدمرَ أجزاءُ ضحايا ونذورْ‏

جذوةٌ بابلُ من طينٍ، وقرطاجةُ حقٌّ من بخورْ..‏

فانتظر في بابلَ الأنثى التي تسعى، وترعى كائناتْ!‏

هل هو الشرقُ الذي لا يمتلكْ؟‏

مدنٌ بحريةٌ، نهريةٌ، تجري، فيجري النيلُ‏

في الأردنِ، أو دجلةَ، يدعوه الفراتْ‏

وأنا تلبسني الأنثى التي ألبسها شهوةَ خلقٍ،‏

بين آجرٍ وفخار وأحجارٍ وطينْ!‏

لمَ لا أبعثُ ما بين قديمٍ وجديدْ‏

وبأرضٍ بُسطتْ كنتُ أسميّ، أستعينْ؟‏

أهو الشرقُ الذي يحجبه عصرُ جليدٍ وحديدْ!‏

كلُّ شيء هو للبيعِ: جماعاتٌ وأحجارٌ، فصولٌ وطلولْ‏

كائناتٌ من إناثٍ وذكورْ‏

وحضورٌ في غيابٍ، كغيابٍ في الحضورْ!‏

كلُّ شيء ينحني الأسلافُ والأحفادُ فيهِ،‏

يتجلى الشكُّ فيهِ باليقينْ!‏

كلُّ شيءٍ ينحني ميتاً، وهذا الشرقُ بيتْ‏

ينحني، تخرجُ من أعضائهِ آلهةٌ من حجرٍ أو من خشبْ!‏

بعد رؤيا من لهبْ!‏

آهِ من ميتٍ وميتٍ!‏

هل أسمي ميتةَ الكائنِ يقظة‏

وأسمي غيبةَ الكائنِ لحظهْ‏

وأراها فكرةً تحبسُ فكرهْ!‏

ما الذي يولدُ في هذا الحريقْ؟‏

بذرةٌ، ماءٌ، دمٌ، نارٌ وفطرهْ..‏

أيُّ صوتٍ؟ أيّ معنى؟ أيّ تيهْ‏

أيُّ وقتٍ لسياسيٍ عريقْ!‏

أيُّ وقتٍ لوليٍ وفقيهْ!‏

*‏

فلأحاول أن أرى المعنى الذي ينمو، يربيه جسدْ!‏

ولأحاول لغةً تنمو، فينمو متّحدْ!‏

يطلعُ التاريخُ من أعضائهِ، بعد لقاحٍ وولادهْ‏

ويؤاخي حجرٌ فيه البذورْ..‏

ولأجربْ أن أرى.. ماذا أرى؟‏

برهةٌ كانت لطفلٍ وضمادٍ وقماطْ‏

ثم كانتْ لحروبٍ وإبادهْ..‏

ثم كان الشعر، والشعر إلى الأرضِ يُخاطْ‏

ثم كانتْ كلماتٌ تتلوى، وتعاني، وتثور!‏

*‏

كل شيءٍ هو ضدُّ الشعرِ:‏

وجهٌُ وقناعٌ ونهوضٌ وانحطاطْ‏

كائناتٌ، نكراتٌ وشخوصْ‏

وعباراتُ حوارٍ وخطابٍ ونصوصْ..‏

كلُّ شيء هو ضدُّ الشعرِ:‏

فحلٌ، مستبدٌّ، وبغيٌّ، وخصيّْ..‏

ما الذي تفعلهُ بعض التفاعيل لشرقٍ عربيّْ؟‏

ما الذي تفعلهُ ضدَّ بغاةٍ ورعاةٍ وطغاةٍ ولصوصْ؟‏

تطعمُ الجائعَ من سنبلةٍ جفّتْ،‏

وتكسو عارياً من بردةٍ رثتْ،‏

وتسقي ظامئاً من دمعةٍ شحّتْ،‏

وتلك الجمهراتُ احتشدت جوعى وقتلى..‏

خلفّ أرضٍ من رمادٍ وسماءٍ من رمادْ!‏

كيف تهديها الصراطْ؟‏

*‏

.. ولأجربْ أن أرى الشرقَ الذي كنتُ وريثهْ!‏

تظلمُ الرؤيةُ فيهِ، يظلمُ اللحمُ، يبادْ‏

بين طينٍ عربيٍ وفضاءٍ معدنيّْ!‏

أيُّ معنى يرثُ اللحمُ المهشَّمْ‏

والسلالاتُ التي تحيا لتعدمْ‏

انتمتْ، ثم اهتدتْ، ثم انتهتْ، لم تتأخرْ‏

وحدها، لم تتقدمْ!‏

أيّ معنى يرثُ الكائنُ في رؤيا حديثهْ‏

ربما تغلقُ باباً لخلاصٍ دنيويّْ‏

وأنا لم أتغيرْ!‏

*‏

هكذا أحملُ قرباني، وأجثو لرمادٍ ملكيّْ‏

وألبي، وأصلي.. فلتحلَّ البركهْ‏

ولتعرسْ عتباتٌ آدميّهْ!‏

خمرةٌ، خبزٌ وملحٌ، نهرُ أطفالٍ وفتيانٍ..‏

وأسرابُ صبايا.. وحجيجٌ في المكانْ!‏

معبدٌ ينهضُ، آجرُّ دمٍ، عرسُ دمٍ،‏

شمسُ دمٍ تصحبٌ أنثى الحيوانْ..‏

يطلعُ التاريخُ من أعضائهِ الأولى الخفيهْ..‏

من قناةٍ طُمستْ، من فحمِ قدّاسٍ، ومن خاتمِ رملٍ...‏

من كسورِ وعقودٍ ملكيّهْ!‏

يطلعُ التاريخُ من قلبِ وريثٍ حجريّْ‏

من كوى قمحٍ، ومن أحشاءِ صلصالٍ، ومن جزءِ نواةٍ أو خليهْ..‏

يطلعُ التاريخُ من مقبرةٍ في مقبرهْ‏

ولتكنْ مقبرةً مشتركهْ‏

صعدتْ منها أثينا، ثم روما..‏

صعدَ الغربُ من الشرقِ!‏

فهل يبتدىءُ الشرقُ من الغربِ حوارهْ؟‏

يطلعُ التاريخُ من محرقةٍ أو محبرهْ‏

من دمٍ يجري، ومن ماءٍ العبارهْ!‏

*‏

كلّ تلكَ الأمكنهْ‏

قوةُ الأفكارٍ فيها..‏

كلُّ تلك الأزمنهْ‏

هجرةُ الأحياءٍ فيها..‏

رسلٌ، آلهةٌ، جلجلةُ، بيتٌ عتيقٌ، جامعٌ،‏

شعرٌ ونثرٌ ورسالاتٌ.. إله أحدُ‏

وترابٌ وهواءٌ.. فيزياءُ.. كيمياءُ.. وحضارهْ!‏

كلُّ تلكَ الأمكنهْ‏

لم تزلْ تشهدُ فيها الأزمنهْ!‏

كيف لا يُبعثُ فيها الجسدُ؟‏

يطلعُ التاريخ من بابلَ أوبكةَ، من طيبةَ أو صورَ،‏

ومن سورةِ بغدادَ، ومن سفرِ دمشقْ‏

يطلعُ التاريخُ من غربٍ وشرقْ!‏

***‏

هذه الشمسُ إذاً لما تغبْ‏

خلفَ رؤيا لم تزلْ مُنقسمهْ!‏

فانتظرْ في بابلَ الأنثى التي تنضجُ، تحلو، وتضيءْ‏

وانتظرْ في بابلَ الأنثى التي تأتي، ولا تأتي..‏

وفي وقتٍ حديثٍ وجريءٍ وبريء‏

برهةٌ كانتْ لخلقٍ ولعبْ!‏

ولتحاولْ أن ترى المعنى..‏

فماذا سترى؟‏

هل ترى الوقتَ البديلْ؟‏

أترى ما لا يُرى في كلمهْ؟‏

يطلعُ التاريخُ من جوف الثرى‏

فتلكنْ /أنتَ/ الدليلْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244