ديوانُ الزُّخرفِ الصغيرُ وبآخره نصٌ للجنون - مُصطفى خضر

شـــــــعر - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997

Updated: Saturday, September 20, 2003 12:39 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رباعيات الزخرف

-1-‏

منذ آشورَ وأكادَ وفينيقَ وعيلامَ وسومرْ‏

كانتِ الأنثى..‏

وألقى بمنيٍّ ذكرٌ، والشرقُ أخضرَْ!‏

كان قداسٌ، وصار الجسمُ أكثرْ‏

لمَ لا يكثرُ فيهِ وارثوهُ، ثم يكبرْ!‏

-2-‏

كانتِ الشمسُ تربي كائناتِ من غضارْ‏

كان تاريخٌ من التربةِ يصحو بين أوراقِ غبارٍ وحجارْ!‏

عالمٌ تغرسُ فيه الروحُ خضراءَ، ويخضرُّ فضاءٌ بانتظارْ..‏

ما الذي ينتظرُ العالمُ؟‏

هل يسعى بأحفادٍ من الماءِ، يلبيهِ صغارٌ وكبارْ!‏

-3-‏

ربما يحتفلُ الشرقُ بأنثاهُ، وتخضرُّ طلولْ‏

هي مأوى لعرافاتٍ، ومثوى لكهاناتٍ، وهجراتٌ تطولْ‏

أرختها شرفاتٌ وينابيعُ، عظامٌ ونقوشٌ وأصولْ‏

كيف لا يحتفلُ الشرق بفرسانٍ،‏

ويزهو بدروعٍ وسيوفٍ ورماحٍ وخيولْ!‏

-4-‏

كانتِ الأرضُ التي تنجبني تغفو،‏

وتصحو بين عينيَّ، وتحلو في يديّْ‏

عرفتْ بعضَ جنوني، وأنا أحنو عليها، بينما تحنو عليّْ‏

وحضوري كانَ فيها كغيابي الآدميّْ‏

ربما ضاقتْ بإشراقي السماويِّ‏

وما ضاقتْ بموتي الدنيويّْ!‏

-5-‏

لم تكنْ عشتارُ ترعاني، ولم تحملْ بي العذراءُ،‏

لم تقبلْ بموتي فاطمهْ..‏

غير أني قسمتني فئةٌ باغيةٌ أو غاشمهْ‏

ثم كانتْ رؤيتي فاتحةً أو خاتمهْ!‏

ضاقَ بي جسمٌ، وكانتْ عترتي ظالمةً أو آثمهْ!‏

-6-‏

هل يشيعُ الصمتُ إذ ماتَ الكلامْ‏

ثم كانتْ سلطةٌ تكتشفُ اللذةَ في جمهرةٍ تصغي إليها،‏

وتنامْ!‏

سلطةٌ للبطلِ الأولِ في معركةِ أولى،‏

تلبيها تفاعيلُ احتفالاً بمقالٍ ومقامْ!‏

أهي حربٌ، وتخاضُ الآنَ من أجلِ السلامْ؟‏

-7-‏

هذه الحربُ انتهتْ من قبلُ، من بعدُ،‏

فهل أَقتِلُ،أُقتَلْ؟‏

ربّةُ الهيكلِ شاختْ، وهي في مزبلةٍ،‏

كانت لأرامَ فضاءً من دياناتٍ وورشاتٍ،‏

وشرقٌ آسيويٌّ كلهُ عرشٌ وهيكلْ!‏

مدنٌ، مرفأُ جنسٍ، طرقٌ للروحِ، ماءٌ ودمٌ،‏

آلهةٌ تلعبُ، تعملْ..‏

وأنا أدخلُ في تجربةٍ، تجذبني سوقٌ، وأرحلْ!‏

-8-‏

حجرٌ أم مُتحفُ‏

وحدهُ يُكتشفُ‏

ينتمي للأرضِ فيه سلفُ‏

أهو الياءُ، ونحنُ الألفُ!‏

-9-‏

احتفالٌ، مهرجانٌ، قبةٌ، مذبحةٌ أو مأتمُ‏

جمهراتٌ كلها تنهزمُ‏

إذ هوى، بين فضاءٍ ذكري وفضاءٍ أنثوي، طوطمُ‏

كيف لا تضطربُ الأفكارُ والأشياءُ في الروحِ،‏

وهذا عالمٌ يُختتمُ!‏

-10-‏

آهِ، كم ضاقَ الهواءْ!‏

أهو تموزُ الذي يطلعُ في كفيهِ قبرٌ،‏

وعلى جبهتهِ قمحٌ وماءْ!‏

أهو تموزُ الذي يرقى إلى جلجلةٍ خضراءَ‏

شخصاً من دماءْ!‏

أهوَ الطفلُ الجليليُّ الذي أبصرهُ،‏

أم شاهدي من كربلاءْ!‏

-11-‏

برهةٌ للسردِ؛ فيها ينتهي نصٌّ، فهل يبدأُ نصُّ؟‏

كلُّ شيءٍ هونصٌّ: اضطراب الكائنِ الأولِ،‏

عجزٌ بيولوجيٌ، جلوسُ اللامبالاةِ، فراغٌ في نظامٍ ما،‏

شخوصٌ واختزالٌ وحكاياتٌ وقصُّ..‏

برهةٌ للسردِ، والغائبُ شخصُ‏

فهلِ التاريخُ نَقصُ؟‏

-12-‏

لم أزلْ بين جنونينِ: خطابٍ وكتابْ‏

ولشرقِ الأرضِ برنامجهُ:‏

جندٌ وإعلامٌ، غلافٌ وطنيٌّ وشعارٌ وجوابْ..‏

لم أزلْ بين جنونينِ!‏

وللبذرةِ أن تحيا، وللفكرةِ وجهٌ وحجابْ!‏

فلمنْ أبحثُ عن أنشودةٍ بين الجنونينِ،‏

وما بينَ الجنونينِ ذهانٌ وعصابٌ واضطرابْ!‏

-13-‏

كان ماءٌ.. كانتِ الأرضُ.. وكانتْ نينوى، بابلُ، ممفيسُ..‏

وكانتْ برهةٌ مختلفهْ!‏

حمورابي في رقيمٍ، وابن رشدٍ تحت جذعِ الفلسفهْ‏

والغزالي وحدهُ يصحو على فقهٍ نمتهُ معرفهْ...‏

كانَ ما كانَ... وهذا قارىءٌ أولُ يتلو مصحفهْ!‏

-14-‏

حجرٌ، طينٌ، غضارٌ وزجاجٌ، شاطىءٌ، بحرٌ ومرفأْ‏

سفنٌ، ماءٌ، فجاجٌ ومحاريثُ وأقوامٌ، زراعاتٌ...‏

شعوبٌ، أمةٌ من تربةٍ خضراءَ تبدأْ‏

كيف لا يلقحُها التاريخُ،‏

والتاريخُ من بذرتها ينمو، وينشأْ..‏

برهةٌ للعينِ، للروحِ... اقتربْ منها،‏

استعذْ باللهِ.. سمِ الآنَ.. واقرأْ!‏

-15-‏

هل جرى غيرُ دمي بين رقيمٍ ورقيمْ‏

كلُّ وقتٍ كنتُ فيهِ، منذُ أن كنتُ، أقيمْ‏

وأراني أتجلى في رضيعٍ وفطيمٍ وشهيدٍ ويتيمْ‏

غير أني لا أرى المعنى القديمْ!‏

-16-‏

هكذا أولد ما بين جنونينِ، وأحيا في جنونينِ إذاً‏

ومن الأرضِ قماطي،وهيَ الآنَ كفنْ‏

جُلبتْ روحيَ فيها؛ من ظهورٍ لظهورٍ تُفتتنْ‏

وهنا ينتجها سلمٌ كمثلِ الحربِ، تغشاها فتنْ!‏

-17-‏

بيننا ذاكرةٌ تحتشدُ الآنَ بأجناسٍ ونسلٍ وسلالاتٍ..‏

بصناع وفلاحينَ.. فيها تتآوى طبقاتٌ وفئاتْ‏

وملوكٌ ومماليكُ وتجارٌ ورباتٌ وأربابٌ..‏

دراويشُ، بهاليلُ، رعاةٌ وبداةٌ ومساكينُ وجوعى وطغاةْ!‏

هذه ذاكرةٌ ملءُ جهاتٍ وجهاتْ‏

أخذتْ بالسحرِ في أجزاءِ شعرٍ، واهتدت في كلماتْ!‏

-18-‏

في حضورِ الشمسِ والأرضِ، وفي برهةِ عصفٍ وخطرْ‏

في حضورٍ الشرقٍ والأنثى التي هيَّجها ماءُ الذكرْ‏

في حضورٍ الكائنِ الميتِ، وشبهِ الكائنِ الحيّ،‏

وشبهِ السحر والساحر، والقادةُ والجندُ حجرْ‏

ماالذي تفعلهُ أنشودةٌ كانتْ تغنيّ لقمرْ؟‏

-19-‏

ينبغي أن يُبلغَ الشعرُ إلى الجسمِ أو التربةِ والروحِ أو العينِ رسالهْ‏

ينبغي أن يطرحَ الشعرُ على العابدِ والعبدِ سؤالهْ‏

ينبغي للشِّعر أن يستكشفَ الأنثى التي تشبهُ أرضاً من جمانٍ،‏

إذْ دنتْ مثلَ شعاعٍ، ونأتْ مثلَ غزالهْ..‏

ينبغي للشِّعر أن يسحرَ شيئاً ما،‏

فهل يبيضُّ مثل النثرِ في ضجةِ إعلانٍ وإعلامِ مقالهْ؟‏

-20-‏

ينبغي أن يحملَ الشعرُ لجمعِ الآدميينَ عزاءً،‏

كسرةَ الخبزِ، نبيذاً، زهرةً مرتبكهْ...‏

ينبغي أن يوغلَ الشاعرُ في الحلمِ وحيداً وكثيراً،‏

فيرى في الأرضِ جمهوريةً مشتركهْ!‏

ما الذي يفعلهُ الشعر، وهذا جسدٌ مستهلكٌ كالروحِ،‏

روحٌ كلها مستهلكهْ!‏

-21-‏

برهةٌ للتسميهْ!‏

هل أسمي كلَّ تلك الأفضيهْ‏

عالماً للفعلِ أو للتعريهْ‏

وأكونُ الأضحيهْ!‏

-22-‏

ربما لم يبقَ للشرقِ سوى بعضِ هجاءٍ وجنونْ‏

فلمن تطلعُ رباتُ حكاياتٍ ورباتُ فصولٍ ومياهٍ وحقولٍ..‏

يتبرجنَ، ويطلبنَ فحولاً من رمادٍ،‏

ويصلينَ، ويفتحنَ الحصونْ!‏

هذه السوقُ يسودُ الآنَ فيها آخرونْ‏

ويموتُ الشرقُ فيها كي يكونْ!‏

-23-‏

برهةٌ كانتْ لماءٍ وبذورْ‏

برهةٌ كانتْ لخلقٍ وحضورْ‏

وأنا مثلُ هشيمٍ وكسورْ!‏

كيف لا تستيقظُ الأرضُ الجذورْ!‏

-24-‏

تنحني أرضٌ شهيدهْ!‏

تنحني أنثى وحيدهْ..‏

ينحني الكائنُ في رؤيا جديدهْ..‏

فلماذا تنحني هذي القصيدةْ!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244