ديوانُ الزُّخرفِ الصغيرُ وبآخره نصٌ للجنون - مُصطفى خضر

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3- سيرة حجرٍ أول

حجرٌ أم كائنٌ ينمو، فتنمو كلماتْ‏

حجرٌ ينضجُ فيهِ كوكبٌ أخضرُ، يصحو،‏

إذ صحتْ ذاكرةٌ فيهِ، وكانتْ كائناتْ..‏

حجرٌ كالطفلِ يلعبْ‏

وكعذراءَ من الضوءٍ، كبركانٍ مذهَّبْ‏

شكلتْ أعراقهُ شمسٌ، وأحيتهُ سورْ‏

سورٌ تُقرأُ، تكتبْ‏

سورٌ ربّتْ قناديلَ من الفخارِ، جمعاً من دمٍ،‏

أوراقَ صلصالٍ، وجوهاً ونقوشاً، حجراتْ‏

حجراتٍ منذ آرامَ وآكادَ وآشورَ وفينيقَ وسومرْ‏

حجراتٌ لم يزلْ للنورِ فيها شرفةٌ أولى‏

وللشرقِ كوى أو عتباتْ..‏

لم تزلْ أنثاهُ تجلوها، تعدْ‏

لم يزلْ يوجزها ماءٌ، فتحلو، وتلدْ‏

ثم تجري مهرةً من ذهبٍ،‏

تدنو، فتنأى.. تُنتظرْ!‏

أهي أنثى من حجرْ‏

بذرةٌ أولى أفاقت أم خليهْ؟‏

نخلةٌ، زيتونةٌ، مشكاةُ بيتٍ، وقمرْ‏

قمرٌ كان فتى تنقرُ عينيه طيورُ الأبديهْ!‏

أهي أنثى نزفت، واعتدلتْ، ثم استجابت للنهرْ‏

نهرٌ من حجرٍ بين إناثٍ من حجرْ‏

وذكورٍ من حجرْ!‏

آهِ! هل يبقى من الشرقِ سوى هذا الحجرْ!‏

*‏

حجرٌ أم أبجديهْ‏

يهتدي صوتي إليهِ الانَ!‏

كمْ كانَ قوياً ذلك الصوتُ الإلهيُّ!‏

وكم كان بسيطاً، واضحاً، مشتركاً..‏

أكثرُ من زرعٍ ومن حرثٍ ومن ماءٍ نما فيهِ..‏

وكانتْ مدنٌ بحريةٌ، نهريةٌ،‏

تفرحُ بالأيدي التي تمتلكُ الكرمةَ والينبوعَ والقمحَ،‏

وكانتْ تربةٌ رقتْ، وشفّتْ عن إناث الحيوانْ!‏

وجرتْ أماتُها واضحةً، غامضةً، بين مكانٍ ومكانْ...‏

وجرى خيرٌ كثيرٌ لا نهائيٌّ‏

جرتْ روحُ نهارٍ لا نهائيّ مبينْ‏

وفضائي كلهُ من أرجوانْ!‏

وأراني بينَ جمع الحاضرينَ الغائبينَ الحالمينْ!‏

وعليَّ الآنَ أن أحيا، وإن متُّ،‏

وأن أبعثَ في البذرةِ، والماءُ دليلي الأزليّْ‏

وعليَّ الآن أن أصغيَ للصوتِ القويّْ‏

وأنا من مادةٍ أولى صليبٌ بابليٌّ، وهلالٌ بدويّْ!‏

*‏

آهِ! ماذا يفعلُ التاريخُ بالبيتِ الذي يعرفني منذ الصِّغَرْ؟‏

ما الذي تفعلهُ بالطفلِ أرضٌ من مطرْ؟‏

لمَ لا يكتملُ الجسمُ، وهذا الشرقُ يدعوهُ بنوهْ‏

لحوارٍ دنيويٍّ وسلامٍ دنيويّْ!‏

*‏

هذه أمكنةٌ لم تتغيرْ‏

منذ آرام وآشورَ وأكادَ وفينيقَ وعيلامَ وسومرْ‏

أنحني فيها على أجزاءِ وجهٍ ووجوهْ‏

أسندُ التاريخَ بالأنقاضِ في أرض الحجرْ!‏

وأنا الوجهُ الذي هُشِّمَ مثلهْ!‏

*‏

حجرٌ أمْ متَّحدْ‏

هل أسميهِ فضاءً‏

ويسميني الجسدْ!‏

جسدٌ قُرِّب له‏

برعمٌ أو سنبلهْ..‏

يولدُ الكائن فيهِ،‏

ثم يبني منزلهْ!‏

جسدٌ أم حجرٌ، أم آيةٌ مكتملهْ!‏

حجرٌ أم كائنٌ؟‏

نسلٌ، سلالاتٌ، مياهْ..‏

وأنا فيهِ أم الآخرُ؟‏

هل كنتُ وحيداً أم كثيراً؟‏

ومن الغائبُ فيهِ؟ ومن الحاضرُ؟‏

للماءٍ قوى أولى، وللحلمِ قواهْ..‏

وأراني، وأراهْ‏

عالماً تبعثهُ أنقاضهُ، يَغلبُ، يُغْلبْ...‏

*‏

هذه الأرضُ كمثلِ الكلمهْ‏

ينتهي فيها ترابٌ، برعمٌ، قمحٌ وكوكبْ‏

ينتهي ماءٌ، هواءٌ، وأشعهْ‏

هذه الأرضُ التي تأخذني آخذُها،‏

بين شهودٍ وشهادهْ‏

تنتهي مضطرمَةْ!‏

كلُّ شيءٍ لا نهائيٌّ، نهائيٌّ... حياةٌ وولادهْ!‏

*‏

حجرٌ أم كائنٌ أنمو معهْ‏

حجرٌ أم ذكرٌ.. أنثى وماءْ!‏

أيّها الشرقُ الذي أنمو بهِ، يا ابن الحجرْ!‏

كيف لا يكتملُ الجسمُ بأرضٍ وسماءْ!‏

*‏

آهِ، لو أني حجرْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244